المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف يساهم المعلم في حماية تلاميذه من الأفكار المنحرفة؟


ماجد محمد الخزيم
11-09-2014, 10:33 AM
كيف يساهم المعلم في حماية تلاميذه من الأفكار المنحرفة؟

(الحلقة الأولى)

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا علمنا أنَّ من فِتَن آخرِ الزمان: غلبةَ الجهلِ وكثافة الشبهات وضعف الفقه وقلة العلماء وتفرُّق المسلمين وعودة الإسلام غريبا كما بدأ، وأنَّ العجلة والطيش وغلبة العاطفة من صفات الشباب، وأنَّ وسائل الإعلام والتواصل قد تنوعت وانفتح عليها الناسُ انفتاحا كبيرا: أدركنا شدة حاجتنا إلى تحصين شبابنا بالعقيدة الراسخة والعلم النافع والبيئة الصالحة... ضد أفكار الغلو والجفاء، وأنَّ التهوين من خطر «الأفكار الوافدة» والتخذيل عن نصح أبنائنا والسعي في حمايتهم جهلٌ وخَوَر!.

فكيف نربي شبابنا على السنَّة ونردُّ عنهم صائلَ الشبهات؟

لا بدَّ أنْ ندرك حجم الخطرِ ومكامنه، ونعرف العلاج ووسائلَه. وهذه وقفاتٌ أرى أهميَّتها في هذا الباب:

1-نبَّه بعض العلماء على أنَّ «المقدّمات الفاسدة» هي أصل الضلال. لأنَّ المقدمات الفاسدة تولّد أفكارا فاسدة.
فإننا إن تركنا شبابنا يتلقفون الأفكار من كل جانب، دون أن يبنوا أنفَسهم بالعقيدة، وجدناهم ينطلقون إلى أهواء مختلفة يكونون بعدها شِيَعًا متفرّقين.

2- ومن أسباب نشوءِ تلك المقدمات الفكرية الفاسدة: إرخاء السمع للشبهات، قال تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 41] قال العلامة ابن القيِّم رحمه الله: «يدلُّ على أنَّ العبْدَ إذا اعتادَ سمَاعَ الباطل وقبولِه؛ أكسَبَه ذلك تحريفًا للحقِّ عن مواضعه، فإنَّه إذا قَبِلَ الباطل أحبَّه ورضيَه، فإذا جاء الحقٌّ بخلافه ردَّه وكذَّبَه إنْ قدر على ذلك؛ وإلا حرَّفَه».[إغاثة اللهفان: 1/ 118، ط: دار ابن الجوزي].

3- ومن آثارِ الاستماع للشبهات ومختلف الآراء المذمومة: «فتنة الرأي» التي فَشَت كثيرا بين طوائف من الشباب، وبها أعرضوا عن الحقائق وسخروا بأهل العلم، ووقعوا بسببها في «بطر الحق، وغمط الناس».

والرأي الباطل: جهلٌ. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله: «الرأي المخالف للسنة جهلٌ لا علم، فصاحبه ممن اتبع هواه بغير علم». [قاعدة في المحبَّة: 37، ط: عالم الكتب].

وإنَّ القلبَ إن عرِيَ عن العلم بالسنة، وانغمس في الشبهات أدركه العطب.

4-ومن مصادر تلك الشبهات: الكتب المشتملة على البدع، فإنَّ كثيرا من المدرسين يُغرون طلابهم بالقراءة دون التنبيه على خطورة الكتب البدعيَّة فإنّها تبني البدع وأصول الضلال في قلوبِ أبنائنا. قال ابن مفلح رحمه الله: «ويحرمُ النظرُ فيما يُخشى منه الضلالُ والوقوع في الشكّ والشبهة» [الآداب الشرعيّة: 1/ 219، ط: مؤسسة الرسالة].وقال أبو عثمان الصابوني رحمه الله: «ويرون (يعني أئمة السلف) صونَ آذانهم عن سماعِ أباطيلهم (يعني أهل الأهواء) التي إذا مرّتْ بالآذان، وقرَّتْ في القلوبِ ضرّتْ، وجرَّتْ إليها من الوساوس والخطراتِ ما جرَّتْ» [عقيدة السلف وأصحاب الحديث: 298 – 299، ط: دار العاصمة].






