المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [مقال]: الغناء حرام بأدلة الوحيين وإجماع السلف


ماجد محمد الخزيم
13-05-2014, 06:27 AM
[مقال]: الغناء حرام بأدلة الوحيين وإجماع السلف

-1-
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد؛

فإنَّ المسلم مأمور باتباع الحق، والأخذ بالدليل، والبعد عن الخوض فيما لا يعلم حقَّه من باطله. ولقد كثرت في هذه الأيام الكتابات الخائضة في أمور الدين؛ بلا علمٍ يسند أصحابها، ولا بصيرة تدل كتابها على منهج الاستدلال والنقاش في المسائل الشرعيَّة. فترى الأديبَ يعالج أصولا شرعية كما يعالج قضية أدبية، وتجد الكاتب في الاجتماع والسياسة وغيرهما يطالب باستصدار فتوى كما يُطالَب مدير الدائرة بإقرار قرار!
هذا مما تطالعنا فيه الصحف ومنتديات الإنترنت كثيرا!.

والمفتي مطالبٌ بقول ما يعلم أنه الحق. لا بما يمليه الناس عليه، أو تقتضيه نتائج دراسةٍ اجتماعية أو تحليل سياسيّ.

ولقد كان لمنتدانا نصيب من النقاشات في مسائل الدين، فنجد من يتوخى الكلام فيما يعلم، ويتوقف عن ما لا يعلم موقعه من الشريعة. ومن يورد ما بلَغَه من العلم.
ونرى من يخوض بلا تثبت مما يدعي، ولا علم بما يتعرض له، ولا منهج سليم في الاستدلال. ولكلٍّ وجهة هو موليها، ولا تخفى على الله خافية.

وقد كان مما دار: النقاش في أمر الغناء، وكنتُ قد طالعتُ أشياء، وسمعتُ أشياء تدفعني إلى تبليغ فوائد علميَّة أخذتُها من كلامِ أهل العلم المدوَّنِ في كتبهم العامرة بالخير والبصائر.

وإنَّ مما رأيتُه في تلك النقاشات عبارة لبعضهم نقلا عن آخرين: «الهدي النجدي»! يريدون بها «أهل الفتوى» في هذه البلاد.. بلادِ التوحيد! وزعم بعضهم أن في فتاوى علمائنا «حدَّة»، وجعل ما زعمه علةً لذلك التعبير!

والقول بأن هذه الفتوى متشددة وهذه متساهلة: لا بد أن يوزن بميزان؛ فالحاكم في الأقوال وقائليها أهي من الشدة أو اللين هو الشرع المطهر، لا استحسان فلان أو تقبيح علان.

وأحب هنا أن أبلِّغ شيئا من العلم الذي حوته بعض كتب أهل العلم في مسألة «الغناء»؛ ليستبين الحق من الباطل –إن شاء الله-.

وسأتعرض لمسائل، ألخصها بما يلي:
- حديثُ الجاريتين حجَّةٌ على مبيحي الغناء.
- السلف مجمعون على تحريم الغناء وذمه، وليس خلاف من خالف معتبرا.

يتبع ...
-2-
1-غناء الجاريتين:
عن عائشة رضي الله عنها قالت «دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان [من جوار الأنصار]، (وفي راية: قينتان) [في أيام منى، تدففان وتضربان ]، تغنيان بغناء، (وفي رواية: بما تقاولت، وفي أخرى: تقاذفت) الأنصار يوم بُعَاث، [وليستا بمغنيتين]، فاضطجع على الفراش، وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر [والنبي صلى الله عليه وسلم متغَشٍّ بثوبه] فانتهرني، (وفي رواية: فانتهرهما) وقال: مزمارة (وفي رواية: مزمار) الشيطان عند (وفي رواية: أمزامير الشيطان في بيت) رسول الله صلى الله عليه وسلم [(مرتين ؟ !)] .
فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، (وفي رواية: فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه) فقال: دعهما [يا أبا بكر! [فـ] إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا]، فلما غفل غمزتُهُما فخرجتا».(1)

وقد استدل شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وابنُ القيم، وابن حجر العسقلاني، ومحمد المنبجي(2)، ومن المعاصرين: ابن باز، والألباني (وما هو من نجد، ولا هو حنبلي!)، وحمود التويجري، وإسماعيل الأنصاري (وهو ليس من نجد وأستبعد أن يكون حنبليا) وغيرُهم بهذا الحديث على أنَّ حرمةَ (الغناء) وأنه من مزامير الشيطان: متقررةٌ عند الصحابة. وعليه جرى إنكار أبي بكر –رضي الله عنه، ولم ينكر عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا الوصف؛ لكنه أمره بتركهما -أي الجاريتين- «معللا ذلك بأنَّه يوم عيد، والصغار يرخَّص لهم اللعب في الأعياد» (3).
ولذلك عدَّ العلماءُ هذا الحديث ردًّا على من أجاز الغناء بآلات العزف -مطلقا-.

