المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وقف لله تعالى عن أختنا moonface


نووْور~
11-03-2012, 07:33 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تفسير القرآن الكريم [ وقف لله تعالى عن اختنا moonface ]

الذي توفاها الأجل رحمة الله عليها ، واتمنى ان يكون ذلك من نشر العلم النافع والخير وان لايحرمها الله أجر هذه الصدقه وان يتقبلها خالصه لوجهه الكريم وان يسكن اختنا الغاليه اعالي جنات النعيم انه ولي كل شيء والقادر عليه ،،

[ إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا لفراقك ياياسمين لمحزنون ومانقول إلا مايرضي ربنا ]

ملاحظه مهمه :- في حال الرد ارجو الدعاء لmoonface فقط والرجاء عدم التعليق ليكون المتصفح مرجعاً بإذن الله لمن اراد التفسير المطول*

والله يرزقنا الإخلاص والتقوى في العمل


رحمك الله يا ياسمين واسكنك فسيح جناته*
انا لله وانا اليه راجعون ولا حول ولاقوة الا بالله العلي العظيم "*

نووْور~
11-03-2012, 07:35 AM
التفسير المطول - سورة الفاتحة 001 - الدرس (1-2) :تفسير الأيات 1-2 ، كيفية الحمد
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1985-09-06


بسم الله الرحمن الرحيم
*****الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
*****أيها الأخوة المؤمنون، نحن بدأنا تفسير كتاب الله من سورة لقمان، ولم نختم بعدُ كتاب الله سبحانه وتعالى، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يمدنا جميعاً بقوة منه، كي نتابع فهْمَ كتاب الله وتطبيقه والأخذَ به.
القرآنُ الكريم جُمع في الفاتحة:
*****سوف نفسِّر إن شاء الله تعالى سورةَ الفاتحة، لأن هذه السورة عظيمة القدرِ، وكما قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ))
[ مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ]
*****سماها النبي عليه الصلاة والسلام أساس القرآن، وسماها أم القرآن، وسماها فاتحة الكتاب، ولها عشرة أسماء، وقد جُمع القرآنُ في الفاتحة، لهذه الأسباب كلِّها رأيت من المناسب أن أفسر سورةَ الفاتحةِ بعد السورِ القصيرة الأخيرة التي خُتم بها القرآن الكريم.
*****أولاً يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) ﴾
(سورة النحل)
*****أجمع العلماء أن كلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ليست آية، لكن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يقرأ القرآن الكريم إلا ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، امتثالاً لقوله تعالى:
﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) ﴾
(سورة النحل)
*****العلماء قالوا مندوب أن نقرأها في غير الصلاة وواجب أن نقرأها في الصلاة، فيجب أن نتعوذ بالله من الشيطان الرجيم في الصلاة ولكن سراً، تقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك، سراً، ثم تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم سراً.

نووْور~
11-03-2012, 07:36 AM
النبي عليه الصلاة والسلام كان دائماً يتعوذ بالله ولاسيما في السورتين الأخيرتين:
*****أما البسملة فالأكثرُ على أنها تُقرأ جهراً، وأبو حنيفة رضي الله عنه يرى أن تُقرأ أيضاً سراً، ومذهبُه رضي الله عنه يبدأ القراءة بقوله: الحمد لله رب العالمين، لكن الأكثرَ على قراءة البسملة جهراً، أما التعوذ فيجمعون على أنه يُقرأ سراً وهذا في الصلاة.
(( اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَباً، قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ))
[البخاري عن سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ]
*****إذا سافر عليه الصلاة والسلام وأدركه الليل ونزل في أرض فإنه كان يقول:
(( يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك ومن شر ما فيك وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن شر ساكن البلد، ووالد وما ولد ))
[رواه أبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ]
*****النبي عليه الصلاة والسلام كان دائماً يتعوذ بالله ولاسيما في السورتين الأخيرتين:
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) ﴾
(سورة الفلق)
*****وأيضاً:
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) ﴾
(سورة الناس)

نووْور~
11-03-2012, 07:37 AM
الأسماء الحسنى كلها جمعت في كلمة "الله":
*****قال بعضهم: العوذ هو الالتجاء لقوي كي تتقي به الشر، وأما اللوذ بمعنى لاذ به، الاحتماءُ بقويٍّ من أجل أن يجلب لك الخير، عاذ به، ولاذ به، عاذ اتقاء للشر، ولاذ طلب الخير، فربنا سبحانه وتعالى يأمرنا أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأما كلمة الله فهي اسم الله الأعظم الجامع للأسماء الحسنى كلها، وهو عَلَمٌ على الذات، وأكبر أسماء الله اسم الله الأعظم، يجمع كل أسمائه، أعوذ بالله، يعني أعوذ بالله الرحيم، أعوذ بالله الحكيم، أعوذ بالله اللطيف، أعوذ بالله القوي، أعوذ بالله الغني، أعوذ بالله العادل، أعوذ بالله الفرد، الصمد، الواحد، الأحد، القهار، الجبار، أعوذ بالله الودود، إذا قلت: الله، فإن الأسماء الحسنى كلها جمعت في كلمة الله، لو قال قائل: أعوذ بالرحيم، والأمر محتاج إلى قوة، فهذه الاستعاذة لا تصح، أما أعوذ بالله إن كنت تخاف شيئاً قوياً فَعُذْ بالله فهو القوي، وإن كنت بحاجة إلى رحمة فعذ بالله فهو الرحيم، وإن كنت بحاجة إلى إمداد فعذ بالله فهو رب العالمين، وإن كنت بحاجة إلى لطف فعذ بالله فهو اللطيف الخبير، وإن كنت بحاجة إلى علم فعذ بالله فهو العليم الخبير، فكلمة أعوذ بالله يعني أنا ألتجئ إلى الذات الكاملة التي جمعت الأسماء الحسنى كلها، قال تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾
(سورة الأعراف)

نووْور~
11-03-2012, 07:38 AM
الله سبحانه وتعالى حينما خلقنا رسم لنا منهجاً:
*****لِمَ سُمِّي الشيطان شيطاناً ؟ لأنه شَطَنَ، بمعنى ابتعد وخرج عن طريق الحق، والله سبحانه وتعالى حينما خلقنا رسم لنا منهجاً، قال تعالى:
﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾
(سورة البقرة)
*****وقال:
﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) ﴾
(سورة طه)
*****وقال:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) ﴾
(سورة فصلت)

نووْور~
11-03-2012, 07:38 AM
ما دمت على المنهج الإلهي فلا تخف ولا تحزن:
*****ما دمت على المنهج الإلهي فلا تخف ولا تحزن، قال تعالى:
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾
(سورة المائدة)
*****إذا اتبعت رضوان الله سبحانه وتعالى يهديك بمنهجه إلى سبلِ السلام، سلام في بيتك، سلام في صحتك، سلام في أولادك، سلام في تجارتك، سلام في عملك، سلام في ماضيك، سلام في حاضرك، سلام في مستقبلك، سلام في خريف عمرك:
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾
(سورة المائدة)

نووْور~
11-03-2012, 07:39 AM
الشيطان هو ذلك المخلوق الذي خرج عن المنهج القويم الذي رسمه الله لعباده المؤمنين:
*****عندما يطبق الإنسان المنهج الإلهي يَسْلَم، وللإيضاح أضرب مثلاً بآلة ثمينة جداً، معها تعليمات دقيقة جداً من خبراء الشركة، إذا اتبعتَ التعليمات فإن هذه الآلة تخدمك إلى أمد طويلٍ طويل، وإذا خالفتَ التعليمات فسوف تصاب بالعطب، وتخسرها، وتخسر ثمنها، إذاً مَن هو الشيطان ؟ ذلك المخلوق الذي خرج عن المنهج القويم، الذي رسمه الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين، لذلك قال الله تعالى:
﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) ﴾
(سورة الإسراء)
*****من منا لا يحب أن يعيش حياةً سعيدة فيها سلام، وفيها رضا، فيها طمأنينة، وفيها ثقة بالله، من منا لا يحب أن ينجو من الخوف، وأن ينجو من القلق، أن ينجو من القهر، وأن ينجو من الألم:
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾
(سورة المائدة)

نووْور~
11-03-2012, 07:39 AM
كل مخلوق خرج عن المنهج الإلهي فهو شيطان:
*****إذاً الشيطان ذلك المخلوق الذي خرج عن المنهج الإلهي، وكل مخلوق خرج عن المنهج الإلهي فهو شيطان، هناك شياطين الإنس، وهناك شياطين الجن، قال تعالى:
﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) ﴾
(سورة القصص)
*****يعني خرج عن طريقتهم الصحيحة، قال تعالى:
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) ﴾
(سورة طه)
*****الطغيان خروج عن طريق الحق، والبغي خروج عن طريق الحق، والشطن خروج عن طريق الحق، والفسق خروج عن طريق الحق، قال الله سبحانه وتعالى:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) ﴾
(سورة الأنعام)
*****وقال:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1) ﴾
(سورة الكهف)
*****يُحمد الله مرتين ؛ مرةً على خلق السماوات والأرض، ومرة على هذا المنهج القويم الذي أنزله على أنبيائه.

نووْور~
11-03-2012, 07:40 AM
ما دمت في طاعة الله فأنت في ظلّ الله وذمته:
*****ملخص الكلام أن لله في الأرض منهجاً، وأن لله في الأرض قرآناً، وشرَعَ لنا شرعاً، فما دمت ضمن الشرع فأنت في سلام، في حياتك الدنيا، ويوم تقوم الساعة، ويوم تقوم القيامة، وأنت في جنات عدن خالداً فيها إلى أبد الآبدين، مادمت وفق هذا المنهج، فإذا خرجت عنه تدفع الثمن، ما دمت في طاعة الله فأنت في ظل الله وذمته، فإذا خرجت عن طاعته خرجت من حيّز ظله، تحمَّل المتاعب حينئذٍ، جاء أعرابي النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله عظني وأوجز، قال: قل آمنت بالله ثم استقم، قال: أريد أخفَّ من ذلك، قال إذاً فاستعد للبلاء.
*****قضية واضحة كالشمس، إما أن تطبق التعليمات، وإما أن تستعد للبلاء، قل أعوذ بالله من الشيطان، هذا المخلوق الذي طغى، والذي غوى، والذي بغى، والذي شطن بمعنى ابتعد، وبعضهم قال: الشيطان من شاط، بمعنى احترق، احترق بنار البُعد، شقي بالبعد، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((.. فالناس رجلان رجل بَرَّ تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله..))
[الترمذي والبيهقي عن ابن عمر]
*****أي لو أن في الأرض إنساناً واحداً بعيداً عن الله، وهو يعيش سعيداً رغْمَ بُعْده عن الله لكان هذا الدين باطلاً، ولو أن إنساناً واحداً كان متصلاً بالله، وهو شقي في حياته رغمَ طاعته وتقواه لكان هذا الدين باطلاً، قال تعالى:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾
(سورة طه)
*****وقال:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) ﴾
(سورة النحل)

نووْور~
11-03-2012, 07:41 AM
آيات في كتاب الله تَعِدُ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله بالتعويض الجزيل:
*****أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الرجيم أي البعيد، والأصح من كلمة البعيد المُبعَد لأنه خرج عن طريق الحق، وشطن ابتعد فاحترق فأبعد، قال تعالى: الشيطان يعدكم الفقر، الشيطان يخوفكم، الشيطان يأمركم بالفحشاء من طريق الأمر بالفحشاء، يغريك بالمعاصي، يزين لك المعاصي، يعدك بالفقر، يوسوس لك إذا أنفقت مالك تبقى فقيراً، ثماني آيات في كتاب الله تَعِدُ الذين ينفقون أموالهم بالتعويض الجزيل قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) ﴾
(سورة البقرة)
*****وقال:
﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) ﴾
(سورة سبأ)
*****وقال:
﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) ﴾
(سورة النساء)

نووْور~
11-03-2012, 07:42 AM
الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم في الصلاة واجبة:
*****إذاً:
﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ (98) ﴾
[سورة النحل]
*****إذا قرأته خارج الصلاة فهذا مندوب، أما إذا قرأته في الصلاة فهذا واجب، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يعوذ بالله من كل شيء، من دار يدخلها، ومن دابة يركبها، كان إذا ركب دابة يقول:
(( أعوذ بالله، اللهم إني أسألك خير هذه الدابة، وخير ما خُلقت له، وأعوذ بك من شرها، وشر ما خلقت له.))
[ورد في الأثر]
*****الاستعاذة بالله من دابة، من بيت، من عمل لا يرضي الله عز وجل، من رفقاء السوء، من نزهة قد تكون فيها النهاية الوبيلة.
*****الإنسان المؤمن من علامة إيمانه أنه دائماً يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم أنْ يضله، أو أن يغريه، أو أن يفسده، أو أن يفتنه، أو أن يحمله على معصية، أو أن يوسوس له، أو أن يبعده عن أهل الحق، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

نووْور~
11-03-2012, 07:42 AM
هناك معنيان للبسملة:
*****أما كلمة
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
*****فلها حديث طويل، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة النمل:
﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)﴾
(سورة النمل)
*****النبي عليه الصلاة والسلام من سنته المطهرة أنه كان يبدأ كل أفعاله ببسم الله الرحمن الرحيم، ونحن نرى على مقدمة الكتب بسم الله الرحمن الرحيم، وفي أكثر المجالات بسم الله الرحمن الرحيم، وأصبحت تقليداً، قد يكون الكتاب يتحدث عن نظرية داروين، ويبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، البسملة خلاف المضمون.
*****الموضوع في
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
*****أن هذه الباء حرف جر، أي أبدأ بسم الله، وأسماء الله كلها حسنى، الرحمن الرحيم، كأن الكلام ناقص، هناك فعل يتعلق بهذه الباء، يعني أبدأ عملي بسم الله، آكل بسم الله، أؤلف هذا الكتاب بسم الله، أصدر هذا الحكم كقاضي بسم الله، فما معنى بسم الله ؟
إذا أردت أن تأكل، وقلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
*****هناك معنيان لهذه البسملة:
1ـ المعنى الأول أن طعامك وشرابك وغير ذلك إنما هو من نعمِ الله عز وجل:
*****أن هذا الطعام الذي تأكله إنما هو من نعمِ الله عز وجل، فكل هذا الطعام باسم الرزاق، كل هذا الطعام باسم المغني، بسم المقيت، بسم المجيد، بسم الواهب، بسم اللطيف، بسم الله، الله كما قلت قبل قليل: اسم جامع لأسماء الله الحسنى، فإذا قلت: باسم الله فالبسملة بحسب الموضوع الذي أنت بصدده، فإذا أكلت، وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، يعني أنك آمنت بأن هذا الذي تأكله من صنع الله فهل فكرت في ذلك ؟ وأن الله سبحانه هو الرزاق، قال تعالى:
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71)﴾
(سورة يس)
*****إذا شربت كأس ماء وقلت بسم الله الرحمن الرحيم، هل فكرت في أن هذا الماء أصله شمس سُلطت على بحار شاسعة، فتبخر ماؤها، وتقطر، وأصبح بخاراً عالقاً في الجو، واجتمع سحباً ساقته الرياح إلى أرض عطشى، أنزله الله بفضله وبقدرته ماءً ثجاجاً أنبت به الزرع والزيتون، أودعه في الجبال، فجره ينابيع، أساله أنهاراً، فالشمس ساهمت في هذا الكأس، والمجرات، والأنواء، والمناخ، والرياح، والحرارة، والبرودة، والجبال، فإذا قلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
*****أي هل فكرت بسم الرزاق، باسم المعطي، باسم الواهب، باسم الغني،
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
*****يعني أشرب الكأس بسم الله الرحمن الرحيم.
2ـ المعنى الثاني أن لله في خلقه سنةً:
*****أن لله في خلقه سنةً، في شرب الماء إذا قلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
*****فلا ينبغي أن تشرب الماء خلاف السنة، أن تشربه مصاً، ولا تعبه عباً، أن تشربه على ثلاث مراحل، أن تشربه وتحمد الله عز وجل، أن تبعد الإناء عن فيك، ألا تتنفس في الإناء، هذه سنة النبي المطهرة، نهانا عن التنفس في الإناء.
الآن ثبت أن هناك أمراضاً تنتقل عدواها عن طريق الزفير الذي يختلط بالماء المشروب، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( أَبِنْ القدح عن فيك.))
[رواه البيهقي وسمويه عن أبي سعيد الخدري]
*****بين الشربتين أَبِنْ القدح عن فيك، لئلا يختلط النَفَس بالماء، وكان عليه الصلاة والسلام قد قال:
(( مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً، فإن الكباد من العب.))
[رواه ابن السني والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها]
*****مرض الكبد يأتي من عب الماء، وكان عليه الصلاة والسلام إذا شرب حمد الله وكل هذا من سنته المطهرة، إذا قلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
*****لها معنيان، الأول: هل فكرت في هذه النعم ؟ والثاني: هل أنت مطبق سنة رسول الله في شرب الماء ؟ هذا في الشرب.

نووْور~
11-03-2012, 07:43 AM
على الإنسان أن يحمد الله ويشكره على نعمه في كل حركاته وسكناته:
*****في الطعام، قال تعالى:
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)﴾
(سورة الأعراف)
*****كلوا واشكروا له:
(( الحمد لله الذي أطعمني فأشبعني، وسقاني فأرواني.))
[أبو يعلى عن عبد الله بن قيس]
(( إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها.))
[رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه]
*****ليرضى عن العبد، يعني إذا أكل الإنسان وشبع فليقل: الحمد لله، فإذا قلت: بسم الله فهذه التسمية تعني أنْ فَكِّر في هذه النعم، وأنها من رزق الله تعالى، وطبق أمر الله في الطعام، وإذا دخلت البيت وقلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
*****قال الله عز وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا (27)﴾
(سورة النساء)
*****إذاً بيوتكم أولى بالسلام على مَن فيها، والنبي صلى الله عليه وسلم قال فيما معناه: إن الرجل إذا دخل بيته ولم يسلم على أهله قال الشيطان وجدنا المبيت، فيبيت الشيطان في المنزل، ويعيث فيه فساداً ما شاء له أن يعبث تلك الليلة، إذاً إن هذا أمر الله، وهو أن تسلم إذا دخلت المنزل، وإذا قلت: بسم الله، وفتحت باب المنزل، فلتقل أيضاً: الحمد لله الذي آواني، فكم من الناس من لا مأوى له، هل شعرت أن هذه نعمة، نعمة المأوى كبيرة جداً ؟ كم ممن لا مأوى له، في أكثر دول شرقي آسيا ينام الناس على الأرصفة، يتخذون بيوتاً قوارب في الأنهار، في بعض الدول الفقيرة تشاهد الآلاف ينامون هم وزوجاتهم وأولادهم على الرصيف، وصار ذلك منظراً مألوفاً جداً في بلادهم، فإذا كنت في بيت وفتحت باب البيت وقلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
*****فمعنى ذلك: الحمد لله الذي آواني، وتذّكرت كم من الناس مَن لا مأوى له.

نووْور~
11-03-2012, 07:44 AM
بسم الله تجعلك على بصيرة من الأمر:
*****هل رأيت نعم الله عز وجل ؟ إذا فتحت الماء لتتوضأ، وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، هل عرفت أن هذه نعمة لا تُقدر بثمن، نعمة الماء داخل المنزل، الآن إذا دخلت إلى البيت وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، يعني:
﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (19) ﴾
(سورة النساء)
(( أكرموا النساء فو الله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم، ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً.))
[ورد في الأثر]
*****يعني البسملة، إذا قدت سيارتك وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، فليبادر ذهنك إلى أين أنت ذاهب ؟ هل أنت ذاهب إلى مكان لا يرضي الله عز جل، فيتناقض ذلك بين البسملة وبين هذا المكان، فتنثني عن ذهابك عندئذٍ وتعود إلى صوابك.
*****هل تشكر الله على نعمة المركب ؟ هل تسخرها لعباد الله ؟ هل تعين بها الضعيف ؟ هل تنقذ بها المريض ؟ القضية واسعة جداً، النبي عليه الصلاة والسلام، قال:
((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر.))
[أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة]
*****يعني: مقطوع الخير، ألَّفت كتاباً، هل تذكر في الكتاب شيئاً باطلاً، فإذا كتبت في صدر صفحاته بسم الله، فإنك تدقق: هل هدفك من هذا التأليف خالص لوجه الله أم تبتغي به السمعة والرفعة، بسم الله تجعلك على بصيرة من الأمر.

نووْور~
11-03-2012, 07:45 AM
العلماء حاروا في الفرق بين الرحمن والرحيم:
*****هذه البسملة تضعك أمام شيئين، تذكرك بنعم الله عز وجل، وأن هذا من نعمة الله، وتذكرك بأمر الله في هذا الموضوع، في الطعام، في الشراب، في دخول المنزل، في الخروج إلى السوق، وكان النبي الكريم يعوذ بالله من صفقة خاسرة إذا دخل السوق، ويمينٍ فاجرة، يقول لك البائع: الله وكيلك بعتُك برأسمالها، وهو يكذب، لقد باع دِينَه كله بكلمة واحدة، النبي كان يعوذ بالله من يمين فاجرة، ومن صفقة خاسرة، فإذا جمع الإنسان مالاً من حرام فإنّ الله عز وجل يريه أن هذه الصفقة فيها ربح وفير فيشتريها، ويكون إفلاسه عن طريقها، هذا الذي جمعه من حرام أذهبه الله في صفقة خاسرة، فإذا دخل الإنسان إلى السوق فهناك بسملة، إذا دخل بيته فهناك بسملة، إذا ركب في مركبة فهناك بسملة، إذا شرب الماء، إذا تناول الطعام، حتى إذا التقى مع أهله فهناك بسملة، لئلا تأتيك ذرية سيئة، بسم الله، فهذه الباء تعني التجئ وألوذ بسم الله، آكل بسم الله، أتزوج بسم الله، أدخل إلى بيتي بسم الله، دائماً هذه البسملة تذكرك بأسماء الله الحسنى، وتذكرك بأوامره المثلى،
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
*****وبعد فالحقيقة إن العلماء حاروا في الفرق بين الرحمن والرحيم.
*****قال بعضهم: الرحمن بخلقه جميعاً، والرحيم بالمؤمنين.
*****وقال بعضهم: الرحمن بجلائل النعم، والرحيم بدقائقها.
*****وقال بعضهم: الرحمن في الأولى، والرحيم في الآخرة.
*****وقال بعضهم: الرحمن في ذاته، والرحيم في أفعاله.
*****وهذا الأخير من أوجه التفسيرات، لأنك قد تلتقي بطبيب يرى مريضاً فيسرع إلى إنقاذه أمام ملأ من الناس، فإنقاذُ هذا المريض يكسب الطبيبَ سمعةً طيبة، فنقول: هذا الطبيب رحيم، لكن الطبيب لا ينطوي على رحمة في قلبه، بل فعَلَ هذا ابتغاء السمعة، فهو رحيم، لكنه لم ينطلق في عمله من رحمة في قلبه.

نووْور~
11-03-2012, 07:46 AM
الرحمة الشيء الذي يرتاح له الإنسان فالله سبحانه وتعالى خلقنا ليرحمنا:
*****هناك فرق بين الرحمن والرحيم، الرحمن في ذاته، والرحيم في أفعاله، ذاته رحيمة، وأفعاله رحيمة، الرحمن الرحيم، والرحمة شيء يبعث الراحةَ في النفس، فالمطر من رحمته، تهطل الأمطار فتمتلئ الينابيع، وينبت النبات، وتثمر الأشجار، ونأكل، وترخص الأسعار، فهذا من رحمته، والأبناء من رحمته، يبدلون سكون البيت حركة وحياة، ويبعثون الأنس في البيت، وإذا كبر الابن يعين والديه، فالابن رحمة من الله، قال تعالى:
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ (84) ﴾
(سورة الأنعام )
*****وهبنا له، فالرحمة كل شيء يرتاح له الإنسان، فأن تعمل هذه الأجهزة عملاً منتظماً فهو من رحمة الله، وأن تأكل طعاماً لذيذاً فهو من رحمة الله، وأن تشرب ماءً عذباً فراتاً فهو من رحمة الله، وأن تسكن إلى زوجة، تطيعك إذا أمرتها، وتسرك إذا نظرت إليها، وتحفظك إذا غبت عنها، فهو من رحمة الله، وأن ترى طفلاً كالملاك يتحرك في البيت، فهو من رحمة الله، وإن كان لك عملٌ يدرُّ عليك دخلاً فهو من رحمة الله، وإذا ذهبت إلى بستان فمتعت النظر بجماله فهو من رحمة الله، وإذا هبت نسمات لطيفة عَطَّلت عمل المكيفات، وأوقفته فهو من رحمة الله، وإذا كان الدفء فهو من رحمة الله، فالرحمة الشيء الذي يرتاح له الإنسان، فالله سبحانه وتعالى خلقنا ليرحمنا قال تعالى:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) ﴾
(سورة هود)
*****ليرحمنا في الدنيا، ويرحمنا في الآخرة، أما أن يقول الإنسان: سبحان الله، خلقنا الله ليعذبنا، هذا كلام الشيطان، ما خُلقت يا أخي للعذاب بل خُلقت للرحمة، كي يسعدك في الدنيا والآخرة.

نووْور~
11-03-2012, 07:46 AM
الله تعالى خلقنا ليرحمنا هذا هو الهدف الإلهي الكبير:
*****في الدنيا إذا آمنت بالله يمتعك إلى حين ويؤتي كل ذي فضل فضله، حتى في الدنيا فيها سعادة، وفيها سرور لمن أطاع الله عز وجل:
﴿ مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ( 147)﴾
(سورة النساء)
*****خلقنا ليرحمنا هذا هو الهدف الإلهي الكبير، ولكن العذاب الذي يعذبنا الله به من صنع أيدينا، من معاصينا، من ضلالنا، من انحرافنا، من طغياننا، مِن بُعْدِنا، ومن تقصيرنا، حتى الهمُّ يهتم له الإنسان إنه انعكاس لأعماله الزائغة.
*****بعضهم قال: هذه البسملة ينبغي أن تدور مع الإنسان في كل نواحي حياته، وفي كل نشاطاته، إذا قام ليتوضأ، إذا دخل البيت، إذا قام ليأكل، إذا قام ليشرب، قمت لتأكل فقلت بسم الله الرحمن الرحيم، النبي أمرنا بالوضوء قبل الطعام، ووضوء الطعام ليس وضوءاً كاملاً، غسل اليدين والفم فقط:
(( وبركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده.))
[أبو داود والترمذي عن سلمان]
*****أجمع العلماء على أن وضوء الطعام غير وضوء الصلاة، وضوء الطعام غسل اليدين والفم، كنت في الطريق، غبار، صافحت إنساناً، أمسكت بحذائك، يعني هذه اليد أمسكت بأشياء كثيرة، بركة الطعام الوضوء قبله، فلو قمت إلى الطعام فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، قف اذهب واغسل يديك وفمك، هذا معنى
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

نووْور~
11-03-2012, 07:48 AM
تسمية الفاتحة بعدة أسماء:
*****قال تعالى:
﴿ الحمد لله رب العالمين(2) ﴾
(سورة الفاتحة)
*****الآن نبدأ بالفاتحة، الفاتحة سماها النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة، لقوله:
(( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.))
[متفق عليه عن عبادة بن الصامت]
*****شيء آخر سُميت الفاتحة بسورة الحمد لأنها مصدرة بالحمد لله رب العالمين، وسميت فاتحة الكتاب لأن القرآن الكريم افتتح بها، وسميت أم الكتاب، وأم الشيء أصله، ربنا عز وجل قال:
﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ (7) ﴾
(سورة آل عمران آية 7 )
*****آيات الفاتحة كلها آيات محكمات، الفاتحة سماها النبي عليه الصلاة والسلام أم الكتاب، وسُميت أم القرآن، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
((الحمد لله أم القران وأم الكتاب والسبع المثاني.))
[الترمذي عن أبي هريرة]
*****سميت الشفاء، لأنه عليه الصلاة والسلام قال:
(( في فاتحة الكتاب شفاء من كل داء.))
[البيهقي عن عبد الله بن جابر]
*****سُميت الأساس، أساس الكتاب القرآن، يعني أساس الكتب السماوية القرآن، وأساس القرآن الفاتحة، وسُميت الوافية، وسميت الكافية، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( أم القرآن عوض عن غيرها، وليس غيرها عوضاً عنها.))
[الحاكم عن عبادة بن الصامت]
*****وقد ورد في تفسير القرطبي: " إن جميع القرآن فيها ".
*****أذكر حديثاً روى عن الحسن البصري ـ رحمه الله ـ أنّ الله أنزل مئة كتاب وأربعة كتب، جمع سرّها في الأربعة، وجمع سرّ الأربعة في القرآن، وجمع سرّ القرآن في الفاتحة، وجمع سرّ الفاتحة في هاتين الكلمتين:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
*****قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها.))
[مسلم عن أنس بن مالك]

نووْور~
11-03-2012, 07:49 AM
الحمد على النعمة أفضل من النعمة نفسها:
*****سأتلو عليكم حديثاً شريفاً يبعث في أنفسكم الطمأنينة هو:
(( الحمدُ على النعمة أمانٌ لزوالها.))
[الديلمي عن عمر]
*****أية نعمة تحمد الله عليها لن تزول، ولن تضيع، وأن تقول الحمد لله على النعمة أمان من زوالها، وهناك حديث دقيق جداً يقول الحسن: " ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها." كيف ؟
*****يعني إذا أعطاك الله نعمة الصحة، وكنت شديداً عتيداً قوياً نشيطاً كالحصان، لا بد من سنوات تمضي وتمضي حتى يأتي الأجل، ويموت الإنسان فأين هذه النعمة ؟ زالت، لكنك إذا حمدت الله عليها، وارتقت نفسك في مدارج الحمد، وسَمَتْ سعدت بحمدك إلى الأبد، إذاً الحمد على النعمة أفضل من النعمة نفسها قال الحسن: "ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها ".
*****لو أنك وهبت زوجةً صالحة، فأعانتك على متاعب الحياة، وحصنتك، وسكنت إليها، فلا بد من ساعة تفارقها، أو تفارقك، إما أن تفارقها أولاً، وإما أن تفارقك أولاً، لكنك إذا حمدت الله على نعمة الزوجة الصالحة فإنّ هذا الحمد تسعد بثوابه إلى أبد الآبدين.

نووْور~
11-03-2012, 07:50 AM
الحمد لله على النعمة أمان من زوالها:
*****لذلك لقي أحدُهم شريحاً القاضي، فقال: يا شريح كيف حالك في بيتك ؟ قال: منذ عشرين سنة لم أجد ما ينغص حياتي، أو يعكر صفائي، قال: وكيف ذلك ؟ قال: خطبت امرأة من أسرةً صالحة، فلما خلوت بها، صليت ركعتين شكراً لله على نعمة الزوجة الصالحة، فلما سلمت وجدتها تصلي بصلاتي، وتسلم بسلامي، وتشكر بشكري، فلما دنوت منها قالت: على رسلك يا أبا أمية، إني امرأة غريبة، لا أعرف ما تحب، ولا ما تكره، فقل لي ما تحب حتى آتيه، وما تكره حتى أجتنبه، ويا أبا أمية لقد كان لك من نساء قومك من هي كفء لك، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي، ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله وسنة رسوله، فاتقِ الله فيّ، وامتثل قوله تعالى:
﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) ﴾
(سورة البقرة)
*****قال: ثم قعدتْ، يعني هذه الزوجة الصالحة تنتظر ردّ زوجها، ذكرت هذه القصة للإفادة مما فيها من عِبر، فالقاضي شريح، حينما دخل على زوجته الصالحة صلى ركعتين صلاة الشكر، إذاً الحمد على النعمة آمان من زوالها، أية نعمة، نعمة الصحة لن تزول، يمتعك الله بسمعك، وبصرك، وعقلك، وقوتك ما أحياك، هل تغض الطرف عن محارم الله هذه العين لن تُفجع بها، هل تمسك أذنك عن سماع أي صوت لا يرضي الله، هذه الأذن لن تفجع بها، هل ينطق لسانك بالحق، ولا ينطق بالباطل، هذا اللسان لن تُفجع به، هذه الذاكرة، تستخدمها لماذا ؟ بالحق أم بالباطل ؟ إن استخدمتها في حفظ كتاب الله، وحفظ أحكام الله، وحفظ الأحاديث الشريفة، فإن الله سبحانه وتعالى لن يفجعك بها، وهذه اليد، وهذه القوة وغير ذلك من النعم، فالحمد لله على النعمة أمان من زوالها.

نووْور~
11-03-2012, 07:50 AM
كلمة الحمد لله أفضل عند الله من الدنيا وما فيها:
*****قال عليه الصلاة والسلام:
(( ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ))
[ابن ماجة عن أنس بن مالك]
*****العبد ماذا أعطي ؟ هذه الكلمة، كلمة الحمد لله، هذه الكلمة التي أعطاها العبد لربه أفضل عند الله مما أخذ، لو أخذ بيتاً ثمنه خمسة ملايين، وقال: يا رب لك الحمد، فكلمة الحمد لله أفضل عند الله من هذا البيت، لأن هذا البيت مصيره إلى الخراب، لكن هذا الحمد يسعد به الإنسان إلى الأبد، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( لو أن الدنيا كلها بحذافيرها بيد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله لكانت الحمد لله أفضل من ذلك كله.))
[الديلمي وابن عساكر وابن النجار عن أنس]
*****الدنيا بحذافيرها يعني بيوتها الفخمة، وبساتينها النضرة، ومالها الوفير، ونساءها الجميلات، ومراكبها الفخمة، كلمة الحمد لله يعني أنك تعرف الله، وإذا عرفته عرفت كل شيء وإذا فتّه فاتك كل شيء، لو أن الدنيا بحذافيرها بيدك وقلت: الحمد لله، فكلمة الحمد لله أفضل عند الله من الدنيا وما فيها.
*****لذلك العلماء حاروا أيهما أفضل، الحمد لله، أم لا إله إلا الله ؟ هناك أقوال تقول: إن الحمد لله أفضل، وبعضهم قال: لا إله إلا الله أفضل، لكن كلمة الحمد لله هي الحمد الأولى في كتاب الله تبارك:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) ﴾
(سورة الفاتحة)
*****أما الحمد، لمَ لم يقل الله عز وجل حمداً لله رب العالمين، بل قال سبحانه: الحمد لله ؟ قالوا: هذه الألف واللام لاستغراق الحمد كله، يعني الحمد كله بحذافيره كله، وجزؤه ـ مهما كان حجمه ـ صغيره وكبيره لله عز وجل.

نووْور~
11-03-2012, 07:51 AM
أرحم الخلق بالخلق النبي عليه الصلاة والسلام:
*****لا يوجد جهة أخرى تستحق الحمد إلا الله، أبداً، أصغِ سمعك إلى قول ربنا عز وجل:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾
(سورة آل عمران)
*****سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أرحم الخلق بالخلق، لو جمعت رحمة أمهات الأرض منذ آدم إلى يوم القيامة لا تعادل رحمة النبي بأمته، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ﴾
(سورة التوبة)
(( أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر... ))
[أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن أنس]
*****أما أرحم الخلق بالخلق النبي عليه الصلاة والسلام، يعني أرحم بك من نفسك، ومع ذلك قال الله عز وجل:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾
(سورة آل عمران)

نووْور~
11-03-2012, 07:53 AM
الرحمة كلها من الله والنبي عليه الصلاة والسلام أوتي طرفاً منها:
*****قال ربنا عز وجل:
﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (58) ﴾
(سورة الكهف)
*****ما الفرق بين "رحمة" المُنكَرة في آية آل عمران، و"الرحمة" المُعرَّفة في آية سورة الكهف ؟ قال هذه الرحمة الثانية، هذه ليست أل التعريف، إنما للاستغراق، يعني الرحمة كلها من الله، والنبي عليه الصلاة والسلام أوتي طرفاً منها.
*****الآن الحمد كله لله، ذكرت قصة قبل شهر أو أكثر أن الحَجَّاج أمر بضرب أعناق عشرة رجال، فأذن المغرب، وبقي رجل لم تضرب عنقه، فقال لأحد وزرائه: خذه إلى بيتك وائت به غداً، هذا الرجل في الطريق قال له: والله لم أخرج على طاعة الأمير، وما آذيتُ أحداً من المسلمين، فهل تأذن لي أن أذهب لأهلي فأوصي قبل أن أموت وأرى أولادي، واكتب وصيتي، فضحك هذا الوزير وقال: أو مجنون أنا ! فقال: عهداً لله إن أطلقتني لأعودَنَّ إلى بيتك قبل الفجر، فما زال هذا الرجل يقنعه حتى سمح له، فلما سمح له شعر بضيق لا يُحتمل، قال: نمتُ أطول ليلة في حياتي، لأنه سيموت مكانه غداً ـ مكان الرجل ـ إن لم يرجع، ما إن أذن الفجر حتى طُرق الباب، وجاء هذا الرجل الذي عاهده على أن يعود، جاء ليموت، فلما كان الغد ذهب به إلى الحجاج فقال له: سأنبئك بما حصل البارحة، فلما أنبأه قال له الحجاج: أتحب أن أهبه لك، قال: نعم، قال: إذاً هو لك، يعني ما دام عنده هذا الوفاء عَفَوْنا عنه، فلما خرج قال له: يا هذا اذهب لوجهك، فهذا الذي عُفي عنه لم يتكلم، ولم ينظر إليه، ولم يشكره، ولم يقل كلمة، إلا أنه توجه إلى السماء، وقال: الحمد لله.
*****هذا الذي سعى بإطلاق سراحه وتخليصه من الموت المحتم تألم ! لو أنه شكرني، قال: ثم جاءه بعد ثلاثة أيام و قال: أحمدك على عملك، ولكنك حين قلت لي: اذهب لوجهك كرهت أن أحمد مع الله أحداً.

نووْور~
11-03-2012, 07:54 AM
الحمد لله رب العالمين أساس معرفة العبد بربه:
*****الإنسان أحياناً يلوح له شبح مصيبة، كأن يصاب بورم لم يعرف أهو خبيث أم غير خبيث ؟ أجرى تحليلاً، فإذا هو ورم طبيعي، أول شيء عليه أن يقول: الحمد لله رب العالمين، ولا تحمد مع الله أحداً.
*****هناك التهاب في السحايا على وشك الوفاة مع الابن الأصغر، فنجا من الموت بتوفيق الله وقدرته، لا تقل: واللهِ إنّ الطبيب لا يفهم، قال لي: اجرِ تحليلاً في وقت مبكر قل: الحمد لله رب العالمين، فلذلك الحمد لله رب العالمين أساس معرفة العبد بربه، هناك حديث دقيق جداً، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده.))
[عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عمرو]
*****قال بعضهم: الحمد حالة نفسية، والشكر سلوك، فليس هناك سلوك شاكر إلا على أساس حالة حمد، فإذا لم يكن عند الإنسان حالة حمد فسلوكه باطل، وهو في حالة نفاق ومداهنة:
(( الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده.))
[عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عمرو]
*****الحمد أولاً والشكر ثانياً، قال تعالى:
﴿ اعْمَلُوا آَلَ داود شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) ﴾
(سورة سبأ)
*****الشكر عمل،
﴿ اعْمَلُوا آَلَ داود شُكْراً ﴾
*****أما الحمد فهو حالة نفسية، أحياناً يقدم لك إنسان خدمة تحس أنك ممتن من أعماقك منه، تعبر عن الامتنان أحياناً بخدمة، أحياناً بكلمة طيبة، أحياناً بقولك جزاك الله عني كل خير، ولكن هذا الكلام أو هذه الخدمة أساسها حالة نفسية شعرت بها هذا هو الحمد.

نووْور~
11-03-2012, 07:54 AM
نعمة الرضا أكمل نعمة:
*****أنت في الصلاة تصلي الفرض، الفروض فقط في اليوم سبعة عشر ركعة، ومثلها سنن، يعني تقول: الحمد لله في الصلاة حوالي أربعين مرة، هل أنت في مستوى هذه الآية ؟ يعني راض عن الله عز وجل، راض عن صحتك، عن دخلك، عن ضيقك، عن عملك، راضٍ وأنت من أصحاب الدخل المحدود، أم ترى نفسك دائماً أنك محروم، إذا كان دخل الرجل محدوداً مثلاً يقضي عمره كله غير راضٍ، بينما يجد بائع فلافل دخله خمسة آلاف وهو أميّ، يقول صاحب الدخل المحدود: أنا حائز على شهادة ليسانس، ودخلي فقط ألف ومائتان بالشهر تقريباً، فهو دائماً غير راضٍ، أما إذا كان مؤمناً وقال: الحمد لله رب العالمين، فليس عنده حرمان أبداً، إن نعمة الرضا أكمل نعمة، لو جاءك مئة مليون في الشهر وأنت على ضلال فالنهاية إلى جهنم، أما المؤمن فكلمة الحمد لله رب العالمين تدل على أنه راضٍ عن الله عز وجل: يا رب هل أنت راضٍ عني ؟ قال: يا عبدي هل أنت راض عني حتى أرضى عنك.
*****هل أنت راض عن الله عز وجل ؟ هل تقول الحمد لله من أعماقك، من أعماق أعماقك ؟ أراضٍ، وليس عندك إلا بنات فقط، وليس عندك ولا ذكر واحد، فهل أنت راضٍ ؟ هل رأيت حكمة الله عز وجل أنه يحبك على هذا، ليس عندك أولاد إطلاقاً، بل عقيم راض عن الله عز وجل، عندك زوجة سيئة الخلق، فهل أنت راض بها ؟ هل ترى أن الله شاءت حكمته أن تكون كذلك ؟ لك عمل محدود دخله، أنت في مرض عضال مزمن بشكل مستمر تعاني من بعض الأمراض هل تقول الحمد لله رب العالمين ؟ هذه البطولة.
ليس من يقطع طرقاً بطلاً ***** إنما من يتق الله البطل
***
*****الحمد
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
11-03-2012, 07:56 AM
التفسير المطول -سورة الفاتحة - 001 - الدرس (2-2) : تفسير الأيات 2-2 ، الحمد والتوحيد
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1985-09-13


بسم الله الرحمن الرحيم
*****الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الحمد حالة نفسية مبنية على معرفة بفضل الله عز وجل:
*****أيها الأخوة المؤمنون لا زلنا في سورة الفاتحة، وفي الدرس الماضي وضحت بتوفيق الله عز وجل معنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومعنى بسم الله الرحمن الرحيم، وشرحنا طرفاً من قوله تعالى الحمد لله رب العالمين، كلمة الحمد كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( الحمد رأس الشكر ما شكر اللهَ عبدٌ لا يحمده.))
[عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عمرو]
*****الحمد حالة نفسية مبنية على معرفة بفضل الله عز وجل، فالكلمة الأولى في الإسلام "الحمد لله"، "الحمد لله" على إيجادنا، فأول نعمة هي نعمة الإيجاد، فلان الفلاني ابن فلان وُلِد في دمشق عام كذا، من أخرجك إلى هذا الوجود، قال تعالى:
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) ﴾
(سورة الإنسان)
*****إذا ولدت عام ثمانية وثلاثين فأين كنت عام ستة وثلاثين ؟ إذا وقع تحت يديك كتاب طُبع عام ثلاثين أين كنت حينما طُبع هذا الكتاب ؟ لم تكن شيئاً مذكوراً، "الحمد لله" على نعمة الإيجاد، و"الحمد لله" على نعمة الإمداد، أمدنا بكل ما نحتاج، و"الحمد لله" على نعمة الإرشاد، الإيجاد، والإمداد، والإرشاد، قال تعالى:
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) ﴾ سورة الحجرات

نووْور~
11-03-2012, 07:57 AM
الحمد مقياس للقرب من الله عز وجل:
*****كلمة "الحمد لله" إحدى أكبر شعارات المؤمن، "الحمد لله" على السراء وعلى الضراء، على الصحة وعلى المرض، على إقبال الدنيا وعلى إدبارها، على الغنى وعلى الفقر، على الزواج، وقبل الزواج، وبعد الزواج، "الحمد لله" تعني أنك تعرف أن لهذا الكون إلهاً عظيماً، هو على كل شيء قدير، فإذا حرمك من شيء فهذا حرمان معالجة لا حرمان عجز، "الحمد لله" تعني أن الذي خلقك يحبك، يحبك أكثر مما تحب نفسك لذلك يعالجك ولولا المعالجة لما اهتديت.
*****موضوع "الحمد لله" موضوع واسع جداً، لكن علماء البلاغة قالوا: الحمد مسلَّم به، لكن لمن ؟ ربنا قال: لله، كلمة الحمد تقتضي وجود نِعَم، والنِّعم ظاهرة لا ينكرها جاحد، حتى الذي ينكر وجود الله لا ينكر النعم، يقول لك: الطبيعة، استثمار المياه في الطبيعة، استثمار الخيرات، تحسين النسل، هذه موضوعات يعالجها الكفرة أيضاً، فالنعم لا ينكرها أحد، حتى الذين أنكروا وجود الله عز وجل لا يستطيعون إنكار النعم، الهواء، الماء، الطعام، الشراب، النبات، الأسماك، الأطيار، الأزهار، هذه الشروط الدقيقة جداً التي خلقها الله عز وجل موافقةً لطبيعتنا، هذه نِعم لا ينكرها أحد، ولكن المشكلة في الآية أن الحمدَ لله فقط، أما أهل الدنيا فإنهم يحمدُ بعضهم بعضاً ويشكرُ بعضهم بعضاً.
*****"الحمد لله" ؛ فصار الحمد أمراً مؤكداً لا يمكن أن تحمد الله إلا إذا عرفته، وقبل أن تعرفه لا تحمده، بل تحمد أنداداً له، تحمد شركاء تظنهم شركاءه، فالحمد تقتضي المعرفة، لذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سُمي محمداً لأنه أحمد الخلق قاطبةً، ما من مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى حمده أكثر منه عليه الصلاة والسلام، كأن الحمد مقياس للقرب من الله عز وجل، سيد الحامدين هو سيد الخلق، فاسم أحمد، ومحمد، وحامد، هذه كلها من الحمد، والله سبحانه وتعالى خلق لنا النِّعم، وعلمنا كيف نحمده عليها، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، كيف أثنى الله على نفسه ؟ بقوله تعالى:
﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾
*****لذلك فإن النبي الكريم قال:
(( عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له.))
[مسلم عن صهيب]

نووْور~
11-03-2012, 07:58 AM
الفرق بين المؤمن وغير المؤمن حالة الحمد التي يعيشها المؤمن:
(( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أتاه الأمر يسره قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال.))
[البيهقي عن عائشة]
*****إذا أردت فرقاً أساسياً بين المؤمن وغير المؤمن لا أقول: كلمة الحمد التي يقولها الناس جميعاً، بل حالة الحمد، المؤمن يعيش حالةً دائمةً من الحمد لله عز وجل، فهو شاكر، جاء من أسرة فقيرة "الحمد لله"، رزقه الله زوجة ليست صالحة، كيف يفهم هذا الأمر ؟ يفهم هذا الأمر أن الله سبحانه وتعالى رزقه هذه الزوجة ليصلحها، ويكسب بها أجراً عند الله كبيراً، رزقه الله أولاداً ذكوراً "الحمد لله"، وإن رزقه إناثاً "الحمد لله"، ذكوراً وإناثاً "الحمد لله"، جعله الله عقيماً "الحمد لله"، له وظيفة متعبة "الحمد لله"، مريحة "الحمد لله"، دخلها قليل "الحمد لله"، كبير "الحمد لله"، ولكن هناك نقطة دقيقة جداً، إياكم أن تفهموا من هذا الكلام أنه في أي وضع تحمد الله عليه ولا تحاول تحسين هذا الوضع، لا، هذا يتنافى مع أخلاق المؤمن، هو يحاول تحسين وضعه المادي، يحاول تحسين وضعه العلمي، يحاول رفع مستواه في كل الميادين، فإذا بذل كل طاقته، ووصل إلى هذا المستوى، وليس في إمكانه أن يتجاوزه فيقول: "الحمد لله"، هنا "الحمد لله".
*****قدم طالبٌ امتحاناً ولم ينجح "الحمد لله"، إذا كنت باذلاً جهدك كله فقل "الحمد لله"، لكن إذا ما درست فهذا جزاء التقصير، ليس له علاقة بالحمد، هذا جزاء التقصير، عندما يبذل الإنسان كل جهده، ولا يُحقق مطلبه عندئذ "الحمد لله" على كل حال.
*****كأني أقول: إن الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، لا أقول كلمة الحمد، بل حالة الحمد التي يحياها، المؤمن لِمَ يحمد الله ؟ لأن الله بيده كل شيء، لا إله إلا الله، وهو الغني، لم تهطل أمطار "الحمد لله"، وهو القدير على كل شيء، ليس لله عز وجل أندادٌ يمنعونه من أي تصرفٍ، صغيراً كان أم كبيراً، وهو الغني والقدير.