5-ومنها: الأئمة المُضلُّون الذين يغترُّ الناسُ ببعض علومهم، أو بزخرف قولهم، أو بعبادتهم، فيتابعونهم على ضلالاتهم. ويكثر في الناس تركُ الحق الظاهر والحجة الساطعة تعلّقا بمتبوعٍ خالف الدليل.

وفي جامع الترمذي (2229) عن ثوبان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: «إنَّما أخاف على أمتي أئمةً مضلين»، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

قال عمر رضي الله عنه: «ثلاثٌ يهدمن الدين: زلّة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون» [انظر: تحريم النظر في كتب أهل الكلام، لابن قدامة: 69، ط: عالم الكتب].

وقال ابن القيم رحمه الله: «وأمَّا العابد الجاهل فآفته من إعراضه عن العلم وأحكامه وغلبة خياله ووجده وما تهواه نفسُه» [الفوائد: 149، ط: المجمع]

ولقد كثر في هذا العصر: اتباع الرؤوس الجهّال الذين يزخرفون القول ويخالفون صريح السنة وفهمَ الراسخين في العلم. وبكثرتهم كثرت الفتن، واشتد التفرق. فتجد كثيرا من الناس إذا نزلت بالمسلمين نازلة ذهب ينشر رأي الكاتب الفلاني والواعظ العلاني وينصرفون عن توجيهات العلماء الراسخين!

وقد ساعد على ذلك أمور عديدة منها: الورع البارد عن التحذير من الدخلاء المتعالمين والمدسوسين الماكرين، فتلاعب أهل الجهل والأهواء بعقول الكثير من الناس وقلبوا أفهامهم، والله المستعان!

فعرِّفْ تلاميذَكَ -أيها المربي- بأهل العلم المعتبرين فعلا، واذكر لهم سماتهم، وعلّمهم الموقف الصحيح من زلَّة العالم، وأنَّ العبرة بما وافق الدليل، وصِفْ لهم صفاتِ أهل التعالم ونبئهم بأن ليس كل من تصدّر لوعظ الناس وتوجيههم صار أهلا للفتيا والفصل في قضايا الأمة، وأنَّ من أعلن الخطأ أعلن العالمون عليه النكير. قال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله: «جاء الأمر بإعلان الإنكار على المجاهرين من الفسّاق، ولو كان مسلما» [عيون الرسائل: 2/ 934، ط: مكتبة الرشد]. قال ابن مفلح رحمه الله: «احتجَّ البخاري على غيبة أهلِ الفساد وأهل الريب بقوله عليه الصلاة والسلام في عيينة بن حصن لمّا استأذن عليه: «بئسَ أخو العشيرة»...[الآداب الشرعيَّة: 1/ 261، ط: مؤسسة الرسالة]. وقال النووي رحمه الله في [رياض الصالحين: 403، 404، ط: دار السلام]: «باب ما يباح من الغيبة»، وذكر ستة أشياء منها: «أن يكون مجاهرًا بفسقه أو بدعتِه». وفي البابِ فوائد وتنبيهات نافعة، فراجعْها إن شئتَ.

6- أصحاب السوء، فما أسوأ أثرهم على من يُجالسهم! فإن كانوا عصاة أشركوا جليسهم في عصيانهم، وإن ابتدعوا في الدين زيَّنوا له بدعتهم، وإن استنكرتْ نفسُه شيئا مما يقترفون اعتادتْ عليه ولانَتْ!

أخرج الترميذي في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرَّجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (2378) قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ غريب.

ومن يتصفَّح كتب الآثار وشرح اعتقاد السلف يجد شدَّةَ تحذير السلف الصالح من مؤاخاة أهل البدع ومجالسة الموبوئين.


(وللحديث صلة بإذن الله...)