وقد ردَّ العلماء على المستدلين بهذا الحديث على جواز الغناء مطلقا؛ من وجوه عديدة انظر: «تنبيه اللاهي على تحريم الملاهي» للعلامة إسماعيل الأنصاري رحمه الله: [22 – 27]، و«تحريم آلات الطرب» للعلامة الألباني رحمه الله: [106 – 116]. و«فصل الخطاب في الرد على أبي تراب» للعلامة حمود التويجري رحمه الله: [241 – 248].

2-الإجماع على تحريم المعازف:

تمهيد في حجيَّة الإجماع:

لقد استدل العلماء بقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [النساء: 115].
وحديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (4).
وغيره من الأدلة (5) على حجيَّة الإجماع.
قال الجويني في «الورقات»: «وإجماع هذه الأمَّة حجة دون غيرها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، والشرع ورد بعصمة هذه الأمَّة». اهـ.

وإذا انعقد الإجماع في عصر كان حجة على العصر الذي بعده. (6).

وقال الإمام الزركشي: «فهو -أي الإجماع- حُجَّةٌ شرعيَّة، ولم يُخالِف فيه غير النظَّاميَّة، والإماميَّة. قال إمام الحرمين: أول من باحَ بردِّه النظَّامُ، ثم تابعَه الروافض»اهـ. (7).

وقد عقد عبد الله بن موسى في كتابه «الرد على القرضاوي والجديع»، بابا مفيدا وحافلا في الرد على الطاعنين في حجيَّة الإجماع. انظره في [81 – 127].

إجماع العلماء على تحريم الغناء:
- قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «وقد حكى أبو عمرو ابن الصلاح الإجماعَ على تحريم السماع الذي جمع الدف والشبابة والغناء»اهـ (8).
- قال الحافظ ابن رجب –رحمه الله-: «لا يُعرفُ عن أحدٍ ممن سلفَ الرخصةُ فيه، وإنما يُعرَف ذلك عن بعض المتأخرين من الظاهريَّة والصوفيَّة ممن لا يعتد به»اهـ (9).

3- هل قال الإمام مالك بجواز «الغناء»؟

قال الحافظ ابن رجب –رحمه الله-: «ومن حكى شيئا من ذلك عن مالك فقد أبطل». (10).

سئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله عما يترخَّص فيه أهلُ المدينة من الغناء؟ فقال: «إنما يفعله عندنا الفساق». [صحح سندَه العلامة الألباني -رحمه الله-] (11).

وقد ردَّ العلامة الألباني رحمه الله تعالى ما نسبه العلامة الشوكاني إلى مالك وأهل المدينة، وكشفَ عن ما روي عنهم وتعرض لسندها ومتنها، وانتهى إلى أن العلماء والفقهاء -وفيهم الأئمة الأربعة- متفقون على تحريم آلات الطرب اتباعاً للأحاديث النبوية، والآثار السلفيَّة، وإن صحَّ عن بعضهم خلافه؛ فهو محجوج بما ذُكر (وقد ذكر رحمه الله الأدلة الواضحة والحجج الساطعة على تحريم المعازف)، والله عزَّ وجلَّ يقول: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء: 65]. اهـ (12) .

ناصر بن عبدالله الخزيِّم
ليلة الخميس 12/ 3 / 1429هـ.

الهوامش
الهوامش:
(1) هذا الحديث في الصحيحين، وقد ورد بروايات مختلفة، وأورده العلامة الألباني ضامًّا إليه الزيادات من كل رواية، وهذه الأقواس والمعكوفات في الحديث من صنع الألباني رحمه الله، انظر: «تحريم آلات الطرب» للشيخ الألباني –رحمه الله-: 106، 107،ط/ دار الصديق.
(2) في رسالته: «السماع والرقص»، وقد توفي في: 785
(3) من كلام ابن تيمية: انظر: «رسالة في السماع والرقص» جمع: محمد بن محمد المنبجي: 27، ط2/ دار ابن حزم.
(4) قال الزركشي: اعلم أنَّ طرقَ هذه الحديث كثيرة، ولا يخلو طريق منها من علة، ولكنها يقوي بعضها بعضا. (بواسطة حاشية «روضة الناظر»لابن قدامة: «نزهة الخاطر العاطر» لابن بدران، 1/ 414 ط/مكتبة العبيكان).
(5) قال د. سعد الشثري: «كتاب الله وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم دالان على حجيَّة الإجماع» (من تعليقه على «نزهة الخاطر العاطر»: 1/ 415).
(6) راجع الورقات للجويني.
(7) بواسطة «الرد على القرضاوي والجديع» لعبد الله بن موسى: 82، ط: دار المؤيد.
(8) بواسطة: فصل الخطاب في الرد على أبي تراب، للشيخ حمود التويجري –رحمه الله-: 159
(9) بواسطة «فصل الخطاب»: 158
(10) بواسطة «فصل الخطاب»: 158
(11) انظر: «تحريم آلات الطرب» للألباني: 99
(12) تحريم آلات الطرب: 105