المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحاديثَ مرور السحاب


ساند
18-09-2013, 03:33 PM
مساؤكم كما تحبون

تَحْمِلُ السماءُ تحتَها سَحبٌ جميلاتٌ مُبْهِراتٌ سائراتٌ ، و أحياناً تكون على العَكسِ تِمَّاً و كمالاً ، في لحظةٍ تأمُّلِيَّةٍ
لتلك السُّحُبِ ، و التي تمرُّ في جوِّ السماءِ ، أَوْحَتْ إليَّ هُتافاً صامتاً ، فنقلته حديثاً صائتاً ، فكلانا كانَ
رَسُولَ المعنى باختلافِ المبنى ,, أوْحَت السُّحُبُ :
إنَّ مسيرتي في السماءِ أكسَبَتني الكثيرَ من الخِبَرات ، و أنالتني العديد من العِبَرِ في هذا الكونِ ، فلستُ أمرُّ على
شيءٍ دون أجد فيه أثراً أو أُحدِثَ فيه أثراً ، فلن يكون ذلك لي إلا بعد أن أُنَوِّعَ جِهاتي ، و أُعدِّد مسيري ، فبكثرةِ
تلك المساراتِ و تنوُّعِ الجهاتِ تحدثُ عندي تنوُّعاتِ الرؤى و التوجهاتِ ، و لو كنتُ قاصرةً نفسي على محلٍّ
واحدٍ لملَلتُ نفسي ، لتَكرارِ الشيء ذاته عليَّ ، و هكذا كلُّ مخلوقٍ ، إن بقيَ على حالٍ و في محلٍّ لا يُغادرُ
و لا يُجاوِزُ فإنَّ نظرته تكون مقصورةً ، و المقصورُ محصورٌ .
تلك المسيرةُ السماويةُ على البِقاعِ الأرضية جعلتني ألبسُ لكلٍّ أرضٍ لباسَها اللائقَ بها ، فلا أجعلُ لأرضٍ ما لأخرى ،
و هذه من صنائعِ الحِكمة الربانيَّة ، و ذلك اللباسُ مَظهرٌ لجوهرٍ ، فالجوهرُ معرفةُ الأرضِ وما تحتاجه منّي ،
و كذلكَ يَعني جوهراً آخرَ و هو اعتباري معرفةَ الناسِ و أحوالهم ، فلو لم أعرف شيئاً من أحوال الأراضي و أهلها ،
لوقعتُ في الظلمِ القبيحِ للكلِّ ، و الشريفُ لا يَظلمُ أحداً ، و إن كانَ فزَلَّةٌ لا قَصْداً ، و لكَ أيها الإنسانُ أن تأخذَ هذا ،
فبمعرفتك أحوال البلاد و العبادِ تَعرفُ كيف تقوم بالتعامُل اللائقِ ، و حين تغفلُ أو تَجهَلُ ذلكَ فإنَّك ستقع في الخللِ ،
و لن تعرِفَ ذلك إلا بفتحِ آفاقِ عقلك لاكتسابِ القدرِ الكبيرِ من المعرفة البشرية
حينَ تَعرفُ ذلكَ ، تُدرِك سِرَّ تغيُّري تجاه الأرضِ ، فمرةً أجيءُ بيضاءَ ذات مطرٍ و غيثٍ ساقٍ مُنْبِتٍ ،
لاستحقاق الأرضِ و أهلها ذلكَ ، حيثُ الطُّهْرُ و الصِدْقُ ، و لو في ذواتهم ، و أجيءُ أُخرى سوداءَ ذاتٍ
رُعودٍ مُوْجِعة و بُروق مُفزِعةٍ ، حيث تناسُبُ حالي مع ما اعترى الأرضَ و أهلها ، و لم أجيءَ يوماً لأرضٍ بخلافِ
ما استحقَّتْه ، لعلمي بما يُناسبُها ، و ذلك تقديرُ عزيزٍ علمٍ ، فقد ألهمتُكَ سِراً فاحفظه
تابعٌ لذلك ، أنني ألحَظُ حالَ الزمانِ تماماً كما ألحظُ حال الذات و المكان ، فإدراكُ الشيءِ من جهاتٍ و أبعادٍ
كثيرةٍ يفضي بي إلى الثقةِ بما أصنعه ، و صنيعي حُكمٌ ، و الحكمُ مبنيٌ على معرفةٍ تامةٍ ، و التقصيرُ إخلالٌ
و إفساد ، فاضبط ذلك تَغنم .
أسيرُ وحيدةً مراتٍ ، و أُخْرياتٍ مع جماعةٍ ، فأُوازِنُ في حالَيْ المسيرِ في طريقي ، فوحدتي لحاجة نفسي