كتبه: ناصر بن عبد الله بن ناصر الخزيم
11 / 11 / 1435هـ

ماجد محمد الخزيم
11-09-2014, 10:34 AM
كيف يساهم المعلّمُ في حماية تلاميذه من الأفكار المنحرفة؟ (الحلقة الثانية) :

7- وسبيل النجاة من سُبُلِ الضلالة: تربيَّة النشء على تعظيم السنَّة، والإقبال على كتاب الله تعالى وتدبره، وأحاديث النبي صلى الله وعليه وسلَّم والاقتداء بهديه. قال تعالى: ﴿إنَّ هٰذا القرءانَ يهدي للتي هي أقومُ﴾ [الإسراء: 9] وقال تعالى: ﴿ما فرّطنا في الكتٰبِ من شيء﴾ [الأنعام: 38] وقال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم اللهُ ويغفرْ لكم ذنوبَكم﴾ [آل عمران: 31] وقال رسول صلى الله عليه وسلَّم: «...وأنا تاركٌ فيكم ثقلين: أولهما: كتابُ اللهِ فيه الهُدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به» الحديث...[صحيح مسلم: (2408)]. فإَّن الشابَّ إذا عظمت السنة في صدره، وأقبل على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلّم أكسبه ذلك تمييزا بين الحق والباطل، واستقامة على أمر الله تعالى.

8- وإنَّ من خير ما يعين على فهم الوحيين فهما صحيحا: الإقبال على آثار السلف، وتدارسها، لأنَّ من استقل بفهم القرآن الكريم عن العلماء أضاع الجادة، والسلف الصالح هم أعمق فهما وأزكى طريقة.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله: «من اتبع السابقين الأولين كان منهم، وهم خيرُ الناس بعد الأنبياء» [الفرقان بين الحق والبطلان: 228، ط: مركز ابن تيمية] وقال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرَّسولَ من بعد ما تبيَّن له الهُدى ويتَّبع غير سبيلِ المؤمنين نولِّه ما تولَّى ونُصلِه جهنَّمَ وساءتْ مصيرًا﴾ [النساء: 9].
ومن الكتب التي تعين على فهم سبيل المؤمنين: «تفسير ابن كثير» و«تفسير البغوي» وكتب الآثار السلفيَّة مثل: «الشريعة» للآجري و«شرح اعتقاد أئمة السلف» للالكائي و«الإبانة» لابن بطَّة و«السنة» لابن أبي عاصم وكتب شيخ الإسلام ابن تيميَّة وتلميذه ابن القيم والدرر السنيَّة لأئمة الدعوة في نجد، وغيرها.
ومن الرسائل الميسَّرة الصغيرة النافعة جدا لفهم منهج السلف: «أصول السنَّة» للإمام أحمد بن حنبل «الواسطيَّة» لشيخ الإسلام ابن تيميَّة و«القصيدة النونية» للعلامة بن القيم «الأصول الثلاثة» و«أصول الإيمان» و«الأصول الستة» و«نواقض الإسلام» و«مسائل الجاهليَّة» للإمام محمد بن عبد الوهاب.
فمثل هذه الكتب تنوّر فهم من يقرأ فيها وتعينه على فهم نصوص الوحيين.
9- ومما يعين على فهم معالم الدين ومنهج السلف: الالتفاف حول علماء السنة الراسخين، والإقبال على نتاجهم العلمي، فهم أعرف أهل الزمان بالسنَّة ومنهج السلف، كابن باز وابن عثيمين وغيرهما رحمهم الله، ومن الأحياء: صالح الفوزان والمفتي عبد العزيز آل الشيخ غيرهما.... حفظهم الله. فمن يقلّب في نتاجهم العلمي يجد الشرح الوافي لمعالم الدين وسبيل المؤمنين والجواب الشافي لما اشتبه على أبناء هذا الزمان، وبُعْدَ نظر في الحكم، وثباتٍ على المبدأ فلا تجد عندهم تلوّن المتلونين وتناقض أهل الأهواء والمتعالمين.