نووْور~
11-03-2012, 07:59 AM
النعم لا ينكرها أحد ولكن المشكلة في أن هذه النعم تُعزى لغير الله:
*****أنت تعمـل في دائرة مثلاً، المعلومات تصل إلى من هو فوقك غير صحيحة، يثنى على المقصر، ويذم المجتهد، أما العلم الصحيح فهو عند الله، لأنه سبحانه عليم، هو الغني، هو القدير، هو العليم، هو السميع، وهو القريب، تكلمت أم لم تتكلم يعلم السر وأخفى، لماذا "الحمد لله" ؟ لأنه لا إله إلا الله أولاً، لا إله إلا الله الغني، قال تعالى:
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) ﴾
(سورة الحجر)
*****إله إلا الله القدير، هو الواحد القهار، والله يحكم لا معقب لحكمه، القاضي مثلاً يحكم في قضية ثم ترفع إلى قاض آخر أعلى منه فينقض حكمه، لكن الله سبحانه يحكم لا معقب لحكمه، "الحمد لله" لأنه لا إله إلا الله، و"الحمد لله" لأنه غني، و"الحمد لله" لأنه قوي، و"الحمد لله" لأنه سميع، و"الحمد لله" لأنه بصير، و"الحمد لله" لأنه عليم، و"الحمد لله" لأنه رحيم، فلمَ لا تحمد الله عز وجل ؟
*****الحقيقة إذا عرفت أسماء الله فلا تحزن أبداً على أي حال كنت، لأنك لا ترى إلا حكمة بالغةً في تصرفات الله عز وجل، فالآية في مبدئها تشير إلى أن النعم التي أسبغها الله علينا ظاهرة، وجلية، وواضحة، وناصعة، وهي كالشمس، لا يستطيع أحد على ظهر الأرض أن ينكرها، ولكن المشكلة أن هذه النعم تُعزى لغير الله، جاء قوله تعالى:
﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ (2) ﴾
(( إن الجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلي العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي )).
[ الجامع الصغير عن أبي الدرداء بسند ضعيف ]
*****النعم لا ينكرها أحد، ولكن المشكلة في أن هذه النعم تُعزى لغير الله:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) ﴾
(سورة يوسف)

نووْور~
11-03-2012, 07:59 AM
المؤمن كلما تفتحت بصيرته يرى أن كل من يقـدم له خدمةً في الحياة إنما هي بفضل الله:
*****قد يرى بعضهم أن فلاناً الفلاني بيده نفعه وضره، هذا إشراك، قد يرى أن هذه الزوجة ملجأ له وملاذ، ولولا أن الله سبحانه وتعالى جعلها سكناً لك، ولولا أن الله سبحانه وتعالى ألقى في قلبها محبتك، أو ألقى في قلبها رجاءك لَمَا خدمتك، فالمؤمن كلما تفتحـت بصيرته يرى أن كل من يقـدم له خدمةً في الحياة إنما هي بفضل الله، وبإذن الله، والحمد لله وحده، فلذلك نعمة الصحة نعمة كبرى، وليس العجب أن يمرض الإنسان، بل العجب ألا يمرض، لأن هناك آلاف الآلاف من الشروط التي تتوافر جميعها كي تقول صباحاً: "الحمد لله رب العالمين"، الأجهزة لديك تعمل، جهاز الهضم، بدءاً من الفم، إلى اللعاب، إلى البلعوم، إلى لسان المزمار، إلى المريء، إلى المعدة، إلى البنكرياس، إلى الإثني عشر، خلايا الامتصاص في الأمعاء الدقيقة، الأمعاء الغليظة، جهاز التصفية البولية إلى الكليتين، جهاز القلب إلى الرئتين، العضلات، العظام، الجلد، هذا كله يعمل بانتظام، الجهاز الودي النظير، الجهاز العصبي، الجهاز الهرموني، الغدة النخامية، الغدة الدرقية، غدة الكظر، البنكرياس كله يعمل بانتظام، "الحمد لله"، هذه معجزة، أن تستيقظ صباحاً وتحس أنك بصحة تامة "الحمد لله".
*****أكلـت طعاماً، مَن خَلَقـه ؟ من سخره ؟ من جعلـه مناسباً لنا ؟ طعماً، ولوناً، ورائحةً، وقواماً، ومضموناً، وغذاءً، من نَوَّع هذه الأغذية ؟ البروتينات، والفيتامينات، والسكريات، والمواد الدسمة، من وزعها على هذا الطعام الذي بين أيدينا ؟ إذا أكلت لقمة خبز فمن خلق القمح ؟ الأرض، والقمر، والشمس، والبحار اشتركت في صنع هذا الرغيف، إن شربت كأس ماء من سخره لك ؟ إن لترَ الماء المحلى في دول النفط يكلف ثلاثة ريالات، أيْ عشر ليرات سورية تقريباً، هذا الينبوع ينبوع عين الفيجة الذي سخره الله لنا، والذي بلغني مؤخراً أن حوضه الجيولوجي يمتد إلى حدود كبيرة جداً، من سخره لنا ماءً عذباً فراتاً ؟ "الحمد لله" على كأس الماء، "الحمد لله" على رغيف الخبز، "الحمد لله" على هذه التفاحة التي تأكلها، إياك أن تظن أنك دفعت ثمنهـا لا، دفعت ثمن خدمتها، لو اجتمع أهل الأرض لا يستطيعون صنع تفاحة واحدة، من جعل هذه الكميات بكميات معقولة، لو كان التفاح قليلاً جداً لكان ثمن الكيلو مئتي ليرة، من يأكله إذاً ؟ من الذي عمل تناسباً بين الإنسان ومتطلباته ؟ لو أن الدجاجة تبيض في السنة بيضة لكان ثمنها ألف ليرة، أما إذا كانت تبيض كل يوم بيضة فثمنها نصف ليرة هذه معقولة، إذاً "الحمد لله"، الحليب، البيض، الجبن، اللحوم، هذه كلها من نعم الله، فهذه النعم لا يستطيع أحد أن ينكرها، لكن المشكلة في أن أهل الأرض معظمهم يعزونها إلى غير الله فجاء قوله تعالى:
﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾

نووْور~
11-03-2012, 08:00 AM
"الحمد لله" كلمة تعني الله المسير:
*****كلما تعمقت في الإيمان بالحركة تحمده بالسكون، فإذا نظرت إلى ابنك قلت: "الحمد لله"، من جعله بهذه الصورة الحسنة، إذا نظرت إلى زوجتك، أو دخلت إلى بيتك، وأشعلت المدفئة، وأدرت المروحة، من سخر هذه القوى ؟ من أودع في الأرض هذه المادة التي تُسمى الطاقة، وعن طريقها تولدت الكهرباء ؟ "الحمد لله".
*****"الحمد لله" كلمة تعني الله المسير، هناك خالق ورب وإله، فالخالق الذي خلق، والرب هو الممد، والإله هو المسير، وتقريباً لأذهانكم أقول: هذه السيارة لها معمل صنعها، وتحتاج إلى إمداد مستمر بالزيت والوقود، وما إلى ذلك، وتحتاج إلى من يقودها، فالذي يسيرها اسمه المسيِّر، والذي يمدها اسمه الرب، والذي صنعها اسمه الخالق، فإذاً "الحمد لله" لأن أمورك جميعها، صغيرها وكبيرها، عظيمها وحقيرها، دقيقها وكبيرها، بيد الله عز وجل، إليه يُرجع الأمر كله، هذا هو التوحيد.
*****إذا كنت تريـد أن تلخص الإسلام في كلمات ففي كلمة " لا إله إلا الله"، وكلمة "الحمد لله" هو كل شيء، ويحمد على كل شيء، وهو الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، يحمد على كل شيء، و"الحمد لله" الذي لا يُحمد على مكروه سواه.
*****ما من حادث يقع، ما من مصيبة تقع، ما من فقر ينزل بإنسان، ما من مرض يلحق بجسم إنسان إلا بأمر الله، قال تعالى:
﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) ﴾
(سورة الحديد)
*****وقال:
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) ﴾
(سورة آل عمران)
*****هذا هو التوحيد، وهذا هو الحمد، وكأنني بهذه الآية أدرك أن عبارة "الحمد لله" جمعت لا إله إلا الله والحمد لله.

نووْور~
11-03-2012, 08:02 AM
الدين كله توحيد وحمد:
*****"الحمد لله" جمعت التوحيد والحمد، وهذا هو الدين كله، توحيد وحمد، وبعد النظر إلى المشركين تجد الشركَ وسخطَ الكافر السماتِ العميقةَ بتفكيره وتصرفاته، أول شيء لديه الشرك، فلان، وفلان، وفلان، يرجو فلاناً، يخاف فلاناً، يتمنى رضاء فلان، يحسب لفلان حساباً، يعيش بدوامة الشرك، قلبه فارغ، يكاد ينفطر خوفاً من فلان، يكاد يذوب حباً بفلان، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((لو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً.))
[البخاري والبيهقي عن ابن عباس]
*****ليس هناك إنسان أحبَّ إنساناً على وجه الأرض كحبِّ سيدنا أبي بكر لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك "الحمد لله"، من سخر هذا الصديق لهذا النبي العظيم ؟ الله عز وجل، لو خُلِق الصِّديق عام ألف وخمسمئة وخمسين لما التقى معه، من جعله بعصره ؟ الله عز وجل، إذاً الحمد لله رب العالمين.
*****نسأل كل واحد منا: من جمعك بهذه الزوجة ؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي قدَّر وجمع، من رزقك هؤلاء الأولاد ؟ الله سبحانه وتعالى، من أعطاك هذا الذكاء فحصلت، وأصبحت لك خبرات ترتزق منها ؟ الله سبحانه وتعالى، طبيب، محامٍ، مهندس، مدرس، خبير ببعض الحاجات، بيده مصلحة بأعلى مستوى تدر عليه أرباحاً طائلة، "الحمد لله"، لو أن نقطة دم كرأس الدبوس تجمدت في أحد شرايين الدماغ لفقدت كل ذاكرتك وخبراتك.

نووْور~
11-03-2012, 08:02 AM
الكافر دائماً ساخط على كل شيء ويشك في حكمة الله:
*****فلان خبير بهذه المصلحة، عمله نظيف جداً، حتى تتمكن من إنجاز عمل عنده تحتاج إلى شهرين، الفضل لمن ؟ لله عز وجل، إن كنت طبيباً ناجحاً، أو مدرساً ناجحاً، أو تاجراً ناجحاً، أو صاحب معمل ناجحاً، أو كان عندك مشروع زراعي ناجحٌ، أو كنت أباً ناجحاً أو كنت موفقاً في زواجك فـ "الحمد لله" رب العالمين، هذا هو الدين كله توحيد وحمد، الكافر يحيا في شرك وسخط، الكافر دائماً ساخط على كل شيء، متشائم، دائماً يشك في حكمة الله، أحياناً يقول لك: فلان ليس أهلاً للنعمة، يستكثر نعمة الله على بعض عباده، ويستقلها على آخرين، كأنه شاك في حكمة الله، مع أنك لو تعمقت في الأمور وكُشف الغطاء، وأطلعنا الله على كل شيء لكان هذا هو الصواب و لقلنا: الحمد لله رب العالمين، قال تعالى:
﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ "الحمد لله" رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) ﴾
(سورة يونس)
*****تحدث في الأرض زلازل، وفيضانات، وبراكين، وأعمال عنف، وهناك قوي وضعيف، فيها صحة، فيها فقر مدقع، فيها مجاعات، الحمد لله رب العالمين، لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع.
*****لكن المشكلة أن هذه الحياة الدنيا بالنسبة إلى الدار الآخرة لا شيء، لذلك ربنا سبحانه وتعالى قد يضحي بها من أجل الهداية، فإذا أغلق صاحب المحل محله مثلاً والصانع نسي شمعة مشتعلة، وفي الساعة الثانية ليلاً أبلغوه أن المحل احترق، المحل فيه بضاعة بثلاثة ملايين، فإذا أخذ يصلي على أثر هذا الحريق فهذا عند الله حكمة بالغة، أما عند الناس فماذا يقولون ؟ ليت هذا الصانع لم ينس الشمعة مشتعلة، هي عند الله حكمة بالغة، لأن هذا المحل بكل هذه البضاعة التي احترقت إذا أثمر احتراق المحل توبة لصاحبه فهذا خير كبير لا يعلمه إلا عند الموت.

نووْور~
11-03-2012, 08:03 AM
لو كُشفت للإنسان الحقائق لما اختار إلا أن يكون كما كان:
*****قال تعالى:
﴿ يَومَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَونَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُون (42) ﴾
(سورة يونس)
*****أي يُكشف عن كل شيء ساقه الله إليك،
﴿ وَيُدْعَونَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُون﴾
*****خجلاً، وصغاراً، وشعوراً بالخزي، والعار، وكانوا يدعون إلى السجود من قبل وهم سالمون، فـ"الحمد لله" رب العالمين، وقع هنا بعض العلماء في حيرة، أيهما أفضل كلمة "لا إله إلا الله" أم "الحمد لله" ؟
*****ملخص الملخص قال الإمام الغزالي: " ليس في الإمكان أبدع مما كان "، بعضهم فهمَ هذا الكلام فهماً مغلوطاً ؛ والصواب في فهم العبارة: ليس في إمكان المخلوق أبدع مما أعطاه الله عز وجل، الذي أعطاك الله عز وجل هو أنسب شيء إليك، ولو كُشفت لك الحقائق لما اخترت إلا أن تكون كما كنت.
*****بعض الناس يتمنى الغنى، بعض الناس يتمنى الصحة، لو كُشفت لك الحقائق لن تتمنى إلا أن تكون كما كنت لأن الله عز وجل يعلم ما كان، ويعلم ما يكون، ويعلم ما سيكون، ويعلم ما لم يكن، لو كان كيف كان يكون ؟ لذلك ليس في الإمكان أبدع مما كان.
*****هذه الزوجة أنسب امرأة لك، يقول معترضاً: لأن الحق على أمي، لا ليس الحق على أمك، خطبتها بسرعة، كانت مستعجلة، رأوها في الليل، وقعوا في الغش، ليس في الإمكان أبدع مما كان، علامة واحدة تصير مهندساً، ليس في الإمكان أبدع مما كان، اسمي ورد في القائمة، آخر اسم، كنت سأوفد في بعثة، ليس في الإمكان أبدع مما كان، لو نظرت إلى الأمور بعين التوحيد لرأيت أن الله وحده بيده كل شيء، قدَّم وأخر، سمح ومنع، يسَّر وعسَّر، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً:
(( إن الله إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه.))
[الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس]

نووْور~
11-03-2012, 08:05 AM
الذي ساقه الله إليك مبني على علم وحكمة وخبرة ورحمة:
*****قال تعالى:
﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) ﴾
(سورة الرعد)
*****وقال:
﴿ يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) ﴾
(سورة فاطر)
*****"الحمد لله" رب العالمين كلما تعمقت في الإيمان ازددت تمثلاً بهذه الآية، كم جزئية في حياتك ؟ أعتقد أن في حياة أحدنا خمسين ألف أو مئة ألف جزئية، نوع بيته، ذاكرته ضعيفة قليلاً، "الحمد لله" أنسب شيء معلوماته، ما عنده إمكانية لدخول فروع علمية، هكذا خلقني الله، أنا أحب الحفظ عند مذاكرة الدروس، الحمد لله رب العالمين، يعني إمكاناتك الفكرية والجسدية قدرُك، جعلك طويلاً وقوياً، أو جعلك ضعيفاً، جعلك من أسرة غنية، من أسرة فقيرة، جعلك في بيئة راقية في بيئة متخلفة، كله ليس في الإمكان أبدع مما كان، يعني ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، هذا الذي أعطاك الله عز وجل، لو كُشف لك الغطاء لما اخترت غيره، وقد يكون هذا الشيء طريقك إلى الجنة، الفقر هو الهادي، قال تعالى:
﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) ﴾
(سورة الرعد)
*****يهتدي إنسان عن طريق الفقر، ويهتدي آخر عند موت أحد أقاربه، وثالث يهتدي بمصيبة مؤلمة، أو بإكرام كبير، هذا الذي ساقه الله إليك مبني على علم، وحكمة، وخبرة، ورحمة، "الحمد لله"، الله المسير الذي لا إله إلا الله، لا مسير غيره، لا رافع، ولا خافض، ولا معز، ولا مذل، ولا معطي، ولا مانع، ولا قابض، ولا باسط إلا الله عز وجل، الحمد لله رب العالمين.

نووْور~
11-03-2012, 08:05 AM
كل إنسان يتلقى من الله عز وجل تربيتين ؛ تربية لجسمه، وتربية لنفسه:
*****الإله نفسه رب العالمين، الممد، هذا عطاؤنا، المياه من عطاء الله عز وجل، نهر الأمازون ثلاثمئة ألف متر مكعب بالثانية ، نبع الفيجة أحياناً بأيام الخير يفيض، يلبي حاجة دمشق بكاملها ويفيض عن حاجتها، نصف كثافته يرفد بها نهر بردى، ربنا ممد فأمدنا بالماء.
*****أحياناً يكون هناك شح في الماء، ترى النباتات صفراء، قال لي صديق: والله دفعت في الأسبوع الماضي خمسمئة ليرة، كل أربعة أيام أدفع خمسمئة ليرة ثمن ماء لسقي المزروعات في المزرعة، الأمر صعب جداً وإلا تموت الأشجار، فالذي أمدنا بالماء هو الله سبحانه وتعالى، نهر الفرات يبلغ عرضه أحياناً في أيام الفيضانات أحد عشر كيلو متراً، بعمق كبير جداً، الآن إذا مشى الإنسان فيه لا يتجاوز مستوى الماء ركبتيه، الحمد لله رب العالمين على عطائه، وعلى منعه، عطاؤه عطاء، ومنعه عطاء، الحمد لله رب العالمين، المُمِدُّ بكل نعمة، لكن ربنا عز وجل يمد هذه الأجسام بكل ما تحتاجه من الهواء، إلى الماء، إلى الطعام، إلى الشراب، إلى كل شيء، سواء أكان هذا الشيء أساسياً أو ثانوياً، الأساسي الطعام والشراب، والثانوي الأزهار هل تؤكل هذه ؟ لا، هذا الجمال الذي بثه الله في الأرض، هذه السماء التي زينها بالنجوم، هذه الأماكن الجميلة التي جعلها منتجعاً لنا كلها من عطاء الله، الحمد لله رب العالمين.
*****لكن معنى الربوبية يشمل التربية النفسية أيضاً، فكل أنواع المصائب مشتقة من قولـه تعالى: الحمد لله رب العالمين، الأب مثل مصغر، يمد ابنه بكل ما يحتاج، حاجاته، أدواته، كتبه، دفاتره، ألبسته الصيفية والشتوية، غرفته بما فيها من تدفئة، طاولة إنارة، سرير، وسائد مثلاً، فرش وثيرة، أغطية مناسبة صيفية وشتوية، هذا إمداد، فإذا ضبطه يكذب فقد يضربه، والضرب أيضاً تربية، فالتربية لها معنيان ؛ معنى الإمداد بما تحتاجه من مواد، والمعنى الثاني التربية النفسية، فكل إنسان يتلقى من الله عز وجل تربيتين ؛ يتلقى تربية لجسمه، ويتلقى تربية لنفسه، فكل ما يحدث لك فهو من الله عز وجل، بناءً على واقعك، وعلى نفسيتك، الحمد لله رب العالمين.

نووْور~
11-03-2012, 08:07 AM
*****في درس سابق قلت لكم: إن كلمة "رب" تقتضي العلم، وتقتضي الخبرة، وتقتضي الغنى، وتقتضي الإشراف الدائم، وتقتضي الحكمة، وتقتضي الرحمة، لا بد أن يكون رب العالمين قوياً، وغنياً، وحكيماً، وعليماً، وخبيراً، ورحيماً، وقيوماً، دائم الإشراف، لا يُسمى المربي ناجحاً إذا غاب عن الذي يربيه، لا يُسمى المعلم ناجحاً إذا تغيب عن الطلاب، لا بد أن يكون رب العالمين قوياً، وغنياً، وقديراً، وحكيماً، ورحيماً، ودائم الإشراف، وقيوماً، الحمد لله رب العالمين.
*****كلمة "رب" فيها عطاء، ربنا عز جل ما قال: الحمد للإله، ما قال: الحمد للخالق، بل قال: الحمد لله رب العالمين، أي أن لك رباً، ذات مرةٍ سمعت في الطريق رجلاً يقول وهو في حالة غضب: مَنْ ليس له أب ليس له رب ؟ تأثرت بهذه الكلمة، قد ينشأ أحدنا يتيماً ولا أب له، لكن الله موجود.
وإذا العناية لاحظتك جفونها ***** نم فالمخاوف كلهن أمان
***
إذا أعطاك فمـن يمنعــه ***** ثم من يعطي إذا ما منعك
***
كن مع الله تر الله معــك ***** واترك الكل وحاذر طمعك
***
﴿الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) ﴾
*****الرحمن في ذاته، الرحيم في أفعاله، ذاته رحيمة، هناك تطابق كامل بين أفعاله وبين ذاته، أحياناً تكون هناك مسافة بين الإنسان وبين أفعاله وبين نفسيته، هناك مسافة بين أفعاله وبين نفسيته، قد يفعل عملاً فيه رحمة ولكن قلبه قاس كالحجر، الظروف اضطرته لذلك، ذكاؤه أرشده لذلك، لكن الله سبحانه وتعالى رحمن رحيم ؛ رحمن في ذاته، رحيم في أفعاله.

نووْور~
11-03-2012, 08:08 AM
الرحمن يعذب أما الرحيم لا يعذب:
*****قال سبحانه حكاية سيدنا إبراهيم:
﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (45) ﴾
(سورة مريم)
*****الرحمن يعذب أما الرحيم لا يعذب، انظر إلى دقة الآية السابقة، ربنا عز وجل رحمن في ذاته، تقتضي رحمته أن يسوق لعبده بعض الشدائد، هذه الشدائد تُسمى شدائد، أما الرحمة فهي رخاء، لذلك قال ربنا عز وجل:
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)﴾
(سورة الأنعام)
*****انظر الإعجاز أي تقتضي رحمته ألا يرد بأسه عن المجرم، قال تعالى:
﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (45) ﴾
(سورة مريم)
*****الرحيـم صفة أفعاله، أما الرحمن صفة ذاته، ماذا بقي ؟ هو الإله، وهو الرب، وهو الرحمن الرحيم، والرحمن الرحيم اسم جامع لأسماء الله الحسنى، فقوته من رحمته، ولطفه من رحمته، وبطشه من رحمته، وأفعاله نابعة من رحمته، لذلك هناك أسماء جامعة، الرحيم من الأسماء الجامعة.

نووْور~
11-03-2012, 08:09 AM
إذا جاء يوم الدين فلا اختيار لك وكل شيء أصبح ملكاً لله وحده:
*****لكن:
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ﴾
*****لو عقلنا معناها لارتعدت فرائصنا، أنتم الآن مخيرون ما دام في القلب حياة، ما دام القلب ينبض فأنت مخير، كل شيء ممكن الآن، الإصلاح ممكن، والتوبة ممكنة، قال تعالى:
﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى (82) ﴾
(سورة طه)
*****لكن:
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ﴾
*****إذا جاء يوم الدين فلا اختيار لك، هذه الأمانة التي أودعها الله فيك، هذا التكليف وهذا الاختيار الذي منحك الله إياه، هذا الكون الذي وهبه الله لك، هذا العقل والفكر الذي ميزك الله به كله انتهى،
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ﴾
*****وهو في الدنيا مالك، وأنت مختار، لكنه في الآخرة ملك كل شيء، وملك اختيارك، إذاً لا تستطيع أن تفعل شيئاً يوم الدين، يوم الجزاء، الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، قال عليه الصلاة والسلام:
(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))
[ أخرجه الشيرازي والبيهقي عن جابر ]
*****افعل ما شئت، أعط أولا تعط، اعدل أو اظلم، أحسن أو لا تحسن، اعملوا ما شئتم فإن يوم الدين هو يوم الجزاء، عاملت زوجتك بالإحسان، فهو لك، وإن أسأت فعليك، أنفقت مالك في سبيل الله فهو لك، لم تنفق فمغبة البخل عليك.
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (286) ﴾
(سورة البقرة)
*****وقال:
﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) ﴾
(سورة الروم )

نووْور~
11-03-2012, 08:10 AM
الآية التالية تحض على العمل الصالح:
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ﴾
*****إذا جاء ملك الموت انتهى كل شيء، الاختيار انتهى، والأمانة انتهت، والشهوات نزعت، والكون طوي، والفكر تعطل، كل شيء انتهى، يوم الدين يوم الجزاء والله مالكه، أما الآن فأنت تملك الاختيار، مخير أن تتوب أو لا تتوب، أن تسيء أو تحسن، لكن يوم الدين ينتهي فيه الاختيار، كأن هذه الآية تحضك على العمل الصالح، فإياك أن تصل إلى هذا اليوم وليس لك عمل صالح تلقى الله به، لذلك:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) ﴾
(سورة آل عمران)
*****يوم الدين يوم جزاء، نحن الآن في يوم عمل، في العام الدراسي مثلاً، الطالب يأتي للمدرسة، يحب أن يدرس أو لا يدرس، يجتهد أو لا يجتهد، يراجع أو لا يراجع، يذاكر أو لا يذاكر، يكتب وظائفه أو لا يكتبها أو ينقلها من رفاقه، يستطيع لأنه مخير، لكن إذا قُرع جرس الامتحان في آخر العام وطرحت الأسئلة هذا اليوم يوم الجزاء، وفي الامتحان يكرم المرء أو يهان، أما في أثناء العام الدراسي فلا إهانة للكسول، معه مهلة، أُعطي فرصة، ونحن الآن كذلك، الآن نحن في فرصة، أنت حر، تحب أن تأتي إلى هذا المجلس أو لا تأتي، هناك من يسهر وراء جهاز لهو، يقول لك: والله هذه المحطة أمتع، لكن تلك المحطة ناشفة وبرامجها هزيلة، اليوم دار عمل، لكن الآخرة دار جزاء، قالوا: الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، في الآخرة انتهى الاختيار وانتهى التكليف، انتهت كلمة حرام وحلال، أنت في جنة عرضها السماوات والأرض، لا غض بصر في الآخرة، ولا استيقاظ لصلاة الصبح باكراً، وليس هناك بذل مال، ولا مشي في الشمس، ولا حر، في جنة عرضها السماوات والأرض.

نووْور~
11-03-2012, 08:11 AM
جزاء المؤمن يوم الدين كما وردت في بعض آيات الذكر الحكيم:
*****قال ربنا عز وجل:
﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) ﴾
(سورة يس)
*****هنيئاً لهم، هذا الوقت:
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ﴾
(سورة الصافات)
*****وقال:
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾
(سورة المطففين)
*****وقال:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) ﴾
(سورة الذاريات)
*****وقال:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) ﴾
(سورة الحاقة)

نووْور~
11-03-2012, 08:12 AM
جمع القرآن في الفاتحة:
*****نحن الآن في دار عمل، ويوم الدين دار جزاء وحساب، أما إذا وصل الإنسان إلى يوم الدين فقد انتهى كل شيء، انتهى اختياره، وانتهت الفرص كلها، أمّا الآن فالفرص كلها مفتحة، أبواب الرحمة مفتحة، أبواب التوبة مفتحة، أبواب الاستقامة مفتحة، أبواب العمل الصالح مفتحة، لكن إذا جاء يوم الدين انتهى كل شيء، انتهت حرية الاختيار، انتهت الدنيا، ليس التعامل هناك بالأموال بل بالحسنات والسيئات، يؤخذ من حسنات المسيء ويعوض بها عما اغتصبه:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾
(سورة الشعراء)
*****بعد هذه المقدمة:
﴿الحَمدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾
*****حينمـا قال النبي عليـه الصلاة والسلام:
(( جمـع القرآن في الفاتحة ))
[ورد في الأثر]
*****والله معه الحق، لأن كل شيء في الفاتحة، الألوهية، والحمد، والربوبية، واسم الله الأعظم:
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
*****والمصير الذي لا مفر منه،
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
*****الآن موقفك المنطقي ؛
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
*****لو أن الله عز وجل قال: نعبد إياك لاختلف الأمر، إذا سبق المفعول به الفعل فهذا أسلوب الحصر ؛ أيْ نعبدك ولا نعبد أحداً معك، لو قال: (نعبد إياك) شيء، و(إياك نعبد) شيء آخر، لذلك فإن أعلى مرتبة يبلغها الإنسان في الأرض أن يدرك أن حق العبادة لله وحده، وأعلى مقام بلغه النبي أنه كان عبداً لله، عبداً حقيقياً، فتطابقَ اختياره مع أمر الله تماماً، نحن أحياناً لا يتطابق اختيارنا مع أمر الله، نطبق مثلاً تسعين بالمئة، وهناك مثلاً عشرة بالمئة لم تطبقها في عملك، فلست إذاً عبداً كاملاً، أما العبودية الكاملة أن يكون اختيارك موافقاً مئة بالمئة لما أمر به الله عز وجل، إذاً أنت عبد لله، وإن لم تكن عبداً لله فلا بد أن تكون عبداً لشهواتك:
(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ ))
[ البخاري عن أبي هريرة ]
*إن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لشهوتك، وإن لم تكن عبداً لشهوتك فأنت عبد لعبد من عبيد الله، فأنت عبد لعبد لئيم، كن للهِ عبداً فعبد الله حر.

نووْور~
11-03-2012, 08:13 AM
العلة الكبرى لخلق الإنسان على وجه الأرض أن يعبد الله:
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾
*****إن العبادة طاعة تامة، مبنية على معرفة، ومنتهية بسعادة، التعريف الدقيق: طاعة تسبقها معرفة، وتعقبها سعادة، وإلا لما كانت لها هذه الأهمية، قال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾
(سورة الذاريات)
*****العلة الكبرى لخلق الإنسان على وجه الأرض أن يعبد الله، أي أن يعرفه فيطيعه ويسعد بقربه،
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾
*****لا نعبد إلا إياك، قال تعالى:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
(سورة الأنبياء)
*****التوحيد والعبودية لله عز وجل قال تعالى:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
(سورة الأنبياء)
*****وقال:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16)﴾
(سورة طه)
*****والله هذه الآية تكفي، الكافر عنده أمل طويل.

نووْور~
11-03-2012, 08:14 AM
الركوع هو الإعلان عن الخضوع لله والسجود هو طلب العون منه:
*****قال تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾
(سورة الكهف)
*****نهيٌ إلهيٌ عظيم جداً
﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
*****قال تعالى:
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾
*****لكن العبادة لله عز وجل تحتاج إلى عون من الله عز وجل، فأنت في الركوع تعلن عن خضوعك لله، وفي السجود تطلب العون منه، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( لكل سورة حظها من الركوع والسجود.))
[البيهقي عن أبي العالية]
*****تقول:
﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
*****الأنبياء الصديقين، الصالحين، المؤمنين، أهل العقل، أهل اللب الطيب، وذوي النفوس الزكية.

نووْور~
11-03-2012, 08:14 AM
الفرق بين " المغضوب عليهم" و "الضالين":
*****قال تعالى:
﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
*****هناك أناس عرفوا وعصوا هؤلاء الذين غضب الله عليهم، وهناك أناس ما عرفوا الله عز وجل فهؤلاء هم الضالون:
﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
*****يقول لك الله عز وجل وكأنه يخاطبك في الصلاة:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) ﴾
(سورة النور)
*****في الركوع تقول: "سبحان ربي العظيم"، أي خضوعاً لك يا رب بهذا الأمر، أنا خاضع لك، أنا مطيع لك، في السجود تقول: "سبحان ربي الأعلى"، يا ربي أعني على تنفيذ هذا الأمر، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( لكل سورة حظها من الركوع والسجود.))

[البيهقي عن أبي العالية]

نووْور~
11-03-2012, 08:15 AM
آيات من الذكر الحكيم عن ضعف الإنسان:
*****كل آية تقرؤها في الصلاة لها ركوع خاص بحسب مضمونها، ولها سجود خاص بحسب مضمونها، تبدأ:
﴿الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
*****لا نعبد إلا إياك، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لكننا ضعاف:
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28) ﴾
(سورة النساء)
*****وقال:
﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) ﴾
(سورة يوسف)

نووْور~
11-03-2012, 08:16 AM
إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
*****على عبادتك، إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك.
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾
*****عندئذ تتوجه إلى الله عز وجل:
﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
*****هؤلاء الناجحون، هؤلاء المفلحون، هؤلاء المؤمنون السعداء في الدارين، الذين عرفوك، وأطاعوك، وتقربوا إليك، وعقلوا عنك، وسعدوا بقربك،
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾
*****من يطع الله ورسوله يحشره الله عز وجل مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
*****هؤلاء الذين عرفوا الله، وحادوا عن شريعته، سمعنا وعصينا، هذا الذي يقول: نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، وثمة أدعية من صنع أحدهم: أمرتنا فما ائتمرنا، ونهيتنا فارتكبنا، ولا يسعنا إلا فضلك، هؤلاء مغضوب عليهم.
﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾

نووْور~
11-03-2012, 08:17 AM
البطولة أن تقرأ الفاتحة وأنت متمثل لمعانيها:
*****عرفت الله وتعصيه، قال رجل لابن الأدهم: ائذن لي بالمعصية، قال: أشياء خمس إذا فعلتها لن تضرك المعصية، قال: وما هي ؟ قال: إذا أردت أن تعصيه فلا تسكن أرضه، قال: وأين أسكن إذاً ؟ قال: فكيف إذاً تسكن أرضه وتعصيه ؟ قال: الثانية ؟ قال: إذا أردت أن تعصيه فاجهد ألا تأكل من رزقه، قال: وماذا آكل إذاً ؟ قال: كيف إذاً تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه ؟ قال: هات الثالثة، قال: إذا أردت أن تعصيه فاجتهد ألا يراك، قال: وكيف لا يراني وهو رب العالمين ؟ قال: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه، ويراك ؟‍‍‍‍‍! لذلك:
﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
*****نختم هذا الدرس بقوله عليه الصلاة والسلام:
(( القرآن كله في الفاتحة ))
[ورد في الأثر]
*****تقرؤها في كل ركعة:
(( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ))
[متفق عليه عن عبادة بن الصامت]
*****البطولة أن تقرأ الفاتحة، وأنت متمثل لمعانيها.
﴿ الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
الإنسان عندما يطيع الله عز وجل وهو مفتقر إليه يعينه على طاعته:
*****عند إياك نعبد، وإياك نستعين بدأ موقفك العملي، ما دام الله سبحانه وتعالى رب العالمين، وهو الرحمن الرحيم، الذي لا إله إلا هو، يُحمد على كل شيء، فماذا تنتظر ؟!!
والحمد لله رب العالمين

sally
11-03-2012, 03:43 PM
جزاك الله خير يانووور

الله يرحمه يارب

ويجمعنا معها بجناته يااااااارب

3ąŧЋβ
11-03-2012, 07:26 PM
جزاك الله كل خير

ورحم الله الفقيدة رحمة واسعه

نووْور~
11-03-2012, 07:29 PM
التفسير المطول -سورة البقرة 002 - الدرس(01ـ 95): مقدمة عن اسم السورة ـ الآيات المكية والمدنية
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-06-26