لاختلاءٍ ذاتيٍّ ، و لتحقيقِ اعتمادي على نفسي ، فلو بقيتُ في رابطةِ المسيرِ مع الجماعة طولَ مسيري لما
كنتُ منجزةً شيئاً لوحدي ، فأُهْلِكُ رُوحي و أهدم قُدُراتي ، و هذه جنايةُ جُرْمٍ على ذاتي ، و لا أنعزلُ تماماً عَن
الجماعةِ ، و بلا الجمْعِ ما كانَ الجمْعُ ، فلزومُ الصِحابِ في مملكةِ السحابِ يَعني أُلْفَةً و تعاوناً ، و الانفرادُ يَعني
إدراكاً لوظيفة الذاتِ بناءً و اعتماداً ، و النأيُ في وَقتِ اللَّمِّ جُرمٌ ، كما الجمعُ في حالِ التفرُّدِ ظُلمٌ ، فلكلِّ حالٍ محلُّها
أُعطي الأرض و أهلَها طَهورَ مائي الذي أحملُه ، فلا أحملُ مما يأتيني إلا طاهراً ، و لا أعطي إلا طهوراً ، فما
أقتني شيئاً إلا و يُفيدني ، و لا أعطي إلا ما يفيد ، فما يخرجُ مني أُحمَد عليه و به ، و ذا ذاتُه ما يجبُ أن تكونَه ،
فلا تجمَعَنَّ مما يَرِدُكَ إلا ما هو نافعٌ لك ، و لا تُعطِ غيركَ إلا ما هو نافعٌ ، و لا تكون فيهما مُدركاً النفعَ إلا
بصدقِ الانتقاءِ و سلامة النقاءِ ، فكلُّ ما يخرجُ منكَ يَحكي عنكَ .
و تارةً يكون ما أُعْطِيهِ جامداً قاسياً ، و لكنَّه طيِّبٌ في أثَره ، ليكون ذلك قانوناً في أنَّ الإعطاءَ ليس نَسَقاً واحداً ،
فعلى قَدرِ المُعطى يتنوَّعُ الإعطاءُ ، و جوهرُ المُعطى واحدٌ ، فلا يتخلَّف جوهرُ عطائكَ يا صاح
هذا شيءٌ من عملٍ أقومُ به ، فلأُحدِّثُكَ عن شأنِ صفاتي ، لتكون على بيِّنةٍ مما غابَ عنك سِرُّ جوهرِه ،
و التهاؤك بالأرضِ و أعمالها و أحوالها جعلَك في معزلٍ عن إدراكِ ما اعتلاكَ ، فإليكَ :
أبدو في كثيرٍ من الأحيانِ بيضاءَ اللونِ ، و ناصعةَ ذاك البياضِ ، لكوني صادقةً في حالي مع نفسي ، فلم
أُدنِّس يوماً حالي بأن كنتُ وضيعةَ الحالِ و الشأن ، بل سَموتُ و ارتفعتُ في علياءِ الكونِ ، و كلُّ روحٍ سَمَت
و اعتَلَت فلها أن تكون ذات بياضٍ ، و ذاك البياضُ يُلبسني رونقاً و بهاءً فأغدو في كلِّ أحوالي جميلةً حسنة
المنظرِ و الصورةِ ، مما جعلني في ممادح أهل الأشعارِ و الآثار ، و حين كنتُ في تلك الصفةِ كنتُ على الناسِ
ظلاً وارفاً ظليلاً طائفاً ، أقيهم الحرَّ في الصيفِ ، و أكون ، أيضاً ، صاحبةً أنيسةً في الأسفارِ ، فكنتُ مأمونةً
لديهم فلا يجيئهم مني خوفٌ و لا رُعبٌ ، و لا تكون هذه إلا لمن كان البياضُ صفة له ، فلتَكُن سماويَّ الروحِ
و الذاتِ ، لتَسموَ أفعالك و تكون في بياضٍ ناصعٍ يُدركُه بعينِ قلبِهِ كُلُّ مَن رامَ مُشابَهتَك و رام سماءك
و لو كنتُ سوداءَ ، حالكةً في سوادي ، لما أريتُهم مني إلا رُعباً و خوفاً ، و لما وقيتهم حرَّ الشمسِ ،
و هذا سارٍ ، صاحبي ، في كلِّ مخلوقٍ مألوفٍ ، فلم يُؤلَف إلا لما كان عليه من بياضِ الجوهرِ ،
و اعتبر الجوهرَ لا المظهر ، فإنني لست إلا صورة لجوهرٍ ، و لذلك حَكَوتُ أسراراً لكَ ما كنتَ
تدريها قبلُ ، فَعِ يقيناً أيها السامي أحاديثَ مرور السحاب ..

مما تصفحت وَ راق لي ,, ودي للجميع