10- التربية على الخوف من الله، وهيبة الكلام في دينه بلا علم، فإنَّ الكلام بلا علم بوابة الضلالات وأصل الفتن والشرور، والعجيب أنَّ كثيرا من الشباب يتورع عن الكلامِ في مسائل الطهارة ونحوها، ولا يتورع عن اختراعٍ "أصل" ينسبه للشريعة! والله تعالى يقول: ﴿ولا تَقْفُ ما ليسَ لك بهِ علم إنَّ السَّمْعَ والبصرَ والفؤادَ كلُّ أولئك كان عنه مسئولا﴾ [الإسراء: 36] قال قتادة: لا تقل: رأيتُ، ولم ترَ، وسمعتُ، ولم تسمعْ، وعلمتُ، ولم تعلمْ؛ فإنَّ اللهَ سائلُك عن ذلك. [تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: 5/ 75، ط: دار طيبة –الإصدار الثاني].
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «إيَّاكم والظنّ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث».
وروى الخطيب البغدادي بسنده ... قال مالك بن دينار لقتادة: «أتدري في أيّ علمٍ وقعتَ؟
قمتَ بينَ يدي الله وبين عباده، فقلتَ: هذا يصلحُ، وهذا لا يصلحُ» [كتاب الفقيه والمتفقّه: رقم: 1090، ص: 712، ط: دار ابن الجوزي].
فالأمرُ خطيرٌ عظيم. قال تعالى: ﴿ليحمِلوا أوزارَهم كاملةً يومَ القيٰمَةِ ومن أوزارِ الذين يُضلّونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون﴾ [النحل: 25].
11- تأصيل المسائل التي يكثر الشغب فيها، فإنَّ كثيرا من الشباب تورط في بعض الضلالات بسبب سكوت من يَظن أنَّهم أهل للاقتداء، ولمَّا حصلتْ بعض الفتن انكشف أثر جهل الجاهل وسكوت العارف! وقد ذكَر بعضُ طلاب العلم أنَّهم قابلوا شبابا سُجنوا بسبب تورطهم بأفكار الخوارج، لم يسمعوا بأحاديث السمع والطاعة إلا في السجن!! قال فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «في مسألة الإمام كنّا نقول: ليس لنا حاجة في أن نبحث في الإمامة، فنحن ولله الحمد إمامنا ابن سعود، ولكل بلد إمامه، والأمور مستقرة على ذلك، لكن –الآن- تبيَّن لنا أنه لا بد أن نعرف الحكم، فلا بدّ أن نعرف من هو الإمام، ولا بُدَّ أن نعرف ما حق الإمام على رعيَّته، وما حق الرعيَّة على الإمام. وذلك لأنَّه كثر القيل والقال، وخاض في ذلك من هم من الجاهلين، فصاروا يتخبطون خبط عشواء فيما يلزم الإمام وفيما يلزم الرعيَّة، وغالبهم والعياذ بالله يميل إلى تحميل الإمام ما لا يلزمه حمله، وتبرئة الشعب مما يلزمهم القيام به، هذا حال غالبهم، وذلك لأنَّ بعض1 الناس مشغوف، والعياذ بالله –بنشر المساوئ من ولاة الأمور...» [شرح العقيدة السفارينية: 663، ط: مدار الوطن، بإشراف مؤسسة الشيخ].
وكذا لما وقعت فتنة التفجيرات في بلاد الحرمين حصل عند البعض حيرة وتخبّط لا يدري من يُصدّق! وفي إزاء مسالك تجد ردود أفعال إما إلى ترك السنة ومنهج السلف أو نسبة الإرجاء إلى منهج السلف... والضلالات لا تنتهي عند حد.

وجماعُ هذه الأمور: التربية على تعظيم السنة والعمل بها والصبر عليها، ولزوم جادة أهل العلم بها العاملين بدلائلها، وصون الأسماع عن كلام أهل التحريف في دين الله، وإن أظهروا ما أظهروا من الغيرة والتعبّد. فالعبرة بما قال الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وسار عليه السلف الصالحُ.
وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ناصر بن عبد الله الخزيّم
15 / 11 / 1435