بسم الله الرحمن الرحيم
*****الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*****أيها الأخوة الكرام نبدأ اليوم تفسير سورة البقرة، ولهذا سبب سأوضِّحه لكم قبل أن أشرع بالتفسير، مضى على هذا الدرس أيها الأخوة بفضل الله جلَّ جلاله أكثر من خمسٍ وعشرين عاماً، كان التفسير في البدايات آيات مختارة من القرآن الكريم، ثمَّ بَدَأْتُ من سورة لقمان، وتابعت إلى نهاية المصحف، بدأ التسجيل الواضح من جزء عمَّ، وقبل هذا الجزء التسجيلات غير واضحة، ثم رجعت إلى سورة يونس، وتابعت التفسير إلى سورة لقمان، وكان وقتها بحسب الخطة أن أعود إلى سورة البقرة، أي فسرت الثلث الأخير، عشرة أجزاء، ثم الثُلث الثاني، ثم الثلث الأول، لسببٍ أو لآخر تابعت التفسير إلى نهاية الجزء التاسع والعشرين، جزء عم مُفَسَّر بشكل واضح جداً، ومسجَّل بشكل واضح جداً، فحسب الخطة نعود الآن إلى القسم الأول، لأن كل السور من هود إلى نهاية المصحف مفسـَّرة ومسجلة على أشرطة واضحة جداً، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يمكنني من تفسير الثلث الأول.
كل شيءٍ في الدنيا زائل إلا عملاً يتصل بالآخرة:
*****اليوم نبدأ تفسير سورة البقرة، ولكن أُقَدِّم لكم هذه الحقيقة، أي شيءٍ في الدنيا زائل إلا عملاً يتصل بالآخرة، وكل واحد من الأخوة الحاضرين إذا لم يكن له عمل متعلق بالآخرة فهناك خسارة كبيرة ؛ الدنيا تمضي، البيوت تزول، لاحِظوا: الميت ترك كل شيء إلا عملاً صالحاً ينزل معه في قبره، فالله عزَّ وجل يقول:
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (108) ﴾
(سورة يوسف)
*****كُلُّ من يتبع نبي الله صلى الله عليه وسلم يجب أن يدعَو إلى الله بطريقةٍ أو بأخرى، وقلت لكم من قبل: استقيموا يُسْتَقَم بكم، الموقف الصادق دعوة، الموقف الأمين دعوة، الوَرَع دعوة، الصدق دعوة، الإتقان دعوة، قد يكون لكل واحد عمل طيّب، هذا العمل يُسَبب اتساع دائرة المسلمين، فالدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، والدعوة إلى الله في حدود ما تعلم ومع من تعرِف، وكل إنسان جلس في مجلس علم، واستمع إلى تفسير صار مؤاخذاً، صار مسؤولاً، صار مكلَّفاً أن ينقل هذا إلى الآخرين إما بلسانه، أو بشريط، أو بلقاء، لا بدَّ أن تُلْقي بعد أن استمعت، لا بد أن تعطي بعد أن أخذت، وهذا الذي يبقى، الذي يحَرِّك المؤمن في الدعوة إلى الله حديثٌ لرسول الله، والله أيها الأخوة لو تلوت هذا الحديث على مسامعكم آلاف المرات لا أشبع منه:
((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها ))
[ البخاري عن سهل بن سعد ]
(( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
(( خير له مما طلعت عليه الشمس ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ]
الجهاد الدَعَوي من أكبر أنواع الجهاد:
*****الجهاد كما تعلـمون ذِروة سنام الإسلام، ومن مات ولم يجاهد، ولم يحدِّث نفسه بالجهاد مـات على ثلمةٍ من النفاق.
*****الجهاد الدَعَوي من أكبر أنواع الجهاد، والدليل قال تعالى:
﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52) ﴾
( سورة الفرقان)
*****جميل جداً أن يمتلئ المسجد بطُلاَّب العلم، والأجمل من هذا أن ينتشر هذا العلم خارج المسجد، جميل جداً أن يفكِّر كُلٌ منا كيف ينْقُل الحق إلى أخيه، إلى صديقه، إلى جاره، إلى موظفي محلِّه، إلى زملائه، إلى أقربائه، لأننا جميعاً كل الأخوة الحاضرين طرفٌ واحد، ولكن البطولة أن تُدخل إلى هذا المجموع الطيِّب إن شاء الله أطرافاً جديدة، فكل واحد مكلف أن يبحث من أقربائه، من زملائه، من جيرانه، من أتباعه، ممن هم دونه، ممن هم فوقه، بطريقةٍ أو بأخرى لنشر هذا الحق، هذا الذي يبقى، وترون كيف يموت الناس ولا يأخذون معهم شيئاً، إلا عملاً صالحاً ابتغوا به وجه الله عزَّ وجل، فتعليم العلم من أعظم الأعمال الصالحة، نشر الحق صنعة الأنبياء:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) ﴾
( سورة فصلت)
كلما اتسع الحق صارت الاستقامة سهلةً:
*****بدأ هذا الدرس أيها الأخوة في عام 1976 بأربعة أشخاص فقط، وترون هذا الإقبال ـ وهذا من فضل الله عزَّ وجل ـ هؤلاء الذين يأتون لطلب العلم، ولمعرفة كلام الله عزَّ وجل، وسنة رسوله، هؤلاء يبتغون وجه الله عزَّ وجل، فالبطولة أن تتعلم، وأن تُعَلِّم، وأن تستمع، وأن تُلْقي، وأن تتلقَّى، وأن تعطي، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ))
[ البخاري عن عثمان ]
*****على الإطلاق، خيرية مطلقة، وكلما اتسعت دوائر الحق ضاقت دوائر الباطل، وكلما اتسع الحق صارت الاستقامة سهلةً، قال تعالى:
﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) ﴾
( سورة النور)
*****وقال تعالى:
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا (103)﴾
( سورة آل عمران )
*****الفضل لله عزَّ وجل، وهذا القرآن الكريم مائدة الله، وهذا القرآن الكريم حبل الله المتين، دستوره القويم، الصراط المستقيم، المنهج الصحيح، هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذا الكتاب فيه نبأ من قبلكم وذكر مَن بعدكم، فيه الأمر، فيه النهي، فيه الحلال، فيه الحرام، فيه أخبار الأمم السابقة، فيه مشاهد من يوم القيامة، فالحقيقة الفضل لله عزَّ وجل أن سورة يونس والتي بعدها مُفَسَّرَةٌ بشكلٍ مفصل إلى نهاية المصحف، ومسجَّلة بأشرطة واضحة جداً، واليوم نبدأ الثلث الأول لهذا الكتاب الكريم، ونبدأ بسورة البقرة.
النقطة الأولى سميت هذه السورة بسورة البقرة تأكيداً على الإيمان باليوم الآخر:
*****قبل أن نبدأ في شرح هذه السورة لا بد أن نسأل هذا السؤال: لماذا سميت سورة البقرة، مع أن البقرة ليست حيواناً مألوفاً في الجزيرة العربية ؟ الحقيقة أن هذه البقرة التي سُمِّيَت بها السورة الأولى في القرآن الكريم بعد الفاتحة، هذه البقرة لها قصة ؛ كان هناك رجل غني جداً من بني إسرائيل، كان ثرياً جداً، ولم يكن له أولاد، فقتله ابن أخيه، وألقى الجثة بعيداً على مشارف قريةٍ بعيدة، واتُّهِمَ أهل هذه البلدة بقتل هذا الرجل، ونَشِبَ خلافٌ بين القرية الأولى والقرية الثانية، إلى أن جاء أولياء القتيل ليسألوا موسى عليه السلام عَن الذي قتل هذا الرجل، فربنا عزَّ وجل في الآية الثالثة والسبعين من هذه السورة الكريمة ذكر قصة هذه البقرة، فقال:
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
*****الأمر الإلهي أن يذبح بنو إسرائيل أيَّةَ بقرة، فإذا أخذوا أحد أعضائها، وضربوا به هذا القتيل يحيى، ويقف، ويقول: فلان قتلني، أي كأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يُثْبِت لبني إسرائيل الحياة بعد الموت ؛ نقف قليلاً لننتقل إلى موضوع اليوم الآخر.
*****الحقيقة الكبرى أيها الأخوة أنه بعد الإيمان بالله ـ وهـو الرُكن الأول ـ أن تؤمن بالـيوم الآخر، لأن الحياة الدنيا من دون إيمانٍ باليوم الآخر غابة يأكل القوي فيها الضعيف، يستغلُّ الغني الفقير، وهذا مـا يجري في العالم اليوم، هو عالم لا يؤمن باليوم الآخر، فالقوي هو الذي يسحقُ الضعيف، والغني هو الذي يستغلُّ الفقير، والأقوى هو الذي يعتدي على الأضعف.
لم ينجح مجتمع على وجه الأرض إلا مجتمعاً آمن بالله واليوم الآخر:
*****الأحداث كلُّها تشير إلى أنه لن تقوم حياةٌ إلا أن تؤمن باليوم الآخر، وكل ما يقال من كلامٍ لا معنى له ؛ ضمير يقِظ، وازع داخلي، هذا كلُّه إن لم يُدَعَّم بالإيمان باليوم الآخر لا جدوى منه، ولم ينجح مجتمع على وجه الأرض إلا مجتمعاً آمن بالله واليوم الآخر ؛ فربنا سبحانه وتعالى من خلال قصة البقرة أراد أن يبيِّن لبني إسرائيل أن هذا الذي تراه ميتاً سوف يُحْييِه الله يوم القيامة لينال جزاء عمله، فماذا فعل بنو إسرائيل ؟ هذا الأمر لم يتلقَّوه بالقبول، ولم يستقبلوه بالرضا، ولم يستقبلوه بالانصياع، بل استقبلوه بالتشكيك والسخرية:
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) ﴾
*****نبيٌ كريم يستهزئ ؟! يمزح !!
﴿ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ (68) ﴾
*****هنا..
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
*****وانتهى الأمر.
الذي يموت ذاتُهُ باقية وسوف يحاسب:
*****أية بقرةٍ تُجْزِؤكم، وأية بقرةٍ لو أخذتم أحد أعضائها وضربتم به الميت لقام، وتكلَّم، وقال: قتلني فلان، ولكن بني إسرائيل شددوا على أنفسهم:
﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا (72) ﴾
*****كل طرفٍ ألقى التهمة على الطرف الآخر:
﴿ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ﴾
*****يقول الناس عن الذي يموت: الفقيد الفلاني، هذا الذي يموت خلع ثياباً فقط، أما ذاتُهُ فباقية، وسوف يحاسب، وسوف يعيش حياةً أبدية في جنةٍ يدومُ نعيمها، أو في نارٍ لا ينفد عذابها.
تدل الآيات التي نزلت في أول الدعوة الإسلامية على شيئين:
*****أخواننا الكرام تُلحُّ الآيات التي نزلت في أول الدعوة الإسلامية على شيئين ؛ أن تؤمن بالله، وأن تؤمن باليوم الآخر، لأن الإيمان بالله لا معنى له من دون أن تؤمن أنَّه مطلعٌ عليك، وسيحاسِب، وسيعاقِب، لن تستقيم على أمر الله إن لم تؤمن أنه مطلعٌ عليك، وسيحاسب، وسيعاقب، قال تعالى:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12) ﴾
( سورة الطلاق )
*****أي إنك تستقيم حينما تعلم أن الله يعلم، وأنَّك في قبضته وسيحاسب ؛ ولن تجد إنساناً مستقيماً إلا بسبب أنه يُدْخل في حساباته اليوم الآخر ؛ والذي يثير العجَبَ أن الإنسان حينما يأكل المال الحرام، وحينما يعتدي على أعراض الآخرين، وحينما يتفَلَّت من منهج الله عزَّ وجل، كيف ينام الليل ؟ كيف يتوازن مع نفسه ؟ إذا قرأ قول الله تعالى:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾
( سورة الحجر )
خصوصية هذه الدنيا أن النعم التي أنت فيها لا بدَّ أن تفارقها عند الموت:
*****حينما يوقن الإنسان المؤمن أن كل حركةٍ، وكل سكنة، وكل تصرفٍ، وكل عطاءٍ، وكل منعٍ، وكل وصلٍ، وكل قطعٍ، وكل زيارةٍ، وكل نظرةٍ، وكل كلمةٍ سوف تَدْخُل في ميزان أعماله، وسوف يُسأل عنها يوم القيامة، عندئذٍ يستقيم الإنسان على أمر الله، ولن تجد في الأرض إنساناً مستقيماً إلا إذا كان إيمانه باليوم الآخر عظيماً، هذه الدنيا فيها نِعَم، وفيها مُتَع، وفيها شهوات، وفيها حظوظ، ما الذي يحصل ؟ هذه الحظوظ، وهذه الشهوات، وهذه المُتع، وهذه الِنعم بشكل عام إما أن تفارِقَك وأنت حي، وإما أن تفارقها عند الموت ؛ لا بدَّ من الفراق، لأنّ خصوصية هذه الدنيا أن النعم التي أنت فيها لا بدَّ أن تفارقها عند الموت، وقد تفارقك قبل الموت ؛ من هنا كان دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اللهم أمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا ))
[ رزين عن نافع مولى ابن عمر]
*****أما الدار التي لا تفارقك فيها النعم ولا تفارقها هي الدار الآخرة.
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ﴾
( سورة الصافات)
*****وقال:
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾
( سورة المطففين)
*****هناك قلق في الدنيا، الإنسان قَلِق على صحته وكلما تقدَّم به العمر يزداد هذا القلق، يا ترى أَأُصاب بالمرض الفلاني ؟ أو بالمرض الفلاني ؟ والأمراض كثيرة جداً، هذا أكبر قلق، قلقٌ على الصحة ؛ يوجد قلق على الدخل، هل يبقى هذا الدخل أم يتقلَّص ؟ هل أبقى في هذه الوظيفة ؟ هل تبقى لي هذه التجارة ؟ هل يبقى لي هذا الدخل ؟ الحياة الدنيا مشحونة بالقلق، لأنك لا بدَّ أن تُغادر الدنيا، إذاً سوف تفارق كل النعم ؛ وأوضح شاهد إذا تَبِعْتَ جنازةً، ورأيت الميت كيف يدفن، كان ساكناً في بيت، قد تكون مساحته مئتي متر، قد يكون أربعمئة متر، قد يكون بيت بأحياء دمشق الراقية، قد يكون بيتاً له إطلالة جميلة، له شرفات ومُعْتَنى به، غرف للنوم، غرف للاستقبال، غرف للجلوس ؛ فيه كل شيء، فيه تدفئة، تكييف، أين مصير صاحب هذا البيت ؟ تحت أطباق الثرى، في حفرةٍ صغيرة ؛ هذا مصيرُ كل حي.
أكثر ركنين متلازمين من أركان الإيمان هما الإيمان بالله واليوم الآخر:
*****هذه النعم، لا بدَّ أن تفارقها بالموت، وقد تفارقُكَ قبل الموت ؛ أما الآخرة فحياةٌ أبديةٌ سرمدية، حياةٌ لا نغص فيها، ولا شيخوخة فيها، ولا حُزْنَ فيها، ولا قلق فيها، ولا برد، ولا حر، ولا مرض، ولا فقر، ولا غنى، ولا قهر.
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ﴾
(سورة الصافات)
*****وقال:
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾
( سورة المطففين)
*****إذاً أراد الله جلَّ جلاله حينما جعل هذه السورة تحمل اسم سورة البقرة أن يذكِّرنا باليوم الآخر، وأن الإيمان باليوم الآخر يأتي بعد الإيمان بالله تماماً، ولو تتبعت الآيات التي تذكر الإيمان لوجدت أن أكثر ركنين متلازمين من أركان الإيمان هما الإيمان بالله واليوم الآخر ؛ والحياة الدنيا من دون إيمان باليوم الآخر غابة ؛ يأكل القوي الضعيف، يستغل الغني الفقير، شعوبٌ تُقْهَر، شعوبٌ تموت من الجوع، وشعوبٌ تُطعِم كلابها من اللحم ما لا تأكله شعوب بأكملها في جنوبي آسيا، هناك محلات، وهناك رَفاه لكلابهم يفوق رفاه بعض الشعوب ؛ حياةٌ القوي فيها هو المسيطر، والضعيف مسحوق، هذه حياةٌ دُنيا من دون يوم آخر، انظر إلى مجتمع إيماني صغير، أفراده مؤمنون باليوم الآخر، تجد الإنسان يأخذ ما له ويدع ما ليس له، قلت مرةً في موضوع الزواج: لماذا ينجح الزواج الإسلامي ؟ لأن الله بين الزوجين، لأن كل طرفٍ يخشى أن يظلم الطرف الآخر، يخشى الله، يخاف من الله أن يظلم الطرف الآخر، وكل طرفٍ يرجو رحمة الله بخدمة الطرف الآخر، فكلا الزوجين يرتقيان إلى الله، ويزداد التفاهم والوئام بينهما بسبب إيمانهما بالله واليوم الآخر.
فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه:
*****أنا أُلِحُّ على الإيمان باليوم الآخر ؛ يجب أن يدخل هذا اليوم ـ اليوم الآخر ـ في الحسابات اليومية، وقال لي أخ: في الحسابات الساعيِّة، والأصح أن يدخل هذا اليوم في الحسابات اللحظيَّة، كل لحظة، كل عملٍ سوف تحاسب عليه.
﴿ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49) ﴾
(سورة الكهف)
*****الإنسان المؤمن شخصية فَذَّة ؛ ذكرت مرة أن الشخصية الفَذَّة فيها درجة علمية، من هو المؤمن ؟ المؤمن عرف الحقيقة الكُبرى في الكون، عرف الله، هذا أكبر عالم لأنه عرف الله ـ دققوا في هذا القول ـ فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، القرآن الكريم هذا الكتاب وازن بينه وبين أي كتابٍ آخر، المسافة بينهما كما بين الله وهذا المؤلِّف، لأن هذا كلام الله ؛ وازن بين من عرف الدنيا، وبين من عرف الله، بينهما كما بين الله وخلقه ؛ هذا الذي عرف الله إنسان كبير جداً، عرف الحقيقة العظمى وانسجم معها فسعد في الدنيا والآخرة، والإيمان درجة أخلاقية، لأن المؤمن محكوم بمنظومة قيمٍ أخلاقيةٍ كثيرةٍ كبيرةٍ جداً، ففي حياته نهج دقيق تفصيلي، وذكرت سابقاً أنه ما وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه اليوم إلا لأنهم توهَّموا أن الإسلام مجموعة عبادات شعائرية فقط، هي الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، بينما يحوي الإسلام ـ وأرجو ألا أُبالغ ـ مئة ألف بند تقريباً ؛ بنود في كسب المال، بنود في إنفاق المال، بنود في الزواج، بنود في الطلاق، بنود في المجالس، بنود في أداء الحِرَف، بنود في السفر، بنود في الإقامة، بنود في تربية الأولاد، منهج كامل ؛ حينما فهم المسلمون أن الإسلام بضعة عبادات شعائرية كانوا خلف الأمم جميعاً، أما حينما فهم الصحابة الكرام أن الدين هو الحياة كما أرادها الله عزَّ وجل ساروا وفق المنهج التفصيلي، لذلك طلب العلم فرضٌ على كل مسلم، في حياة المسلمين لا شيء يعلو على طلب العلم ؛ إنَّك بالعلم تعرف من أنت، وتعرف موقعك بين الناس، وتعرف ماذا بعد الموت، وماذا قبل الموت، وما المنهج الذي ينبغي أن تسير عليه ؟ فلذلك حينما يؤمن المؤمن باليوم الآخر تنتهي مشاكله.
الدين كله محاسبة ذاتية:
*****هذه قصة نموذجية أرويها دائماً ؛ أخ من أخواننا يعمل في لف المحركات قال لي: أنا قبل أن أصطلح مع الله يأتيني محرك محروق، طبعاً أجرة لفِّ المحرك خمسة آلاف تقريباً، قال لي: أفتحه، فإذا به قَطْع بسيط جداً في خط خارجي، يُصَلَّح في دقيقة، قال لي: قبل الصلح مع الله أُصَلِّح هذا المحرِّك وآخذ خمسة آلاف عداً ونقداً، لأن صاحب المحرك لا يعرف ماذا حدث ؟ يعرف أن المحرك واقف عن العمل، إذاً هو محروق، وجاء به للفّه، قال لي: بعد أن عرفت الله عزَّ وجل أقول له: كلَّف خمساً وعشرين ليرة، مع أن الشرط خمسة آلاف، دخل بالمحاسبة الذاتية، هذه هي القصة كلّها.
*****الدين كله محاسبة ذاتية، الدين كله كما قال هذا الأعرابي، هذا البدوي لسيدنا عمر، قال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، فقال له: ليست لي، قال له: قل لصاحبها ماتت، ليست لي، خذ ثمنها، ليست لي، ثم ألحّ عليه، قال له: والله إنني في أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب لصدَّقني، فإني عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله ؟ هذا الدين كله، الدين كله أن تؤمن باليوم الآخر، ضبطْتَ لسانك، ضبطت كسبك للمال، ضبطت إنفاقك للمال، ضبطت عَيْنَك، ضبطت أذنك، ضبطت يدك، ضبطت حركاتك وسكناتك.
*****أيها الأخوة الكرام سُمِّيت هذه السورة التي هي أطول سورةٍ في القرآن، سميت بالبقرة لأن البقرة دليلٌ لبني إسرائيل على اليوم الآخر، كيف أن الله سبحانه وتعالى أحيا هذا الميت الذي قال: فلان قتلني.
هذه واحدة، فلذلك الإنسان عندما يعصي الله عزَّ وجل يجب أن يعلم أن إيمانه باليوم الآخر ضعيف ؛ لو كان إيمانه باليوم الآخر قوياً لما عصى الله أبداً ؛ مستحيلٌ أن يعصي الله إذا كان مؤمناً أنه سيحاسب ؛ إذا ذهبت إلى بلد مجاور، ووجدت في أثناء الذهاب تفتيشاً دقيقاً جداً، وأنه لا يمكن لشيء أن يمر إلا بمحاسبة دقيقة، هل تشتري شيئاً هناك ؟ أبداً، شيء طبيعي، ما دام هناك حساب دقيق لا تشتري شيئاً، يقول لك رخيصة: ليست المشكلة أنها رخيصة، ولكن كيف سأنقلها إلى بلدي ؟ لا تمر، والمؤمن كذلك، أي شيء، قد لا يوجد عليه رقابة، أنت موثوق، الطبيب موثوق، المهن الراقية كلها موثوق بأصحابها، لو قال طبيب لمريض: تحتاج إلى تحليل، عشرة تحاليل، هل يستطيع المريض أن يناقش الطبيب ؟ لا يستطيع، تحتاج إلى التحليل الفلاني، انتهى ؛ من الذي يعلم أن هذا التحليل ضروري أو غير ضروري ؟ هو الله وحده، إذا قال لك المحامي: الدعوى رابحة، وهي خاسرة حتماً، هل بإمكانك أن تناقشه ؟ من يعلم ذلك ؟ الله وحده، والله أيها الأخوة لو صح إيمان المسلمين باليوم الآخر لأغلق قصر العدل أبوابه.
الدين منهج كامل وليس عبادات شعائرية فحسب:
*****بقي سيدنا عمر وزير عدل مع سيدنا الصديق سنتين، ولم يَرفع له أحد قضية، لو أنصف الناس لاستراح القاضي ؛ نحن مشكلتنا الإيمان باليوم الآخر، وأنك سوف تُسأل.
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾
( سورة الحجر )
*****مرة ثانية يا أخواننا الكرام، أكبر وهم نتوهمه أن الذي يأتي إلى المسجد ويصلي هو صاحب دين ؛ تأتي إلى هنا لتأخذ تعليمات الصانع فقط، وتعود مرة ثانية لتقبض الثمن، دينك بعملك، دينك بدكّانك، دينك بمكتبك، دينك بعيادتك، دينك بشركتك، دينك بالحقل، دينك بالمعمل، دينك مع أولادك، هنا تأخذ تعليمات الصانع، وتعود إلى الحياة كي تُمارس هذه التعليمات ؛ وأوضح شيء كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيت الله عزَّ وجل يقول:
(( اللَّهمَّ افْتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك ))
[مسلم عن أبي حميد]
*****يا رب أشعرني بقربي منك، أما إذا خرج من المسجد يقول:
(( اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك ))
[مسلم عن أبي حميد]
*****العمل خارج الجامع، هناك الدين، هناك الاستقامة، هناك ضبط اللسان، هناك ضبط الدخل، هناك ضبط الإنفاق ؛ نحن حينما فهمنا الدين خمس عباداتٍ شعائرية صرنا في مؤخَّرة الأمم، ولكننا يجب أن نفهم الدين منهجاً كاملاً، لهذا أكبر شيء يشغل المؤمن: ما حكم الشرع في هذا الموضوع ؟
الله عزّ وجل قادر أن يُعيدَنا جميعاً مرةً أخرى:
*****سميت سورة البقرة لأن الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة ليضربوا ببعضها هذا المقتول، فيعيد الله جل جلاله له الحياة فيقف، ويقول: فلان قتلني ! أي أن الله عزّ وجل قادر أن يُعيدَنا جميعاً مرةً أخرى، وهذا الذي ذكره القرآن الكريم .
*****الشيء الثاني: كان في بني إسرائيل رجل صالح، وكان مستقيماً ورعاً مخلصاً، لم يَدَع لأهله إلا بقرة ؛ هذه كل ثروته في الدنيا لابنه الوحيد، هذه الصفات التي في سورة البقرة:
﴿ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) ﴾
*****انطبقت جميعها على هذه البقرة، فلم يرض صاحبها (ابن هذا الصالح) بثمن أقل من أن يُملأ جلدها ذهباً فكانت ثروةً طائلة ؛ يستنبط من هذا: أن الإنسان إذا كان صالحاً تولَّى الله مِن بعده رعاية أولاده ؛ يقول الله عزّ وجل في الأثر القدسي:
((عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول هذا العبد: يا ربِ أنفقته على كل محتاجٍ ومسكين لثقتي بأنك خيرٌ حافظاً وأنت أرحم الراحمين ـ يقول الله عزّ وجل في هذا الأثر القدسي ـ عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك )).
[ورد في الأثر]
*****معنى ذلك: تحرَِّ الحلال، ولا تأخذ ما ليس لك، ولا تَخْشَ على أولادك من بعدك، الله وليُّهم هو الحافظ الأمين، هو الذي يرعى لك أولادك بعد موتك، هو الذي يسترهم، هو الذي يرزقهم، هو الذي يحفظُهم، هو الذي يُكرمهم ؛ كم من أبٍ ترك ملايين طائلة لأولاده كسبها بالحرام من أجلهم، فكانت النتيجة أنهم بدّدوا هذه الأموال في وقتٍ قصير وعاشوا فقراء ؛ وكم من أبٍ خاف الله عزّ وجل في كسبه فتولَّى الله من بعده رعاية أولاده، لا تقلق على أولادك، اقلق على شيء واحد هو: أن تقع في معصية ؛ هذا الذي مَكَّنك الله منه ؛ معظم الناس الآن يكسبون المال الحرام من أجل أولادهم، من أجل بناء مستقبل أولادهم، شراء بيوت، تزويج أولادهم، يكسبون المال الحرام، ما الذي يحدث ؟ هذا المال الذي كسبوه حراماً يبدَّد، ويذهب كما أتى، ويبقى أولادهم فقراء، تتمة الأثر القدسي يقول الله لعبدٍ آخر:
(( عبدِ أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا ربِ لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يقول الله عزّ وجل: إن الذي خشيت على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ))
[ورد في الأثر]
النقطة الثانية احرص على الدخل الحلال وعلى طاعة الله والله سيتولى أولادك من بعدك:
*****هي بقرة مباركة، لأن الأب كان صالحاً:
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً (82)﴾
( سورة الكهف )
***** بنى سيدنا الخضِر الجدار لأن أباهُما كان صالحاً، فلذلك الحقيقة الثانية في هذه السورة: احرص على الدخل الحلال، احرص على طاعة الله، ولا تفكر في مصير أولادك، لأن الله سيتولى أمرهم، إذا كنت أباً صالحاً سيحفظ الله لك أولادك من بعدك، وسيتولى أمرهم ؛ والله كم من قصةٌ مؤثرةٍ ؛ رجل اتقى الله فكان أولاده من بعده أعلاماً، قمماً، وكم من رجل لم يتق الله في كسب المال، ترك أيضاً ملايين طائلة فرأى صديق المتوفى ابن صديقه في الطريق فقال له: إلى أين أنت ذاهب ؟ قال بالحرف الواحد: إنني ذاهبٌ لأشرب الخمر على روح أبي، روح الميت تُرفرف فوق النعش، تقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبَن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلَّ وحرم فأنفقته في حله وفي غير حله فالهناء لكم والتبعة علي.
*****النقطة الثانية: أن هذه البقرة التي جاءت صفاتها مفصَّلةً انطبقت على تلك البقرة التي كانت لرجلٍ صالح فأبى ولده ثمناً لها إلا مِلءَ جلدها ذهباً، أحياناً يَدَعُ أب صالح قطعة أرض، بيتاً، دُكَّاناً صغيرة، تدرّ هذه الدكان على أولاده من بعـده خيراً كثيراً، لأنه كان صالحاً، لا تقلق على أولادك، اقلق على دخلك، حلال هو أم حرام ؟ أنت لست مكلفاً أن تُطعم أولادك المال الحرام، هذه النقطة الثانية.
النقطة الثالثة أن هذه السورة سورة مدنية :
*****النقطة الثالثة في هذا الدرس: أن هذه السورة سورة مدنية ؛ طبعاً القرآن الكريم كما تعلمون مكيٌّ ومدني، والعلماء اختلفوا هل الآية التي نزلت في مكة مكية، والتي نزلت في المدينة مدنية إطلاقاً ولا علاقة للزمن بها، مراعين المكان فقط ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام بعد فتح مكة أُنزل عليه القرآن، فالآيات التي أُنزلت عليه في مكة مكيةٌ أم مدنية ؟ هناك علماء راعوا الزمن فقط، فكل آيةٍ نزلت بعد الهجرة في أي مكان فهي مدنية، وكلُّ آيةٍ نزلت قبل الهجرة في أي مكان فهي مكية، هذا مقياس زمني، ويوجد مقياس مكاني ؛ فكل آيةٍ نزلت في مكة بأي وقت فهي مكية، وكل آية نزلت في المدينة فهي مدنية.
*****الذي يعنينا أن القرآن المكي له خصائص، والمدني له خصائص ؛ يركِّز القرآن المكي على الإيمان بالله عن طريق الآيات، ويركِّز على اليوم الآخر، اِقرأ سورة من الأجزاء الأخيرة من القرآن الكريم، سورة عمَّ، النازعات، المرسلات، يركِّز على الإيمان بالله، وعلى الإيمان باليوم الآخر، لأنهما أصلا العقيدة، يركز على الرد على الكفار والملحدين، والمشركين والمنكرين، وعلى ذكر الجنة والنار، تكاد هذه القواسم تتجاذب السور المكية، الإيمان بالله من خلال الآيات، الإيمان باليوم الآخر، الرد على المشركين والكفار والملحدين، ذكر الجنة والنار، لو انتقلت إلى البقرة، إلى آل عمران، إلى النساء، إلى الأنعام، يختلف الأمر، تجد آيات التشريع اِفعل ولا تفعل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ٌ (282) ﴾
( سورة البقرة )
*****شيء جميل، تشريع.
كل دعوةٍ إلى الله لا بد أن تمر بمرحلتين:
*****يوجد منافقين..
﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا (120) ﴾
( سورة آل عمران )
*****صـار هناك طبقة منافقين، لم يكن في مكة منافقون لأن الإسلام كان مُضطَهَدَاً، فلا داعي لأحد أن ينافق ؛ إذا أعلن الكفر يمشي على عرض الطريق، كان المسلمون مضطهَدين، لذلك لم يكن نفاق في مكة، أما حينما أُسس للمسلمين دولة قوية في المدينة صار هناك نفاق ؛ تجد في السور المدنية حديثاً عن التشريع، وحديثاً عن المنافقين ليحذِّر المؤمنين، وحديثاً عن علاقة المسلمين بغيرهم، هذا في المدينة.
*****ما الذي يعنينا ؟ الذي يعنينا هو أن كل دعوةٍ إلى الله لا بد أن تمر بمرحلتين: مرحلة التعريف بالله واليوم الآخر، ومرحلة التعريف بالمنهج، وأية دعوةٍ إلى الله غَفَلَت عن تعريف أتباعها بالله واليوم الآخر دعوةٌ عرجاء، دعوةٌ لا تنجح، فأنت حينما تأمر الإنسان أن يصلي، يصلي لمن ؟ تأمره أن يستقيم، يستقيم خوفاً مِن مَن ؟ لا يعرف الله !! وكنت أقول دائماً: إذا عرف الإنسان الأمر، ولم يعرف الآمر تفنن في التفلُّت من هذا الأمر، وهذا حال المسلمين اليوم أعظم من أن يُخفى، مغنية تسأل عالماً: إنني تبت فهل يوجد مانع أن أغني ؟ لا يوجد مانع بموضوعات دينية ؟ صار الغناء مسموحاً، والاختلاط مسموحاً، والبنوك مسموحة في مصر، لم يعد هناك شيء، كل شيء له فتوى، وكنت أقول متحسّراً: إنَّ لكل معصيةٍ فتوى.
*****إذا عرف الإنسان الأمر ولم يعرف الآمر تفنن في التفلت من هذا الأمر، وهذا حال المسلمين ؛ صار الإسلام فلكلوراً، مظاهراً، لباساً إسلامياً ؛ آيات قرآنية نزين بها البيت، وتوجد سهرات لا ترضي الله في هذا البيت، توجد أجهزة لا ترضي الله في هذا البيت، توجد علاقات لا ترضي الله في هذا البيت، أما كله آيات قرآنية، وصورة الكعبة، وآية الكرسي ؛ بقي الإسلام مظاهراً، مؤتمرات إسلامية، كتباً فخمة جداً، العنوان على عرض الكتاب، أناقة بالطباعة، أشرطة مرئية ومسموعة، ومكتبات، وكل شيء في أعلى درجة، لكن لا توجد استقامة، لا يوجد التزام ، وكأن الله عزّ وجل تخلَّى عنا.
الآيات المكية تُعرفنا بالآمر بينما الآيات المدنية تُعرفنا بالأمر الإلهي:
*****ذكرت هذا فيما مضى، أن شخصاً سألني فقال لي: لِمَ ندعو الله فلا يستجيب لنا ؟ قلت له: سُئل الإمام إبراهيم بن الأدهم هذا السؤال مرةً في البصرة فقيل له: إن الله تعالى يقول:
﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (60) ﴾
( سورة غافر )
*****ونحن ندعو الله فلا يستجيب لنا ؟ قال: " لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء ؛ ادعيتم أنكم آمنتم بالله ولم تنصاعوا لأمره، قرأتم القرآن فلم تعملوا به، ادعيتم حب نبيَّكم فلم تعملوا بسنَّته، قلتم: إن النار حق فلم تتقوها، قلتم: إن الجنة حق فلم تعملوا لها، دفنتم موتاكم فلم تعتبروا.." ذكر اثني عشر بنداً، وقال: فكيف يُستجاب لكم ؟!!
*****الذي أريده ما دام هناك مّكي ومدني، معنى ذلك أن القرآن المكي يدعوك إلى الإيمان بالله واليوم الآخر عن طريق الآيات، وأيَّة دعوةٍ إلى الله تُغفل هذا الشطر الكبير من الدين فهي دعوةٌ عرجاء لا تنجح، والآن ترى أننا اعتنينا بالفقه على حساب العقيدة، يجب أن نعتنيَّ بالفقه والعقيدة معاً، والشيء الدقيق أن الإنسان حينما يؤمن بالله إيماناً صحيحاً، هو يبحث عن أمره ونهيه، يبحث بشكلٍ حثيث، لذلك المؤمن الصادق شغله الشاغل ما حكم الشرع في هذا ؟
*****أنت أحياناً موظف في شركة، نُحِّيَ المدير العام السابق عن عمله وجاء مدير جديد، أنت تسأل: من هو ؟ فلان، ما ثقافته ؟ ما أخلاقه ؟ ما طبيعته ؟ ما طباعه ؟ بعد أن عرفت شيئاً عن شخصيته الآن تنتظر الأوامر والنواهي ؛ سلوك طبيعي جداً أن تعرف الآمر أولاً، ثم الأمر ثانياً ؛ فنحن في المكِّي عرفنا الآمر، الآن في المدني يجب أن نعرف الأمر ؛ لذلك أيُّ أمرٍ لم يسبقه تعريفٌ بالآمر هذا الأمر لا قيمة له، لأن شرف الرسالة من شرف المُرسل، وقيمة الأمر من قيمة الآمر، وكلَّما عرفت الله أكثر وَقَّرْتَ أمره أكثر، وكلَّما عرفت الله أكثر صدَّقتَ بوعده أكثر، وكلَّما عرفت الله أكثر صدَّقتَ بوعيده أكثر ؛ القضية دقيقة جداً، لذلك لا تحاول أن تُملي على الناس الأوامر الإلهية دون أن تعرِّفهم من أمر بها ؛ ماذا عند الله لو أطعته ؟ وماذا عنده لو عصيته ؟ إذا لم يكن هناك فكرة واضحة ماذا ينتظر الطائع، وماذا ينتظر العاصي فلا تعبأ لا بالأمر ولا بالنهي.
بالكون تعرف الله وبالشرع تعبده:
*****هذا درس بليغ لنا، فلذلك أنا حاولت في أول التفسير أن أبدأ بالقسم المكي أي بالثلث الأخير ثم بالثلث الثاني، ورجوت الله عزّ وجل أن يُمَكَّن الإيمان بالله في قلوب الأخوة المؤمنين.
*****الآن يأتي التشريع تاجاً يتوَّج به المؤمن ؛ أنت حينما تعرف الله تبحث عن أمره ونهيه تبحث عما يرضيه، لذلك بالكون تعرفه وبالشرع تعبده ؛ هذان الخطَّان في عهد النبي ؛ الخط الأول: التعريف بالآمر، والثاني: التعريف بالأمر ؛ الحد الأدنى الآن أن يسير الخطَّان معاً، لذلك لا بد من درسٍ تعرف الله فيه، التفكُّر في خلق السماوات والأرض هذا الخط الأول، كل إنسان يأكل، ويشرب، ويتزوج، وينام، ويستيقظ، ويتأمَّل، وينظر، يجب أن تعلم أن أرقى عبادة على الإطلاق تتقرَّب بها إلى الله أن تتفكَّر في خلق السماوات والأرض، من أجل أن تزيد معرفتك بالله، من أجل أن يكون أمر الله عندك عظيماً:
﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً (14) ﴾
( سورة نوح)
*****إذا فكَّرت في خلق الإنسان أطواراً ترجو لله الوقار، من أين يأتي الوقار ؟ يأتي إذا فكَّرت في خلق الله عزّ وجل:
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
( سورة فاطر: الآية 28)
*****أيها الأخوة الكرام، علمتنا كلمة مكي ومدني أن الدعوة ينبغي أن تمر بمرحلتين ؛ مرحلةٍ نتعرف فيها إلى الآمر، والمرحلةٍ الثانية نتعرف بها إلى الأمر الإلهي.
النقطة الرابعة يُعَلِّمنا الله جلَّ جلاله أن التوجيه غير المباشر أبلغ أثراً من التوجيه المباشر:
*****هذه السورة أيها الأخوة ـ سورة البقرة ـ من أطول سور القرآن الكريم، فيها خاصة ثالثة أُسأل عنها دائماً، هذه الخاصة: حديثٌ طويل عن بني إسرائيل وما علاقتنا ببني إسرائيل:
﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ (134) ﴾
( سورة البقرة )
*****صفحات طويلة، سيدنا موسى، وعلاقته بفرعون، وعلاقته بقومه، وكيف نجَّاه الله من فرعون ؟ وكيف انتقل إلى سيدنا شعيب ؟ الحديث عن بني إسرائيل له مغزى هو: أن الأسلوب التربوي الحكيم ينطلق من هذه المقولة: " إيَّاكِ أعني واسمعي يا جارة "، يُعَلِّمنا الله جلَّ جلاله أن التوجيه غير المباشر أبلغ أثراً من التوجيه المباشر، فكل الأمراض التي وقعت بها بنو إسرائيل المسلمون مرشَّحون لأن يقعوا بها، فأيُّ مرضٍ من أمراض بني إسرائيل نحن مُرشَّحون لأن نقع فيه:
﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) ﴾
(سورة البقرة)
*****هذا يعتقده المسلمون اليوم، يعتقدون بمفهومٍ ساذج للشفاعة، اِفعل ما شئت، والنبي عليه الصلاة والسلام يشفع لك:
﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) ﴾
( سورة المائدة)
*****هذا مرضٌ أصاب المسلمين:
﴿ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا (93)﴾
( سورة البقرة )
*****لو تتبعت أمراض بني إسرائيل لوجدت أن كل هذه الأمراض قد تلبَّّسنا بها ؛ فإذا قرأنا قصة بني إسرائيل نقرأها كي نتعظ، كي نعتبر من هؤلاء القوم الذين خرجوا عن منهج ربهم فاستحقوا لعنة الله عزّ وجل، هذه النقطة الثالثة.
ملخص لأهم نقاط الدرس:
*****نعيد ملخص هذه النقط:
*****الأولى: سميت هذه السورة بسورة البقرة تأكيداً على الإيمان باليوم الآخر، وأن الناس جميعاً سيحاسبون حساباً دقيقاً جداً، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً:
(( ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم..))
[ابن سعد والبيهقي والديلمي عن أبي البجير]
*****العبرة باليوم الآخر.
*****الشيء الثاني: أن الذي يحيا حياةً مستقيمة ينبغي ألا يقلق على أولاده من بعده، لأن الله عزّ وجل هو الذي سيحفظ له أولاده من بعده، أي عليك أن تستقيم وانتهى الأمر:
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) ﴾
( سورة الزمر)
*****وقال:
﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) ﴾
( سورة الأعراف)
*****النقطة الثالثة: هي أن هذه السورة مدنية، والسور المدنية فيها تشريعات، والتشريع مكانه الطبيعي بعد معرفة المُشَرِّع، الأمر مكانه الطبيعي بعد معرفة الآمر، فإذا عرفنا الآمر وعرفنا الأمر تكاملنا، ولا تنسَ أن الله سبحانه وتعالى جعل التشريع نصف الدين تماماً.
*****والنقطة الرابعة في سورة البقرة: أن كل قصص بني إسرائيل بأمراضهم، وتقصيرهم، وانحرافاتهم تنطبق علينا، ذكرت مرة أنّ هؤلاء الذين نسوا:
﴿ حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (14) ﴾
(سورة المائدة)
*****معنى ذلك متى تكون بيننا العداوة والبغضاء ؟ إذا نسينا حظاً مما ذُكرنا به، كأن للعداوة والبغضاء قانون.
في مجتمعنا قواسم مشتركة كبيرة جداً ومع ذلك هناك عداوة وبغضاء:
*****قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ (91) ﴾
(سورة المائدة)
*****وقال:
﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (14) ﴾
(سورة المائدة)
*****معناها في مجتمعنا قواسم مشتركة كبيرة جداً، ومع ذلك عداوة وبغضاء مع هذه القواسم المشتركة، وصف الله عزّ وجل بني إسرائيل فقال:
﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى (14) ﴾
( سورة الحشر )
*****يحوي المجتمع عشرات العوامل المشتركة، ومع ذلك عداوةٌ وبغضاء ما بعدها من عداوةٍ وبغضاء، هذا قانون ثالث، فأردت من هذا الدرس أن يكون مقدمةً للدروس القادمة التفصيلية، اسم البقرة، والأبُ الصالح، وبنو إسرائيل، لماذا كثر ذكرهم في هذه السورة ؟ والشيء الرابع المكي والمدني.
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
11-03-2012, 07:34 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (02- 95):تفسيرالآيتان 1 - 2، فضل القرآن الكريم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-07-03


بسم الله الرحمن الرحيم
*****الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
اللغة من تكريم الله للإنسان وهي أداة اتصالٍ راقية جداً:
*****أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الثاني من سورة البقرة.
﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ﴾
*****أيها الأخوة الكرام... الكتاب هو الذي يُحْفَظُ في السطور، ويُقرأ مدى الدهور، والقرآن هو الذي يُحفظ في الصدور، ويُقرأ، يغلب على القرآن أنه يُقرأ، إذاً يحفظ في الصدور، ويغلب على الكتاب أنه يكتب، ويحفظ في السطور ؛ فالقرآن والكتاب اسمان لشيءٍ واحد ؛ لكن هذا يُذَكِّرنا بقوله تعالى:
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾
( سورة الرحمن)
*****البيان اللُّغة، واللغة من تكريم الله للإنسان ؛ أداة اتصالٍ بين أفراد النوع، أداة اتصال راقية جداً، أداةٌ يعبِّر بها الإنسان عن فكره وشعوره، أداةٌ اجتماعية ؛ يتَّصل الإنسان مع الآخرين عن طريق اللغة ؛ لو أن اللغة تُقرأُ، لو أن اللغة تقتصر على أن تُلقى، وأن تُسمع، لما انتقلت ثقافةٌ من جيلٍ إلى جيل، ولا من أمةٍ إلى أمة، لذلك قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) ﴾
( سورة العلق)
البيان من أخص خصائص الإنسان:
*****اللغة حديثٌ واستماع، واللغة كتابةٌ وقراءة ؛ حينما مَكَّنَ الله الإنسان من أنْ يكتب اللغة، ومن أن يقرأ المكتوب، معنى ذلك أن هذه الـعلوم التي بين يدي الإنسان انتقلت من جيلٍ إلى جيل، ومن عصرٍ إلى عصر، وعن طريق الترجمة من أمةٍ إلى أمة ؛ فالإمام القُرطبي مثلاً صاحب التفسير المشهور، لو لم يكن هناك كتابة أين علمه ؟ ضاع بموته، فأيُّ عالمٍ صَبَّ علمه في كتاب، فهذا الكتاب انتفع به أبناء عصره الذين لم يلتقوا به، وانتفع به الذين جاؤوا بعده إلى يوم القيامة، وانتفعت به الأمم الأخرى عن طريق الترجمة، إذاً معنى قوله تعالى:
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾
(سورة الرحمن)
*****البيان من أخص خصائص الإنسان، وهو من تكريم الله للإنسان ؛ عَلَّمك أن تنطق، وعلَّمك أن تفهم الكلام الذي ينطقه غيرك، وعلمك أن تكتب، وعلمك أن تقرأ المكتوب ؛ فلذلك الكتاب محفوظٌ في السطور، ويقرأ على مدى الدهور، والقرآن محفوظٌ في الصدور، ويُقْرَأُ بلسانٍ عربيٍ مبين.
فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه:
*****أيها الأخوة... أما كلمة الكتاب.
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾
*****هذه (أل) العهد، أيْ: هذا الكتاب الذي يتميَّز عن كتب أهل الأرض من آدم إلى يوم القيامة، أيُّ كتابٍ ألَّفه إنسان، أُُدخل إلى أضخم مكتبةٍ في العالم، كل هذه الكتب في كفة، وهذا القرآن في كفةٍ أخرى ؛ إنه كلام الله، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ؛ لذلك هذا الكتاب، هو كتابنا المقرر، هو أساس سعادتنا، هو منهجنا، هو دستورنا، هو حبل الله المتين، هو الصراط المستقيم، هو النور المبين ؛ لا تنس هذه المقولة " فضل كلام الله على كلام خلقه، اِقتنِ أعلى كتاب ألَّفه إنسان في العالم، المؤلف إنسان لكن هذا القرآن من عند خالق الأكوان.
*****دخل مغنٍ بريطاني شهير إلى مكتبة في إيطاليا فرأى فيها القرآن الكريم، فسأل صاحب المكتبة: من مؤلِّف هذا الكتاب ؟ رفع صاحب المكتبة يده إلى السماء، وأشار إلى الله عزَّ وجل، استهزأ هذا المغنِي بهذه الكلمة، واشترى الكتاب ليقرأه، ولينتقده، وليوبِّخ صاحب المكتبة على هذا الادعاء ؛ فلما قرأه آمن به، وترك الغناء، وصار من دعاة الإسلام، واشترى بثروته الطائلة، كل تسجيلاته، وأحرقها ؛ فهذا الكتاب كتاب خالق الأكوان، هذا كتابنا، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( خيركم من تعلم القرآن و علمه )).
[ البخاري عن عثمان ]
خيركم على الإطلاق.
الجهاد الكبير هو نشر كتاب الله و تبيانه و شرحه و حَمْل الناس على تطبيقه:
*****الجهاد ذِرْوة سنام الإسلام، أعلى شيء في الإسلام الجهاد، وسمَّى الله نشر هذا الكتاب وتِبيانَه للناس، وتفسيره، وشرحه، و حَمْل الناس على تطبيقه سمَّى ذلك: جهاداً كبيراً، فقال تعالى:
﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) ﴾
(سورة الفرقان )
*****والشقي كلُّ الشقي الذي جاء إلى الدنيا، وخرج منها، ولم يفهم كلام الله.

﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾
*****هذه (أل) العهد، أيْ: كتاب الله، هذا الكتاب متميِّز عن كتب بني البشر قاطبةً ؛ فما من كتابٍ على وجهِ الأرض إلا فيه خطأ، وفيه صواب، أما الكتاب الذي لا ريب فيه فهو هذا الكتاب، فلن تجد في هذا الكتاب حرفاً ثبت أنه خطأ، لأنه كلام خالق البشر.
ابتعاد القرآن الكريم عن الخلل لأنه كلام خالق البشر:
*****أنا أقول لكم هذه الكلمة: مهما كان المؤلف عظيماً، قد تكون معطيات العصر الذي أُلِّف فيه الكتاب واضحةً، فإذا قرأت كتابه بعد مئة عام وجدت فيه خللاً ؛ هذا الكتاب الذي أنزله الله على النبي صلى الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرناً، هل في تقدُّم العلوم المُذهل في كل أنواع العلوم ؛ في الفلك، وفي الطب، وفي علم القارَّات، وفي الجيولوجيا، وفي التاريخ، هل هناك حقيقةٌ علميةٌ قاطعةٌ صَدَمت آيةً قرآنية ؟ مستحيل، لأنه كلام خالق البشر ؛ وليس هذا الكلام من عند النبي عليه الصلاة والسلام. مثلاً: قال تعالى:
﴿ وَالْخَيْلَ (8) ﴾
*****والخيل أمام النبي..
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (8) ﴾
(سورة النحل )
*****هذا الشيء موجود في الجزيرة العربية، لو كانت هذه الآية من صنع النبي، لانتهت عند هذا الحد..
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾
*****لم يكن في عهد النبي طائرة، لم يكن في عهد النبي سيَّارة، ولم يكن في عهد النبي حَوَّامة، ولم يكن في عهد النبي مركبة فضائية، لكنه كلام خالق الكون، قال تعالى:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾

( سورة النحل)
*****فالذي يركب طائرةً ويقرأ هذه الآية يرى أن الطائرة دخلت في هذه الآية، والذي يركب مركبةً فخمة ويقرأ هذه الآية يرى أن المركبة دخلت في هذه الآية، لأنه كلام خالق البشر.
من استوعب كلام خالق البشر سعد به في الدنيا والآخرة*:
*****يقول الله عزَّ وجل:
﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) ﴾
(سورة الحج)
*****الإنسان يعجَب، لِمَ لَمْ يقل الله عزَّ وجل:
﴿ من كل فجٍ بعيد ﴾
*****القصد أن الفج بعيد، لكن لأن الأرض كرة فإنك كلما ابتعدت عن إحدى نقاطها صار البعد عمقاً..
﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ (28) ﴾
(سورة النحل)
*****إذاً هذا الكتاب غير كتب أهل الأرض، وما أتعس الذي أمضى حياته مع كتبٍ من صنع بشر ؛ أمضى حياته في الأدب، في الشعر، في القصة، كل هذا من صنع البشر، أما إذا استوعب كلام خالق البشر سعد به في الدنيا والآخرة .
تميز القرآن الكريم عن كل الكتب السماوية السابقة:
*****شيءٌ آخر..
﴿ ذَلِكَ (2) ﴾
*****و(أل) للعهد، أي أن هذا الكتاب متميزٌ عن كل الكتب السماوية السابقة، كيف ؟ اِئتمن الله البشر على الكتب السماوية السابقة لحكمةٍ أرادها، وكانت معجزة النبي شيئاً، والكتاب الذي أُنزل عليه شيءٌ آخر ؛ معجزة سيدنا عيسى أنه أحيا الموتى ؛ ومعجزة سيدنا موسى أنه ضَرَبَ البحر فكان طريقاً يبساً، والأفعى، والعصا، فالمعجزة شيء، والكتاب الذي نُزِّل عليه شيءٌ آخر، الكتب السماوية اِئتمن الله البشر عليها، بينما القرآن الكريم يتمَيَّز من بين الكتب السماوية أن الله تولى حفظه بذاته، قال:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) ﴾
( سورة الحجر)
القرآن الكريم هو المُهَيمن على كل الكتب الأخرى:
*****لذلك لا يستطيع بشر أن يبدِّل حرفاً واحداً، ولا أن يبدِّل حركةً، ولا أن يضع آيةً مكان آية، وليس معنى حفظ الله عزَّ وجل لهذا القرآن أنه لا تجري محاولةٌ لتغييره، الآن في الإنترنت سور اِدّعى الذي وضعها أنها من سورة البقرة، رقم ثلاثة وعشرين، ولا علاقة لها بالقرآن إطلاقاً ؛ الأمر يكشفه الأطفال، وفي درسٍ آخر إن شاء الله أقرأ عليكم هذه السور التي افتعلها أعداء الدين، وجعلوها كأنها سور من كتاب الله عزَّ وجل ؛ إنك إذا قرأتها أمام طفل يكشف أنها اِدِّعاء وكذب، أمام طفل من المسلمين ؛ إذاً هذا الكتاب كتاب الله عزَّ وجل يتميز عن بقية الكتب السماوية أن الكتب السماوية اِئتمن الله خَلْقَهُ على حفظها، فما الذي حصل ؟
﴿ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ (13) ﴾
( سورة المائدة: آية " 13 " )
*****أو بدلوا وحرَّفوا لأهوائهم، فالكتب السماوية السابقة غاب منها قسم وحرف وبُدل منها قسمٌ آخر، إذاً ليست هي كلمة الله الآن ؛ وكما أن الكتب السابقة أُنزلت على قومٍ معيَّنين لفترةٍ معينة ؛ بينما القرآن الكريم هو المُهَيمن على كل هذه الكتب..
﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ (85) ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (33) ﴾

( سورة الصف )
القرآن جامعٌ لكل أحكام السماء من بدايات الرسالات حتى يَرثَ الله الأرض ومن عليها:
*****إذاً:
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾
*****هذا الكتاب متميِّز على كل الكتب السماوية السابقة، وعلى كل الكتب التي ألَّفها بنو البشر قاطبةً..
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾
*****بعضهم قال: القرآن جامعٌ لكل أحكام السماء، من بدايات الرسالات، حتى يَرثَ الله الأرض ومن عليها، هذا الكتاب ليس للأمة العربية، ولا للمسلمين، بل هو لكلِّ أبناء الأرض قاطبةً، والله تولى بنفسه.. بذاته.. حفْظَ كتابه ؛ والعلماء يُضيفون على ذلك أنه من لوازم حفظ كتاب الله جلَّ جلاله حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن سنة النبي مبيِّنة للقرآن، فإذا ضاع التفسير ضاع الأصل ؛ فإذا قلت: إن الله تولى حفظ القرآن الكريم، معنى ذلك أنه تولى أيضاً حفظ سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كيف تولى حفظها ؟ عن طريق علماء آتاهم الله قدراتٍ عاليةً جداً فمحَّصوا، ونَقَّبوا، ودققوا، وحفظوا سنة رسول الله الصحيحة.
تولي الله عز وجل بذاته حفظ القرآن الكريم*:
*****يطمئننا الله عزَّ وجل أن هذا القرآن لن (لن تفيد تأبيد النفي) أي لن تصل إليه يد التحريف والتبديل، لذلك قال:
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ (2) ﴾
*****إذا قرأته لا يمكن أن يتبادر إليك شكٌ طفيف أن هذه الكلمة ليست من القرآن، هذا الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم هوَ هو بين أيدينا، بسوره، وآياته، وكلماته، وحركاته، وسكناته..
﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ (2) ﴾
*****لأن الله بذاته تولى حفظ القرآن الكريم ، لذلك لا يمكن أن يطرأ عليه أي تغيير، لكن ليس معنى ذلك أنه لا تجري محاولات، تجري، بدأها مسيلمة الكذاب، فإذا قرأت ما صاغه، وادَّعى أنه وحيٌ من السماء لأخذك الضحك إلى مكانٍ بعيد.
الإعجاز في القرآن الكريم على أنواع منها :
1 ـ الإعجاز الإخباري:

*****أيها الأخوة الكرام... قد يسأل سائل: ما السبيل إلى أن أؤمن أن هذا القرآن من عند خالق الأكوان ؟ السبيل كلمة واحدة: إعجازه، لا يستطيع بنو البشر مجتمعين إلى يوم الدين أن يأتوا بآيةٍ واحدة إطلاقاً، فهذا الكتاب فيه إعجاز، والإعجاز أي أن البشر يَعْجزون عن أن يأتوا بمثله، أولاً فيه إعجاز إخباري..
﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ (44) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 44 " )
*****ما كنت لديهم، جاء القرآن الكريم بآيات تبيِّن، وتوضِّحُ التاريخ البشري بدقةٍ متناهية ؛ ففي مصر مثلاً كان هناك فراعنة، وفي حقبةٍ قصيرةٍ جداً حكم مصر ملوك، الحاكم الذي عاصر سيدنا يوسف جاء ذكره في القرآن ملك فقال:
﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ (54) ﴾
( سورة يوسف )
*****أما الذي عاصر سيدنا موسى كان فرعوناً:
﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ (51) ﴾
(سورة الزخرف )
*****هناك دقة بالغة لأن هذه القصص سمَّاها العلماء: من إعجاز القرآن الإخباري، قال تعالى:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ (4) ﴾
(سورة الروم)
إعجاز القرآن الإخباري يتناول الماضي والحاضر والمستقبل:
*****إعجاز القرآن الإخباري يتناول الماضي والحاضر والمستقبل ؛ قصة فرعون مع سيدنا موسى، وقصة سيدنا يوسف مع ملك مصر، وقصة أقوامِ عادٍ وثمود جاءت بتفصيلٍ شديد ودقةٍ شديدة، هذا اسمه: الإعجاز في الإخبار عن الماضي ؛ وفي القرآن الكريم إخبارٌ عن الحاضر البعيد مكانياً عن رسول الله ؛ وفي القرآن الكريم إعجازٌ إخباريٌ عن المستقبل، قال تعالى:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ (4) ﴾
(سورة الروم)
*****وفعلاً في بضع سنين تزيد عن الثلاثة وتقِلُّ عن التسعة غلب الرومُ الفرسَ في أدنى الأرض، قال بعض علماء التفسير: أي في أخفض نقطةٍ من الأرض، ولم يكن أحدٌ يعلم قبل عشرات السنين أن غور فلسطين أخفض نقطةٍ في الأرض، عُرِفَ بعد اكتشاف أشعة الليزر أن غور فلسطين أخفض نقطة في الأرض إطلاقاً، والمعركة تاريخياً تَمَّت في غور فلسطين، قال تعالى:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ (4) ﴾
(سورة الروم)
*****في القرآن الكريم إعجاز إخباري ؛ إخبار عن الماضي، وإخبار عن الحاضر، وإخبار عن المستقبل.
2 ـ الإعجاز العلمي:

*****وفي القرآن الكريم إعجاز علمي، مثلاً، اكتشف علماء الفيزياء الآن أن كل عنصرٍ في الأرض من دون استثناء ذرَّات، وفي الذرة نواة، وحول النواة مسارات، وعلى المسارات كهارب، قال تعالى:
﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) ﴾
( سورة يس)
*****مثل آخر: اِكتشف أن جنس المولود ذكراً كان أو أنثى يحدده الحوين لا البويضة، ولا علاقة للبويضة بتحديد جنس المولود، قال تعالى:
﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) ﴾
(سورة النجم)
﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) ﴾
(سورة الحج)
*****الأرض كرة.
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) ﴾
( سورة النمل)
*****الأرض تدور، تمُرُّ الجبال مر السحاب ثلاثين كيلو متراً بالثانية، كل ثانية تقطع الأرض في دورتها حول الشمس ثلاثين كيلو متراً، في الدقيقة تقطع ألفاً وثمانمئة كيلو متر، في العشر دقائق ثمانية عشر ألف كيلو متر، نحن الآن مشينا عشرين ألف كيلو متر، من بداية الدرس وحتى الآن..
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ (88) ﴾
( سورة النمل)
الإعجاز العلمي في القرآن الكريم:
*****منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، وإلى بضع عشراتٍ من السنين كان يُظَن أن الشمس ثابتة، والكواكب تدور من حولها، على أقل تقدير المجموعة الشمسية تدور حول الشمس، ثم اكتشف أن الشمس تجري، قال تعالى:
﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) ﴾
( سورة يس)
*****يوجد بالقرآن إعجاز علمي ؛ لم يكن على عهد النبي طائرات، ولا صواريخ، ولا مناطيد، قال:
﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ (125) ﴾
( سورة الأنعام )
*****تـرى أنت السحاب سقفاً أبيضاً، فإذا ركبت طائرةً ترى السحاب من فوق جبالاً، ودياناً، هِضاباً، سهولاً.. كتضاريس الأرض تماماً.. وهذا ذكر في القرآن الكريم ؛ طبعاً أنا أعطيكم أمثلة على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الآن أصبح اختصاصاً اسمه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾
( سورة الطارق)
*****فَهِمَ العلماء أن هذا البخار يصعد إلى السماء ويرجع مطراً، هذا المعنى الذي يتناسب مع معطيات ذلك العصر، ثم فهموا أن هذه الموجات الكهرطيسية تصعد إلى السماء فترُدُّها طبقة الأثير، ولولا هذه الطبقة التي ترجع هذا البث لما كان هناك إذاعة ولا نقل صورة عبر الفضاء..
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾
( سورة الطارق)
*****ثم اكتشف العلماء أن كل كوكبٍ في الكون يسير في مسارٍ مُغْلَق، معنى مسار مغلق أنه يرجع إلى مكان انطلاقه بعد حين، فالصفة الجامعة المانعة الشاملة لكل الكون أن السماء ذاتُ رجعٍ..
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾
( سورة الطارق)
3 ـ الإعجاز البلاغي:
*****الطريقة كي تؤمن أن هذا القرآن كلام الله هو الإعجاز ؛ الإعجاز الإخباري، الإعجاز العلمي، الإعجاز البلاغي..
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا (6) ﴾
( سورة هود )
*****احذف ( مِن ) الكلام ليس قرآناً، لأن من تفيد استغراق أفراد النوع، احذف (ما) و (إلا) ليس قرآناً، لأن أسلوب النفي والاستثناء يفيد الحصر والقصر، لو ألغينا النفي والاستثناء فقد ألغينا القصر، اِحذف (على).. ما من دابةٍ إلا الله يرزقها.. ليست قرآناً، لأن حذف (على) أَلغى الإلزام الذاتي لله عزَّ وجل، قل: الدواب صار محدوداً (أل) العهد، بعض الدواب، الدواب الأهلية، أما جاءت دابة منكَّرة، مُنَكَّرة تنكير شمول ؛ قد تقف أمام آيةٍ ترى فيها إعجازاً بلاغياً، هنا استثناء، هنا حصر، هنا قصر، هنا تقديم، هنا تأخير، قال تعالى:
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ (5)﴾
(سورة الفاتحة )
*****إذا قال: نعبد إياك.. هل يختلف المعنى ؟ يختلف اختلافاً كبيراً، إذا قلت: نعبد إيَّاك يا رب، لا يمنع أن نعبد غيرك، أما إذا قلت:
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ (5)﴾
(سورة الفاتحة )
*****قدَّمت إياك على الفعل، أي لا نعبد إلا أنت..
﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ (59) ﴾
(سورة الأنعام )
*****لـو قال: مفاتح الغيب عنده، فهي عنده، وعند غيره، أما حينما جاءت عنده قبل مفاتح الغيب، أصبح المعنى حصراً ؛ هذا موضوع طويل جداً، الإعجاز العلمي طويل جداً، يحتاج إلى أشهر، الإعجاز البلاغي يحتاج إلى أشهر، الإعجاز التاريخي، الإخباري، إعجاز النظم، شيء مذهل.
*****فيا أيها الأخوة الكرام... طريق الإيمان بهذا الكتاب هو الإعجاز.
أي فعلٍ من أفعال الله هو شهادة الله لنا أن هذا القرآن كلامه:
*****هناك شيء آخر: الذي أنزل هذا الكتاب، الذي أنزله يشهد لنا أنه كلامه، كيف يشهد لنا أن كلامه الذي أنزله ؟ من خلال التأويل، والتأويل بأدق التعاريف: وقوع الوعد والوعيد ؛ أي حينما يمحق الله مال المُرابي، محق مال المرابي شهادة الله لهذا المرابي قوله تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (279) ﴾
( سورة البقرة )
*****هو كلامه، محقُ مال المرابي شهادة الله للمرابي أن هذا القرآن كلامه ؛ والشاب الذي يؤمن بالله ويعمل صالحاً ويحيا حياةً طيبة، الحياة الطيبة التي يحياها الشاب هي شهادة الله له أن هذا القرآن كلام الله ؛ وحينما تنفِقُ من مالك فيزداد مالك، فزيادة المال شهادة الله لك أن القرآن كلام الله عزَّ وجل..
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ (276) ﴾
( سورة البقرة )
*****أي فعلٍ من أفعال الله هو شهادة الله لنا أن هذا القرآن كلامه..
﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ (40) ﴾
(سورة الحج )
*****يوجد توازن قُوى في العالم:
﴿ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ (40) ﴾
(سورة الحج )
*****فحينما أُلْغي هذا التوازن عانت الشعوب ما عانت، عانت الأمَرَّين كان هذا التوازن بين قُوى الأرض نعمة من نعم الله العظمى، غفلنا عن هذه النعمة فعرفناها بفقدها ؛ كان التوازن نعمةً من نعم الله العظمى،
﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ﴾
*****توازن القوى، شرق وغرب، فلما اختل هذا التوازن، وصار هناك قوة واحدة، فقَدْنا هذه النعمة ؛ اللهمَّ عرفنا نعمك بكثرتها لا بزوالها، لابدَّ من أن نعرف النعم، إما أن نعرفها بوفرتها أو بزوالها.
القرآن كلام الله وحبله المتين ومنهجه للعالمين:
*****شيءٌ آخر: هذا القرآن كلام الله، وحبل الله المتين، والصراط المستقيم، ومنهج ربِّ العالمين، والنور المبين، غنىً لا فقر بعده، ولا غنىً دونه، من أوتي القرآن فهماً وتفسيراً فرأى أن أحداً أُوتي خيراً منه فقد حقَّرَ ما عظَّمه الله عزّ وجل ؛ أهل القرآن أهل الله، أنت حينما تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله لتتعلم كلام الله فلا شيء في حياتك يعلو على هذا الهدف ؛ لاشيء، أي أهم ألف مرة من أن تؤدي امتحاناً جامعياً يُبنى عليه مستقبلك، إنك تتعرف إلى كلام الله، إلى منهج الله، إلى افعل ولا تفعل، هذا حرام وهذا حلال، فلذلك يقول الله جلَّ جلاله:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (1) ﴾
(سورة الأنعام )
*****نحمد الله على أنه أَوْجد الكون، وفي المستوى نفسه:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (1) ﴾
( سورة الكهف )
*****أي أن الكون كلُّه في كَفَّة وهذا القرآن في كفة، الكون خَلْقه والقرآن كلامه، لا معنى لخلق الكون من دون منهجٍ تسير عليه ؛ يتَّضحُ هذا في قوله تعالى:
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) ﴾
( سورة الرحمن)
ترتيب تعليم القرآن مع خلق الإنسان ترتيبٌ رُتَبي وليس ترتيباً زمنيًّاً:
*****يا رب كيف تعلِّم الإنسان القرآن قبل أن تخلقه ؟ ليس هذا هو المعنى..
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) ﴾
( سورة الرحمن)
*****المعنى: أن ترتيب تعليم القرآن مع خلق الإنسان ترتيبٌ رُتَبي، وليس ترتيباً زمنيًّاً، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهجٍ يسيرُ عليه، اِذهب إلى بعض الشعوب، ماذا يعبد شعب في الهند بأكمله ؟ البقر، وشعبٌ آخر يعبد الجرذان، وعندي تحقيقٌ علمي لمجلةٍ محترمةٍ جداً فيها صورٌ لا تُصدَّق، معبد ضخم جداً.. إله هذا المعبد الجُرذان.. لذلك قال الله تعالى:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (1) ﴾
( سورة الكهف )
*****نحن نعبد الله عزّ وجل، نعبد خالق السماوات والأرض، نعبد الذي بيده ملكوت كُلِّ شيء، نعبد الذي إليه يرجع الأمر كله، نعبد الذي إذا قال لشيءٍ: كن فيكون، نعبد القوي، نعبد الغني، نعبد صاحب الأسماء الحُسنى، والصفات الفُضلى.
النعم الكبرى التي أنعمها الله عز وجل على الإنسان:
*****لذلك أحد أكبر النعم بعد نعمة الوجود نعمة الهدى ؛ هناك ثلاث نعم ؛ نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهُدى والرشاد، يؤكد هذا المعنى:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) ﴾
( سورة الكهف )
*****من أجل أن تطمئن أن هذا الكتاب الذي بين يديك هو نفسه الكتاب الذي أُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من دون زيادةٍ ولا نقص، قال تعالى:
﴿ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ (27) ﴾
( سورة الكهف )
*****لا تُبَدَّل، ولا تُغَيَّر، ولا تُحَرَّف، ولا يُضاف عليها، ولا يُحذف منها إطلاقاً.. تولَّى الله بذاته حفظ كتابه..
﴿ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ (27) ﴾
( سورة الكهف )
الله تعالى دعا الإنسان ليؤمن به طوعاً ليكون إيمانه اختياراً لا إكراهاً :
*****أنت حـينما تؤمن طـوعاً تـرقى به، لو أراد الله عـزَّ وجل أن نؤمن به قسراً لفعل، ولـكن هذا لا يُسعدنا، لـو أراد الله أن نؤمن بهذا القرآن قسراً لكان ذلك، ولـكن هذا الإيمان القَسري لا يسعدنا، قال تعالى مخاطباً نبيه محمد:
﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) ﴾
( سورة الشعراء)
*****لكن الله دعانا لنؤمن به طوعاً، لنرقى بهذا الإيمان، ليكون إيماننا اختياراً لا إكراهاً:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (256) ﴾
( سورة البقرة )
فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ: آية تدل على إعجاز الله عز وجل في قرآنه :
*****يقسم ربنا جلَّ جلاله رحمةً بنا فيقول:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) ﴾
( سورة الواقعة)
*****لا يعرف معنى هذه الآية إلا من درس الفلك ؛ أذاعت محطة أخبار عالمية خبراً من سنة ونصف أنه: تمّ اكتشاف مجرة تبعد عنا ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية ؛ أقرب نجم مُلتهب للأرض يبعُد عنا أربع سنوات ضوئية، أجْرِ مساءً على الآلة الحاسبة ما معنى أربع سنوات ضوئية ؟ أي ( ثلاثمئة ألف كيلو متر بالثانية × 60 بالدقيقة × 60 بالساعة × 24 باليوم × 365 بالسنة × 4 هذا الرقم قسمه على مئة)، عندنا سيارة نريد أن نصل بها إلى هذا الكوكب، السرعة مئة، ثم قَسِّم هذا الرقم على الساعات، أي 24 تعرف عدد الأيام، ثم قسم هذا الرقم على 365، يظهر معنا أننا نحتاج لأن نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى خمسين مليون سنة، وبإمكانك أن تجري هذا الحساب مساءً، تقود سيارة خمسين مليون سنة لتصل إلى أقرب نجم ملتهب للأرض، هذه المجرة الأخيرة، ثلاثمئة ألف بليون، أي ثلاثمئة ألفْ ألف مليون سنة ضوئية ؛ قال الله عزّ وجل:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾
( سورة الواقعة)
*****فما جواب هذا القسم ؟
﴿ إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) ﴾
( سورة الواقعة)
*****جواب هذا القسم إن هذا كلامي يا عبادي.
زوال الكون أهون على الله من ألاّ يحقِق وعده للمؤمنين:
*****ذكرت قبل يومين في حفل ـ بدأت الحفل هكذا ـ قلت: زوال الكون أهون على الله من ألاّ يحقِق وعده للمؤمنين:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ (55) ﴾
( سورة النور )
*****أين الاستخلاف ؟
﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ (55) ﴾
( سورة النور )
*****أين التمكين ؟
﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ (55) ﴾
( سورة النور )
*****أين الاطمئنان ؟
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا (38) ﴾
( سورة الحج )
*****أين الدفاع ؟
﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) ﴾
(سورة النساء )
*****لهم علينا ألف سبيلٍ وسبيل..
﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ (7) ﴾
( سورة محمد )
*****أين النصر ؟ زوال الكون أهون على الله من أن لا يحقق وعده للمؤمنين.
إضاعة الصلاة و اتباع الشهوات تبعد الإنسان عن الله عز وجل:
*****ولكن:
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) ﴾
( سورة مريم )
*****الساعة الخامسة قيام ليل الحمد لله !!
*****قيام ليل بقنوات المجاري، لا بالتحليق مع الله عزّ وجل..
﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) ﴾
**********هذا هو الجواب، فلذلك:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) ﴾
( سورة الواقعة)
فضل القرآن الكريم :
*****إذا عرف الإنسان قيمة هذا القرآن لا ينام الليل، لا يغيب عن درس تفسيرٍ واحد، كلام الله دستورنا، منهجنا، نور الله المبين، صراطه المستقيم، حبلُ الله المتين، هو الغِنَى، هو العِز، كلكم يعلم إذا تفوَّق عالم في القرآن الكريم ومات ترتج الدنيا له، مات وأخذ معه كُلَّ شيء، أخذ معه كل الخير، أما أهل الدنيا إذا ماتوا فيتركون كل شيء ؛ الذين عرفوا الله، وأمضوا حياتهم في الدعوة إليه يأخذون معهم كل الخير، إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً، تعلَّموا القرآن وعلموه، اِفهموا أحكامه، ولقنوا أحكامه لأبنائكم، وربوا أبناءكم على هذا القرآن الكريم، وعلى حُبِّ نبيِّكُم، وعلى حب صحابته الكرام.
﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ (2) ﴾
( سورة يونس )
*****يشكك أكثر أعداء الدين في هذا القرآن أنه جاء به بشر، ولكن أنتم يا من تشكّكون بهذا القرآن ألاَ تتبعون نبيَّاً من بني البشر ؟
﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا (2) ﴾
( سورة يونس )
*****هذه سُنَّة الله في خلقه، أنزل الله هذا القرآن على سيد الخلق، وحبيب الحق، أنزله على أمين وحيِّ السماء..
﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) ﴾
( سورة هود)
عبادة الله عز وجل فَحْوى القرآن كُلّه:
*****هذا الكتاب كله ملخَّصه كلمة واحدة: ألا تعبدوا إلا الله:
﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) ﴾
( سورة هود)
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (110) ﴾
( سورة الكهف )
*****فَحْوى هذا القرآن كُلِّه:
﴿ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (110) ﴾
( سورة الكهف )
*****هذه آية تلخيص، يلخِّص الله عزّ وجل لنا قرآنه كله..
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾

( سورة الكهف )
من عمل أعمالاً صالحة ألقى الله في قلبه الأمن و الطمأنينة و السعادة:
*****قد تنتظر سنوات وسنوات، ولا تستطيع أن تقابل مَلِكاً، لكن ملك الملوك يقول لك:
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾
( سورة الكهف )
*****ثمن اللقاء عملٌ صالح، اِجعل عملك صالحاً فأنت مع الله، تلقَ الله في الدنيا قبل الآخرة، يُلقي عليك أنواره، يُلقي عليك تجليِّاته، يملأ قلبك أمناً وطمأنينةً، يملأ قلبك سعادةً، يملأ قلبك رضاً.
*****جاءت سيدَنا الصديقَ استغاثةٌ من أحد قواده في بلاد الفرس ـ في نهاوند ـ المسلمون ثلاثون ألفاً، والأعداء مئةٌ وثلاثون ألفاً، أرسل سيدنا خالد إلى سيدنا الصديق يطلب منه النجدة، بعد حين جاءت النجدة، أقل شيء ثلاثون ألفاً مع الثلاثين، أو خمسون ألفاً، أو سبعون ألفاً، فكانت النجدة رجلاً واحداً اسمه القَعْقَاع، عندما وصل إليه نظر إليه فقال له: أين النجدة ؟ فقال له: أنا، معي هذا الكتاب فاقرأه، فتح الكتاب: " من عبد الله أبي بكر إلى خالد بن الوليد، أحمد الله إليك، يا خالد لا تعجب أن أرسلت إليك واحداً، فو الذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يُهزم "، وانتصر الجيش وفيه القعقاع، القرآن يصنع بطولات، القرآن يجعل منك ألفاً، القرآن يجعل منك مئة ألف، أنت واحد، هذه كلها حقائق.
التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً:
*****لذلك:
﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) ﴾
( سورة هود)
*****فَحْوى هذا القرآن كله:
﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (2) ﴾
( سورة هود)
*****الأدق من ذلك أنّ فحوى دعوة الأنبياء جميعاً من أولهم إلى آخرهم هو التوحيد..
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) ﴾
(سورة الأنبياء)
قصص القرآن الكريم أحسن القصص:
*****ما من مكتبة الآن في الأرض إلا فيها قصص، ساعة تسمى أدباً مكشوفاً، وساعة تسمى أدباً واقعياً، فالإنسان البعيد عن الله في الوحل، الإنسان ساقط، الإنسان شهواني، الإنسان خائن، الإنسان أناني، الإنسان متعجرف، يقول الله عزّ وجل:
﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (3) ﴾
( سورة يوسف )
*****اِقرأ قصة سيدنا يوسف تَسْمُ نفسك ـ إنسان مبدأ ـ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال فقال:
﴿ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) ﴾
(سورة المائدة)
*****كان عبداً فجعله الله مَلِكاً بطاعته لله، وقف سيدنا موسى مع الحق، ولم يعبأ:
﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ (15) ﴾
( سورة القصص)
*****وخرج من مصر خائفاً يترقب، وصل إلى سيدنا شُعَيب، وزوَّجه ابنته، وعاد إلى فرعون رسولاً:
﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ (7) ﴾
( سورة القصص)
﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) ﴾
( سورة القصص)
*****هذا القرآن الكريم ؛ امرأة فرعون آسية مَثَل أعلى لكل النساء، إن إيمان المرأة مستقلةٌ به عن زوجها، أكثر النساء الفاسقات يقُلن: هكذا يريد زوجي، سوف تُسألين أنت وحدك عن إيمانك:" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ".
فرعون وما أدراكم ما فرعون، الجبار الطاغية ما استطاع أن يحمل امرأته على أن تؤمن به..
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) ﴾
( سورة التحريم)
قصص القرآن الكريم تغطي جميع الأحوال التي يمر بها البشر :
*****أيها الأخوة: القرآن فيه قصص، إذا قرأ أحدهم قصة نوح وكان عنده ابن سيئ يمتلئ قلبه جبراً، ومن يقرأ قصة سيدنا إبراهيم وعنده أبٌ سيئ:
﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي (43) ﴾
( سورة مريم )
*****ومن كانت زوجته سيئة جداً فليصبر عليها..
﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ (10) ﴾
( سورة التحريم )
*****والتي عندها زوجٌ شرير، فلها في امرأة فرعون القدوة..
﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ (11) ﴾
( سورة التحريم )
*****والذي يحتل مكانة عَلِيَّة في المجتمع بإمكانه أن يكون صالحاً، قصة ذي القرنين، مكَّنه الله في الأرض وجعله مؤمناً كبيراً صالحاً، والذي لا ينجب الأولاد، سيدنا زكريا، وإذا دخل إنسان السجن ظُلماً، سيدنا يوسف، نبيٌّ كريم دخل السجن، ليس السجن وصمة عار بحق الإنسان أحياناً، فإذا قرأت القرآن الكريم تجد أن كل قصة دواء، إنسان ظُلِم فرضاً له في سيدنا يوسف أسوةٌ حسنة ؛ امرأةٌ عفيفةٌ طاهرةٌ تكلَّم الناس في عرضها ظلماً وزوراً لها في السيدة عائشة أسوة حسنة ؛ كأن قصص القرآن تُغَطِّي كل الأحوال..
﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (3) ﴾
( سورة يوسف )
الآيات القرآنية تعطي الإنسان إيماناً فطرياً:
*****أما إذا قرأت مثل هذه الآيات:
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ (2) ﴾
( سورة الرعد)
*****هل يستطيع أحدٌ من بني البشر أن يدَّعي ذلك ؟ إلا أن هذا كلام الله عزّ وجل، أي أنت بالفطرة إذا قرأت هذه الآية:
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ (2) ﴾
( سورة الرعد)
*****من يستطيع من بني البشر أن يدَّعي ذلك ؟ هذه الآيات تُعطيك إيماناً فطرياً، وهذا القرآن في النهاية:
﴿ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (1) ﴾
( سورة إبراهيم)
*****الكافر في ظلام، في ظُلُماتٍ بعضها فوق بعض، وأما المؤمن إذا قرأ القرآن فهو على بيّنةٍ من ربِّه، إنه في نور الله عزّ وجل، حتى إنّ بعضهم قال: الله نور السماوات والأرض، نوَّرها بهذا القرآن الكريم، بيَّن، ووضَّح.
أعلى خُلُقٍ على الإطلاق أن يتخلق الإنسان بأخلاق القرآن الكريم:
*****اقرأ القرآن تعرف أنك المخلوق الأول ، اقرأ القرآن تعرف أن هذه الدنيا لعبٌ، ولهوٌ، وزينة، وأن الآخرة هي دار القرار، اقرأ القرآن تعلم أن العمل الصالح هو رأس مالِكَ في الدنيا، اقرأ القرآن تعلم أن أعلى خُلُقٍ على الإطلاق أن تتخلق بأخلاق القرآن ؛ سُئلت السيدة عائشة عن أخلاق رسول الله ؟ قالت: كان خلقه القرآن، فأنت إذا قرأت القرآن، تلوْتَه حق تلاوته، فهمتَ آياته، تدبَّرْتها، وعملت بها سعدت في الدنيا والآخرة، كنت في ظلام البعد وظلام الجهل، فانتقلت إلى نور العلم والمعرفة، والدعاء: " اللهمَّ أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، من وحول الشهوات إلى جنَّات القربات ".
*****فاليوم:
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾
**********إن شاء الله في الدرس القادم سنتابع قوله تعالى:
﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ﴾
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
11-03-2012, 07:37 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (03- 95):تفسير الآية 2، أحاديث عن أهمية قراءة السورة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-07-10


بسم الله الرحمن الرحيم
*****الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*****أيها الأخوة الكرام مع الدرس الثالث من سورة البقرة.
الشهوات تدفع الإنسان إلى الحركة لأن السِمة العامة للإنسان أنَّه حَرَكيّ:
*****لا زلنا في قوله تعالى :
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ﴾
*****فكلمة (ذلك) ذا: اسم إشارة، فيها إشارةٌ إلى هذا القرآن الكريم، أما هذه (اللام) فيسميها النُحاة لامَ البعد، أو لام التعظيم، وذاك غير ذلك.
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾
*****الكاف للخطاب، فالله سبحانه وتعالى يشير إلى هذا الكتاب، ويبيِّن لنا عظمته، ويخاطب به جميع الناس، الشيء الذي ينبغي أن نقف عنده وقفةً متأنية كلمة:
﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ﴾
*****أيها الأخوة الكرام الإنسان حركة، لماذا ؟ لأن الله أودعَ فيه الشهوات، فالشهوات تدفعه، حاجته إلى الطعام تدفعه إلى العمل، حاجته إلى المرأة تدفعه إلى الزواج، أو إلى طريقٍ آخر، حاجته إلى تأكيد الذَّات تدفعه إلى التفوّق، فهذه الحاجات التي أودعها الله في الإنسان تجعله يتحرَّك، فالسِمةُ العامة للإنسان أنَّه حَرَكيّ ؛ أما هذا الكأس فلا يتحرك لو وضعناه في هذا المكان مئات السنين، لأنه لا يحتاج إلى شيءٍ يدفعه ليبقى موجوداً، لا يحتاج إلى أن يزهو على أقرانه، لا يحتاج إلى طرفٍ يُكَمِّلُه ؛ الجماد ساكن، بينما الإنسان متحرك.
خالق الإنسان وحده هو الذي يرسُم للإنسان هدفاً لأن الإنسان ليس أهلاً لذلك:
*****طبيعة الإنسان متحركة ؛ سبب هذه الحركة كما قال الله عزَّ وجل:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ (14) ﴾
(سورة آل عمران )
*****هذه الشهوات التي أُودعت في الإنسان تجعله يتحرَّك، الآن نحو ماذا يتحرك ؟ هنا السؤال، ما دام هناك حركة فهناك هدف، من هي الجهة التي تَرْسُمُ له الهدف الصحيح ؟ هي الجهة الخالقة ؛ الإنسان أحياناً يرسم لنفسه هدفاً، هدفاً غير صحيح، غير نافع، غير مفيد، وقد يكون هدفاً مُدَمِّراً، فالإنسان ليس أهلاً أن يرسم لذاته هدفاً ؛ رُسِمَ الهدف، ما هو الطريق المناسب لهذا الهدف ؟ قد أسلُكُ طريقاً وعراً، قد أسلك طريقاً لا يوصلني إلى هذا الهدف، قد أسلك طريقاً طويلاً، من هي الجهة ـ مرةً ثانية ـ المؤهَّلة كي ترسم لي أقصر طريق وأسلم طريق ؟ الحقيقة خالق الإنسان وحده هو الذي يرسُم لهذا الإنسان هدفاً، وهو الذي يرسم له طريقاً؛ أما لو رسم الإنسان هدفاً، فالأهداف متحركة، والأهداف متبدِّلة، والأهداف غير ثابتة، والأهداف مِزاجية أحياناً ؛ هؤلاء البشر أمامكم منذُ آلاف السنين ؛ انغمس أناسٌ في الشهوات إلى قِمم رؤوسهم، وقدَّس أناسٌ العقل، فكان العقل سبب دمارهم، قدس أناسٌ العادات والتقاليد فكانت العادات والتقاليد سبب تخلفهم، أناسٌ قَدَّسوا المادة، أناسٌ قدَّسوا الروح، أناسٌ قهروا النفس، رسمت الشعوب والأمم أهدافاً لذواتها، وكانت الأهداف غير صحيحة ؛ ادَّعت شعوبٌ أنها الشعب المختار في الأرض، فأرادت أن تَقْهر بقية الشعوب، فدُمِّرت وانتهت، الآن هدف الشعوب الغربية المُتعة بأي طريق، وبأية وسيلة ؛ قضت المتعة عليها، وإذا كانت هذه الدول تقوم فهي تقوم على أدمغة الآخرين، لا على أدمغة أبنائها.
لا بدَّ أن تستهدي الله بالهدف الذي تسعى إليه وبالطريق الموصل إلى هذا الهدف :
*****أوَّل نقطة في هذا الدرس: مَن هي الجهة المؤهَّلة لأن ترسم لهذا الإنسان هدفاً ؟ الله جلَّ جلاله، من هي الجهة المؤهَّلة التي ترسم لهذا الهدف طريقاً ؟ الله جلَّ جلاله، كلمة ﴿هُدًى﴾ دقق، إنسان وصل إلى مدينة ولا بدَّ أن يلتقي بشركة، ولا يعرف أين هذه الشركة، إذاً هو يحتاج إلى دليل، يحتاج إلى هادي، هو مهتدٍ، ويحتاج إلى هادٍ، والهدف الشركة والطريق ؛ كلمة هُدى تعني: الهدف والطريق والهادي والمهتدي، المهتدي أنت، الهادي، والهدف، والطريق من عند الله عزَّ وجل، فكل إنسان استهدى الله بتحديد الهدف، واستهدى الله بتحديد الطريق نجح، وأفلح، وفاز، ونجا، خلافاً للإنسان الذي وضع هدفاً من عنده ؛ هناك إنسان هدفه المتعة، وإنسان هدفه المال، وإنسان هدفه العلُوّ في الأرض، وإنسان هدفه موضوع معيَّن، فكل إنسان ينصرف إلى الهدف الذي رسمه ؛ لكن متى تُخَيِّبُهُ هذه الأهداف ؟ في النهاية، حينما يكتشف أن المال ليس بشيء، جعله هدفاً في مقتبل حياته، قَدَّسه، باع من أجله دينه وعِرضه، وصل إلى المال، ثم اكتشف أن هذا الهدف سخيف، متى يكتشف هذا ؟ بعد فوات الأوان وهو على فِراش الموت ؛ أدق فكرة في هذا الدرس أنه لا بدَّ من أن تستهدي الله بالهدف الذي ينبغي أن تسعى إليه، ولا بدَّ من أن تستهدي الله بالطريق الموصل إلى هذا الهدف.
(( يا عبادي، كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه، فاسْتَهدُوني أهْدِكم ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
*****لاحظ هذه الشعوب فيما حولنا، صار العالم الآن قرية، العالم بيت، العالم الآن غرفة واحدة، شعوب بمئات الملايين تعبد البقر، شعوب تعبد ذواتها، شعوب تقدِّس العقل إلى درجة الحماقة، شعوب تقدس الشهوة، شعوب تقدس التاريخ والعادات والتقاليد، فهذه الشعوب رسمت أهدافاً لكنها ضلَّت سواء السبيل ؛ من هو الناجح ؟ من هو الرابح ؟ من هو المُفْلح ؟ هو الذي سأل الله عن الهدف الصحيح ؛ الهدف هو الجنة، لأن الإنسان خُلِق للجنة، والطريق طاعة الله عزَّ وجل.
*****فكلمة
﴿هُدًى﴾
*****أي هناك هدف، وهناك حركة نحو الهدف، وهادٍ، و مهتدٍ، أربعة أركان لكلمة الهُدى، فأنت المهتدي، والهادي هو الله، يهديك إلى الهدف الصحيح، ويهديك إلى الطريق الصحيح ؛ والله جلَّ جلاله هدى أنبياءه ورسله إلى الأهداف الصحيحة، فَسَلِموا، وسعدوا هم وأتباعهم في الدنيا والآخرة، والذين شردوا عن طريق الدين رسموا أهدافاً أخرى.
آياتٌ من القرآن متعلِّقة بالهدى :
*****إذا نظرت أيها الأخ الكريم إلى شارع مزدحم بالناس تجد أن في بال كل إنسان هدفاً يسعى إليه، السعيد والرابح والناجي هو الذي تطابَق هدفه مع الهدف الذي رسمه الله لهذا الإنسان لذلك أيها الأخوة هناك آياتٌ متعلِّقة بالهدى مهمةٌ جداً ينبغي أن تكون تحت سمعنا وبصرنا:
﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾
*****هل هناك ثمرة بعد هذه الثمرة ؟
﴿ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ (38) ﴾
*****مِن المستقبل كله:
﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾
*****على الماضي كله:
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾
*****وقال:
﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) ﴾
( سورة طه )
*****لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، اِجمع الآيتين، من يتبع هدى الله عزَّ وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت.
الهدى مبذول لكل الناس:
*****الهدى الحقيقي، الفوز الحقيقي، المعرفة الحقيقية.
﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ (73) ﴾
( سورة آل عمران )
*****لا يمكن أن يوصف إنسان بأنه مهتدٍ إن لم يعرف الله، قد يتفوق في الدنيا، ولكنه ليس مهتدياً، إن الهدى الحقيقي الهدى المنجي الهدى المسعد ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ فلا يوجد إلا حل واحد ؛ إما أنك مع الله، وإما أنك مع الهوى.
﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ (73) ﴾
*****هناك آية أخرى:
﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى (120) ﴾
( سورة البقرة )
*****لذلك قد تجد إنساناً ذكياً لكن لن يكون الإنسان عاقلاً إلا إذا اهتدى بهدي الله:
(( كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه، فاسْتَهدُوني أهْدِكم ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
*****هذا الهدى مبذول لكل الناس..
﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ (88) ﴾
(سورة الأنعام )
ألزم الله سبحانه وتعالى نفسه بهداية البشر :
*****الله عزَّ وجل قال:
﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) ﴾
(سورة الليل)
*****ألزم الله سبحانه وتعالى نفسه بهداية البشر، هداهم بهذا الكون، الكون كلُّه يدلُّ على الله، وهداهم بهذا القرآن، وهداهم بالعقل، وهداهم بالفطرة، وهداهم بأفعاله ؛ أفعاله تدل عليه، والفطرة مجبولة على الإيمان به، والعقل مركبٌ على مبادئ توصله إلى الله عزَّ وجل، وكل ما في الكون يدل على الله، يدل على الله خالقاً ومربياً ومسيراً، موجوداً وواحداً وكاملاً ؛ فلذلك أيها الأخوة أنت متحرك شئت أم أبيت، لا يوجد حل وسط، هناك مَلَكٌ وهناك شيطان، الملَك يُلْهم والشيطان يوسوس ولا بدَّ من أن تستجيب لأحدهما لأنك كائن متحرك، إذاً هناك هدف، الهدف إما أنه من صنعِك، وإما أنه من الله عزَّ وجل، إذا كان من صنعِك في الأعم الأغلب فالهدف غلط، يصاب الإنسان بخيبة أمل حينما يكتشف أنه عاش عمراً مديداً، وقد ضلّ سواء السبيل:
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) ﴾
( سورة الكهف)
الإنسان مخلوقٌ للجنة وطريقُها طاعة الله عزَّ وجل:
*****أيها الأخوة ورد في بعض الآثار أن الكافر حينما يأتيه ملك الموت يصيح صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصعقوا من شدة الندم.
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(15)﴾
( سورة الزمر)
*****أخطر شيء أن تعرف إلى أين تتحرك ؟ لجمع المال فقط من طريقٍ مشروع أو غير مشروع، هذا ضلال، تتحرك لتكون منزلتك عّلية بحقٍ أو بباطل، لتستعلي على الناس، هذا ضلال، تتحرك لتنغمس في المتع الرخيصة إلى أن يأتي الموت هذا ضلال ؛ ما الهدف ؟ متعة، مال، مكانة، استعلاء، ما الهدف ؟ الهدف الحقيقي أنت مخلوقٌ للجنة، وطريقُها طاعة الله عزَّ وجل، يجب أن تُصْغي إلى خالقك الذي رسم لك الهدف، والدليل:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾
(سورة الذاريات)
*****وقال:
﴿ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119) ﴾
( سورة هود )
*****وقال:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12) ﴾
(سورة الطلاق)
البشرية قسمان ؛ إنسان استهدى الله فهداه، وإنسان شرد عن الله:
*****هذا القرآن هُدى، يحتاج الإنسان في حركة الحياة إلى هدف فرَسَمَ له القرآن الهدف، ويحتاج الإنسان في سعيه نحو الهدف إلى طريق فرسَمَ له القرآن الطريق، وهذا القرآن كلام الله عزَّ وجل، إذاً يمكن أن نقَسِّم البشرية إلى قسمين ؛ إنسان استهدى الله فهداه، وإنسان شرد عن الله، والشرود عن الله آلاف الأنواع، أنواع منوعة، التاريخ أمامكم والشعوب من حولكم والأخبار بين أيديكم، أكثر الشعوب تسير في طريق مسدودة، لو أنها ازدهرت في حياتها الدنيا، لو أنها ـ كما يقولون ـ سخَّرت الطبيعة، لكنهم حينما يأتي ملك الموت يفاجؤون أنهم خلقوا لحياة أبدية، وأن هذه الحياة الدنيا هي إعداد لتلك الحياة، فجعلوها مقراً، وجعلوها منتهى أمانيهم، ومَحَطَّ رحالهم، فضلوا سواء السبيل.
*****أيها الأخوة لا تنسوا هاتين الآيتين:
﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) ﴾
*****وقال:
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾
*****وقال:
﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى (120) ﴾
( سورة البقرة )
*****هو الهدى وحده، الحق لا يتعدد.
هناك طريقان إما أن تستجيب لأمر الله عزَّ وجل وإما أن تستجيب لهواك :
*****دققوا في هذه الآية:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ (50) ﴾
( سورة القصص )
*****إن لم تستجب لرسول الله فأنت على الباطل قطعاً، هناك طريقان إن لم تكن على أحدهما فأنت على الثاني حتماً ؛ إما أن تستجيب لأمر الله عزَّ وجل، وإما أن تستجيب لهواك، إما أن تكون على طريق الحق، وإما أن تكون على طريق الباطل.
*****الهدى كما قلت قبل قليل مبذول، كُلُّ شيءٍ يدلك على الله إن أردت الهدى ؛ فإن لم ترد الهدى لو التقيت بالأنبياء جميعاً، ورأيت معجزاتهم جميعاً، وكل شيء أمامك واضح فلن تبلغ الهدى، الشيء الذي يلفت النظر أن بعض العلماء في أوربا أو أمريكا اطّلعوا على حقائق مذهلة في خلق الإنسان أو في الأكوان، اطلعوا على حقائق مذهلة، لكنْ لماذا لم يؤمنوا ؟ لأنهم ما أرادوا الهُدى، ولو أرادوا الهدى لوصلوا إليه، القضية قضية قرار، فإما أن تتخذ قراراً بالبحث عن الحقيقة، وعندئذٍ كلُّ شيءٍ يوصلك إليها، وإما أن تعزف عن الحقيقة، ولو رأيت الأنبياء جميعاً، واستمعت إليهم جميعاً، ورأيت معجزاتهم جميعاً، ورأيت كتاباً ينزل من السماء، ورأيت ناقةً خرجت من الجبل، ورأيت بحراً أصبح طريقاً يبساً، ورأيت العصا أصبحت أفعى أو ثعباناً، ورأيت النار تمتنع عن إحراق إبراهيم لن تستفيد شيئاً، إلا أن تتخذ قراراً من الداخل بالبحث عن الحقيقة.
أنواع الهداية:
*****أيها الأخوة قال العلماء: هناك هداية دلالة، وهناك هداية توفيق، وهناك هداية مصلحة، كيف ؟ نحن بني البشر هدانا الله عزَّ وجل إلى مصالحنا، يحتاج الإنسان إلى الطعام، فيشعر بالجوع، الإحساس بالجوع هداية إلى المصلحة، لو أن الإنسان يجوع دون أن يشعر بالجوع لمات، يوجد عند الإنسان جهاز توازن لو اختل توازنه يستعيد توازنه، فالحفاظ على التوازن هذه مصلحة ؛ عينا الإنسان، وأذناه، وأنفه، وحواسه كلها تهديه إلى ما حوله، أنت موصول مع المحيط الخارجي بهذه الحواس.
*****أحياناً قصة لها دلالة، إنسان يقود سيارته من حمص إلى دمشق، وهو في حديثٍ ممتعٍ مع صديقه لم يلتفت إلى مشير الحرارة، ارتفعت الحرارة، واحترق المحرِّك لخلل أصابه ؛ قال لي: لو نظرت إلى اللوحة مرة واحدة، ورأيت الحرارة مرتفعة لوقفت ووفرت ثلاثين ألفاً ؛ لم ألتفت إلى اللوحة لأنني منغمس في حديث ممتع مع صديقي فاحترق المحرك، اللوحة إذاً ناقصة، لأن المؤشر يعطي حركة فهو يحتاج إلى نظر، وتحدث مشكلة إذا غفل السائق عن النظر للمؤشر، فما قولك بعداد له صوت ؟ يمكن أن ترى، ويمكن أن تسمع وهو أبلغ، فإذا كان الإنسان ضعيفَ السمع يحتاج إلى ضوء، عداد فيه ضوء، وصوت، وحركة يكون أقوى.
1ـ هداية المصالح:

*****جهازنا الذي زودنا به ربنا عز وجل هذا الجهاز المعقد هداك إلى مصالحك، تجد الإنسان إذا جاع يبحث عن الطعام، إذا كان الطعام فاسداً تقيؤه، آلية التقيؤ دقيقة جداً ؛ يقوم جهازه وهو نائم بآليات عجيبة جداً، لسان البلعوم يتحرك وأنت نائم حركة معقدة، ويأتيه إشارة من الفم إلى الدماغ أن هناك لعاباً، فالدماغ يعطي أمراً، لسان المزمار هذا يغلق القصبة الهوائية إغلاقاً تاماً ويفتح طريق المريء، فيدخل هذا اللعاب في مري الإنسان وأنت نائم، فالإنسان مبني بناء دقيقاً جداً.
*****لو دخل جرثوم هناك جهاز المناعة المكتسب، جهاز دقيق جداً، لمجرد دخول جرثوم تخرج عناصر استطلاعية من جهاز المناعة تتصل بهذا الجرثوم، وتكشف هويته، وتأخذ شفرته الكيماوية وتعود إلى معامل صنع السلاح العقد الليمفاوية ؛ تهيئ هذه العقد سلاحاً مضاداً، تأتي عناصر ثالثة مقاتلة تحمل هذا السلاح، تنطلق إلى الجرثوم وتقاتله فتقتله، ثم تأتي عناصر خدمات تزيل هذه الجثث من ساحة المعركة، وأنت لا تشعر.
هداية المصالح واضحة جداً عند الحيوانات:
*****إنسان رأى أفعى، هذه الصورة انطبعت على شبكية عينه، شبكية العين فيها إحساس نُقِلَت إلى الدماغ، الدماغ فيه إدراك بحسب المفاهيم والخبرات السابقة، يدرك الدماغ الخطر ويتصل بملكة الجهاز الهرموني عن طريق ضابط اتصال هو جسم تحت السرير البصري ؛ الدماغ ملك والنخامية ملكة، ملك وملكة لا بدَّ أن يلتقيا عن طريق وسطاء ؛ ترسل الملكة أمراً إلى الكظر أن هناك خطراً ليتصرَّف، فيرسل الكظر أمراً إلى القلب ليرفع ضربات القلب، إذا ارتفعت الضربات أسرع الدم في الأوعية، ووصل الدم إلى العضلات بطريقةٍ أسرع ؛ ويرسل أمراً ثانياً إلى الرئتين فيزداد وجيبهما كي يتناسب وجيب الرئة مع ضربات القلب، ويرسل أمراً ثالثاً إلى الأوعية المحيطة في الجسم فتضيق لمعتها ويصفر، لون الخائف، لأنه بحاجة إلى الدم لا إلى لون وردي، وأمراً رابعاً إلى الكبد فيطرح كميةً زائدة من السكر كي تكون وقوداً إضافياً في معركته مع هذه الأفعى، وأمراً خامساً بإطلاق هرمون التجلُّط، فلو أنه جُرح لئلا ينزف دمه كله، الدم يتجلط، هذه هداية، فإذا كان هناك خطر توجد آلية معقدة، دخل جرثوم توجد آلية معقدة، دخل الطعام هناك هضم معقد، على كلٍ هذا طريق طويل، هذه الهداية، اسمها هداية المصالح، أي أن الله عزَّ وجل خلق الإنسان في أحسن تقويم.
﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
*****هذه هداية المصالح وهي تبدو واضحة جداً عند الحيوانات، يقوم الحيوان بآليات معقدة جداً من دون تعليم، من دون تدريب، والدليل فور ولادة الطفل الصغير الآن يضع فمه على ثدي أمه ويقوم بآلية معقدة جداً تسَمَّى آلية المص، مَن علَّمه وضَعَ شفتيه على حُلْمَة ثدي أمه، وأحْكَم إغلاق شفتيه، وسحب الهواء فجاءه الحليب ؟ لولا هذه الآلية لما كان هذا الدرس، ولما كانت هذه البلدة، ولما كان إنسان واحد في العالم، آلية المص، سموه: مُنْعَكَس المص.
﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
*****هذه هداية المصالح، نحن وغيرنا سواء فيها ؛ بالعكس الغرائز أعلى عند غيرنا من الأعمال الإرادية.
2ـ هداية الدلالة:
*****الهداية الثانية أيها الأخوة هداية الدلالة، أنزل ربنا عزَّ وجل هذا القرآن على نبيه ليدلُّنا على ذاته، ليدلنا على هدفنا، ليدلنا على طريقنا، ليدلنا على منهجنا، اِفعل ولا تفعل، هذه هداية ثانية، هداية الدلالة.
3ـ هداية التوفيق:
*****الهداية الثالثة:
﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾
( سورة الكهف)
*****هداية التوفيق.
*****كل واحد منا مهتدٍ إلى مصالحه، يجوع يأكل، يدخل طعام فاسد فيتقيَّأ، يتعب جهازه العصبي فينام، يقول لك: أريد أن أنام، متضايق فينام ويستريح، يشتهي في الصيف المأكولات الباردة، مأكولات فيها ماء، يشتهي الخس، يشتهي البطيخ، يشتهي الحلو في الشتاء لوجود البرد، يحتاج إلى غذاء فيه طاقة حرارية عالية جداً، فالإنسان مهتدٍ إلى مصالحه.
أدلة من القرآن الكريم عن هداية التوفيق:
*****أجرى بعض أطباء الأطفال تجربة رائعة جداً، وضعوا عشرة أطفال أمام غذاء مفتوح، أنواع منوَّعة من الغذاء وسمحوا للأطفال أن يأكلوا كما يشاءون ؛ ورسم علماء كبار في التغذية لعشرة أطفال آخرين منهجاً رائعاً في التغذية، فالفيتامينات، والسكريات، والبروتينات، والنشويات، كل الأغذية النظامية ؛ وجدوا أن نمو أجسام الأطفال الذين تُركوا وشأنَهم ليأكلوا كما يشاءون أرقى بكثير من نمو الذين رسمت لهم خطط دقيقة جداً في غذائهم ؛ فالإنسان مهتدٍ إلى مصالحه، يهتدي إلى مصالحه، والله عزَّ وجل هداه إليه، هداه هداية دلالة، فإذا قبلت الهدى أيها الإنسان هُديت هدايةً ثالثة، هُديت توفيقاً، الله يوفقك، تستوعب الحق، يعينك على طاعته، يعينك على العمل الصالح، يجمعك مع أهل الحق، يشرح صدرك للإسلام، هذه كلها هداية توفيق، فأنت بين هداية المصلحة وبين هداية الدلالة، وبين هداية التوفيق، ثلاثة هدايات ؛ هداية مصلحة، هداية دلالة، هداية توفيق، تتوَّج هذه الهدايات أنك تهتدي إلى الجنة، يدخل المؤمنون الجنة بفضل الله عزَّ وجل.
*****أيها الأخوة معنى قوله تعالى:
﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾
( سورة الكهف)
*****هذا الهُدى هداية التوفيق:
﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى (17) ﴾
(سورة فصلت )
*****هذا هو الاختيار:
﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى (76) ﴾
( سورة مريم )
*****أيضاً هداية التوفيق.
هناك أخطار محدقة بالإنسان لأنه وحده قَبِلَ حمل الأمانة:
*****شيءٌ آخر ؛ يقول الله عزّ وجل في الآية الكريمة:
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ (50) ﴾
( سورة القصص )
*****معنى ذلك أنه لا شيء على الإنسان لو اتبع هواه وفق هدى الله عزّ وجل، لأنه ليس في الإسلام حِرْمان، بل هناك تنظيم، كل شهوةٍ أودعها الله في الإنسان فتح لها قناةً نظيفة تسري خلالها.
*****أيها الأخوة الكرام هذا الكتاب هدىً لمن ؟
﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
*****كلمة متقين، المتقي اسم فاعل من الفعل اتقى، اتقى مزيد، مجرَّده وقى ؛ وقى من الوقاية، الوقاية فيها خطر، معنى ذلك هناك أخطار محدقة بالإنسان لأنه وحده قَبِلَ حمل الأمانة، رِّكب الله المَلَك من عقلٍ بلا شهوة وركِّب الحيوان من شهوةٍ بلا عقل وركِّب الإنسان من كليهما، اختارت الملائكة العبادة من دون مسؤولية، هُم مع الله دائماً، واختارت الحيوانات الشهوة من دون مسؤولية، فالحيوان همه أكله فقط لكنه لا يُحاسب وهو غير مكلَّف، لكن الله خلق الإنسان من طين الأرض، ونَفَخَ فيه من روحه، ففيه نفخةٌ من الله، وفيه قبضةٌ من الطين، فيه نوازع أرضية، وفيه ميول علوية، إذاً يوجد عنده خطأ ؛ فإذا غلبت نوازعُه الأرضية أَخَلَّ بالأمانة، إذا غلبت نوازعه الأرضية فسد لأن عنده دوافع وشهوات ؛ الفساد بالضبط كمركبة فيها محرك، الشهوة هي المحرك، قوة اندفاع، والمنهج هو المِقود، تصور مركبة بلا مِقود، والطريق فيه انعطافات، وفيه حفر، وفيه وديان على اليمين واليسار، فمركبة تنطلق بسرعة عالية في طريق فيه انعطافات، والدنيا ليل فلا بدَّ أن تهوي في الوادي ؛ فكلمة متقي: مِن اتقى، واتقى مزيد من وقى، ووقى من الوقاية، والوقاية من الخَطَر، معناها يوجد خطر، لأنك إنسان تحوم حولك أخطار، فما الخطر ؟ الخطر أن تتحرّك وفق شهواتك من دون منهج الله عزّ وجل، هذه هي القصة كلها.
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ (50) ﴾
( سورة القصص )
المتقي هو الذي اتقى عقاب الله عزّ وجل:
*****إذا أحب الإنسانُ المرأة، والْتقى معها لقاءً خارج نطاق الزوجية، فقد اعتدى على بشرٍ مخلوق، قضى وطره دون أن يربطها بعلاقة زوجية تضمن لها مصالحها ومستقبلها، إذاً هو ماذا فعل ؟ اعتدى على الآخرين بدافع من شهوته، الإنسان يحب المال، قد يأكل أموال الناس بالباطل بدافع من حب المال، فالشهوات إن لم تنضبط بمنهج الله فلا بدّ أن تؤدِّي إلى فساد وقد قال الله عزّ وجل:
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ (41) ﴾
(سورة الروم )
*****ما هو الفساد ؟ إخراج الشيء عن خصائصه ؛ صمم الله عزّ وجل هذا الماء لا لون له ولا طعم له ولا رائحة، لو كان فيه رائحة غير مقبولة لأصبح الماء فاسداً، ولو فيه عكر شديد أصبح الماء فاسداً، لو فيه ألوان غير مقبولة أصبح ماء فاسداً ؛ إفساد الماء إخراجه عن طبيعته، هذا هو الإفساد، فلأن الله أودع في الإنسان الشهوات فإذا لم يهتد بهدي الله عزّ وجل فلا بد أن يفسد، والفساد أساسه مخلوقٌ مخير أودعت فيه الشهوات، تحرَّك وفق الشهوات من دون منهج الله عزّ وجل، لذلك ليس هناك فساد في عالم الملائكة، وليس هناك فساد في عالم الحيوان، الفساد فقط عند الإنسان الذي مُكِّنَ من الشهوات ولم يهتد بمنهج الله عزّ وجل ؛ فلذلك لأني أنا إنسان يوجد حولي أخطار ؛ خطر الشهوة، خطر تَحَمُّل العقاب على عدواني على الآخرين ؛ ما الذي يجري الآن ؟ أناس يعتدي بعضهم على بعضٍ، وربنا عزّ وجل يحاسبهم حساباً دقيقاً، فأنت أمام خطر أن تغريك نفسك بأخذ ما ليس لك، فيعاقبك الله عقاباً أليماً، هذا خطر ؛ فالمتقي هو الذي اتقى عقاب الله عزّ وجل ؛ الله عزّ وجل له أسماءُ جلالٍ ؛ الله جبار، الله منتقم، الله كبير، الله قهَّار، الله مهيمن، هذه أسماء الجَلال، ورحيم، ولطيف، وحكيم هذه أسماء الجمال.
معنى كلمة (تقوى):
*****ما معنى اتقيت الله ؟ اتقيت أسماء جلاله بأسماء جماله، أي أنا أطلب رحمة الله بطاعته، أتقي غضبه، أتقي بطشه، أتقي انتقامه:
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) ﴾
(سورة البروج)
*****وهو:
﴿ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) ﴾
(سورة الرعد)
*****قال:
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ (18) ﴾
( سورة الأنعام )
*****هذه أسماء الجلال أما إذا أنا أطعته:
﴿ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) ﴾
( سورة هود)
*****وقال:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً (96) ﴾
( سورة مريم)
*****إذاً كلمة التقوى أن تتقي غضب الله، تتقي عقابه، تتقي أن تكون تحت أسماء جلاله وتتقي عقابه الأبدي وهو النار، لذلك:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ (102) ﴾
( سورة آل عمران )
*****أن تطيعه فلا تعصيه، وأن تذكره فلا تنساه، وأن تشكره فلا تكفره.
حينما يستقيم الإنسان على أمر الله يتقي أسماء الجلال ويطلب أسماء الجمال والإكرام:
*****أيها الأخوة الكرام، الهدى إنسان شعر بالخطر، بحث عن الخلاص من خلال هذا الكتاب، لذلك :
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ﴾
*****كلما تمعَّنت، كلما تأمَّلت في هويتك أنت إنسان فيك شهوات أرضية، وفيك مطالب علوية، فإذا غلبت عليك شهوتك فالمصيبة كبيرة جداً، حينما تحركت الشهوة عشوائياً رافقها العدوان على أعراض الناس، وعلى أموالهم، والعدوان مصيره العقاب، وأنت حينما تستقيم على أمر الله تتقي عقاب الله، حينما تستقيم على أمر الله تتقي أسماء الجلال، وتطلب أسماء الجمال والإكرام:
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ﴾
*****إن لم يبحث الإنسان عن الحقيقة فهذا الكتاب لا يعنيه، فلو جلس إنسان في مكان جميل وليس عنده هدف فهو لا يسأل عن شيء، ولا يبحث عن شيء، أما إذا جاء إنسان إلى بلدة غريبة عليه، وله مبلغ ضخم ليقبضه من مؤسسة، وهو لا يعرف عنوان المؤسسة فتجده يسأل لأن هناك هدفاً، الهدف أن يأخذ هذا المبلغ من هذه المؤسسة، والمؤسسة لا يملك عنوانها، فإنه يسأل، فأخطر شيء أن تكون إنساناً بلا هدف، أنا ذهبت إلى بلاد بعيدة جداً، قيل لي: ماذا رأيتَ ؟ قلت: رأيت إنساناً بلا هدف، يأكل، ويشرب، ويستمتع:
﴿ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) ﴾
(سورة محمد)
*****أخطر شيء أن تكون بلا هدف، وأعظم شيء أن يكون لك هدف عظيم، هذا الهدف يدفعك إلى مكارم الأخلاق.
*****لذلك أيُّها الأخوة، الشيء اللطيف أن المؤمن لا يشيخ أبداً، المؤمن شابٌ دائماً، قد يصل إلى المئة ولكنه لا يشيخ بل يبقى شاباً، شابٌ بهمته، لأن هدفه كبير، هدفه الله عزّ وجل.
حينما يكون الله هدفك فأنت في شبابٍ دائم:
*****النقطة الدقيقة: متى يسأم الإنسان الحياة ؟ حينما تكون أهدافه أرضية ؛ هدفه الزواج فتزوج، هدفه أن يكون معه مال فجَمَّع المال، هدفه أن يحتل مكانة رفيعة فنالها، والإنسان دائماً يكتشف تفاهة أهدافه المادية، فمستحيل أن يمدك شيئاً من الدنيا بسعادةٍ مستمرَّة، كلما بحثت عن هدفٍ مادي ووصلت إليه اكتشفت تفاهته، أما حينما يكون الله هدفك أنت في شبابٍ دائم.
*****ثمة فكرة ذكرتها كثيراً: إن الإنسان يبحث عن السعادة في أعماقه، وتحتاج السعادة بالمفهوم المادي إلى صحة، وإلى وقت، وإلى مال، ودائماً عنصر من هذه العناصر مفقود، ففي أول الحياة الوقت موجود والصحة موجودة ولكن لا يوجد مال، في منتصف الحياة الصحة موجودة والمال موجود ولكن لا يوجد وقت، في آخر الحياة المال موجود والوقت موجود ولكن لا توجد صحة، معنى هذا أن الإنسان طوال حياته شقي، دائماً ينقصه شيء، لكن المؤمن غير هذا، المؤمن لا ينطبق عليه هذا الحكم، لماذا ؟ لأن هدفه الله عزّ وجل ؛ هو شاب يسعد بالله، وهو متزوج يسعد بالله، وهو فقير يسعد بالله ؛ القصة كلها أن لا يكون هدفك محدوداً، إذا كان الهدف محدوداً ووصلت إليه انتهيت، تصبح الحياة مملةً، تصبح الحياة مُتْعِبةً، تصبح الحياة عبئاً ؛ لذلك تجد الكبراء، أصحاب الأموال، أصحاب المراتب العالية في المجتمع تجلس معهم فتتضايق، يقول لك: المال أمر تافه، لا شيء فيه، مع أن معه أموالاً طائلة، وليس عنده مشكلة.
*****ذكر لي أحد الأخوة مفارقة عجيبة جداً: زاره شخص، أقسم بالله أن حجمه المالي بِضعة آلاف الملايين، لا بضع مئات، بل بضعة آلاف، شكا له عن حياته وعن ملله، لا يعجبه شيء، ولا يوجد شيء يرضيه، قال لي: شيء عجيب، خرجت من عنده وليس لي قوائم تحملني، فما هذا الإنسان ؟!! لا يوجد عنده مشكلة، المال كله بين يديه ؛ وتابع هذا الأخ حديثه قائلاً: طلبت أسرة فقيرة مساعدة مني، دخلت إلى بيت في إحدى قرى دمشق، فإذا هو بيت متواضع جداً تحت درج، الزوج موجود، والزوجة موجودة، والأطفال في سعادة، والدخل محدود، طلبوا أجرة البيت فقط ؛ ألف ليرة فقط، قال لي: شعرت أن في هذا البيت سعادة غامرة، مع أنه يشكو من ضيق الدخل، فالإنسان حينما يفقِد الهدف يصير إنساناً عبئاً، فالذي أقوله لكم: يجب أن تختار هدفاً يفوق كل قدراتك، هو الله عزّ وجل، كل إنسان هدفه الله فهو سعيد، في شباب دائم، ليس ثمة ملل ولا سأم، لأنه يبحث عن شيء مهما بذل من أجله فلن يحيط بالله عزّ وجل، أما الدنيا فمحدودة، وتنتهي.
ثَمَن الجنة ضبط الشهوة والشقاء أن تغلبك شهوتك :
*****إنسان صار معه مال، أكل جميع المأكولات ولم يبقَ عنده الرغبة الجامحة للأكل، تزوج فأَلِفَ هذه العلاقة، احتل مكانة رفيعة في المجتمعَ فأَلِفَ هذا التعظيم، وهذه المكانة، لكنه يبحث عن شيء، لذلك توجد نقطة دقيقة، ذات مرة ألقيت فيها درساً عنوانه: " ثم ماذا ؟"
*****جمعت المال، ثم ماذا ؟ وصلت إلى مكانةٍ عَليَّة، ثم ماذا ؟ يوجد قبر بعد الدنيا، انغمستَ في كل المتع الرخيصة، ثم ماذا ؟ السِمة التي تجمع كل المنحرفين الملل والسأم والضجر، لماذا تجد المؤمن أسعد الناس ؟ لأن هدفه كبير، فهو موعود بالجنة.
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) ﴾
( سورة القصص)
*****أيها الأخوة هذه الآية الكريمة:
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ﴾
*****أي إذا شعرت أن هناك خطراً، الخطر أن تغلبك شهوتك:
﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا (106) ﴾
(سورة المؤمنون)
*****أي غلبتنا شهواتنا، الشقاء أن تغلبك شهوتك وهذا هو الامتحان الصعب، ثَمَن الجنة ضبط الشهوة:
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) ﴾
(سورة النازعات)
الفرق بين المؤمن وغير المؤمن:
*****أنت حينما تشعر أن هناك خطراً، الخطر أن تغلبك شهواتك على منهج ربك، أنت إذاً الآن مُتَّق، تتقي الخطر، تتقي أن تقع تحت وطأة عذاب الله، تتقي أن تكون تحت وطأة أسماء الجلال، بطش الله شديد، هناك زلازل، هناك أمراض عضالة، هناك قهر، وفقر، وانقباض، وهم، وحزن، تتقي أن تكون تحت وطأة أسماء الجلال، تتقي العقاب الأكبر وهو النار، ما دمت تتقي فأنت تبحث عن الهدى، والهدى موجود في القرآن الكريم، القرآن رسم لك الهدف ورسم لك الطريق:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) ﴾
( سورة فاطر)
*****أي أنه ما من جهةٍ في الأرض مؤهلةٍ أن ترسم لك الهدف الصحيح إلا الله عزّ وجل، وما من جهةٍ في الكون مؤهلة أن ترسم لك الطريق الصحيح لهذا الهدف ؛ هدف المؤمن الجنة، هدفه أن يعرف الله، وأن يعرف منهج الله، وأن يسلُك الطريق الصحيح ؛ فعنده توازن، وعنده رضىً، وعنده قناعة، لا يوجد عنده شعور بالقلق للمستقبل، لأن الخط البياني للإنسان المؤمن صاعد صعوداً مستمراً، أما حينما ينسى الله عزّ وجل يكون الصعود حاداً، والسقوط مُريعاً ؛ هذا الفرق بين المؤمن الذي يمشي على منهج الله عزّ وجل، وخطُّه البياني صاعد صعوداً مستمراً، بينما غير المؤمن يكون صعوده حاداً، وانهياره سريعاً.
بعض الأحاديث الشريفة التي تتعلَّق بسورة البقرة:
*****أيها الأخوة إن شاء الله تعالى نُتابع هذا في الدرس القادم:
﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) ﴾
*****بالمناسبة اسمحوا لي أن أضع بين أيديكم بعض الأحاديث الشريفة التي تتعلَّق بسورة البقرة، قد يسأل أحدكم ما هذه التفصيلات ؟ يقول عليه الصلاة والسلام:
(( تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ ))
[أحمد عن ابن بريدة عن أبيه]
*****وفي حديثٍ آخر:
(( تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلَ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ ))
[أحمد عن ابن بريدة عن أبيه]
*****و في حديثٍ ثالث:
(( وعَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَرَأَ رَجُلٌ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَقَالَ: قَرَأْتَ سُورَتَيْنِ فِيهِمَا اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ))
[الدارمي عَنْ مَسْرُوق بنٍ عَبْدِ اللَّهِ]
(( كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدَّ في أعيننا ))
[رواه أحمد في مسنده عن أنس بن مالك ِ]
*****جدَّ: أي عظُّم في أعيننا.
(( مَنْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ جَاءَتَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَقُولانِ رَبَّنَا لا سَبِيلَ عَلَيْهِ ))
[الدارمي عَنْ كَعْبٍ ]
(( ما خيَّب الله امرأ قام في جوف الليل فافتتح سورة البقرة وآل عمران ))
[الطبراني عن ابن مسعودٍ ]
ربنا عزّ وجل وصف المؤمنين والمنافقين والكفار في أوائل هذه السورة :
*****أوائل هذه السورة مباركة جداً، لأن ربنا عزّ وجل وصف المؤمنين بخصائص كبرى والمنافقين والكفار، هؤلاء الأصناف الثلاث، فالإنسان عليه أن يحرص على أن تنطبق عليه صفات المؤمنين، طبعاً في الدرس القادم:
﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ (5) ﴾
*****والهدى يرفعهم عند الله:
﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) ﴾
*****إذا فهمنا هذه الآيات فهماً دقيقاً وانطبقت علينا سَلِمْنا وسعدنا في الدنيا والآخرة، أخرج الإمام مسلم وأحمد والترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ وَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ لا يَدْخُلُهُ الشَّيْطَانُ))
[مسلم وأحمد والترمذي والنسائي عن أبي هريرة]
(( أفضل القرآن سورة البقرة وأعظم آيةٍ فيها آية الكرسيّ وإن الشيطان ليفر من بيتٍ تُقْرأ فيه سورة البقرة ))
[الحارث عن الحسن مرسلاً]
*****هناك أحاديث كثيرة عن فضل هذه السورة، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفِّقنا إلى متابعة فهم هذه السورة والعمل بها.
والحمدلله رب العالمين

نووْور~
11-03-2012, 07:45 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (04- 95):تفسير الأيات 3-5، عالم الشهود و عالم الغيب
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-07-17


بسم الله الرحمن الرحيم
*****الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
عالم الشهود:
*****أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الرابع من سورة البقرة، ومع الآية الثالثة، إحدى أكبر صفات هؤلاء المتَّقين أنهم يؤمنون بالغيب، فما هو الغيب ؟ هناك عالَم الشهود، وهناك عالَم الغيب ؛ عالَم الشهود ما تشاهده، ما تسمع به، ما تشُمُّه، ما تُحِسُّ به، تسمعه، أو تراه، أو تشمُّه، أو تتذوَّقه، أو تحس به، المعلومات التي تأتينا عن الحواس الخمس، عالم الشهود ؛ هذا الضوء متألق، وهذه المروحة تدور، وهذا الصوت يُكَبَّر نعرفه بآذاننا.
*****أيها الأخوة الكرام، لذلك قالوا: " ليس مع العين أين "، ليس مع العين أين الدليل ؟ لا نحتاج مع العين إلى دليل ؛ لا يختلف البشر جميعاً على المحسوسات، لذلك العلوم المادية متَّفق عليها في كلِّ قارات الأرض ؛ علم الفيزياء، والكيمياء، والضـوء، والميكانيك، والحرارة، وعلم المستحثات.
*****العلوم المادية، ليس بين علماء الأرض خلافٌ حولها إطلاقاً، لأن الحس يقيني، هذا هو عالَم الشهود، الشيء الذي تدركه بسمعك، تسمع صوته، أو تراه بعينك، أو تلمسه بيدك، أو تشُمُّه بأنفك، أو تتذوَّقُه بلسانك، هذا عالم الشهود.
*****قد تتوهم أن الحـواس خمس، والحقيقة الحواس أكبر من خمس بكثير، أمامك وعاءان مغلقان، فأيهما ممتلئ وأيهما فارغ ؟ لا تعرف بأذنك، ولا بعينك، ولو وضعت يدك على الوعاء، ولا بيدك، ولا بأنفك، ولا بلسانك، تحمل أحد الوعاءين تراه خفيفاً، تحمل الثاني فتراه ثقيلاً، هذه حاسة إدراك الثقل ؛ إذا وضعت وعاء تحت الصنبور، كلّما ازداد الماء في الوعاء تشعر أن يدك تقاوم أكثر، يزداد الوزن، تشعر من خلال عضلاتك أن الوزن يزداد، هذه حاسةٌ أيضاً ؛ تُعطى قطعتين من قماش من مستوى واحد، بالشكل واللون، أيُّهما أَرَقّ ؟ تأتي بإصبعين، تعرف من خلال الإصبعين سماكَة الشيء، هذه أيضاً حاسة ؛ تنام على السرير نوماً مديداً، تضغط العضلات مع الهيكل العظمي على العضلات التي تحت الهيكل العظمي، فهناك مراكز ضغط في العضلات تُنْبئ الدماغ أن الضغط اشتد، والأوعية ضاقت لمعتها، والتروية ضعفت، وحدث حس بتنميل وخدر، تذهب هذه المعلومة إلى الدماغ ؛ يعطي الدماغ أمراً، فيتقلَّب النائم ثمانٍ وثلاثين مرة ذات اليمين وذات الشمال، فإدراك الضغطِ هذا قوةٌ إدراكية عند الإنسان ؛ إدراك الثقل قوة إدراكية، إدراك الثخانة قوة إدراكية، غير السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس ؛ نحن ألفنا أنَّ الحواس خمس، ولكن هناك قوىً إدراكية عند الإنسان كثيرة جداً.
استواء البشر و غير البشر في عالم الشهود :
*****كيف يشعر الإنسان أنه جائع ؟ يا ترى المؤشر صوتي ؟ لا، جائع وهو ساكت، فهل المؤشر كيماوي ؟ لا نعرف، ضوئي ؟ لا نعرف، عصبي ؟ لا نعرف، نعرف أننا جائعون، نريد أن نأكل، هذا أيضاً إدراك ؛ يحس الإنسان بالعطش أحياناً ؛ فالإحساس بالجوع، والإحساس بالعطش، وتقدير سماكة الشيء، وتقدير وزن الشيء، والمُدركات الأُخرى هذه كُلُّها من عالَم الشهود.
*****أيها الأخوة، هذه الحواس الخـمس، وغير الخمس كثيرة جداً، وهذه من هداية المصلحة ؛ هدانا إلى مصالحنا، الإنسان يتوازن، راكـب الدرَّاجة إذا مال درجتين يدرك فيصحّح، لولا جهاز التوازن لما استطاع أحد أن يركب دراجة، ولا أن يمشي على قدمين إطلاقاً ؛ انظر إلى المجسَّمات في محلات بيع الألبسة تحددها تستند إلى قاعدة كبيرة جداً ؛ لا يوجد ميت يقف على قدميه، من يقدر أن يوقف ميتاً ؟ إنه يقع لأن جهاز التوازن تعطل، أما الإنسان يمشي بقدمين لطيفتين، يتنقل لأنه متوازن، فالتوازن إحساس، اختل التوازن ؛ الإنسان أحياناً يأكل أكلة متفسِّخة، يتقيَّؤها رأساً، أدرك أن الطعام فاسد، حدث القيء ؛ القيء أساسه إدراك، التوازن أساسه إدراك، الجوع أساسه إدراك، العطش أساسه إدراك، معرفة وزن الشيء أساسه إدراك، معرفة ثخانته إدراك، تتم معرفة أشياء كثيرة هذه كلها عن طريق الإدراك، هذا عالَم الشهود، يستوي فيه البشر جميعاً، ويستوي فيه البشر وغير البشر.
عالم الغيب :
*****ما هو عالَم الغيب ؟ الغيب كل شيءٍ غاب عن حواسِّنا وعن مدركاتنا ؛ يؤمن الحيوان بحواسِّه، أما الإنسان فهو مُكَرَّم أعطاه الله قوةً إدراكية تزيد عن حواسه الخمس وعن مدركاته الحسِّية ؛ أعطاه الله عقلاً، بالعقل تؤمن بالغيب، الشيء الذي غاب عنك تدرِكُه بعقلك ؛ تمشي في طريق ترابي تجد أثر عجلتين، تقول: مرَّت من هنا سيارة، ولعلها صغيرة لقلة المسافة بين العجلتين، ولعلها كبيرة، ولعلها شاحنة كبيرة، أنت لم تر السيارة، ولكن رأيت آثارها، فعن طريق العقل أيقنتَ بأن هناك سيارةً مرت ؛ البعرةُ تدل على البعير، والماء يدلُّ على الغدير، أفسماء ذات أبراج، وأرضٌ ذات فجاج، ألا تَدُلاَّن على الحكيم الخبير ؟
المدرِكات الحسية تجعل الإنسان مع عالم الشهود وجهاً لوجه لأن أساسه الحواس الخمس:
*****أساس عالم الشهود الحواس الخمس وكل أدوات الإدراك الحسية ؛ من وزن، من ثخانة، إحساس بالجوع، إحساس بالعطش، إحساس بالتوازن، إحساس بفساد الطعام، إحساس بالانضغاط.
*****أحياناً يزداد اللعاب في فمك، وأنت نائم، وأنت غارق في النوم، وأنت ترى مناماً معيناً، تذهب إشارة من الفم إلى الدماغ، زاد اللُّعاب عن حده المعقول، يعطي الدماغ أمراً للسان المزمار، يغلق فتحة الهواء إغلاقاً محكماً، ويفتح فتحة المريء فتحاً واسعاً، فالإنسان يبتلع ريقه وهو نائم، لولاها لوجدت ريق الإنسان على الوسادة، وأنت نائم هناك عملية معقدة جداً للسان المزمار ؛ وتتم أنت نائم عمليَّات أخرى كالتقَلُّب يُمْنَةً ويُسرةً ؛ فالمدركات الحسية، وأدوات الإدراك الحسية، والحواس الخمس هذه أداتُك إلى عالَم الشهود، وهذه من نعمة الله الكبرى، هذه هداية ولكنها هداية المصالح.
*****وأنت تعلم ما حولك عن طريق الحواس، تقول: توجد رائحة كريهة في البيت، الرائحة أحد وسائل إدراك الأشياء، تنتهي وظيفة عينك في العبث عند الجدار، بينما تمتد أذنك إلى ما بعد الجدار ؛ فتقول: هناك حركة في البيت، من دخل إلى البيت ؟ من فتح الباب ؟ وأنت جالس في غرفتك عينك لا تكشف أما الأذن فقد كشفت ؛ أما لو أن حشرةً ماتت، أو فأرةً ماتت تحت السرير، فلا تسمع صوتها، ولا ترى جُثَّتَها، ولكن تشم رائحتها بعد حين، تقول: هناك رائحة كريهة ؛ حتى الغاز الذي نستعمله، الرائحة الكريهة في الغاز أُضيفَتْ له قصداً، الغاز ليس له رائحة، هذه الرائحة الكريهة في الغاز أضيفت له من أجل أن نشعر بالتسرب فلا يحترق البيت ؛ فهذه المدرِكات الحسية تجعلك مع عالم الشهود وجهاً لوجه، ولكنك مخلوقٌ مكرم زُوِّدتَ بعقلٍ يدرك ما غاب عنك.
الغيب الشهودي غيبٌ له آثار ووسيلة إدراكه العقل :
*****الآن: الله جلَّ جلاله لا تدركه الأبصار، الله جلَّ جلاله غَيبٌ عنك، لكن الكون كله من آثاره، فعن طريق العقل إذا أعملته تتعرف على الله عزَّ وجل بهذه المخلوقات هذا عالم الغيب ؛ عالم الغيب شيءٌ غاب عنك ولكن له آثاراً، فأنت عندك حواس، وأدوات إدراك لهذه الآثار، فهذه الحواس، وأدوات الإدراك تَنقل إلى الدماغ معطيات الآثار، والدماغ يحكم على الذي غاب عنك ؛ أول خصيصة للإنسان المؤمن أنه يؤمن بالغيب، يؤمن بالله ولا يرى الله، يؤمن بعظمة الله من خلال عظمة خلقه، يؤمن بتسيير الله من التسيير الذي يراه بعينه، يؤمن بالمسيِّر من التسيير، يؤمن بالحكيم من الحكمة، يؤمن بالمنظِّم من النظام، يؤمن بالخالق من الخَلْق، يؤمن بالمُبْدِع من الإبداع ؛ إن أكبر قضية في حياة المؤمن أن الله أعطاه عقلاً، والكون كلُّه أثر من آثار الله عزَّ وجل، فهذا العقل إذا وَجَّهْتَه إلى هذه الآثار دلّك على المؤثر.
*****القضية بسيطة جداً، أنت أمام جدار، وراء الجدار دخان، والقاعدة " لا دخان بلا نار " فإذا ذهبت إلى خلف الجدار رأيت النار بعينك، " ليس مع العين أين "، لا نريد دليلاً ؛ أما إذا ابتعدت عن الجدار ورأيت الدخان، الآن يحكم عقلك من أثر النار على وجود النار، تقول: لا دخان بلا نار، ما دام هناك دخان إذاً يوجد نار، مع أنَّك لم ترَ النار، هذا أحد أنواع الغيوب، غيبٌ له آثار، شيءٌ غاب عنك وله آثار، فوسيلة إدراكه العقل ؛ يمكن أن نسمي هذا الغيب: بالغيب الشهودي، الغيب الذي له في عالم الشهود آثار.
وفي كل شيءٌ له آيةٌ ***** تدل على أنَّه واحدٌ
***
كل ما في الكون ينطق بوجود الله و بوحدانيته:
*****كل ما في الكون ينطق بوجود الله، كل ما في الكون ينطق بوحدانية الله، كل ما في الكون ينطق بكمال الله، كل ما في الكون ينطق برحمة الله، ينطق بلطف الله، ينطق بقوة الله، ينطق بعلم الله، كل ما في الكون ينطق بأسماء الله الحسنى، لذلك الطريق الواضح الصارخ القصير، أن تعرف الله من خلقه..
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ﴾
( سورة آل عمران)
*****لا زلنا في عالم الشهود، تشعر بالحاجة إلى النوم، هذه حاسة، يقول لك: نعست لا أستطيع الاستمرار، فما الذي أشعرك أنك بحاجة إلى النوم ؟ تَعِب الجهاز العصبي، كيف ينقل لك هذا الجهاز أنه تَعِب وبحاجة إلى النوم ؟ هذا إدراك، نمت ثماني ساعات، استيقظت، ما الذي أشعرك أنك قد أخذت قسطاً من الراحة ؟ الاستيقاظ أيضاً إدراك، الأمثلة دقيقة وكثيرة جداً؛ عالم الشهود، العالم المحسوس، إنْ صوتاً، أو شكلاً، أو رائحةً، أو ذوقاً، أو ملمساً، أو ثِقَل الأشياء، وثخانة الأشياء، والإحساس بالتوازن، والإحساس بالجوع، والإحساس بالعطش، والإحساس بالحاجة إلى النوم، والإحساس بالحاجة إلى الاستيقاظ، الإحساس بأنه يجب أن نتقلب بالفراش، الإحساس بأنه لا بدَّ أن نبتلع اللُّعاب في فمنا، وما إلى ذلك من إحساسات لا يعلمها إلا الله، وهي إحساسات لا تنتهي.
أنواع الغيب:
*****إذا انتقلنا إلى عالَم الغيب، كل ما غاب عنك، كل ما غاب عن حواسك الخمس ومدركاتك الحسية، هذا هو عالم الغيب، أعظم غيبٍ يجب أن تؤمن به الله، غابت عنك ذاته وأمامك آثاره، والأدوات العقل، لذلك هناك معرفة عقلية ومعرفة حسية.
*****لكن يوجد شيء غاب عنك وليس له آثار، الملائكة غائبةٌ عنا لكن ليس لها آثار، الجن مخلوقاتٌ غابت عنا وليس لها آثار، اليوم الآخر غاب عنا وليس له آثار، هذه معرفة ثالثة.
*****الغيب الأول، غيبٌ له آثار أداته العقل.
*****الغيب الثاني غيب الأخبار غيبٌ ليس له آثار، أداته الأخبار فقط، والخبر أساسه أن يكون صادقاً، فإذا كان الخبر صادقاً هذه معرفة من نوع ثالث، إما أن ترى بعينك، وإما أن تستدل بعقلك، وإما أن تُصْغي بأذنك، فأخبرنا الله عزَّ وجل أن هناك ملائكة، هذا نوع ثالث، أخبرنا أن هناك عالماً هو عالم الجِن، أخبرنا أن هناك يوماً آخر، أخبرنا أن في هذا اليوم نار جهنم، وجنة عرضها السماوات والأرض، كل هذه الغيوب التي لا أثر لها، والتي لا يستطيع العقل أن يصل إليها أخبرنا الله عنها.
*****فالغيب الثالث غيب إخباري، الغيب الثاني غيب استدلالي، وهناك غيبٌ استأثر الله به لا يعلمه أحدٌ إلا الله.
﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ (27) ﴾
( سورة الجن )
*****فإذا أخبرنا النبي عن شيءٍ في المستقبل فهو من إعلام الله له لا من علمه الذاتي.
من رحمة الله بالإنسان أنه ترك له علامات لكل شيء :
*****فيا أيها الأخوة..( يؤمنون بالغيب )، شيء غاب عنك، لكنك تعرف آثاره، أنت الآن أمام أداة كهربائية معطلة، يا ترى التيار الكهربائي معطل ؟ تأتي بأداة أخرى تضع شريطها في هذا المأخذ، فإذا عمل معنى ذلك أن المأخذ سليم، حصرت العطل، يا تُرى هذه المِكواة معطلة بسبب شريطها ؟ تأتي بشريط جديد تضعه تجدها تعمل، إذاً العطل من الشريط، أساساً هذا هو العمل العقلي ؛ كل الحضارة قائمة على الفكر ؛ شيء لا يراه الإنسان ولكن يرى آثاره ؛ لا يرى الطبيب الجراثيم، يقول لك المريض: عندي ارتفاع حرارة، و قيئ، و إسهال، يقول لك الطبيب: معك الجرثوم الفلاني في الأمعاء ؛ قال الله عزَّ وجل:
﴿ وَعَلَامَاتٍ (16) ﴾
( سورة النحل )
*****من رحمته بنا ترك ربنا عزَّ وجل علامات، أعطانا علامات، علامات للنباتات، علامات للأمراض، علامات للجراثيم، علامات لكل شيء..
﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) ﴾
( سورة النحل )
*****سمعنا في الأخبار أنه ستأتي موجةٌ حارة بعد يومين مثلاً، هل يُعَدُّ هذا غيباً ؟ هناك ليس غيباً بل هو واقع، هو غيب عندنا، وواقع في بلاد أوروبا، والرياح لها سرعة، فنحن بعد يومين تصلنا هذه الموجة، ليس هذا غيباً بالمعنى الذي استأثر الله به، هذا غيبٌ سمح الله للإنسان أن يكشفه إما بمعرفة سرعة الرياح، أو باتصالات لاسلكية عن طريق الأقمار الصناعية تعرف ما سيكون بعد يومين، هذا ليس من علم الغيب الذي استأثر الله به، هذا من علم الغيب الذي سمح الله به.
*****أحياناً مسألة رياضيات، تأخذ بعض المُعطيات تصل إلى المجهول، المجهول ليس غيباً، غيبٌ سمح الله أن تعرفه عن طريق المعطيات، المسلمات ؛ أحياناً يُسرَق بيت، وهناك من يتعامل مع الجن، ويَكشف الجني لعميله الإنسي أين المسروقات مثلاً ؟ هذا غيبٌ سمح الله به.
تعرف العقل عن طريق نظام السببية والغائية وعدم التناقض إلى الله عزَّ وجل:
*****نحن يجب أن نعرف أن هناك عالم الشهود، الواقع المحسوس المادي، و أن لعالم الشهود أدوات لمعرفته، يوجد عندنا حواس خمس، ويوجد عندنا عشرات الأدوات الإدراكية الحسية في الجسم، أما الذي غاب عنا هو من عالم الغيب، وأهم شيء في عالم الغيب الله جلَّ جلاله، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ؛ ما دام الكون أحد آثار الله عزَّ وجل، ما دام الكون تجسيداً لأسمائه الحسنى، ما دام الكون مظهراً لأسمائه الحسنى، فالكون من آثار الله عزَّ وجل، ويوجد عقل، والعقل عن طريق نظام السببية والغائية وعدم التناقض، يتعرَّف إلى الله عزَّ وجل.
*****لكن أن تقول: هناك جنة ونار هذه لا ترى بالاستدلال، إنَّ هناك ملائكة وجناً هذه لا تُرى بالاستدلال، إنَّ هناك صراطاً، وحوضاً، ولوحاً محفوظاً، وإن أصل البشر آدم وحوَّاء، هذا كلُّه من عالم الغيب الذي ليس له آثار فينفعنا عقلنا بها، هذا من عالم الغيب الذي ليس له آثار، أداته الوحيدة الإخبار، الإخبار لا بدَّ من أن يكون صادقاً حتى يكون صحيحاً، فإذا أخبر الله عن شيء فهو حقٌ كأنك تراه لذلك:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) ﴾
( سورة الفيل )
*****من منكم رأى ذلك ؟ مع أن الله يُخاطبنا، معنى هذه الآية أن الله إذا أخبرك عن شيء فينبغي أن تؤمن به كأنَّك تراه..
﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (3) ﴾
( سورة البقرة )
*****آمنا بالله هناك غيبٌ استأثر الله به لا يعلمه أحدٌ من خلقه.. وغيبٌ استأثر الله به، وسمح لبعض الأنبياء أن يعرفوه، فكل أحاديث آخر الزمان، ومجيء سيدنا عيسى، هذه كلها من الغيب الذي سمح الله لنبيِّه أن يَعلَمه.
﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ (27) ﴾
( سورة الجن )
*****وأما الغيب الذي أخبرنا الله به ؛ الإيمان بالملائكة، الإيمان بالجن، الإيمان بالجنة، الإيمان بالنار، الإيمان بالصراط، الإيمان بالحوض، الإيمان باللوح المحفوظ، هذه كلُّها من الغيب الذي غاب عنا، وليس له آثار، لكن الله أخبرنا به.
على الإنسان أن يعرف هوية أية قضية تُعرض عليه :
*****أخواننا الكرام، الآن الشيء الدقيق جداً يجب أن تعرف هويّة أية قضيةٍ تُعرض عليك، هذه قضية حِسِّية مرجعها العلماء، يأتي شخص فيقول: أستاذ: أعمَلُ عملية ؟ أقول له: ماذا قال لك الطبيب ؟ هذه قضية علمية تحتاج إلى طبيبٍ حاذقٍ ورعٍ مسلم، إخبار الطبيب الحاذق الورع المسلم ؛ هو الحَسم، هو الفيصل ؛ القضية حسية، قضية تُقاس بمقاييس، يوجد ميزان حرارة، يوجد ميزان ضغط، يوجد إيكو للقلب، يوجد مِرنان، يوجد أدوات، يوجد تحليلات، الأمور الحسيِّة لها مقاييس حسية، قال تعالى:
﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) ﴾
(سورة الأنبياء)
*****الأمور الغيبية إن كان لها آثار فأداتها الوحيدة العقل، و نقول عنها: غيبٌ استدلالي، أما الأمور الغيبية التي ليس لها آثار، وسمح الله أن نعرفها أداتها الأخبار، فصار عندنا يقينٌ حسي، يقينٌ عقلي، وخبر صادق عنها، وهناك غيب استأثر الله به، فأية قضيةٍ في الدين، يجب أن تعرف هويَّتها، من النوع المحسوس أم المعقول أم الإخباري.
على الإنسان أن يبتعد عن القضايا الإخبارية أثناء حواره مع الآخر:
*****أكبر مطب يصيب بعض المسلمين في أثناء الحوار مع غير المسلمين عندما يأتون بقضية إخبارية يجعلونها عقلية، أخي أَثْبِتْ لي أنه يوجد جن ؟ والله لا يوجد معي دليل، أَثبت لي أنه يوجد جهنم ؟ يقول له: طول بالك لا يوجد الآن معنا دليل، هذه قضية إخبارية، ليست قضية حسية ولا قضية عقلية، أنت بعد أن تؤمن بالله، وتؤمن بكلامه، وأن كلامه حق أخبرك الله أن هناك دار آخرة، وهناك نار، وهناك جنة ؛ إياك أن تخطئ، القضايا الحسية أداتها الحواس، القضايا الغيبية التي لها آثار أداتها العقل، القضايا الغيبية التي ليس لها آثار أداتها الإخبار ؛ أعلى خبر، القرآن الكريم، قال لك: بدأت البشرية بآدم وحواء، لذلك تركل بقدمك كل نظرية علمية أساسها أن الإنسان أصلُه قرد، اركلها بقدمك، لأن أعلى خبر عندنا كلام الله، قضية بدء الخليقة هذه غيب ليس له آثار، طريقه الوحيد الإخبار، أخبرنا أصدق القائلين أنَّ البشر بدؤوا بآدم وحواء، انتهى الأمر.
منهج البحث في الإسلام دقة الحواس صحة الاستدلال وصدق الخبر :
*****إذاً أنا عند وجود قضايا إخبارية أعتني بصحة الخبر فقط، وعند القضايا العقلية أعتني بصحة الاستدلال، وعند القضايا الحسية أعتني بدقة الحواس ؛ دقة الحواس، وصحة الاستدلال، وصدق الخبر ؛ هذا منهج البحث في الإسلام، أداة المعرفة الحسية: دقة الحواس، فلان يوجد عنده عمى ألوان، هذا أداته فيها خلل، فلان عنده ضعف في الشم لا يستطعم مثلاً، فلان عنده ضعف في خلايا الذوق، فالمعرفة الحسية أداتها دقة الحواس، والمعرفة العقلية أساسها صحة الاستدلال، كل إنسان فان، علمونا إياه في الثانوي، سقراط إنسان سقراط فان، فهذا استدلال عقلي، القضايا الغيبية التي ليس لها آثار أداتها الوحيدة صحة الأخبار، أعلى خبر كلام الله، بعده الحديث المتواتر، بعده الحديث الصحيح ، بعده الحسن.. إلى حد هنا يكفي.. الضعيف له إشكال.
قيمة الإيمان بالغيب:
*****الآن:
﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (3) ﴾
*****جيَّد، ما قيمة الإيمان بالغيب ؟ آمنت أن لهذا الكون خالقاً، آمنت أن لهذا الكون مسيَّراً، آمنت أن لهذا الكون مربيَّاً، آمنت أن هذا الخالق عظيم، ما قيمة هذا الإيمان إن لم تتصل به ؟ أنا أكاد أموت عطشاً، وعلمت أن هناك ماءً عذباً بارداً سائغاً، ما قيمة هذا الإيمان إن لم أتحرك إليِّه ؟ الإيمان النظري لا قيمة له إطلاقاً، " العلم ما عُمل به فإن لم يُعمل به كان الجهل أولى ".
إقامة الصلاة بعد الإيمان بالغيب:
*****لذلك بعد الإيمان بالغيب:
﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ (3) ﴾
(( لا خَيْرَ فِي دِينٍ لا رُكُوعَ فيه ))
[ مسند أحمد عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاص]
(( الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين ))
[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]
*****الصلاة غُرَّة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات، الصلاة هي الفرض الذي لا يسقط بحال، الشهادة تؤدَّى مرة واحدة، والحج يسقط عن الفقير والمريض، والصيام يسقط عن المسافر وعن المريض، والزكاة تسقط عن الفقير، الفرض الوحيد المتكرر الذي لا يسْقط بحال، يؤدى قائماً، أو قاعداً، أو مضطجعاً، أو بالإيماء، تؤدى الصلاة برموش العين، الفرض الذي لا يسقط بحال.. لأنك إذا ألغيت الصلاة ألغيت الدين: بين المرء والكفر ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر..
﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ (3) ﴾
*****أنت بأمسِّ الحاجة للمال، وعلمت أن هناك إنساناً عظيماً، وهو يحب أن يعطيك، ما الذي يمنعك من أن تصل إليه ؟ ما الذي يحجزك عنه ؟ إن أيقنت أنه يعطيك ويحب أن يعطيك، وأنت في أمسِّ الحاجة إليه، فلا بدّ بعد أن عرفته أن تذهب إليه.
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾
( سورة الكهف )
*****ثمن هذه الصلاة:
﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) ﴾
*****هذا الدين كله.
الدين كلّه يقوم على الإيمان بالله و إقامة الصلاة و الإنفاق :
*****الدين كله في هذه الكلمات الثلاث:
﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) ﴾
*****أوسع آية بالإنفاق، أعطاك الله جاهاً أنفق هذا الجاه وانصر الضعيف، أعطاك الله علماً أنفق هذا العلم وعلِّم الجاهل، أعطاك مالاً أنفق هذا المال وارحم الفقير، أعطاك حكمةً أصلح بين شخصين، أعطاك عضلاتٍ قوية شُدَّها في معاونة الضعيف..
﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) ﴾
*****يقول لك أخ: أنا أُتْقِن التبليط، فأنا جاهز لأي خدمة للمسجد، هذا أدَّى الذي عليه، " إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم "، أنا طبيب، ويمكن أن أعالج الفقراء، بارك الله بك، أنا محلل، ويمكن أن أجري تحاليل للفقراء.
﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) ﴾
*****أنا محامي، إذا كان هناك أخ ضعيف فقير له قضية شائكة فأنا أدافع عنه من دون مقابل، يبذل المحامي اختصاصه، والطبيب يبذل اختصاصه، والمهندس يبذل اختصاصه، والبائع يبذل اختصاصه، والغني يبذل اختصاصه، والعالم يبذل اختصاصه.
﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) ﴾
*****الضعيف، خبير بالتدفئة مثلاً، التدفئة بدون صوت تحت الأرض، المسجد بحاجة لتدفئة هادئة أنفق هذا العلم، باب الإنفاق مفتوحٌ على مصراعيه..
﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) ﴾
العمل الصالح وسيلة الإنسان للاتصال بالله عز وجل:
*****أخواننا الكرام، هذه آية مذهلة، آمنت بالغيب، لأنك آمنت بالغيب فلابدّ أن تتصل بالله عزّ وجل، والوسيلة هي العمل الصالح، الآية دقيقة..
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾
( سورة الكهف )
*****هذا الدين، الدين بسيط جداً، ولكننا عَقَّدناه، نحن جعلنا الدين عُقَداً، وعقبات ؛ آمن بالله من خلال خلقه، في رأسك عقل، وثمة كون معجز، إذا أعملت العقل قليلاً عرفت أن لهذا الكون خالقاً.
من لوازم الإيمان بالله وكتبه و رسله أن نؤمن أن رسالات الله عزّ وجل غير منقطعة:
*****أخواننا الكرام، الآن هناك إنجازات علمية مذهلة، ما يحدث في أي مكان في العالم يراه كلُّ الناس في القارات الخمس، نقل الصورة عن طريق الأقمار الصناعية هل هو شيء سهل ؟ والملوَّنة والآن ذات الأبعاد الثلاثة ؛ نقل الرسالة بجهاز، بمجرد أن تضع الرسالة في هذا الجهاز يظهر في أقصى بلاد الدنيا.. بالفاكس.. هل هذا قليل ؟ هذا الهاتف الخلوي قليل ؟ الإنترانيت قليل ؟ لو أعمَل الإنسان عقله في الكون بجهد واحد من المليار مما أُنجز من هذه المنجزات لعرف الله ؛ آمنتَ بالغيب، أقمت الصلاة، ثمن هذه الصلاة الإنفاق ؛ أنفقْ أُنْفِق عليك؛ من هم المتقون ؟ الذين اتقوا الخطر..
﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) ﴾
*****الله عزّ وجل خالق الكون، والخلق كلُّهم عياله منذ أن خلَّقهم، وحتى قيَّام الساعة، فلا معنى أن تؤمن أن الله أرسل نبيَّاً لنا وحدنا.. قال لا:
﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) ﴾
*****نؤمن بالأنبياء جميعاً، نؤمن بالكُتب السماوية كلِّها، نؤمن أن الله لا يدع عباده من دون رسل وأنبيَّاء..
﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) ﴾
( سورة الرعد)
﴿ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ (78) ﴾
( سورة غافر )
*****فمن لوازم الإيمان بالله، والإيمان بالكتاب، والإيمان بالنبيَّ أن تؤمن أن رسالات الله عزّ وجل غير منقطعة، على مدار الزمان هناك رسالات، وهناك أنبيَّاء، وهناك هداية، لأن الله عزّ وجل قال:
﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) ﴾
( سورة الليل)
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ :
﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (19) ﴾
( سورة آل عمران )
*****لـو تتبَّعت في آيـات القرآن نـبيَّاً نبيَّاً لوجدت أن الله وصف كل نبي بأنه مسـلم، فالإسلام بالمعنى الواسـع: الخـضوع لله، وبالمعنى الضَيِّق: آخر رســالة نزلت على رسول الله، فالمعنى الواسع للإسلام إذاً هو الانصياعٍ لله، حتى فرعون حينما أدركه الغرق قال:
﴿ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) ﴾
( سورة يونس)
*****أي أنا خضعت لهذا الوحي الذي جاء به موسى، ولكن بعد فوات الأوان، قال:
﴿ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) ﴾
( سورة يونس)
المشكلات التي يعانيها المسلمون اليوم نتيجة ضعف إيمانهم باليوم الآخر :
﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) ﴾
( سورة البقرة)
*****والله أيها الأخوة الكرام، في نفسي عن هذه الكلمة معانٍ كثيرة جداً، كل مشكلاتنا التي نعانيها لضعف إيماننا باليوم الآخر، لو أنَّك آمنت أنك سوف تُحَاسب حساباً دقيقاً:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾
(سورة الحجر)
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) ﴾
( سورة الزلزلة)
*****لا يمكن أن تأخذ ما ليس لك، ولا يمكن أن تعتدي على حق أحد، ولا يمكن لك أن تستطيل على إنسان، ولا أن تَبْتَزَّ مال إنسان، ولا أن تحتال على إنسان ؛ كل ما ترى عينك من معاصٍ يفعلها الناس فهذا لضعف إيمانهم باليوم الآخر ؛ وأحد ثاني أكبر ركن في الدين هو: اليوم الآخر.
الإيمان بالله و اليوم الآخر يبعدان الإنسان عن معصية الله تعالى:
*****الآن تنتهك مجتمعات قوية، تنتهك حُرمات الشعوب، تستغل خيراتها، تعتدي على حُريَّاتها، ماذا يتوهم هؤلاء الأقوياء ؟ أنهم أذكياء، وأن عندهم العلم، والسلاح الفَتَّاك، والإعلام والمصارف، هم بمقياس اليوم الآخر أغبياء، وسوف يحاسبون حساباً عسيراً..
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾
( سورة إبراهيم)
*****لمجرد أن تؤمن باليوم الآخر، وفي هذا اليوم لن تُغَاَدرُ صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها الله عزَّ وجل..
﴿ مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) ﴾
( سورة الكهف)
*****لمجرد أن تؤمن باليوم الآخر، وأن الله سيَسْأل كل الخلق عن الكلمة، وعن النظرة، من سابع المستحيلات أن تعصي الله..
العاقل و المتفوق من آمن بالله وعمل لليوم الآخر:
﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ (5) ﴾
*****هذا الهدى رَفَعَهم،
﴿على﴾
*****تفيد الاستعلاء، رفعهم إلى أعلى عليِّين، رفع قدرهم، ورفع مكانتهم، ورفع اسمهم..
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) ﴾
( سورة الشرح)
﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) ﴾
*****هم الأذكياء، هم المتفوِّقون، هم العقلاء، هم الناجحون، هم الفائزون.
اتباع منهج الله عز وجل أساس الوِقاية من أخطار الدنيا والآخرة :
*****أخواننا الكرام، هذا المقطع من سورة البقرة يُمَثِّل المؤمنين، لأنك كائن أودعت فيك الشهوات سبب حركتك، والشهوات تحتاج إلى منهج، إلى هدى من الله، فهناك خطر كبير أن تندفع بدافعٍ من شهواتك من دون منهج، هذا الخطر كيف يُتَّقى ؟
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ﴾
*****من أراد الوِقاية من أخطار الدنيا والآخرة، من أراد الوقاية من مصائب الدنيا، ومن نارِ جهنم، فعليه باتباع هذا المنهج..
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾
*****من عند الله..
﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ﴾
خصائص المتقين :
*****هؤلاء المتَّقون أولى خصائصهم: يؤمنون بالغيب الذي له آثار عن طريق العقول، وبالغيب الذي ليس له آثار إلاّ عن طريق الإخبار، وبغيبٍ استأثر الله به لا يعلمه أحدٌ إلا هو؛ الإيمان بالغيب.. وأعظم شيءٍ في هذا الغيب الله جلَّ جلاله ؛ بعد أن آمنت به لا بدَّ من أن تتصل به.. وإلا ليس للإيمان معنى، لو فرضنا أنَّ شخصاً مصاباً بمرض جلدي، وعلاجه الوحيد هو التعرض لأشعة الشمس، بقي جالساً في غرفة مظلمة قميئة، وفيها رطوبة عالية، وفيها عفونة، قال: أنا مؤمن بالشمس، الشمس ساطعةٌ، الشمس مضيئةٌ، الشمس شافيةٌ.. فما معنى هذا الكلام ؟ اخرج من هنا، ما دام لا يوجد حركة فإن هذا الكلام كله (خزعبلات)، ما لم تخرج إلى أشعة الشمس ليشفى هذا المرض فهذا كلام (فارغ ).
﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ (3)﴾
*****التقيت مرة في سهرة مع شخص يحمل دكتوراه في العلوم، ودكتوراه في الآداب، وله مؤلَّفات، ذكي وطليق اللسان، ومتحدث لبق، والله أنا أعجبت به، قال لي في آخر السهرة: لكن أنا لا أصلي، سبحان الله سقط من عيني، كل هذا العلم، وكل هذا الفهم، ولا تُصلي ؟!
*****كيف ؟ الثمن ؟ الطريق ؟ السبب ؟..
﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ (78) ﴾
( سورة غافر )
﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) ﴾
*****تؤمن، فتنفق، فتصلي، هذا هو الدين كله.
الإيمان بالله يرفع الإنسان و يعلي شأنه و يحفظه :
*****الدين الذي أنت مؤمنٌ به ليس حلقةً في فراغ بل حلقة في سلسلة، أرسل الله عزّ وجل سيدنا عيسى، وسيدنا موسى، وسيدنا إبراهيم، وسيدنا نوح.
﴿ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ (78) ﴾
( سورة غافر)
﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ (4) ﴾
*****كل الخلق عباده..
*****البداية:
﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (3) ﴾
*****والنهاية:
﴿ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى (5) ﴾
*****إيمانك يرفعك، يُعلي قدرك، يرفع شأنك، يعزُّك، يحفظك..
﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ (5) ﴾
*****دقق.. الهدى قيود.
التقيد بالقيم الدينية يجعلك حراً والتفلُّت منها يجعلك مقيداً محروماً :
*****يوجد عندك منظومة قيم ؛ هذه حرام، هذه لا تجوز، هذه معاونة على المنكر، المنهج مئة ألف بند، وفي كل بند أمر ونهي، ومباح ومندوب، وسنة مؤكدة، وغير مؤكدة، ومستحب، الهُدى كله قيود لكنه يجعلك حراً.. دقق.. مُواطنٌ ينضبط بكل الأنظمة فهو حُر، جالس في بيته مرتاح، يرغب أن يسافر، أو أن يقيم، أو أن يأخذ تأشيرة خروج، فهو يذهب أينما شاء، لأنه قيد نفسه بالقوانين فصار حراً ؛ أما لو ارتكب أحدهم مخالفة كبيرة لَفَقَدَ حُريَّته، هناك أشياء فيها علاقة عكسية، التقيد بالقيم الدينية يجعلك حراً، والتفلُّت منها يجعلك مقيداً محروماً.
﴿ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32) ﴾
( سورة الأحقاف)
*****أي أن آخرته إما كآبة، ومرض نفسي، أو في السجن.
﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ (5) ﴾
*****الهدى يرفعك، التفلت يسقطك ويضلّك.
الإيمان بالله والاتصال به أساس الوقاية من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة :
*****أولئك الذين أرادوا الوقاية من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة بحثوا عن المنهج فوجدوه في كتاب الله، فآمنوا بالله غيباً، واتصلوا به عن طريق الإنفاق مما رزقهم، وآمنوا بسلسلة الرسالات، وآمنوا بالآخرة هذا اليوم الفصل، قال تعالى :
﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) ﴾
*****فما قولكم إذا كنا ممن تنطبق علينا هذه الآيات ؟ والله هذا هو الفوز العظيم، هذا هو العقل، هذا هو التفوق، أن تكون من الصفوة المختارة ممن رضي الله عنهم، ممن ألقى في قلوبهم الهدى، ممن دلَّهم عليه، هذا هو الفوز، هذا هو النجاح، هذا هو التفوق، هذا هو الفَلاح.
﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) ﴾
*****لماذا قـلت لكم في الدرس الماضي: إن هذه السورة مباركة، وكان يقول بعض الصحابة: " كان أحدنا إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدَّ في أعيُّننا ".
*****الآيات المكية آيات كونية، لها شرح هادئ، قضايا دقيقة جداً مفصَّلة، أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذا الدرس، وأن ينقلب إلى واقع وإلى سلوك، إيمان بالغيب، إنفاق، اتصال بالله، هذا هو الفلاح، وهذا هو النجاح.
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
11-03-2012, 07:48 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (05- 95):تفسير الآيتان 6-7، وصف المؤمنين والكافرين
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-07-24


بسم الله الرحمن الرحيم
*****الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*****أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الخامس من سورة البقرة.
حديث الله تعالى عن الكفار والمؤمنين في الآيات التالية:
*****مع قوله تعالى في الآية السادسة:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) ﴾
*****تكلَّم الله عن المؤمنين في الآيات السابقة عندما قال:
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) ﴾
*****هؤلاء الصِنْفُ الأول.
الإيمان والكفر نموذجان متقابلان، متعاكسان، متناقضان:
*****الصِنف الثاني:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) ﴾
*****يمكن أن يُقَسَّم البشر على اختلاف أجناسهم، وأعراقهم، وألوانهم، وانتماءاتهم، وأقاليمهم، وأَمْصارهم، وقبائلهم، وطوائفهم، وملَلِهم، ونِحَلِهم إلى قسمين: مؤمنٍ وكافرٍ؛ مؤمنٍ عرف الله، واستقام على أمره، وأقبل عليه، وانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسعد في الدنيا والآخرة، وحقق الغاية من خلقه، وحقق الحكمة من وجوده؛ وكافرٍ غَفَل عن الله، وتَفَلَّت من منهجه الله، وأساء إلى خلقه، فشقي في الدنيا والآخرة، ولن تجد صنفاً ثالثاً، الثالث منافق، وهو في الأصل كافر، لكن مصالحه تقتضي أن يظهر ما لا يبطن، إن المنافقين هم الكافرون، فالتقسيم الحقيقي: مؤمن وكافر.
*****الإيمان تصديق، الكُفر تكذيب، الإيمان كشف، الكفر غطاء، الإيمان إقبال، الكفر إعراض، الإيمان شُكر، الكفر جحود؛ نموذجان متقابلان، متعاكسان، متناقضان؛ الإيمان تصديق، الكفر تكذيب، الإيمان إشهار وكشـف، الكفر غِطاء، الإيمان إقبال، الكفر إعراض، الإيمان شكر، الكفر جحود.
المنتفع لا يُناقَش لأنه يدافع عن منافِعِهِ لا عن أفكاره:
*****يُستثْنى صنفٌ من الكفار، صنف كفر لنقص المعلومات فلما توافرت له آمن، كَفرَ لأن المعلومات وصلت إليه مشوَّهةً فلما صححت له آمن، أما هذا الذي تخبر عنه الآية :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) ﴾
*****المقصود هو الكافر المنتَفِعُ بكفره، الذي يعبد شهوته، ومن لوازم عبادة شهوته أن يكفر بالله، فكفره مَصْلَحِيّ، كفره متعـلقٌ باختياره، كفره متعلقٌ بمصالحه، كفره متعلقٌ بشهواته، كفره متعلقٌ بمكانته، كفره متعلقٌ بمكاسبه؛ هو الكافر الذي اتخذ الكفر وسيلةً إلى مكاسبه. دققوا، الإنسان قد تغيب عنه الحقائق فإذا تجلَّت له آمن، هذا الإنسان ليس معنياً بهذه الآية، الإنسان أحياناً قد تأتيه الحقائق عن الدين مشوَّهةً فإذا صححت له هذه الحقائق آمن، هذا الإنسان ليس معنياً بهذه الآية، الإنسان أحياناً قد يغفل فإذا ما صحا آمن، هؤلاء ليسوا معنيين بهذه الآية، أما الذي اتخذ الكفر وسيلةً للدنيا، الذي انتفع بكفره، الذي هيَّأ له كفره مكانةً عالية، أو مكسباً كبيراً، أو مالاً وفيراً، أو منصباً رفيعاً، أو مكانةً مرموقة، هذا الإنسان سواءٌ عليه أأنذرته أم لـم تنذره لا يؤمن، لأنه لا يبحث عن الحقيقة، ولا يرجوها، ولا يتمنَّاها، ولا تعنيه إطلاقاً.
*****ذكرت مرةً مثلاً وسأُعيده، لأنه مناسبٌ لهذا المعنى، مثل افتراضي؛ إنسان فقير جداً يعمل عَتَّالاً على دابة، فلما ماتت هذه الدابة فَقَدَ دخله كلياً؛ دفنها، وأقام عليها بناءً وقبةً خضراء، وأعطاها اسماً من اختراعه، وزعم أن هناك ولياً مدفوناً في هذا المكان، وجاءه الناس زُرافاتٍ ووحدانا يتبركون بهذا الولي، ويعطونه العطايا الكثيرة، فهذا الإنسان انتفع بهذه الكذبة، وهذا الدجل انتفاعاً لم يكن يخطر له على بال؛ هل في الأرض قوةٌ يمكن أن تُقنعه أن المدفون هنا دابة ؟ لا، قناعته أشد من قناعة الذي يناقشه، لكنه ليس من صالحه إطلاقاً أن يعترف أن المدفون في هذا المكان دابة، هو يقاتل من أجل دَجَلِه، يقاتل من أجل فكرته، يقاتل من أجل كذبه، يقاتل من أجل الخُرافة التي نشرها بين الناس، هو يدافع عن مصلحته، يدافع عن دخلِه، يدافع عن مكانته، يدافع عن مكاسبه، فهذا الذي اتَّخذ الكفر وسيلةً للدنيا، هذا الذي هيَّأ له كفره مكانةً عالية، ودخلاً كبيراً، وهيمنةً على الناس عظيمة، هذا سواءٌ عليه أأنذرته أم لم تنذره لا يؤمن؛ هو بعيدٌ جداً عن موضوع الفكر وعن موضوع العقيدة، وعن موضوع المبادئ وعن موضوع الأهداف، أنت في واد وهو في واد؛ المنتفع لا يُناقَش لأنه يدافع عن منافِعِهِ لا عن أفكاره. ليس الذين كفروا هم الذين شوِّهَت لهم المعلومات فكفروا فلما صُحِحَت آمنوا، لا ليسوا هؤلاء، وليسوا هم الذين غابت عنهم الحقائق فلما حصَّلوها آمنوا، ليسوا هؤلاء، إن الذين كفروا هم الذين انتفعوا بكفرهم، والذين وصلوا إلى الدنيا بكفرهم، والذين أطاعهم الناس لكفرهم.
المؤمن إنسان مبادئ وقيم بينما الكافر إنسان مصالح وشهوات :
*****أيها الأخوة حدثنا ربنا عزَّ وجل عن اليهود كيف أنهم يعرفون النبي، أية معرفةٍ بديهية؛ وأية معرفةٍ يقينية، أية معرفةٍ سهلة، أية معرفةٍ قصيرة من أن تعرف ابنك، فإذا نظر أحدهم إلى ابنه هل يقول له: ما اسمك يا بني ؟ مستحيل، من أنت ؟ ترتيبك الثاني أم الثالث ؟ مستحيل، قال ربنا عزَّ وجل:
﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ (146)﴾
( سورة البقرة )
*****لماذا كفروا ؟ كفروا حسداً، هناك مصالح، لذلك كأن الله عزَّ وجل ينصحنا أن لا نناقش المنتفع بكفره، لا تحاوِرَه:
﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) ﴾
*****حاور من لم ينتفع بكفره ففيه خير، معلوماته قليلة، معلوماته مشوَّهة، لو وصل إلى الحقيقة لآمن بها، هذا يأخذ الله بيده إلى الإيمان، أما الذين عناهم الله بهذه الآية فهم المنتفعون بكفرهم، المؤمن إنسان مبدأ، الكافر إنسان مصلحة، المؤمن إنسان قِيَم، الكافر إنسان شهوات، المؤمن يسعى للآخرة، الكافر يسعى للدنيا، مبادئ المؤمن فوق كل مصالحه، مصالح الكافر فوق كل مبادئه.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا (6) ﴾
*****من معاني الكفر كما قلت قبل قليل الجُحود، يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147) ﴾
( سورة النساء )
من لوازم الإيمان الشكر ومن لوازم الكفر الجحود :
*****أي أن من لوازم الإيمان الشكر ومن لوازم الكفر الجحود، فالمؤمن يشكر والكافر يجحد، لذلك قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:
(( رأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَراً قَطُّ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: بِكُفْرِهِنَّ. قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ( العشير هو الزوج ) وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئاً قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْراً قَطُّ ))
[البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه ]
*****هذا لا ينطبق طبعاً على النساء المؤمنات الصالحات الصادقات، اللواتي يعرفن حق الزوج، واللواتي يَرْعَين الزوج، واللواتي يربين الأولاد.
﴿ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً (5) ﴾
( سورة التحريم)
*****جنس النساء قبل أن يعرفن الله يَكْفُرْن العشير " مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْراً قَطُّ "، قال لها: ولا يوم الطين، فسكتت، هذه قصة طويلة عن أحد ملوك الأندلس، واسمه ابن عبَّاد، أحب جاريةً وتزوَّجها، وجعلها السيدة الأولى، اشتهت حياة الفقر مرةً وحَنَّت إليها، فطلبت أن تدوس في الطين، فعجن لها الكافورَ والمسك بماء الورد، وقال: هذا هو الطين؛ فلما خسر المُلك، وأخذه منه ابن تاشفين، وأودعه السجن، افتقر، فكانت زوجته تسيء معاملته وتقول له: ما رأيت منك خيراً قط؛ فقال لها مرةً: ولا يوم الطين ؟ فسكتت.
كلمة كفر تعني أن هناك إيماناً بالفطرة وهناك جحود باللسان :
*****الكفر هو الجحود، والكفر هو التكذيب، والكفر هو الإعراض، والكفر هو الغِطاء، دقق الآن؛ قال بعض الشعراء في الجاهلية: " في ليلةٍ كفر النجومَ غمامُها."
*****النجوم: مفعول به مُقَدَّم، غمامُها: أي سحابها، وهي فاعل مؤخَّر؛ أي غَطَّت السحب النجوم؛ فالكفر هو الغطاء والستر؛ الآن منطقياً يظهر معنى جديد، معنى الذي كفر أنه يؤمن بالله بفطرته لكنه غَطَّى هذه الحقيقة، الشيء الموجود يَسْبِق الغطاء، ماذا أنت تغطي ؟ كلمة كفر تعني الغطاء والستر، الستر والغطاء مصدر، فلا بدَّ من شيءٍ تَسْتُره، لا بدَّ من شيءٍ تُغَطِّيه؛ كلمة الكفر تعني تغطية الإيمان، أنت مؤمن لكنَّك تُغَطِّي إيمانك، مؤمن ولكن تَسْتُر إيمانك، مؤمنٌ بفطرتك ولكن مصلحتك تقتضي أن تغطِّي هذه الحقيقة، أن تُعَمِّيها على الناس، لذلك يوم القيامة:
﴿ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) ﴾
( سورة الأنعام )
*****فقال الله عزَّ وجل:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ (24) ﴾
( سورة الأنعام )
*****المعنى دقيق جداً الكفر هو السَتْر والغطاء في أصل اللُّغة، وهذا القرآن بلسانٍ عربيٍ مبين، فالإنسان حينما يكفر يُغَطِّي حقيقةً آمن بها بفطرته، والإنسان حينما يكفر يستر حقيقةً تُدرَك بالبديهة، والشيء المُغَطَّى يسبق الغطاء، والشيء المستور يسبق السِتر، فكلمة كفر تعني أن هناك إيماناً بالفطرة، وهناك جحود باللسان:
﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ (24) ﴾
( سورة الأنعام )
الكفار المنتفعون بكفرهم أنت في واد وهم في واد:
*****أيها الأخوة، هؤلاء الكفار المنتفعون بكفرهم:
﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) ﴾
*****أي أنت في واد، وهم في واد .
لقد أسمعت لو ناديت حيـاً ***** ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو ناراً نفخت فيها أضاءت ***** ولـكنَّك تنفخ فـي رماد
***
*****نعوذ بالله من الكفر، الناس رجلان مؤمنٌ وكافر، مؤمنٌ يعرف الله وكافرٌ كَذَّبَ بالحق لما جاءه، مؤمن مقبل وكافر معرض، مؤمن شاكر وكافر جاحد، مؤمن يرى ويشهد وكافر أعمى:
﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (72) ﴾
(سورة الإسراء)
*****وقال:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) ﴾
الله تعالى قدّم السمع على البصر:
*****كأن الله جلَّ جلاله ينصحنا أن هذا الذي اتخذ الكفر مغنماً، واتخذ الكفر سبيلاً للدنيا أنّ وَقْتُكَ أثمن من أن تُضَيِّعَه معه، ابحث عن إنسانٍ آخر يبحث عن الحقيقة؛ يؤكِّد هذا المعنى قوله تعالى:
﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) ﴾
( سورة الأعلى)
*****لماذا لا يؤمنون ؟ هنا المشكلة:
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (7) ﴾
*****الإنسان له عين وله سمع، قُدِّمَ السمع مبدئياً على البصر:
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ (7) ﴾
*****قـال العلماء: " العين لا ترى إلا أمامها، ولا ترى بعد الحواجز، ولا ترى إلا بواسطة، فزاوية الرؤية نحو الأمام، فإذا كان هناك جدار منع الرؤية، ولا بدَّ من نورٍ يتوسَّط بين العين وبين المرئي، ولكن الأُذن تتصل بالجهات الست، الأمام، والخلف، واليمين، واليسار، وفوق، وتحت، بالجهات الست، والأذن لا تحتاج إلى وسيط، وإن كان الهواء هو الوسيط فلولا الهواء ما انتقلت الأمواج الصوتية، ولكننا يمكن أن نغفل الوسيط لكونه دائماً وثابتاً.
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ (7) ﴾
*****هذه الغشاوة حُبُّ الدنيا، الشهوات، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:
(( حُبُّك الشيء يُعمي ويُصِم ))
[أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء]
الشهوة غشاوة على الأذن وغشاوة على العين:
*****لما أحب الشهوة وآثرها على كل شيء، وعبدها من دون الله، وجعلها نهاية آماله، ومحطَّ رحاله كانت هذه الشهوة غشاءً على عينيه، وغشاءً على أذنيه، فهو لا يرى الآيات، ولا يستمع إلى الحق؛ والإنسان إما أن يرى الآيات الدَّالة على عظمة الله، وإما أن يُصغي لكلمة الحق تلقى في أذنه، فالشهوة غشاوة على الأذن، وغشاوة على العين؛ الفكر أو ما يدعى مجازاً العقل الذي في الرأس، هناك عقل في القلب، وعقل في الرأس:
﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا (179) ﴾
( سورة الأعراف )
*****إن أردنا أن نسمي ما في الرأس فكراً، الفكر جهاز استدلال، جهاز استنباط، جهاز محاكمة، جهاز اتخاذ قرار، جهاز معرفة، أداة إدراكيَّة منافذها السمع والبصر، فإذا فُتحِ البصر، وفُتِحَ السمع، جاءت المعلومات إلى الدماغ، والدماغ درسها وحللها، وحاكم جُزْئيَّاتها واتخذ قراراً، وكلما تعمَّق هذا القرار في الذهن انتقل إلى القلب ليستقر فيه، فالقلب قلبُ النفس، فيه تستقر الحقائق، حينما يضع الإنسان غشاوةً على عينه وهي الشهوة، وحينما يضع غشاوةً على أذنه وهي الشهوة، حيث السمع والبصر هما مَنْفَذا الحقائق:
﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) ﴾
( سورة الملك)
*****فالإنسان بهذا الحال لن يسمع.
منفذا القلب هما السمع والبصر:
*****الآن ادعُ إنساناً متفلِّتاً همُّه النساء، همه المال، همُّه الشهوات، همه أن ينغمس في شهوات الدنيا، ادعه إلى درس علم يستحيل أن يستجيب لك، ما لي ولهذا الدرس ماذا أفعل به ؟ كلام فارغ، كلام أعرفه، أنا لا أحبُّ أن أُضَيِّع وقتي، هو في واد وأنت في واد، فالإنسان إذا أحب الشهوات أحب الدنيا، أحب المال، أحب النساء، أحب الانغماس في المُتًع الرخيصة، هذه الشهوة غشاءٌ على عينه وغشاءٌ على سمعه، بقي الفكر بلا معلومات، لم يسمح الإنسان لعينه أن ترى الآيات فيستنبط منها الحقائق، ولم يسمح لأذنه أن تصغي إلى الحق فيعرف الحقيقة، وضع على أذنه غشاوة وعلى عينه غشاوة، فالفكر تعطل، والفكر هو المورِّد للقلب، تعطَّل القلب قال علماء التفسير: هذا خُتْمٌ حكمي؛ أي إذا أغلقنا الأبواب الخارجية للمسجد إغلاقاً محكماً، فهذه الأبواب الداخلية مغلقةٌ حكماً، حتى لو أنها مفتوحة لن يصل إليها إنسان ما دام البابان الخارجيان مُغْلقين، فالأبواب الداخلية مغلقةٌ حُكماً.
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (7) ﴾
*****منفَذَا القلب السمع والبصر، وعلى السمع غشاوة، وعلى البصر غشاوة .
﴿ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ (7) ﴾
*****والغشاوة هي حبُّ الدنيا.
وصف الله عزَّ وجل قلب الكافر بصفاتٍ كثيرة:
*****أيها الأخوة الكرام، وصف الله عزَّ وجل قلب الكافر بصفاتٍ كثيرة، وصفه بالخَتْمِ.
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (7) ﴾
*****والطبع، والضيق، والمرض، والرَيْن، والموت، والقسـاوة، والانصراف، والحَمِيَّةِ، والإنكار، هذه عشرة أوصـاف لقلب الكافر، والحقيقة يقول سيدنا عمر: " تعاهد قلبك ".
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾
( سورة الشعراء)
*****رأس مالِكَ الأوَّل في الآخرة قلبك السليم، هذا القلب الذي استقرت فيه الحقائق، هذا القلب الذي امتلأ شكراً لله، هذا القلب الذي امتلأ حباً لله، وهذا القلب الذي امتلأ تعظيماً لله.
(( يا رب أيّ عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أنني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي ))
[من الدر المنثور عن ابن عباس ]
*****الآلاء للتعظيم، النَعْماء للحب، البلاء للخوف؛ معنى ذلك أن القلب السليم فيه تعظيمٌ لله، وحبٌ له، وخوفٌ منه، البلاء يُورِثُ الخوف، والآلاء تورث التعظيم، والنعم تورث الحب؛ فالقلب السليم فيه خوف، وفيه حب، وفيه تعظيم، أما قلب الكافر فيه الختم، والطبع، والضيق، والمرض، والرَين، والموت، والقساوة، والانصراف، والحَمِيَّة، والإنكار:
﴿ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ (22) ﴾
( سورة النحل )
*****أي تُنكر الحقائق، تَعاف الحقيقة.
آيات من القرآن الكريم عن الحمية الجاهلية:
*****ذكر لي أخ أنه حدَّث إنساناً بكلامٍ طيبٍ عن الدين، فأجابه: هذه المعلومات لا أهتَمُّ لها، ولا أصغي إليها، ولا أزنها بأي ميزان، إنني أسعى لامرأةٍ جميلة وبيتٍ واسع وسيارةٍ فارهة.
﴿ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) ﴾
( سورة النحل)
*****وقال في الحمية:
﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ (26) ﴾
( سورة الفتح )
*****تجد عاطفة هَوْجاء، تَعَصُّباً أعمى، انحيازاً غير معقول، يفور بلا سبب، يقسو بلا سبب، يقتل بلا سبب، يغضب بلا سبب، حمِيَّة جاهلية، حمية عمياء، ينجرف انجرافاً مخيفاً بلا أسباب معقولة.
﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ (26) ﴾
( سورة الفتح )
*****يغضب الإنسان الجاهلي فيرتكب جريمة، يغضب فيقذِف بأبشع الكلمات، يغضب فيُطَلِّق بلا سببٍ وجيه، يغضب فيعتدي، هذه الحمية الجاهلية، من صفات قلب الكافر.
آيات أخرى من القرآن الكريم عن الانصراف والقساوة:
*****وفي الانصراف قال تعالى:
﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا (127) ﴾
( سورة التوبة )
*****انصرف عن الحق إلى الباطل، انصرف عن المسجد إلى دور اللهو، انصرف عن الحقائق إلى القَصَص، انصرف عن دروس العلم إلى المُسَلْسَلات.
﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127) ﴾
( سورة التوبة )
*****مكانك الطبيعي في أعلى عليين فَغُصْتَ في أسفل سافلين، مكانك الطبيعي في السماء أنت في وحول الأرض انصرفت إلى الدنيا، أخلدْت إلى الأرض، وقال في القساوة :
﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (22) ﴾
( سورة الزمر )
*****ما هذا القلب أيها الأخوة ؟ يكبر ويكبر ولا نرى كِبَرَه، فيتصاغر أمامه كل كبير، ويصغر ولا نرى صغره فيتعاظم عليه كل حقير؛ من هم الأنبياء العظام ؟ لهم قلوبٌ كبيرة وَسِعَت هموم الناس، القلب الكبير يحمل هموم المسلمين، لا يرتاح إذا حقق مصالحه المادية فقط، هذه لا تعنيه كثيراً، يعنيه أن يحقق إنجازاً للمسلمين.
القلب منظر الرب يتصل بالله فيمتلئ رحمة:
*****والقلب أيُّها الأخوة منظر الرَّب:
(( إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ ))
[ مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
*****القلب منظر الرَّب، وقد ورد في الحديث القدسيّ:
(( عبدي طهَّرتَ منظر الخلق سنين أفلا طهَّرت منظري ساعة ؟ ))
[ورد في الأثر]
*****القلب بيت الرَّب، والقلب أيها الأخوة يتَّصل بالله فيمتلئُ رحمةً؛ الرحمة إحساس داخلي مُنْعَكَساتها اللين واللطف والخدمة والتواضع؛ قال تعالى:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (159) ﴾
( سورة آل عمران )
*****أي بسبب رحمةٍ استقرت في قلبك يا محمد من خلال اتصالك بنا كنت لهم لَيِّناً، فلما كنت ليناً معهم التفوا حولك وأحبّوك، ولو كنت منقطعاً عنا لكان قلبك قاسياً، والقسوة من لوازمها الفظاظة والغِلظة:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (159) ﴾
( سورة آل عمران )
*****قوانين، تتصل بالله يمتلئ القلب رحمةً، إذا امتلأ القلب رحمةً كنت ليناً مع الناس رحيماً بهم، منصفاً متواضعاً، مُعطياً كريماً، سخياً عفُوَّاً فأحبك الناس والتفّوا حولك؛ أما إذا كنت منقطعاً عن الله امتلأ قلبك قسوةً.
قسوة القلب علامة البُعد ورقَّة القلب علامة الرحمة:
*****مؤشِّر الإيمان يتحرك تماماً مع مؤشِّر الرحمة، أنت رحيمٌ بقدر ما أنت مؤمن، وأنت قاسي القلب ـ لا سمح الله ـ بقدر بُعْدِكَ عن الله.
﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) ﴾
( سورة الزمر)
*****وفي آيةٍ أخرى:
﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ (74) ﴾
( سورة البقرة )
*****قلب الكافر كالصخر، لا يرحم، ولا يعطف، ولا يتألَّم، يبني مجده على أنقاض الآخرين، يبني غناه على إفقارهم، يبني حياته على موتهم، يبني أمنه على خوفهم، قلبٌ كالصخر؛ فهؤلاء الذين خاضوا حروباً عالمية خَلَّفت خمسين مليون قتيل ـ الحرب العالمية الثانية ـ قلوبهم كالصخر من البعد عن الله؛ كلما ابتعدت عن الله كلما قسا القلب، فقسوة القلب علامة البُعد، ورقَّة القلب علامة الرحمة.
*****" يا أمير المؤمنين إن الناس خافوا شدتك "، قال: " والله يا أبا ذر لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى ".
*****وقالوا لسيدنا الصديق " أتولي علينا عمراً !؟ " قال: أتخوِّفونني بالله ؟ أقول: يا رب ولَّيْتُ عليهم أرحمهم، هذا علمي به فإن بدَّل وغيَّر فلا علم لي بالغيب ".
مواقف تدل على رحمة سيدنا عمر رضي الله عنه:
*****" أيُّها الناس: إن الناس خافوا شدتي وبطشي، إن هذه الشدة على أهل البغي والعدوان أما أهل العفة والإيمان فأنا أَلْيَن لهم من أنفسهم، سأضع لهم خدي ليطؤوه بأقدامهم ـ هذا قول سيدنا عمر ـ أيها الناس خمس خصالٍ خذوني بها: لكم عليّ ألا آخذ من أموالكم إلا بحقها، وألاَّ أنفقها إلا بحقها، ولكم عليَّ ألا أُجَمِّركم في البعوث ـ ترسله لمهمة سنة، فيدع زوجته وأولاده ـ ولكم عليّ أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا ".
*****من رحمة سيدنا عمر أنه كان يتجوَّل في المدينة ليلاً مع سيدنا عبد الرحمن بن عوف فرأوا قافلةً قد استقلَّت في ظاهر المدينة، فقال: تعال نحرسها.
*****بكى طفل فقال عمر إلى أمه: أرضعي طفلك؛ أرضعته فسكت، ثم بكى فقام إليها وقال: أرضعي طفلك؛ أرضعته فسكت؛ ثم بكى، فغضب عمر، قال لها: يا أمة السوء أرضعي ابنكِ. فقالت له: وما شأنك بنا ؟ ـ ما دخلك ـ إنني أفطمه. قال: ولِمَ ؟ قالت: لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام ـ أي التعويض العائلي ـ فضرب جبهته، وقال: ويحك يا ابن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين.
*****عندما صلَّى سيدنا عمر صلاة الفجر ما عرف أصحابه قراءته من شدة بكائه من شدة خوفه من الله، قال: يا ربِّ هل قبلت توبتي فأهَنِّئ نفسي، أم رددتها فأعزيها ؟
*****قلب رحيم، اشتهى أن يأكل اللحم في عالم الرَّماد، ولكنه قال لبطنه: " قرقر أيها البطن أو لا تقرقر، فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين ".
*****تقرّحت يد السيدة فاطمة من الطحن، ومن سحب الماء بالدلو، وتعبت تعباً شديداً، فشكت إلى زوجها سيدنا علي، قال: اذهبي إلى أبيك واطلبي منه خادمةً ـ كل شيء بيد أبيك ـ فذهبت إليه، فقال: ما الذي جاء بك يا بُنيتي ؟ استحيت وقالت: جئت لأسلِّم عليك؛ عادت إلى البيت وقالت لزوجها: ائتِ معي ـ استحيت أن تطالب أباها بخادمة ـ فجاءت مع سيدنا علي، تكلم سيدنا علي مع النبي عن حاجتها إلى خادمة وعن تعبها وعن مشقتها، فقال: والله يا بُنَيَّتي لا أُؤثرك على فقراء المسلمين، لا أدع أهل الصفة يتضوَّرون جوعاً، قولي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله "، وانتهى الأمر.
*****رحمة في القلب شملت المؤمنين جميعاً بدون تمييز.
(( مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ ))
[ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
*****إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي:
(( الراحمون يرحمهم الرحمن ))
[ الترمذي عن عبد الله بن عمرو]
مواقف من الكتاب والسنة عن القاسية قلوبهم:
(( دخلت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ))
[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن ابن عمر]
*****قال تعالى:
﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (22) ﴾
( سورة الزمر )
*****قد يموت القلب، يقول الله عزّ وجل :
﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) ﴾
( سورة الأنعام)
*****الذين ماتت قلوبهم:
﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) ﴾
( سورة المطففين)
*****هذا الرّان، فالشهوات والمعاصي والأخطاء تجعل طبقة تحول بين القلب وبين معرفة الحقيقة.
﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ (88) ﴾
( سورة البقرة )
*****قلوبهم مُغَلَّفة:
﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ (88) ﴾
( سورة البقرة )
*****كُفْرُهم ومعاصيهم وانحرافهم سبب تغليف قلوبهم.
تبدأ أمراض القلب بعد الموت ويتعذَّب صاحبها بها إلى أبد الآبدين:
*****وقال تعالى:
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً (10) ﴾
( سورة البقرة )
*****القلب يمرض، القلب المُتَكَبِّر مريض، والقلب الجاحد مريض، والشُح مرض، والأنانية مرض، وأن تظلم الناس مرض، وأن تَبْخَـسَ الناس أشياءهم مرض، هذه كلها أمراض.
*****أخواننا الكرام، أمراض الجسم مهما تكن عُضالة؛ سرطان، تَشَمُّع كبد، فشل كلوي تنتهي مع الموت، فإذا كان المرء مؤمناً فإلى الجنة، وتبدأ أمراض القلب بعد الموت ويتعذَّب صاحبها بها إلى أبد الآبدين، فمليون مرض بالجسم ولا مرض واحد بالقلب، والدليل:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾
( سورة الشعراء)
*****قلبك السليم رأسُ مالك، هناك كِبْر، وهناك حسد، وبَغْي، وعدوان، واستعلاء، وجحود، وهضم حقوق الآخرين، وهناك أن تَبْخَسَهُم حَقَّهُم، أمراض القلب لا تُعَدُّ ولا تحصى، وكل هذه الأمراض تبدأ آلامها بعد الموت، الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا.
ربنا عزّ وجل يعاوننا على الإيمان:
*****حدثني أخ: إنسان كان يقود سيارة بسرعةٍ طائشة في الساعة الثانية ليلاً في مدينة مجاورة في بيروت، دهس طفلاً، يبدو أن في قلب هذا السائق حياة، لم يذق طعم النوم عشرين يوماً، تألَّم، زار طبيباً نفسياً فنصحه أن يدفع ديَّةً لأهل الطفل، ليرتاح ضميره وينام، فإذا كان في القلب حياة فهذه نعمةٌ كُبرى، أما إذا كان القلب مغلفاً ومليئاً بالمعاصي عندئذِ انتهى، وقال الله تعالى في الضيق :
﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً (125) ﴾
( سورة الشعراء )
*****وهذه نعمةٌ كُبرى:
(( إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.))
[الترمذي عن أنس بن مالك]
*****أي أن ربنا عزّ وجل يعاوننا على الإيمان، فإذا اتخذ الإنسان قراراً صحيحاً يشرح الله له صدره، تجده مبسوطاً، وإذا اتخذ قراراً آخر غير صحيح يضيق صدره:
﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ (7) ﴾
(سورة الحجرات)
قلب المؤمن طاهر بفطرته مصطبغ بكمال الله :
*****القلب قضية كبيرة.
(( أعرف في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ))
[ متفق عليه عن النعمان بن بشير ]
*****رأس مالك قلبك، قلب المؤمن نظيف، قلبه صاف، قلبه بريء، قلبه مطمئنٌ لعدالة الله، لا يحمل حقداً على أحد، ولا يحسد، ولا يبغي، ولا يتكبر، قلبه سليم وهو موصول بالله، طاهر بفطرته، مصطبغ بكمال الله، باتصاله بالله، هذا قلب المؤمن، والطبع :
﴿ فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3) ﴾
( سورة المنافقون)
*****هذا الطبع حكمي أيضاً، مثلا: انتسب إنسان إلى الجامعة بضغطٍ من أبيه، ولم يحضر أي درس ولا ساعة، وما قَدَّم أي امتحان، ولا قرأ ولا صفحة، هل يفقه هذا شيئاً ؟ لماذا لا يفقه ؟ لأنه أغلق بيده منافذ المعرفة، لو سمع درس يتعلَّم كلمة، لو قرأ كتاباً ليتعلم، لو زار الأستاذ ليتعَلَّم، فلما أعرض عن حضور أي درس، وعن سماع أية محاضرة ولو بالشريط، وعن قراءة أي موضوع، فإنه أغلق بيديه منافذ المعرفة، إذاً ختم قلبُه ختماً حكمياً.
﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (5) ﴾
( سورة الصف)
*****إذا عُزيت الإزاغة إلى الله، أو عُزيَ الإضلال إلى الله، أو عُزي الخَتْمُ إلى الله، أو عزي (ران على قلوبهم ) إلى الله هذا كله زيغ جزائي مبني على اختيار؛ وأوضح مثل: قلت هذا قبل قليل: طالب لم يقدم أي امتحاناً، ولا حضر ولا مادة ولا قرأ، جاءه إنذار من إدارة الجامعة؛ إنذار ثانٍ، إنذار ثالث، ولم يستجب، صدر قرار بترقين قيده من الجامعة، هل في هذا القرار افتراءٌ عليه ؟ أم هو تجسيدٌ لاختياره ؟
حبُّ الكفار للدنيا واختيارهم للشهوات وإصرارهم عليها جعلها كغشاوةٍ على أعينهم وعلى سمعهم:
*****قال تعالى:
﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (5) ﴾
( سورة الصف)
*****إذا عُزي الإضلال إلى الله فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلالٍ اختياري، وإذا عُزي الخَتْمُ إلى الله فهو الختم الجزائي المبني على سد منافذ المعرفة باختيارك، فقوله تعالى:
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) ﴾
*****هو الخَتْمُ الحُكْمِي، لأن:
﴿ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ(7) ﴾
*****الختم من صنع أيديهم؛ حبُّهم للدنيا، واختيارهم للشهوات، وإصرارهم عليها جعل هذه الشهوات كغشاوةٍ على أعينهم وعلى سمعهم، ولأن العينين والسمع منافذ للفكر، والفكر موَرِّد للقلب فصار القلب مختوماً عليه حكماً:
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) ﴾
أنواع العذاب:
*****يوجد بالقرآن عذاب أليم، ويوجد عذاب مهين، ويوجد عذاب عظيم، هؤلاء الذين أضلّوا الناس وتبعهم الناس على إضلالهم، هؤلاء لهم يوم القيامة عذابٌ مهين، يُعذَّبون أمام أتباعهم الذين أضلّوهم، والعذاب المهين أشدُّ من العذاب الأليم.
*****لو كان الإنسان له مكانة كبيرة جداً وأهنته أمام الناس جميعاً، كأَنْ تضربه ضرباً مهيناً أمام أتباعه جميعاً فإن هذا عذاب مهين؛ ويوجد عذاب أليم له ألم حسِّي شديد؛ العذاب المهين معنوي، والعذاب الأليم حِسي، أما العذاب العظيم منسوبٌ لقدرة الله؛ أنت إن أردت أن تعذِّب إنساناً يوجد حدود ينتهي عندها العذاب، مات فلا تستطيع إكمال العذاب، تنتهي قدرتك على تعذيبه بعد أن يموت، لكن الله عزّ وجل قادر على أن يُعَذِّب الإنسان إلى أبد الآبدين:
﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ (56) ﴾
( سورة النساء )
*****هذا عذاب عظيم، ويوجد عذاب مهين، ويوجد عذاب أليم؛ العذاب المهين أن يعذِّبه أمام من خضعوا له بكفره، أي إنسان أنكر وجود الله عزّ وجل وقال: الشهوة هي كل شيء، يوجد علماء هكذا، يوجد طغاة هكذا، فهؤلاء الذين أضلّوا الناس وحملوهم على الكفر يعذَّبون عذاباً مُهيناً أمام أتباعهم، والذين كفروا وجحدوا يعذَّبون عذاباً عظيماً، أي عذاباً مستمراً لا ينتهي، أما الإنسان إذا عَذَّب فَله حد ينتهي عنده التعذيب، عندما يموت من يعذبه.
ملخص لأهم نقاط الدرس:
*****أيها الأخوة، افتتح ربنا عزّ وجل هذه السورة العظيمة بوصف المؤمنين، ووصف الكافرين؛ أما المؤمنون فهم:
﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا (6) ﴾
*****الإيمان تصديق، والكفر تكذيب، الإيمان إقبال، الكفر إعراض، الإيمان شكر، الكفر جحود:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا (6) ﴾
*****وانتفعوا بكفرهم، وجعلوه مَطِيَّةً لشهواتهم:
﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) ﴾
*****مكان العقل القلب:
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (7) ﴾
*****لأن مَنفَذي القلب هما السمع والبصر:
﴿ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) ﴾
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
12-03-2012, 01:17 AM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (06- 95):تفسير الآيات 8-12، الخطر الكبير الذي يهدد المسلمين هو النفاق و المنافقين
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-07-31


بسم الله الرحمن الرحيم
*****الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*****أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السادس من سورة البقرة، ومع الآية الثامنة.
المؤمن والكافر و المنافق:
*****أيها الأخوة، بيَّن الله جلَّ جلاله في مطلع هذه السورة الكريمة صفات المؤمنين في آياتٍ قليلة، وبيَّن صفات الكافرين في آيتين، وبيّن صفات المنافقين في ثلاث عشرةَ آية، لماذا ؟ لأن المؤمن واضح، والكافر واضح، المؤمن كان جريئاً آمن بهذا الدين العظيم، وقبض الثمن، ضَحَّى قليلاً وأخذ كثيراً، والكافر كان جريئاً ردَّ الحق ودفع الثمن، المؤمن مُنسجم مع نفسه، والكافر منسجم مع نفسه، المؤمن منسجم مع الحقيقة ومع نفسه، الكافر غير منسجم مع الحقيقة لكنه مُنسجم مع نفسه، فالمؤمن واضح والكافر واضح.
*****لكن الإنسان الخطير هو المنافق، لأنه غامض، له ظاهر، وله باطن، له موقف معلن، وله موقف باطن، له شيءٌ يفعله في جلوته، وله شيءٌ يفعله في خلوته، علانيته ليست كسريرته، فالمنافق خطر، والمؤمن واضح، والكافر واضح أيضاً، المؤمن انسجم مع الحقيقة ومع نفسه، كان جريئاً وقبل الحق، وضحَّى وقبض الثمن، والكافر انسجم مع نفسه فقط، كان جريئاً، ورد الحق، ودفع الثمن، المؤمن كلُّه خير، كله عطاء، كله إكرام، كله إحسان. الكافر شَرُّه محدود لأنه مكشوف، أذاه محدود لأنه ظاهر، الناس يتقونه لأنه كافر.. أما المنافق فخطره كبير، لأنه يوهم المؤمنين أنه مؤمن وهو مع الكُفَّار، لذلك قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ (145) ﴾
( سورة النساء )
*****أخذ المنافق ميزات المؤمنين، وعومل كما يُعامَل المؤمنون، أخذ كل امتيازاتهم لأنه أظهر الإيمان، واستفاد من الكُفَّار، وغَشَّ المؤمنين، لذلك فهو في الدَرْك الأسفل من النار، وصف الله المؤمنين في بضع آيات، وفي آيتين فقط وصف الله الكافرين، وفي ثلاث عشرة آية وصف الله المنافقين.
النفاق أخطر شيءٍ في حياة المؤمنين :
*****أيها الأخوة، يبتلي الله عزَّ وجل المؤمنين ابتلاءاتٍ متعددة، يبتليهم فيمنحهم القوة، ويبتليهم فيضعفهم، المؤمنون مبتلَوْنَ حينما يظهرهم الله على أعدائهم، ومبتلون حينما يستضعفون، فإذا كان الابتلاء استضعافاً كَثُرَ الكفار، لأنهم لا يخافون أحداً.. وإذا كان البلاء قوةً كثر المنافقين، و في مكة المكرَّمة لم يكن هناك منافقون، لأن الإنسان يكفر جهاراً، ويتَّهم النبي جهاراً، ويقول: إنه مجنون، وإنه ساحر، وإنه شاعر، وإنه أَفَّاك، وينام مطمئناً في بيته، ولا يناله أحد بأذى، لأن المؤمنين ضِعاف، يكثر الكافرون مع ضعف المؤمنين، أما في المدينة فقد أصبح للمؤمنين شَوْكَة، وهم قوة، لذلك كثر المنافقين، المنافق كافر لكنه رأى من مصلحته أن يَنْضَمَّ إلى المؤمنين صـورةً وأن يتعاون مع الكافرين حقيقةً، لذلك أخطر شيءٍ في حياة المؤمنين النفاق، المؤمن كما قلت قبل قليل واضح، والكافر واضح، المؤمن انسجم مع الحقيقة، ومع نفسه، وكان مصدر عطاءٍ للخلق، والكافر انسجم مع نفسه فقط، لا مع الحقيقة، شره محدود، لأن هويّته معلنة، المؤمن جريء آمن بالحق، وضحَّى، وقبض الثمن، والكافر جريء، ردَّ الحق وكسب بعض المكاسب المؤقَّتة، ودفع ثمنًا باهظاً، لكن المنافق متلوِّن لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء.
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ﴾
( سورة البقرة)
من رُقِيّ النفس أن يتهمها صاحبها دائماً بالنفاق:
*****أيها الأخوة الكرام، من رُقِيّ النفس أن يتهمها صاحبها دائماً بالنفاق، اتهام، قال أحد التابعين الأجِلاَّء: التقيت أربعين صحابياً ما منهم واحدٌ إلا وهو يظن نفسه منافقاً، فالمؤمن يتقلب في اليوم الواحد بأربعين حالاً خشية النفاق، والمنافق يَثْبُتُ على حالٍ واحد أربعين عاماً ولا يشعر أنه منافق، النفاق ازدواج، النفاق حالة من حالات انفصام الشخصية، له شخصيتان، يتظاهر مع المؤمنين بالتقوى والصلاح، ويطرح أسئلة فقهية دقيقة جداً، يسألك مثلاً: حبة سُمسم بقيت بين أسنانه ما حكم صيامه يا أستاذ ؟ تجده ظاهراً يغلي ورعاً، وله معاصٍ كبيرةٌ جدًّاً يغفلها، كلما جلس مع المؤمنين طرح عليهم أسئلة كثيرة، وفتاوى، وقضايا، ليظهر أمامهم أنه مؤمن، وليأخذ امتيازات المؤمنين، وليكسب مكاسِبَهُم، أما هو في الحقيقة فمع الكافرين، يقول الله جلَّ جلاله: ومن الناس من يقول.. بلسانه.. والقول سهل:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ (8) ﴾
*****والله عزَّ وجل كَذَّبَهُم، فقال:
﴿ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) ﴾
الإنسان لا يقيّم بأقواله بل بأفعاله:
*****لا يقيّم الإنسان بأقواله بل يقيَّم بأفعاله، فكم ممن يقول لك: أنا مؤمنٌ باليوم الآخر، فإذا بحثت في أعماله لم تجد عملاً صالحاً واحداً يؤكِّد إيمانه باليوم الآخر، وإذا بحثت في حياته الخاصَّة لم تجد عملاً واحداً يُنبئُ عن أنَّه يخاف النار، يأكل المال الحرام، يجلس مع نساءٍ لا يحللن له، يعتدي على حقوق الآخرين، على أعراضهم، على أموالهم، إما صراحةً أو ضمناً بالكذب، والغش، والاحتيال، ويحقق مصالحه، ويَدَّعي أنه مؤمن، والإيمان بريءٌ منه، مثلاً استطاع رجل أن يُخَلِّص بيتاً ثمنه سبعة ملايين بسبعمئة ألف، بأساليب ملتوية غير شرعية، وهو يرتاد المساجد. ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حَجَّةً بعد حجة الإسلام.
*****فالنفاق أخطر شيء في حياة المؤمنين، ازدواج الشخصية، انفصام الشخصية، موقف معلن، وموقف خفي، شيءٌ يفعله أمام الناس، وشيءٌ يفعله فيما بينه وبين نفسه، سريرته ليست كعلانيته، خلـوته ليست كجلْوته، شيءٌ يفعله في بلده فإذا سافر فعل شيئاً آخر، وكم من امرأةٍ محجَّبةٍ تـراها في الطائرة جاءت من بلدٍ الحجاب فيه إلزامي، فلما ركبت الطائرة خلعت كل شيء، وكأنها لا تؤمن بشيءٍ من الدين، هذا نفاق، يلاحظ الإنسان هذا الازدواج في حياته، إذا كان يفعل فعلاً أمام الناس مقبولاً ويفعل خلافه فيما بينه وبين نفسه، فهذه حالة من النفاق، ولا تنسوا أيها الأخوة أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، أخطر شيءٍ في حياة المؤمن أن تَزِلَّ قدمه إلى النفاق.
أنواع النفاق:
*****ولكن لا أكتمكم أن هنـاك من النفاق ما هو ضعفٌ في الإيمان، أو ضعفٌ أمام الشهوات، هذا المنافق الذي انطلق من ضعفٍ في اليقين، وضعفٍ في الإرادة، لعل الله سبحانه وتعالى يُعالجه فيأخذ بيده إلى الإيمان، وهناك حالاتٌ كثيرة ممن عاصروا النبي عليه الصلاة والسلام كانوا منافقين فتاب الله عليهم، ولكن النفاق الذي يُنْتَفع به لمكاسب دنيوية ـ كما قلت في الدرس الماضي ـ حينما ينتفع الإنسان بالكفر، وحينما يتخذ الكفر وسيلةً لمكاسب مادية، هذا الكافر يصبح مع الكافرين:
﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) ﴾
*****والمنافق الذي أصله كافر كفراً اعتقادياً، وكفراً سلوكياً، وهو مع المؤمنين في ظاهره، هذا أيضاً لا ينتفع بأية موعظةٍ يتلقَّاها..
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ (8) ﴾
*****قول.
النفاق تمثيل متقن جداً*:
*****الله عزَّ وجل يقول:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (19) ﴾
( سورة محمد )
*****ما قال: فقل، القول سهل، وكل إنسان ذكي، والآن التمثيل في هذا العصر متفوِّق تفوِّقاً كبيراً، فأذكى الأذكياء يُتْقِن التمثيل، وبإمكانه أن يوهمك أنه مؤمن، بكلام، وبحركات، وبسكنات، وبتصرفات، وبمواقف، وما هو كذلك ولا سيما في موضوع الزواج، هو يوهم أنه صالح، تقي، ونقي، وعفيف، و بعد القِران يظهر لك إنساناً آخر، وهي توهمه أنها تحفظ كلام الله، ولها شيخةٌ تأخذ عنها العلم، وتخاف من الله، وتتحجَّب أمامه، فإذا دخل وقتٌ آخر رأيتها امرأة أخرى، فالتمثيل الآن متقن جداً، أي أن الخبرات التمثيلية في أعلى درجة، والتمثيل نفاق في الحقيقة، أوضح شيء أن الممثل قد يأخذ دور إنسان صالح، وهو كذلك، وقد يأخذ دور إنسان سيّئ، وهو كذلك، على كلٍ هناك إتقان للأدوار، فالنفاق، والتمثيل يلتقيان، المنافق ممثل، والنفاق أنواع، والتمثيل أنواع، وهناك تمثيل متقن جداً، وتمثيل غير متقن.
*****ذكرت لكم مرة أنه تمثيلية في معهد شرعي عن سيدنا بلال، وعن أمية بن خلف: هو مَن عذب سيدنا بلالاً، وكان مالكه في الجاهلية، كيف يعذِّبه ويقول بلالٌ: أحدٌ أحد، فهذا الذي يمثل دور أمية، قال له: لن أرفع عنك العذاب حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، طبعاً تمثيل غير متقن، لأنه قال: صلى الله عليه وسلم، المنافق ممثِّل، ممثل ذكي جداً.
أعمال الإنسان تؤكد مكانته:
*****الآن..
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) ﴾
*****يقيّم الإنسان من أعماله فقط، أعماله تؤَكِّدُ مكانته، لذلك تجد إنساناً يؤمن بشيء علانيةً، ولكن أفعاله لا تؤكد ذلك، ليس في فعل المنافق فعلٌ واحد، يؤكد أنه مؤمن بالجنة، هو لا يعمل لها.. وليس في فعل المنافق فعلٌ واحدٌ يخاف من مؤمن يؤكد أنه بالنار، لأنه لا يتقيها.. هؤلاء الذين ينغمسون إلى قمة رؤوسهم في المال الحرام أين هي الجنة والنار في حياتهم ؟ والله لو أن الإنسان آمن أن هناك ناراً سيدخلها إلى أبد الآبدين لعدَّ إلى المليون قبل أن يأكل درهماً حراماً، ولو آمن أن هناك حساباً عسيراً..
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾
(سورة الحجر)
﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) ﴾
( سورة المدثر)
الإيمان عمل و التزام:
*****حينما لا تجد في عمل الإنسان عملاً يؤكِّد أنه يتقي النار، ولا تجد في عمل الإنسان عملاً يؤكِّد أنه يرغب في الجنة فهذا نوعٌ من النفاق، وحينما تستقر حقيقة الإنسان في قلب المؤمن تُعَبِّرُ هذه الحقيقة عن ذاتها بخدمة الآخرين، يتحرك نحو خدمة الخلق، يحاسب نفسه حساباً دقيقاً، إذاً الإيمان عمل، والإيمان التزام..
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا (72) ﴾
( سورة الأنفال )
*****الإيمان حركة، لا يوجد إيمان سكوني أبداً، مؤمن ساكن !! مؤمن مقيم على معصية !! ومؤمن لا يعمل الصالحات !! ليس هذا مؤمناً، الإيمان الحقيقي ما أكَّده العمل، الإيمان إقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان، والإيمان ما استقر في القلب، وصدَّقه اللسان، وأكَّده العمل، قناعةٌ في القلب، وإقرارٌ باللسان، وعمل بالأركان، هذا هو الإيمان، لذلك قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (7) ﴾
( سورة البينة )
*****ورد أكثر من مئتي مرة قارناً العمل الصالح بالإيمان:
﴿ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (7) ﴾
الله جلَّ جلاله كَرَّم المؤمنين فجعل عدوهم عدواً له وجعل إكرامهم إكراماً له:
﴿ يخادعون الله ﴾
*****والحقيقة هم يخادعون المؤمنين، لم يؤمنوا بالله إيماناً يحملهم على طاعته، فهم يخادعون المؤمنين، ولكن الله جلَّ جلاله كَرَّم المؤمنين فجعل مخادعتهم مخادَعةً له، وجعل عدوهم عدواً له، وجعل إكرامهم إكراماً له..
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ (53) ﴾
( سورة الزمر)
*****الياء ياء النسب، هذه نسبة تشريف وتكريم، شرَّف الله المؤمن بأن نسبه إلى ذاته، لذلك المنافق يُخادع المؤمنين فقط، لكن الله عزَّ وجل جعل مخادعة المؤمنين مخادعةً له، فعدوّ المؤمن عدوٌ لله، والذي يُخادعه يخادع الله، والذي يُكْرِمُه يكرم الله، " من أكرم أخاه فكأنما أكرم ربه " ، من أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم ربه، وهذا أعلى أنواع التشريف..
﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾
من حرم نفسه الخير فقد خدعها:
*****كيف خدعوا أنفسهم ؟ حرموها الخير، فلو أن إنساناً يوجد معه كيلو من المعدن الخسيس، الرخيص جداً لا يساوي ليرة، أقنع الناس بذكاء وبجهدٍ جهيد، وبحِيَل أن هذا المعدن ذهب، فصدقه الناس، وأكبروا هذه الثروة، من الخاسر، الناس أم هو ؟ طبعاً هو وحده الخاسر، لأنه اطمأن إلى قناعتهم، وهو في الحقيقة لا يملك شيئاً، كذلك المنافق يخدع المؤمنين، ويشعر بنشوة أنه استطاع أن يخدعهم، وأن يقنعهم أنه مؤمن.. وماذا إذا أقنعتهم ؟ أنت لست مؤمناً.. ولا تأخذ من امتيازات المؤمنين شيئاً أقنعتني في النهاية أنَّك تحمل أعلى شهادة، وأنت لا تقرأ ولا تكتب، هل تستطيع أن تنتفع بأميتك ؟ أقنعتني بجلسةٍ عابرة أن معك شهادة عليا، وأنت لا تقرأ ولا تكتب، هل تستطيع أن تنتفع بأُمِّيَّتِك ؟ لا تنتفع بها أبداً، إذاً كيف يخادعون أنفسهم ؟ فالمنافق هو ارتاح عندما أقنع المؤمنين أنه مؤمن، ونجحت الخطة، ولكن ما قيمة هذا النجاح ؟ نجحت خطتك لكنك لست مؤمناً، لن تنجو من عذاب الله، ولا من عقابه.. ولا من تأديبه، لن تنجو من إتلاف مالك، ولا من تأديبٍ في صحتك، ولا من تأديبٍ في أهلك، ما أخذت شيئاً من ميزات المؤمنين، أقنعتهم أنك مؤمن وصدَّقوك، أنت في الحقيقة تخدع نفسك، مثلك كالنعامة حينما يتبعها عدوٌ لها فتغمس رأسها في الرمل، عندئذٍ لا ترى، هل هي ذكيَّة ؟ هي في منتهى الغباء، فحينما غمست رأسها في الرمل فلم تراه، اطمأنت فجاء عدوها، وقد ثبتت في مكانها فأكلها، هل خدعت عدوها، أم خدعت نفسها ؟ طبعاً خدعت نفسها.
علاقة كل إنسان مع الله عز وجل:
*****الملخَّص أنك إذا استطعت أن تخدع الناس، وأن توهمَهم أنك مؤمن، والناس ببساطة أو بسذاجة صدقوك، وأثنوا على إيمانك، وأنت لست كذلك، فعلاقتك مع الله، وسوف يعرضك الله عزَّ وجل لامتحاناتٍ صعبةٍ ولعقاباتٍ شديدةٍ، ولن تأخذ شيئاً من امتيازات المؤمنين، فمن خدع الآخر ؟ قال الابن لأبيه: أنا أقنعك أن هؤلاء ثلاث دجاجات، وهي في الواقع دجاجتان، قال له أبوه أنا سوف آكل واحدة، وسوف تأكل أمك واحدة، وأنت كُل الثالثة.. كلام فارغ لا معنى له..
﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾
*****إنهم ساذَجون، أغبياء، أوهمتني أنك مؤمن وأنت لست مؤمناً، ماذا حققت ؟ علاقتك مع من ؟ مع الله، وأبلغ شيءٍ في هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ))
[ البخاري ومسلم عن أم سلمة]
*****طليق اللسان، سريع البديهة يقلب الحق إلى باطل، بذكاءٍ بارع.. جاء أحدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأقنعه بشيء فحكم له النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:
(( لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا ))
[ البخاري ومسلم عن أم سلمة]
*****لم يستفد شيئاً، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾
الله عز وجل يحول بين المرء و نفسه و يعلم خواطره و نواياه و بواعثه وأهدافه :
*****لو دُعيت إلى طعام نفيس جداً، وأنت في درجة عالية من الجوع، فأوهمت الذي دعاك أنَّك أكلت طعاماً أنفس من هذا قبل قليل، فقال لك: إذاً لا تؤاخذني فلا تكثر منه، أنت خدعته أم هو الذي خدعك ؟ ماذا استفدت من هذا الكلام ؟ حرمت نفسك من هذا الطعام، أوهمته أنك أكلت طعاماً نفيساً قبل قليل، وأنت من يومين لم تأكل، والطعام طيِّب جداً، عندما أوهمته فكفَّ هو عن دعوتك إلى الطعام، وجلست أنت تتلوى جوعاً، والطعام النفيس أمامك، من خدع الآخر ؟ أنت خدعت نفسك فقط.
﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾
﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾
*****هذا هو الغباء بعينه، وهذا هو الحُمق بعينه، لا تتظاهر بما ليس فيك، علاقتك مع الله، لا تخفى عليه خافية، أنت مكشوفٌ أمامه تماماً، خواطرك يعلمها، يحول بين المرء وقلبه، خواطرك، نواياك، بواعثُك، أهدافك، طموحاتك، احتيالك..
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) ﴾
( سورة إبراهيم)
علاقة الإنسان مع الله وحده ولن ينجو من عذاب الله إلا بطاعته :
*****والله أيها الأخوة، أرى كل يوم إنساناً يُقْنِع الناس بشيء، وهو على خلاف ذلك، فيسقط، ولا ينجو من عذاب الله أبداً، ولن ينجو، نقيم حفلاً، عقد قرانٍ، ندعو كل العلماء، والعلماء ببساطةٍ يقفون ويثنون على هاتين الأسرتين الكريمتين الأصيلتين إلخ.. والأسرتان ليستا كذلك، لو أن إنساناً مدحك هل تنجو من عذاب الله ؟ يقولون لك: دعونا فلاناً، وألقى كلمة، وفلاناً ألقى كلمة، فلما صار العرس، نساءٌ كاسيات عاريات، وزِّعَت الخمور، وجيء بالراقصات، وجيء بالمصوِّرين، قبل يومين، عقد الرجال.. أسرتان عريقتان، أصيلتان، والطيبون للطيبات، وبعد يومين النساء كاسيات عاريات، والخمور توزَّع، والراقصات ترقص، وكل المعاصي والآثام في هذا العقد.. أنت حينما أتيت بهؤلاء ليلقوا كلمات ماذا فعلت ؟ أوهمت الناس أنك جيد، أنك صالح، علاقتك مع الله وحده، ولن تنجو من عذاب الله إلا بطاعته، وأما إيهامك للناس أنَّك مؤمن هذا لا يقدِّم ولا يؤخِّر.
*****تروى طرفة عن شخص دخل على محامٍ.. فكر المحامي أنه إذا أجرى أمام الشخص عدة مكالمات هاتفية يعلو في نظره كثيراً، فاتصل مع شخصيات مهمة، القضية نجحت، القضية نجحت، نجحت، ثم سأل المحامي الشخص عن حاجته، فقال له: لقد أتيت لكي أصل لك سلك الهاتف.. ولأنه لم يكن عنده هاتف !! ممكن أن تتكلم كلاماً، فتتوهم أنك ارتفعت، في الحقيقة سقط الإنسان.
﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾
الصدق منجاة من عذاب الله تعالى:
*****إذا علم المنافق أنه منافق فليس منافقاً، المشكلة أنه لا يشعر، يظن نفسه ذكياً، عاقلاً، شاطراً بالتعبير الدارج، وهو ليس كذلك، لا توهم أحداً بشيء، لتكن علاقتُك بالله صادقة، كن مع الله صادقاً، أَخْلِص دينك يكفك القليل من العمل.
*****تخلّف سيدنا كعب بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة خطر في بال كعب أن يعتذر له كما يعتذر المنافقون، قال: فلما حضر النبي عليه الصلاة والسلام ووقف بين يديه، وقال: والله يا رسول الله لو جلست إلى أحدٍ من الناس لخرجتُ من سخطه، فقد أوتيت جدلاً..(و أنا طليق اللسان ومعي حجة).. ولكنني أخشى أن أرضيك اليوم كذباً، فيسخِّطُك الله علي، وأرجو إن صدقتك اليوم أن يعفو الله عني، رأى الله وحده، ما أراد أن يخدع رسول الله، ثمانون منافقاً أعطوه حججاً قويةً، وأعذاراً قويةً، والنبي استغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فلما جاء كعب وكان صادقاً معه فقال: أما هذا فقد صدق، بكلمة أما هذا فقد صدق فكل هؤلاء الذين اعتذروا أمامه، وقَبِل اعتذارهم في الظاهر، ووكل سرائرهم إلى الله، ولم يكونوا صادقين، قال: أما هذا فقد صدق، الصدق منجاة، فكن صادقاً، وليس معنى ذلك بأن تفضح نفسك، لست مكلفاً أن تفضح نفسك، ولكن لا تظهر بشيء خلاف ما أنت عليه، واسأل الله السلام، واسأل الله الستر..
﴿ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (10) ﴾
*****مرض.
حبّ الدنيا رأس كل خطيئة :
*****حدَّثْتُكم في الدرس الماضي أن متاعب أمراض القلب تبدأ بعد الموت، وإلى أبد الآبدين.
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾
( سورة الشعراء)
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (10) ﴾
*****حب الدنيا مرض، حب الدنيا يعمي ويصِم، حب الدنيا رأس كل خطيئة، لكن ليس من حب الدنيا أن يكون لك بيت تشتريه بمالك الحلال، ليس هذا من حب الدنيا، وأن تحب أن تقترن بامرأةٍ صالحة، ليس هذا من حب الدنيا، و أن تحب أن يكون لك دخلٌ حلال، ليس هذا من حب الدنيا، حب الدنيا ما حملك على العدوان، وعلى أخذ ما ليس لك، على أن تعتدي على أموال الآخرين، وعلى أعراضهم، وأن تنافس الناس على الدنيا، وأن تحطِّمَهُم من أجل مصلحتك، هذا هو حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة..
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (10) ﴾
تفاقم أمراض النفس لأن الإنسان في الأساس حركي ديناميكي:
*****تتفاقم أمراض النفس لأن الإنسان في الأساس حركي.. ديناميكي.. إن عمل عملاً طيباً قاده لعملٍ أطيب، وإن عمـل عملاً سيئاً قاده لعملٍ أسوأ.. نظرةٌ، فابتسامةٌ، فسلام، فكلامٌ، فموعدٌ، فلقاء..
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا (32) ﴾
( سورة الإسراء )
﴿ لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ (21) ﴾
( سورة النور )
*****فالإنسان حركي فإذا مرض قلبه فإن هذا المرض ينقله إلى مرضٍ آخر، مثلاً يوجد في قلبه مشكلة، أدوية القلب تَرَكَت قرحةً في المعدة، فمرض القلب نقله إلى مرضٍ في المعدة، تطورت القرحة إلى ورمٍ خبيث في المعدة.. انظر بدأ بمرض في القلب فانتقل إلى المعدة ثم انتقل إلى ورم خبيث، هذه الحالات كثيرة جداً.. المرض ينتقل إلى مرض أشد دائماً، حتى في المركبات إذا كان هناك خطأ ينتقل لخطأ أكبر، فرضاً إنسان هبط ضغطه، فإذا بقي الضغط منخفضاً ست ساعات فإن الكلية تتوقف، كان بالضغط أصبح بالكلية، هذه طبيعة الأمراض، الأمراض تتفجَّر من مرض إلى مرض، ارتفع السكر.. فقد بصره.. ارتفع السكر.. خثرة في الدماغ.. سببت الخثرة شللاً، الشلل سبب تقرحاً في الجلد..
حياة الكافر سلسلة انفجارية:
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا (10) ﴾
*****من مرض إلى مرض، كان بالنظر فأطلق البصر، إطلاق البصر نقله إلى الحديث اللطيف مع الجنس الآخر، نقله الحديث إلى لقاء، واللقاء انتهى به إلى الزنا، والزنا انتهى به إلى السجن، ثم إلى مرض الإيدز، بدأ من نظرة.. هكذا سمعت أن سائقاً ركبت معه امرأة.. سألها: إلى أين ؟ قالت له: إلى حيث تشاء، فهِم، وعدَّ هذا مغنماً كبيراً، وبعد أن انتهى أعطته رسالةً، وظرفاً فيه مال، فتح الظرف.. وجد خمسة آلاف دولار.. ورسالة مكتوب فيها: مرحباً بك في نادي الإيدز، نقلت له المرض، ذهب ليصرف المبلغ، فإذا هو مزور، فأودِع في السجن.
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا (10) ﴾
*****حياة الكافر سلسلة انفجارية، يأكل مالاً حراماً، يسرق، يتورَّط مع السرقة إلى جريمة قتل، حكموه ثـلاثين سنة.. انتهى.. بدأ بالسرقة وانتهى بالقتل، لا يُصلي، طَلَّق زوجته لسبب تافِه، طلقها وعنده خمسة أولاد.. هي أصرت ألا ترجع.. ذهبت إلى أهلها، واعتصمت بهم، بقي أولاده بلا مربية، كان في شيء، وصار في شيء آخر، الكافر أعمى، والمنافق أعمى ينتقل من طور إلى طور، حياته كلَّها متفجِّرات، وألغام..
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا (10) ﴾
الكذب أكبر صفة تُهلك الإنسان :
*****معنى آخر:
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (10) ﴾
*****وهو حب الدنيا..
﴿ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا (10) ﴾
*****حينما أصرَّوا عليها أطلقهم الله إليها، كانت شهوةً بإمكانهم أن يتوبوا منها فصارت واقعاً..
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) ﴾
*****عذاب أليم، فأكبر صفة تُهلك الإنسان هي الكذب، ورد في الحديث الصحيح:
(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))
[أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه ]
*****لا يمكن للمؤمن أن يكذب أبداً، ولا أن يخون، قد يُخْطئ المؤمن فهو مذنب توَّاب، أما أن يكذب فلا.. أن يخون مستحيل..
(( ألا لا إيمان لمن لا أمانةَ له، ولا دين لمن لا عهد له ))
[رواه البغوي عن أنس رضي الله عنه ]
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) ﴾
*****عذابهم أليم لأنهم يخدعون الناس..
الخطر الكبير الذي يهدد المسلمين هو من أدعياء الدين لا من أعداء الدين :
*****الحقيقة أيُّها الأخوة: من أين تأتي الأخطار للمسلمين ؟ من أنفسهم، لأن الحق لا يتعدد، والحق واحد، مستحيل أن تقع معركةٌ بين حقَّين أبداً، فالحق لا يتعدد، وإن وقعت معركةٌ بين حقٍ وباطل، فالمعركة قصيرة جداً، لأن الله مع الحق، أما بين باطلين فإن المعركة لا تنتهي، وأكبر خطر يُهَدد المسلمين ليس من أعداء الدين.. فأعداء الدين مكشوفون.. وإنما الخطر هو من أدعياء الديّن ـ المنافقون ـ.
*****الأخطار التي أهلكت المسلمين ليست من أعداء الديّن، بل من أدعياء الديّن، والأعداء أيُّها الأخوة أعداء المسلمين في العالَم، ولاسيما في العالَم الغربي كشفوا أن هذا الديّن أقوى وأكبر من أن يُواجَه، ماذا فعلوا ؟ أرادوا أن يفجِّروه من داخله عن طريق المنافقين، فكل إنسان يغيِّر في عقيدة المسلمين، يُحل لهم الحرام، يحرِّم عليهم الحلال، يُبتدع في الدين شيئاً ما أنزل الله به من سلطان، هذا منافق يفجِّر الديّن من داخله، والآن الخطة واضحة جداً ومكشوفة، يحاول أعداء الديّن أن يفجِّروا حياة المسلمين من داخلهم، كم من أعمالٍ إرهابية ما فعلها المؤمنون، ولكن فعلها المنافقون ليُّشوِّهوا سمعة الدين، وليجعلوا المسلم إرهابياً، وهو أبعد الناس عن هذه الصفة أبداً، دائماً يتهددنا الخطر من المنافقيّن، هؤلاء يندَّسون بين المؤمنين، ويفعلون ما لا تُحمدُ عُقباه، والحديث عن هذا الموضوع طويل، فكم من أعداء ألِدَّاء للدين تزيّوا بزي المؤمنين، وفعلوا أعمالاً إجرامية أُلصقت بالمؤمنين، هذا سلوك واضح متكرر مكشوف، لذلك الخطر الكبير الذي يهدد المسلمين ليس من أعدائهم، فأعداؤهم مكشوفون،..الحـق لا يتعدد.. إنما هـو من المنافقين الذين يرضون المؤمنين..
المؤمن يقرِّب و يصل والمنافق يبعد ويقطع:
*****مثال ذلك: إذا قلنا قولهم:.. القرآنٌ الكريم، إنه كلام رب العالمين، لكن قطع اليد وحشية، لا بدّ من وسيلة ردعٍ أخرى غير قطع اليد، ماذا فعلوا ؟ هدِّموا أحكام القرآن، هل غاب عن الله عزّ وجل أن هذه الوسيلة وحشية، ولا بدَّ من وسيلة أخرى ؟ أي حينما يتزيّا الإنسان بزي الدين، ويهاجم القرآن، يهاجم السنة، يهاجم رسول الله بشكل أو بآخر، إما بادعائه الموضوعية، أو بالبحث العلمي الدقيق، أو بالنظرة الحضارية، هذا منافقٌ يهدِّم الدين بمعولٍ خطير تحت هذه الأغطية المضحكة، وهو لا يشعر، لذلك فالخطر القاسي الذي يهدد المؤمنين هو من أدعياء الدين لا من أعداء الدين، وللإمام الشافعي كلمة تناسب هذا المقام يقول: " لأن أرتزق بالرقص أهون من أن أرتزق بالدين ".
*****الارتزاق بالرقص ارتزاق، ولكن الراقص لا يُقتدى به أبداً، أما هذا الذي يرتزق بالدين يوهم الناس أنه مؤمن، يوجِّه النصوص لمصلحته، يأخذ المال الذي لا يحق له أن يأخذه، يعطي أسوأ سمعةٍ للناس حول الديّن، فإذا انصرف الناس عن الدين فبسبب هذا الإنسان المنافق الذي نفَّر الناس من الدين، المؤمن يقرِّب، والمنافق يبعد، المؤمن يصل، والمنافق يقطع، المؤمن يحبِّب، والمنافق ينفِّر، المؤمن يوصل، المنافق يقطع..
﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (27) ﴾
(سورة البقرة: آية " 27 " )
*****المؤمن يَقَرِّب، المنافق يُبَعِّد..
مهمة المنافق دائماً إفساد النفوس و البيئة :
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾
*****هذا الماء غير فاسد، لأنه لا لون له، ولا طعم، ولا رائحة، كيف نفسده ؟ إذا غيَّرنا لونه، أو طعمه، أو رائحته، وإفساد الشيء إخراجه عن صفاته الأساسية، إفساد الفتاة إخراجُها عن العِفَّة والحياء، إفساد الموظَّف إخراجه عن خدمة المواطنين، إفساد القاضي إخراجه عن العدل، إفساد الطبيب إخراجه عن النصح للمريض، إفساد المُحامي أن يكذب على موكِّليه، إفساد المدرِّس أن يعطي المعلومات الصغيرة في وقتٍ مديد، أي لم يعلمهم شيئاً، أخذ مبلغاً من المال ولم يُعلِّم شيئاً، فكل حرفة، وكل شخصية، وكل هوية لها طريقٌ قويم، ولها طريقٌ فاسد، فالمنافق يريد شهوات الدنيا فيفسد المرأة بإغرائها أن تُسْفِر، وأن تعرض مفاتنها للناس في الطريق، يُغْري إنساناً أن يأخذ المال الحرام، (عندك أولاد والناس كلّها هكذا ).. أفسدهم، فالمنافق مهمَّته دائماً إفساد النفوس، أو حتى إفساد البيئة، إفساد الهواء، إفساد الماء..
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ (11) ﴾
الإنسان مأمور أن يزيد الصلاح صلاحاً:
*****الحقيقة الإنسان مُكلَّف أن يزيد الصلاح صلاحاً، مثلاً: بئر ماء هناك احتمال أن يتهدم، ننزل فيه قميصاً معدنياً، فالبئر صالح للاستخدام لكنك زدته، المؤمن يزيده الصلاح صلاحاً، أما لو أبقيته كما هو ما أفسدته، أما لو هدمته فقد أفسدته، صار هناك إفساد، وعدم إفساد، وأن تزيد في الصلاح، المؤمن مُكَلَّف أن يزيد في الصلاح فإذا أفسد فقد أفسد مرتين، مرة لأنه تَركَ الفساد، ومرة لأنه أفسد الشيء، وأنت في الأصل مأمور أن تزيد الصلاح صلاحاً، فالمؤمن يصلح بين الناس، يصلح البيئة.
*****قبل خمسين عاماً كما أذكر كان الناس يشربون من هذه الأنهار، نهر يمشي في دمشق، وماؤه يُشْرَب، ما كان أحد يجرؤ أن يلقي فيه شيئاً، الآن تُصب كل المجاري في الأنهار، وازن بين نبع بردى وبين مصبه، ما الذي طرأ عليه في سيره إلى مصبه ؟ روافد كلُّها مياه سوداء، فإفساد الشيء إخراجه عن صفته الأصيلة، فهذا إفساد للماء، إفساد للمزروعات بهذه الهرمونات، فالمزارع يهمُّه الربح يرش هرموناً محرَّماً يمنع استيراده، فيأتي به تهريباً، ويرشه فيصبح الإنتاج بحجم أكبر، وألوان أزهى، ولكن هذا الهرمون مُسرطن، هذه المبيدات كلُّها تُمَلِّح التربة، وتسبب أمراضاً للنباتات، وأمراضاً للإنسان، وأما العلف فهناك طحين لحم الجيف والدم المجفف، وهي أشياء محرَّمة بالأساس، سبب جنون البقر، جنَّ البقر من جنون البشر، أطعموا البقر طحيناً.. لحم الجيف.. فماذا حصل ؟ اضطروا أن يحرقوا ثلاثة عشر مليون بقرة، ثمنها ثلاثة وثلاثون مليار جنيه إسترليني، أفسدوا اللحوم، أفسدوا الهواء، حتى هذه المحطات الكثيرة جداً في الهواء تُسَبِّب فساداً في الاتصالات، الأمراض تأتي للإنسان من كثرة هذا البَثْ في الهواء، الضجيج، الماء الملوَّث، التربة الملوَّثة بالملوحة الزائدة، وبالمبيدات الكيماوية، كل ذلك لماذا ؟ لأن هدف الإنسان الربح فقط..
حب المال يجعل الإنسان يفسد في الأرض :
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (10) ﴾
*****المرض حبُّ المال، من أجل حب المال نفعل كل شيء، لذلك يغيرون خلق الله عزّ وجل، هل من الممكن أن تضع مادة في بعض المواد الغذائية، وهي مادة كيميائية محضة لا يقبلها الجسم لتُبَيِّض هذا الإنتاج فيزداد سعره ؟.
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (10) ﴾
*****حب المال جعلهم يفسدون هذا الإنتاج..
﴿ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾
*****طبعاً يصلحون جيوبَهم، يصلحون معيشتهم وحدهم، ويبحثون عن مصالحهم الضَيِّقة.
كل منافق يرى ربحه هو الصلاح ولو على حساب كل شيء:
*****أخواننا الكرام، أول صفةً للمؤمن أنَّه يُصلح والمنافق يفسد، بمطلق معنى هذه الكلمة: يُفسد كل شيء، يفسد علاقةً بين زوجين، علاقةً بين شريكين، علاقةً بين جارين، علاقةً بين أمٍ وابنها، علاقةً بين ابنٍ وأبيه، مهمَّة المنافق دائماً إفسادُ العلاقات، مهمة المنافق تحقيق الربح ولو على حساب إفساد البيئة، يُفسد البيئة، ويفسد الهواء، ويفسد الماء، ويفسد المزروعات، ويفسد الصناعة، ويبث الأفكار غير الصحيحة إفساداً للعقائد، يُفسد العقيدة، يُفسد علاقة الإنسان بالله عزَّ وجل، يغريه بأشياء محرَّمة.. (ما فيها شيء يا أخي أنت عايش خارج العصر )؟ يجب أن تتنوَّر، أن ترى ماذا يجري في العالَم، ركب لك صحناً ؟.. لئلا تبقى منعزلاً عن العالم، فإذا دخل الصحن إلى البيت صار شيءٌ آخر، ربما ترك الصلاة، ربما فعل المُنكرات، ربما طلَّق زوجته، طبعاً لم تعد تعجبه، فلذلك الإفساد واسع ؛ إفساد عقائد، إفساد أخلاق، إفساد علاقات، إفساد بيئة، إفساد صناعة، إفساد زراعة، إفساد ماء، إفساد هواء..
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ (11) ﴾
*****هم وَقِحون يركبون رؤوسَهم، يقولون:
﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾
*****يرى الصلاح في الفساد، يرى ربحه هو الصلاح ولو على حساب كل شيء..
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) ﴾
المؤمن مُبارك يجمع ولا يُفَرِّق، يُصلح ولا يُفسد:
*****المؤمن مُبارك يجمع ولا يُفَرِّق، يُصلح ولا يُفسد، يقرِّب ولا يُبَعِّد، يحبب ولا ينفر، دمَغَهم ربنا عزّ وجل عندما قال :
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) ﴾
*****وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى نتابع صفات المنافقين، صفات المنافقين دقيقة جداً، ويجب أن نعلمها بدقةٍ بالغة لئلا تزل أقدامنا إلى بعض هذه الصفات، المؤمن ينجو، والكافر شرُّه محدود لأنه مكشوف لكن الخطر من المنافقين.
والحمدلله رب العالمين

نووْور~
12-03-2012, 01:32 AM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (07- 95):تفسير الآيات 11-16، أعظم أنواع الفساد إفساد العقيدة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-08-07


بسم الله الرحمن الرحيم
*****الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*****أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السابع من دروس سورة البقرة.
المنافق يَجْهَدُ في الإفساد بأوسع معاني هذه الكلمة:
*****مع الآية الحادية عشرة وهي قوله تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾
*****ذكرت في الدرس الماضي أن الفساد إخراج الشيء عن أصل تركيبه، عن أصل طبيعته، عن أصل جِبِلَّته، فالمنافق يَجْهَدُ في الإفساد بأوسع معاني هذه الكلمة، إفساد البيئة، إفساد العلاقات، إفسـاد النفوس، إفساد الأسرة، إفساد التجارة، إفساد الصناعة، إفساد الزراعة، إفساد العلاقات، إفسـاد الفتاة، إفساد الشاب، إفساد الجيل، إفساد الماء، إفساد الهواء، إفساد ما يُطْبَع، إفساد ما يُنْشَر، إفساد ما يُبَثّ. الفساد جزءٌ أساسي من سلوك المنافق، لأن شهوته تُروى مع الفساد، ومصلحته تتحقق مع الفساد، والفساد يحقق له نهمه الشديد إلى النزوات التي أودعت في جسمه والتي يُصَرِّفُها بخلاف ما أمر الله عزَّ وجل.
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾
*****في الحياة الخاصَّة هذا المنافق لو أن عنده آلةً غالية الثمن، عظيمة النفع، كثيرة الربح وتعطلت، إلى من يلجأ ؟ هذا المنافق، هذا المُتَفَلِّت، هذا الذي يَرُدُّ منهج الله، هذا الذي يبحث عن منهجٍ أرضي، هذا الذي يرفض طاعة الله عزَّ وجل، لو أن عطباً أصاب آلةً يملكها عظيمة النفع، غالية الثمن، شديدة التعقيد، إلى أين يلجأ ؟ يلجأ إلى الخبير، يلجأ إلى الشركة، أو إلى وكلائها، أو إلى تعليمات الصانع ـ النشرة التي ترفق مع الآلة ـ هو يعتمد في مصالحه الدنيوية على الخبير، يلجأ إلى الخبير، مُرَكَّبٌ في أعماقه أنه لا يجوز أن نتصرف بهذه الآلة إلا وفْق تعليمات الصانع، فلماذا تلجأ أيها المنافق في حل مشكلاتك إلى منهجٍ غير منهج الله، إلى منهجٍ لا يتعلَّق بالخالق يتعلَّق بالمخلوق، لماذا تستشِر من ليس خبيراً في حقيقة الإنسان ؟
الكلمة الجامعة المانعة للمنحرفين الشاردين العصاة كلمة فساد:
*****قال تعالى:
﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾
( سورة الكهف)
وقال:
﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (15) ﴾
( سورة لقمان )
*****فالمنافق متناقِض، يلجأ في أموره الدنيوية إلى الخبير أما في أمور الآخرة فهو يلجأ إلى منهجٍ غير منهج الله، لذلك كان الفساد، صمم الله المرأة لكي تكون أماً أو زوجةً أو أختاً أو بنتاً، أرادها المنافق بصفةٍ أخرى، أراد أن يستمتع بها من دون أن يتحمَّل تبعات هذا اللقاء، لأن الزواج تَبِعة ومسؤولية، هو أراد المتعة ولم يرد أن يتحمَّل التبعة فزنى، لما زنى أفسد هذه الفتاة هي بلا زوج، بلا أولاد، بلا أقارب، ما دام فيها رمق تأكل بثدييها ـ إن صح التعبير ـ فإذا زوت محاسنها أصبحت ملقاةً في الطريق، ألم يفسدها ؟ انظر إلى امرأةٍ ساقطة عندما ترى بعينها امرأةً مؤمنة مع زوجها وأولادها تذوب كالشمعة تمنّياً أن تكون كهذه المرأة الشريفة، من الذي أفسدها ؟ المنافق، أفسد فتاةً، أفسد شاباً دلَّه على الانحراف، أفسد عقلاً حين أودَعَ فيه الشُبُهات، أفسد علاقةً حين باعد بين الزوجين، أفسد علاقةً وباعد بين الشريكين، فالكلمة الجامعة المانعة للمنحرفين الشاردين العصاة كلمة فساد، العلاقة فاسدة، الأمور فاسدة.
*****إذا أخرجنا الشيء عن قواعده، عن أصل بنائه، عن خصائصهِ، عن وصفه الطبيعي أفسدناه، والشيء الفاسد لا يصلحه إلا الخبير، إلا العليم، إلا الحكيم، يعمل المنافقون ليلاً نهاراً لإفساد كُلِّ شيء، أحياناً يصنع مادةً فاسدة يبيعها ولا يعبأ، لولا المراقبة الشديدة لأكل الناس سموماً، لكن هناك مراقبة شديدة، هو طواعيةً لا يصلح بل بالقهر، ولولا المراقبة المادية لباع بضاعةً فاسدة، لباع دواءً فاسداً، لابْتَزَّ أموال الناس لأنه فاسد، هدفه المال والمال بأي شكل وبأي طريق.
أعظم أنواع الفساد أن تُفْسِد العقيدة:
*****قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)﴾
*****كم حرفة مَبْنية على معصية ؟ مبنية على مخالفة منهج الله كم حرفة ؟ مئات الحرف، هذه المقاصف وما فيها من موبقات ومن خمور ومن تَبَذُّل، مبنية على معصية، فلذلك موضوع الفساد موضوع طويل جداً، فأنت حينما تُفسد الماء فهذا من صفات المنافق، فهو لا يعبأ، تفسد الهواء، تفسد البيئة، تفسد المزروعات.
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ (11) ﴾
*****الحقيقة أعظم أنواع الفساد أن تُفْسِد العقيدة، أن تفسد دين الإنسان، أن تُعَلِّقَهُ بأوهام ما أنزل الله بها من سلطان، أن تعلقه بشفاعةٍ ساذجة.
(( يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسكِ من النار أنا لا أغني عنك من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))
[مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي عن أبي هريرة ]
*****أن تُعَلِّقَهُ بحديثٍ موضوع، أن تعلقه بحديثٍ ضعيف، أن تعلقه بتأويلٍ غير صحيحٍ لآيات الله، أن تأتيه بقصص لا أصل لها في الدين، أن تأتيه بِقِيَم رفضها الإسلام، لذلك لو استمعت إلى منافق تجد أن كل كلامه غلط، كلامه، منطلقاته، أهدافه، أدلته كلها غلط، ليست إسلامية، ليست دينية، ليست مشروعة، يأخذ من هذا كلمة، ومن هذا كلمة، ومن هذا تعليق، ومن هذا حكمة، ومن هذا مقياس، بلا ضوابط، المؤمن واضح، واضح وضوح الشمس.
وصف الله عزَّ وجل الكُفَّار بوصفٍ معجز :
*****قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ (11) ﴾
*****يركب رأسه، ويُصم أذنيه عن سماع التوجيه الصحيح.
﴿ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾
*****مصلِح بنظره، فكسب المال هو الصلاح عنده، كسب المال عنده أساسه إفساد العلاقات، دخله قليل، يؤجِّر بيته تأجيراً لا يُرضي الله، يقول لك: يؤجر بالليلة عشرة آلاف، بالليلة عشرون ألفاً، علما أن أجرة النوم في أفخر فندق خمسة آلاف، معنى ذلك أنه يوجد مشكلة بالبيت وليست قضية نوم، أنت تعرف من السعر، يجيبك أنا ليس لي علاقة، أريد أن أربح، لذلك قضية الفساد قضية واسعة جداً، فحركاته، سكناته، حتى لو زار شقيقته يفسد علاقة أخته بزوجها بكلمة شيطانية لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً، يفسد علاقة أخته بزوجها بتعليقات غير صحيحة، بنظرة، بنقدٍ مُرٍّ حادّ.
*****أيها الأخوة، حركة المنافق حركة فساد، حركة إيقاع بين الناس، حركة تقطيع علاقات، حركة قطع ما أمر الله به أن يوصل، حركة تغيير معالم الشيء، وصف الله عزَّ وجل الكُفَّار بوصفٍ معجز، قال:
﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً (45) ﴾
( سورة الأعراف )
*****الأمور كلها مُعْوَجَّة، غير صحيحة.
﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً (45) ﴾
صفة المؤمن الأساسية الإصلاح، وصفة المنافق الأساسية الفساد:
*****أحد أكبر صفات المؤمن الإصلاح، يصلحون إذا فسد الناس، أحباب النبي عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان يصلحون إذا فسد الناس، فإذا سألتني عن صفة أساسية للمؤمن قلت: الإصلاح، التوفيق، التقريب، الجَمع، النصيحة، الرحمة، الإنصاف، العدل، إن سألتني عن صفة أساسية في حياة المنافق قلت: الإفساد، طبعاً تحت غطاء، نحن فرضاً في بعض البلاد المجاورة ننشئ نادياً للقمار بكلفة خمسين أو ستين مليوناً، يقول لك: يدر علينا دخلاً كبيراً، الإله هو المال، فأي شيء يجلب المال صار بجهله إصلاحاً، يمارس مصلحة مبنية على المعصية، يقول لك: هذه مصلحة رائجة الآن يا أخي، يبدِّل مصلحته فوراً إلى مصلحة أو إلى حرفة أساسها إفساد الشباب، يقول لك: هذه أربح، يقول لك: أليس العمل عبادة ؟ تكون حرفته غلط كلها، فساد كلها، يعُدّ العمل عبادةً !! فقضية الفساد صفةٌ جامعةٌ مانعةٌ للمنافق، حتى في بيته، حتى في تَبَذُّله في البيت، حتى في إلقاء نظراته، نظراته خبيثة، ثيابه بعيدة عن الحشمة، امرأةً كانت أو رجلاً.
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾
*****يرى الصلاح بكسب المال، يرى الصلاح بتحقيق المتعة، يقول لك: أنا أستخدم في العمل فتيات لأنهن أكثر إيناساً، وأقل مَؤونَةً، وأكثر طواعيةً، وأحفظ سراً، يرى ميزات عمله فقط، والناحية الثانية يُغْفِلُها، وهي هذا الشاب الذي ينتظر عملاً ليتزوج، لقد أصبح الطريق مسدوداً أمامه.
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) ﴾
*****طبعاً لا يشعر، هو في أعماقه يشعر أنه فاسد، ولكن لا يشعر أن هذا العمل له آثار قد لا تَخْطُر في باله.
الهدف عند المنحرفين أن تفسد من أجل أن تربح:
*****قال تعالى:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ (12) ﴾
(سورة يس)
*****فرضاً من باب الجدل، لو أن إنساناً أفسد فتاة، يشعر أنه أفسدها، وأخرجها عن طبيعتها، وعن قوامها الذي أراده الله لها، خلقها الله لتكون زوجة طاهرة تنجب أولاداً، فَلِذة أكبادها، فلما أفسدها أخرجها عن طبيعتها، وجعلها تمتهن الانحراف، هو لا يشعر أنه بعد مئة عام قد يأتي من نسلها مئة ألف، مئة ألف فتاةٍ فاسدة، كلهن في صحيفة هذا الذي أفسد الأولى، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ (12) ﴾
( سورة يس)
*****لو اطلع الإنسان على الآثار الوبيلة التي يتركها عمله لارتعدت فرائصه، كل هذا محاسبٌ عليه، يسُنُّ الإنسان أحيان سنةً سيئةً فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، الذي اخترع البارود، شعر بجريمته بعد أن اخترع البارود، فرصَدَ كل أمواله كجائزة سنوية لمن يُقَدِّم أعظم بحثٍ يعود على الإنسانية بالخير.
*****لذلك أيها الأخوة، الحديث عن الفساد حديث طويل، فالهدف عند المنحرفين أن تفسد من أجل أن تربح، الإفساد من أجل أن تربح المال، أو أن تنغمس في الشهوة، الهدف إما ربح مال، والمال مادة الشهوات، أو تحقيق لذَّة دنيا سافلة، فإما أن يتمتَّع، وإما أن يكسب المال، من أجل هذين الهدفين يفعل كل شيء، ويفسد كل شيء، ويحرِف كل شيء، ويزوِّر كل شيء.
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾
*****يركبون رؤوسهم، يتعنَّتون.
قصص من العالم عن انتشار الفساد بما كسبت أيدي الناس:
*****لكن الله سبحانه وتعالى قوله الحق:
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) ﴾
*****قصة مشهورة بأوروبا وأمريكا: أن شاباً رأى فتاةً فأعجبته، فاستشار أباه، قال له: لا يا بني إنها أختك، وأمك لا تدري، ثم رأى فتاةً أخرى فاستشار والده، قال: لا يا بني إنها أختك، وأمك لا تدري، ثم أعجبته فتاةٌ ثالثة، فاستشار أباه، فقال له: القول السابق، فضَجِر وحدَّث أمه فقالت: يا بني خذ أياً شئت، فأنت لستَ ابنه، وهو لا يدري، هذه هي الحياة البعيدة عن منهج الله، أحياناً يأتي خبير يقيم سنتين بعيداً عن وطنه وزوجته، ثم يدعو أصدقاءه لحفل بمناسبة أنه رُزِق مولوداً، أنت مقيم هنا منذ سنتين !! لا يهم، ولكن جاء له مولود من زوجته، هكذا حياتهم، حياة فوضى، أطول زواج يستمر سنتين في عالم الفساد.
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ (41) ﴾
( سورة الروم)
*****ذكرت لكم سابقاً أن أحد أخواننا الكرام كان مسافراً إلى بلد بعيد في أمريكا فرجع، حدثنا عن شركة كمبيوتر من أرقى الشركات في أمريكا زَفَّت بشرى إلى عُمَّالها وموظفيها أن من كان له شريكٌ مِثْلي، شريكٌ جنسي، أو موظفةٌ لها شريكةٌ جنسية يُعَدُّ هذان الكيانان كيان أسرة، ويستحقُّ الشريكان الأولان والأخريان التعويضات والإجازات والمكافآت، كما لو أنشأ أسرةً، تعد الكيانات الشابة المنحرفة الآن كيانات صحيحة، هذا هو الفساد.
*****أجري برنامج في بعض الولايات عن الزنى، فجاءت هواتف كثيرة؛ ملخَّص هذه الهواتف أن ثُلث حالات الزنى حالات زنى محارم، وهذه ظاهرة خطيرة جداً، هذا هو الفساد، علاقات إباحية، اختلاط أنساب، فقد يأخذ الطبيب غير المنضبط حوينات من رجل، ويعطيها لامرأة أخرى، فتنجب طفلاً، وتسعد بهذا الابن، وهو ليس من زوجها، هو من زوجٍ آخر، اختلاط أنساب، علاقات إباحية، هذا هو العالم الغربي اليوم، يقولون: أُلْغِيَ الرقيق، هناك الآن رقيق أبيض، هناك بحوث لا تصدق من شركات عملاقة في العالم تشتري الفتيات والصغار من شرق آسيا، وتبيعهم لأشنع الأعمال وأَخَسِّها في بلاد الغرب الغنية، هذا هو الفساد في البر والبحر، بما كسبت أيدي الناس.
الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع فكل ما يَدْعَمها ويقوِّيها هو إيمان:
*****الحديث عن الفساد طويل جداً، قال الله عزَّ وجل:
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (41) ﴾
( سورة الروم )
*****هناك فساد في كل مكان، تركب طائرة تجد الفساد، كلما قدمت الشركات خدمات أكثر تفلُّتاً كانت أكثر رواجاً، تقدم المشروبات في الجو، وفي البر، وفي البحر، وفي الفنادق، ما معنى الفندق الآن بالمفهوم العصري ؟ هناك مصطلح جديد اسمه السياحة الجنسية، يسافر من أجل الجنس أليس هذا فساداً ؟ بارت سوق الزواج، وراجت سوق الفساد، وهذا مما يُرضي المنافقين.
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (41) ﴾
( سورة الروم )
*****لذلك دعم الأسرة إيمان، وتحطيم الأسرة نِفاق، أي إجراءٍ يَدْعَم الأسرة ويقوِّيها فهو إيمان، لأنها اللبنة الأولى في المجتمع، وأي إجراءٍ يضعفها، يزلزلها، يفككها، فهذا عمل من أعمال المنافقين، وهذا هو الفساد، فكم من بيتٍ تَهَدَّم من فعل الفساد، كم من علاقةٍ تحطمت بفعل الفساد، كم من مالٍ أُهْدِر بفعل الفساد، كم من ضياعٍ مخَرِّبٍ بفعل الفساد، والفهم كفاية، فالإنسان يتعلَّم حرفاً والتكرار ألف.
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (12) ﴾
أروع ما في المؤمن عدم التناقض الذي نجده عند المنافق:
*****ربنا عزَّ وجل يقرر، وكلامه هو الحق.
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) ﴾
*****تترتب على فسادهم نتائج خطيرة لا يشعرون بها:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13)﴾
*****أروع ما في المؤمن عدم التناقض الذي نجده عند المنافق، كيف التناقض ؟ هُم يخادعون الله والذين آمنوا، يخادعون الذين آمنوا بقولهم إنهم مؤمنون، إذاً:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (3) ﴾
*****إذا كنتم تعدون الإيمان سفاهةً فلماذا تخادعون المؤمنين بأنكم مؤمنون ؟ مركبٌ في أعماق الإنسان أن الإيمان هو الحقيقة الصَّحيحة، وأن الكفر هو الخطأ الكبير.
الوقت هو وعاء كل شيء فإذا أُلْغي هذا الوعاء انتهى كل شيء:
*****قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13﴾
*****بالمناسبة من هو السفيه ؟ هو الذي يُضَيِّع النفيس ويأخذ الخسيس، فإذا أتلف إنسان ماله فرضاً، أو أنفق ماله إنفاقاً غير معقول نسميه سفيهاً، والسفيه يُحْجَرُ عليه، فأيهما أثمن ؟ والآن كلام دقيق، من هو السفيه الحقيقي ؟ إذا رأيت إنساناً يمسك مئة ألف ليرة عدَّها أمامك، ثم جاء بعود ثقاب فأحرقها أمامك، ثم ألقى الرماد في سلة المهملات، ألا تعتقد أنه مجنون، أو أنه سفيه ؟ مئة بالمئة، مثل هذا الإنسان الذي يُحْرِق مئة ألف يُحْجَر على تصرفاته لأنه سفيه، قد يكون الإنسان مصاباً بمرض، وهو بحاجة لعمليةٌ جراحية معقدةٌ جداً، باهظة التكاليف، تُجْرى له في بلدٍ بعيد، كُلفة هذه العملية بقدر ثمن بيته، لا يتردّد أبداً فيبيع بيته ليجري عمليةً يتوهَّم أنها تُمد له بضعة سنوات في عمره، لماذا فعل هذا ؟ لأنه مركبٌ في أعماقه أن الوقت أثمن من المال فضَحَّى بالمال من أجل الوقت.
*****إذا أتلف الإنسان أمامك مئة ألف تعده سفيهاً، فإذا ضيَّع الوقت أمامك ألا تعده أشد سفاهةً ؟ بالتأكيد، أخطر شيء أن تُمضي سهرة إلى الساعة الواحدة ؟ لمتابعة مسلسل، شيء سخيف، بمتابعة قصة فارغة، بمتابعة حديث فارغ، بلعب النرد، هذا الذي يقتل وقته، أنت وقت، أنت بضعة أيام فقط، كلما انقضى يومٌ انقضى بِضْعٌ منك، أثمن شيء تملكه هو الوقت، طبعاً أثمن من المال بما لا يُقَدَّر، ماذا يفعل الإنسان بالمال عندما تنتهي حياته ؟ فلو ترك ألف مليون، انتهت حياته، الوقت هو وعاء كل شيء فإذا أُلْغي هذا الوعاء انتهى كل شيء، مركبٌ في أعماق كل منا أن الوقت أثمن من المال، فالذي يتلف ماله يُعَدُّ سفيهاً، والذي يُضَيِّع وقته يعد أشد سفاهةً.
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13)﴾
قيمة الإنسان في آخر الزمان بقيمة متاعه فقط لا بإيمانه ولا بأخلاقه :
*****لعلهم يتوهمون أن الفقراء هم السُفهاء، فالسفهاء في رأيهم تعني الفقراء لأن مقاييسهم ماديَّة محضة، يُقَدِّرون الإنسان بحجم ماله، بنوع بيته، بمساحة بيته، بموقع بيته، بنوع مركبته، بالرقم الذي على خلف المركبة، فحجم الإنسان عند هؤلاء السفهاء بحجم متاعه، وقيمة الإنسان في آخر الزمان بقيمة متاعه فقط، لا بإيمانه، ولا بأخلاقه.
*****كان الأحنف بن قيس إذا غضب غَضِبَ لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيما غضب، مع أنه كان قصير القامة، أسمر اللون، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، أحنف الرجل، ضَيِّق المَنْكِبَين، ومع ذلك كان إذا غَضِب غَضِبَ لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيما غَضِبْ، فقيمة الإنسان بإيمانه، وأخلاقه، وعمله.
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13) ﴾
*****غاص إنسان في البحر، وتَجَشَّم المشاق، ورأى اللآلئ أمامه فتركها وأخذ الأصداف ألا يُعَدُّ سفيهاً ؟ فهذا الذي يأتي إلى الدنيا، ويخرج منها، وما فعل شيئاً، إلا أنه أكل، وشرب، ونام، واستمتع فقط كالبهائم.
﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) ﴾
( سورة الفرقان)
صفات المنافقين كما وردت في القرآن الكريم:
*****قال تعالى:
﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ (4) ﴾
( سورة المنافقون)
*****وقال:
﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)﴾
( سورة المدثر)
*****وقال:
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً (5) ﴾
( سورة الجمعة )
*****وقال:
﴿ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ (176) ﴾
( سورة الأعراف)
*****وقال:
﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) ﴾
( سورة الفرقان)
*****هذه صفات المنافقين في القرآن الكريم.
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13) ﴾
كل إنسان يعصي الله مدموغٌ بالجهل والكفر :
*****لو ذهب إنسان إلى بلد غربي لكي يحصل على الدُكتوراه، على أن يعود إلى بلده ليتقَلِّد أعلى منصب، ويأخذ أجمل بيت بكل الميِّزات، فنسي مهمته الأساسية، وتَسَكَّع في الطُرقات، وانْدَسَّ هناك في الملاهي وعُلَب الليل حتى أصبح متسولاً، ألا يُّعد هذا سفيهاً ؟ مُهَيَّأ له أن يكون في أعلى منصب، وفي أعلى درجة، وفي أعلى ميزة، ترك كل هؤلاء وانصرف إلى سفاسف الأمور، قال تعالى :
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13) ﴾
*****كان النبي عليه الصلاة والسلام يمشي مرةً مع أصحابه فرأى مجنوناً فقال: من هذا ؟ ـ سؤال العارف ـ قالوا: هو مجنون، قال: لا هذا مُبْتَلى، المجنون من عصى الله.
*****هذا الذي يعصي الله، ولا يعبأ بالموت، ولا يعبأ بما بعد الموت، ولا بالحساب، لا بالبرزخ، ولا بالجنة، ولا بالنار، يعيش لحظته، يعيش لذَّته، يقتنص المال بأي طريق وبأي أسلوب هذا سفيه، هذا أحمق، لذلك يعد المنحرف أحمقَ، قال الإمام الغزالي : " يا نفس لو أن طبيباً حذَّرك من أكلةٍ تحبِّينها لا شَكَّ أنَّك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله ؟ إذاً ما أكفرَك، أيكون وعيدُ الطبيب أشدَّ عندك من وعيد الله إذاً ما أجهلك ". كل إنسان يعصي الله مدموغٌ بالجهل وبالكفر.
حياة المؤمنين واضحة جداً لا يوجد عندهم شيء يستحيون به:
*****قال تعالى:
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ (14) ﴾
*****لقوا: في الطريق، في مكان عام، في مسجد، تحت ضوء الشمس.
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا (14) ﴾
*****قال عليه الصلاة والسلام :
(( قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ))
[ أحمد وابن ماجة عن العرباض بن سارية]
*****يكون الإنسان جالساً أحياناً في بيته مع زوجته، يُطرق الباب فيفتحه بهدوء وبراحة وبشكل طبيعي وعفوي، فإذا شقيق زوجته، أهلاً وسهلاً تفضل، جلسا يتحدثان، تُقَدَّم له ضيافة شيء طبيعي جداً، فهو شيء مشروع لأن هذه زوجته، كان عليه الصلاة والسلام معتكفاً جاءته امرأته بطعام، فلما أرادت أن تعود رافقها عليه الصلاة والسلام، مرَّ صحابيان فاستحيا من رسول الله فأسرعا، قال:
(( عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، قَالا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، فَخَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئاً، أَوْ قَالَ: شَرّاً ))
[ سنن أبي داود عن صفية ]
((على البيضاء ليلها كنهارها ))
*****تجد عرساً، فترى السيارات، وتسمع أبواقها، شيء علني ومكشوف، يتزوج الإنسان فتحمل زوجته، يفرحون ويهيئون، تنجب هذه الزوجة، فتُقام الأفراح، تُقدَّم الهدايا، شيء مكشوف واضح ! أما لو أن إنساناً يجلس مع زوجة صديقه دون علم صديقه في خلوةٍ في بيته، طُرِق الباب فذهب ليفتح فإذا هو صَديقه، تراه يضطرب ماذا يفعل ؟ يطفئ الأنوار، فقال له: من ؟ هناك صوت !! فهل هناك باب آخر ليخرجها منه ؟ لا يوجد باب آخر، أين يخبِّئها ؟ ماذا يقول لزوجها ؟ كل هذا الاضطراب، كل هذا الخوف، كل هذا الارتباك لأنه شيء محرَّم.
الباطل يحتاج إلى خَلوة:
*****قال تعالى:
﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ (14) ﴾
*****وقال:
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا (14) ﴾
*****لقاء في مكان عام، في مسجد، في الطريق، في مجتمع، في مدرسة، في مشفى، حياة المؤمنين واضحة جداً لا يوجد عندهم شيء يستحيون به، لا يوجد عندهم جلوة وخلوة، علانيَّتهم كسريرتهم، جلوتهم كخلوتهم، خلوتهم كجلوتهم، الأمور واضحة:
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا (14) ﴾
*****أما الباطل فيحتاج إلى خَلوة، فهل من الممكن لإنسان أن يغش الحليب أمام الشاري ؟ مستحيل، يتم الغش في خلوة، في غرفة ثانية، في مكان مظلم، كل شيء منحرف يحتاج إلى خلوة، أما كل شيء صحيح لا يحتاج إلى خلوة، تفعله على مرأى الناس جميعاً، تفعله وأنت مطمئن، الإثم ما حاك في صدرك وخشيت أن يَطَّلع عليه الناس، كل شيء تستحي به فهو باطل وكل شيء لا تستحي به فهو حق، لذلك:
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ (14) ﴾
*****توجد خلوة مع الشياطين، يوجد سر، أبواب موصدة، كلام بصوت منخفض، شيء غير معقول. حياة المؤمن واضحة، حياة المؤمن معروضةٌ على الملأ، حياته في رابعةِ النَهار، تحت ضوء الشمس، الحق لا يخشى البحث، لا يُستحيا به، لا يحتاج أن تكذب له ولا أن تكذب عليه، ولا أن تبالغ فيه، ولا أن تُضَخِّمَهُ، ولا أن تقلل من خصومه:
(( قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ))
[ أحمد وابن ماجة عن العرباض بن سارية]
العمل المشروع لا يُستحيا به ولا تضطرب معه أبداً أما العمل غير المشروع فعلى العكس:
*****أما الأعمال المنحرفة، الخيانات، المؤامرات، هذا كلُّه يحتاج إلى خلوة، وإلى همس، وإلى غمز، وإلى لمز، وإلى مراقبة الطريق، كهذا الزوج الذي يجلس مع زوجة صديقه في خلوةٍ محرمةٍ، يُفاجئهُ زوجها، أين يضعها ؟ أين يُخبِئها ؟ من أيِّ بابٍ يدفعها ؟ فإذا أراد أن يدفعها يراقب هل هناك أحد في الطريق ؟ لم هذا الاضْطراب ؟ لمَ هذا الخوف ؟ لم هذا الوَجَل ؟ لم هذه الاحتياطات ؟ لأن العمل غير صحيح، غير مشروع.
*****يمشي الإنسان أحياناً مع زوجته هادئ البال، أما لو أن شاباً يمشي مع فتاةٍ، وسَمِعَتْ همساً ترتعد فرائصها، لعله أبوها، لعله أخوها، فالعمل المشروع لا يُستحيا به، لا تضطرب معه أبداً، لا تخاف أبداً، أما العمل غير المشروع، مرة كنت في فندق فجاء شخص مع فتاة، فقال له الموظف: من هذه ؟ قال له: معي، قال له: من هذه ؟ أين دفتر العائلة ؟ فلم أر إنساناً بحالة ذُل كهذا الذُل، قال له: من هذه ؟ هل هي زوجتك ؟ فقال له: معي، كيف معك ؟ أين دفتر العائلة ؟ طرده طبعاً، أما الذي اصطحب زوجته يُقال له: تفضل، لا توجد هناك مشكلة، طبعاً هذه أمثلة.
﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) ﴾
*****هذا المنافق، شخصية مزدوجة، كأن معه انفصام شخصية، مؤمن مع المؤمنين، معنى هذا أنه ممثل، من هو الممثل ؟ قد يكون أفسق إنسان يمثل أحياناً دور صحابيّ، طُهر، وهدوء، ووقار، وحوقلة، وبسملة، ولا إله إلا الله، هذا كلُّه تمثيل:
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) ﴾
وصف دقيق للشقي كما ورد في القرآن الكريم:
*****دقق، أول آية:
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (12) ﴾
*****ثاني آية:
﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13) ﴾
*****ثالث آية:
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ﴾
*****كلام خالق الكون، كلام قطعي:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (36)﴾
( سورة الأحزاب)
*****القضية منتهية، من هو الشقيّ ؟ الذي وصمه الله بأنه فاسق، وصمه الله بأنه سفيه، وصمه الله بأنه مُفْسِد.
يرفع الله عزّ وجل قدر الإنسان وأحياناً يَفْضَحُهُ فالعبرة بالعاقبة:
*****لذلك أيها الأخوة، عَلَّم أحد علماء الحديث تلميذاً له الأحاديث الموضوعة أولاً كي يَحْذَرها، وهذا الوصف الدقيق هؤلاء هم المنافقون، أولاً: مفسدون، ثانياً: سفهاء، ثالثاً: عندهم ازدواج شخصية:
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ﴾
*****يرفع الله عزّ وجل قدر الإنسان، وأحياناً يَفْضَحُهُ:
﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ (18) ﴾
( سورة الحج)
*****مما ورد في الأثر الحديث:
(( ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة، ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم..))
[ابن سعد والبيهقي والديلمي عن أبى البجير]
*****العبرة بالنهاية، العبرة بالعاقبة، العبرة لمن يضحك أخيراً:
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ﴾
حينما ترى الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره:
*****دقق:
﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) ﴾
*****هذه سُنَّة الله في خلقه، أنت إنسان مخيَّر، ولا بدَّ أن تأخذ أبعادك كلَّها، ولا بدَّ أن يسمح لك أن تصل إلى نهاية الطريق، إلى هنا حدود الفساد، إلى هنا حدود الانحراف، لا بدَّ من أن يُرْخ لك الحبل، لذلك حينما ترى الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره، هناك قصد، إذا وجدت النعم، ووجدت القوة، ووجد المال، ووجدت الوسامة، وهناك انحراف، وكفر، فهذا الإنسان يحتاج إلى ضربةٍ واحدة:
﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) ﴾
( سورة يس)
*****عندما يُعَالج ربنا عزّ وجل الإنسان بالتدريج هذه نعمةٌ عظمى، عندما يتابعه ويُحاسبه على ذنوبه ذنباً ذَنباً , وخطيئةً خطيئةً، هذه نعمةٌ كبرى، عندما يغلط المؤمن فيأتي العقاب فوراً هذه نعمةٌ ما بعدها نعمة، أي أن الله سبحانه وتعالى يتابعك، ويربِّيك، أما حينما يتابع الإنسان كل المعاصي، والانحرافات، والله عزّ وجل لا يعالجُهُ، فإن هذه علامة خطيرة جداً، أنه سوف يقْصم قَصْماً.
كل إنسان تحت ألطاف الله عزّ وجل:
*****قال تعالى:
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) ﴾
*****يُمَدُّ له، يُرْخى له الحبل، لكن دقق الإنسان في قبضة الله، في أية لحظة تنقلب حياته إلى جحيم، بأي لحظة ينقلب أمنه إلى خوف، خوف مدمِّر، ينقلب غناه إلى فقرٍ شديد في أية لحظة، وفي أية لحظة تنقلب قوته إلى ضعفٍ شديد، الله هو القوي يقوي الإنسان وفي أية لحظةٍ يضعفه، الله هو الغني يغني إنساناً وفي أية لحظةٍ يفقره، الله عزّ وجل يُمِدُّ إنساناً وفي أية لحظة يأخذ منه، الإنسان تحت ألطاف الله عزّ وجل، فأولئك:
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ﴾
*****معنى
﴿ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾
*****يحتقر عملهم، يحتقر سخافتهم، أحياناً الإنسان بسذاجةٍ، بضيق أفقٍ، بجهلٍ فاضح يظُنُّ أنه إذا خدع الناس فهو ذكي، أنه إذا خدعهم، وأقنعهم بشيء، وهو على خلاف ذلك فهذه حِنْكة ما بعدها حنكة، هذا حَمقٌ ما بعده حمق، علاقتك بالله وحده، وأنت عند الله مكشوف، وهؤلاء الذين تَخْدَعُهم وتوهمهم لا يملكون لك ضراً ولا نفعاً، ولا حياةً ولا نشوراً، تخدع إنساناً ضعيفاً، تصوروا إنساناً عمره أربعون سنة، وأمامه طفل عمره خمس سنوات مثلاً وهو يحاول أن يقنعه أنه غني، فإذا أقنعتَه أو لم تُقنعه ماذا يفعل هذا الطفل أمامك ؟ شيء لا يُصدَّق، فكل إنسان ينسى الله، ينسى أن الله يكشفه، ينسى أن الله مُطَّلعٌ على سرائره ويخدع الناس، إذا توهَّم أنه حاذقٌ ومُحَنَّك فهو أحمق، لأن هذا الذي تخدعه لا يملك لك نفعاً، ولا ضراً، ولا حياةً، ولا نشوراً، ولا رزقاً، ولا أمناً.
سيد الخلق لا يعلم الغيب ولا يملك لكم نفعاً ولا ضراً:
*****يأمر الله عزّ وجل النبي أن يقول لقومه:
﴿ قُلْ ﴾
*****وهو ليس شخصاً عادياً بل سيد الأنبياء والمرسلين:
﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) ﴾
( سورة المائدة)
*****والأبلغ من ذلك:
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً (49) ﴾
(سورة يونس)
*****وقال:
﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ (50) ﴾
(سورة الأنعام)
*****سيد الخلق لا يعلم الغيب، وسيد الخلق لا يملك لكم نفعاً ولا ضراً:
(( يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسكِ من النار أنا لا أغني عنك من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))
[أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي عن أبي هريرة ]
الله تعالى بيده كل شيء:
*****دقق في هذه الفكرة: أنت من تخدع ؟ هذا الذي تخدعُه عبدٌ مثلك هل يملك لك شيئاً ؟ والذي تتجاهله هو الله بيده كل شيء، بيده مقاليد أمرك:
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ﴾
*****يَحْتقر عملهم، لأن عملهم سيحجبهم عن مصدر السعادة، سيحجبهم عن الجنة، سيمنعهم من التمتُّع بالقرب من الله عزّ وجل:
﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)﴾
*****العملية في النهاية عملية تجارية، يعيش الإنسان في الدنيا سنواتٍ معدودة فيطيع الله عزَّ وجل ويلتزم بما أمر، وينتهي عما عنه نهى وزجر، فيستحق دخول الجنة إلى أبد الآبدين، تماماً كإنسان اشترى شيئاً بدراهم معدودات فباعه بملايين طائلة، تاجر:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) ﴾
( سورة الصف)
الخاسر الحقيقي هو الذي خسر الآخرة:
*****التجارة رأس مال ومبيع وربح بينهما، أما مع الله عزّ وجل الشراء بدرهم والمبيع بمئة مليون، خلقنا الله عزّ وجل لنربح عليه، هؤلاء المنافقون الذين خَدعوا المؤمنين، وفسدوا، واستهزؤوا، وقالوا عنهم: هم سفهاء، هؤلاء المنافقون خسروا في تجارتهم، عاشوا سنوات معدودة، لعلهم كانوا في بحبوحة، لعل المال الكثير جاء إليهم بسبب نفاقهم، ولكنهم خسروا الآخرة، ما ربحت تجارتهم، فهم تنعّموا لسنواتٍ معدودة وضيَّعوا الأبد كلَّه، قال:
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) ﴾
*****المعنى المخالف: أن المؤمن ربحت تجارته، أحد الصحابة كان في طريقه إلى المدينة يبدو أن الكفار كَمَنوا لهم، أرادوا أن يصرفوه عن الهجرة، قال لهم: خذوا كلَّ مالي في مكة ودَلَّهم عليه فأطلقوا سراحه، خذوا كل مالي، خَبَّأ ماله في مكان معين في البيت، قال لهم: مالي في المكان الفلاني خذوه ودعوني، فتركوه، فلما وصل المدينة أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، ماذا قال النبي ؟ قال: ربحت التجارة أبا يحيى، ربحت تجارتك، ضَحَّى بماله كلّه من أجل أن يصل إلى النبي، ربحت تجارتك.
*****وازن بين الدنيا والآخرة بعقلية تجارية، إنسان كسب الدنيا وقد يكسب مالاً وفيراً، ومكانةً عليةً، وبيتاً واسعاً، ومركبةً فارهةً، ويخسر الآخرة، ربح أم خسر ؟ أكبر خسارة:
﴿ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ (45) ﴾
( سورة الشورى )
*****من هو الخاسر الحقيقي ؟ الذي خسر الآخرة، أما هذه الدنيا مهما تكن مُتْعِبة، مهما تكن شاقة، مهما تكن المعيشة فيها خَشِنةً، لكنها تمضي ويبقى المؤمن إلى الأبد في جنةٍ عرضها السماوات والأرض.
الموت عرس المؤمن وهو نقلة نوعية من دار متعبة إلى دار النعيم:
*****وازن بعقلية تجارية بين الدنيا والآخرة، ألم تدخل إلى بيوت ثمنها ملايين، وأصحابها تحت أطباق الثرى ؟ ألا يرى الإنسان الجنائز ؟ صلينا اليوم على امرأةٍ، فهل يوجد إنسان من الحاضرين ـ وأنا معكم ـ يمكن أن ينجو من ألا يُصلَّى عليه في المسجد ؟ أبداً، لا بدَّ من يوم تدخل فيه المسجد أفقياً ليُصلَّى عليك، وأنا معكم، لا ينجو أحد، شاهدت مرة في بلد عربي كلمة كتبت على محل تجاري: " صَلِِّ قبل أن يُصلَّى عليك "، إذا استعمل الإنسان عقله، وفكَّر في الدنيا الزائلة، لا يوجد ضمانة، الآن توجد أخبار يومية عن حدوث جلطة في عمر خمسة وعشرين ‍! هذه الأزمات التي كانت تجيء بالخمسينات، بالسبعينات، أصبحت تحدث بسن الخامسة والعشرين، بالخامسة والثلاثين، شاب في مقتبل العمر مات، منذ أسبوع أجرى طبيب في ريعان الشباب عملية لطفل، ثم نزل إلى غرفته فمات فيها ! فأنت لا تملك من ضمانة إلا طاعة الله عزّ وجل، يجب أن يصطلح المؤمن مع الله، ويطيعه، ويُسَلِّم أمره إليه، ومتى يأتي الموت فهو تحفته، والموت عرس المؤمن، والموت نقلة نوعية من دار متعبة إلى دار النعيم، من دار المرض، والقلق، والهم، والحزن، والمشكلات إلى دار لا شيء يُنَغِّصُ الحياة فيها.
﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ (16) ﴾
( سورة الفرقان )
تجارة المؤمن رابحة*أما تجارة الكافر فخاسرة:
*****لذلك تجارة المؤمن رابحة ، ربحت التجارة أبا يحيى، وغير المؤمن:
﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ (16) ﴾
*****عملية تجارية، حياتك سنوات محدودة، إذا قلنا لشخص: تمتع بمئة مليون خلال سنة، وسوف تدخل إلى السجن لتمضي عشر سنوات مع التعذيب، هل يقبل هذا ؟ لا أحد يقبل، فلو تمتع سنة، وعشر سنوات تعذيب، فإنه لا يقبل، كيف إذا كانت الدنيا من الآخرة ليست بشيء ؟ لا أحد ينتبه أبداً إذا كان رقم واحد في الأرض وأصفار إلى الشمس، وبين الأرض والشمس مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر وكل ميلي متر صفر، ما هذا الرقم ؟ هذا الرقم إذا قيس باللانهاية قيمته صفر، تصور الرقم واحد بالأرض، وأمامه مئة وستة خمسون مليون أصفار، كل ميليمتر صفر، فكيف إلى المشتري ؟ كل ميلي متر صفر، هذا الرقم إذا قيس باللانهاية الآخرة قيمته صفر، فهؤلاء الناس من أجل عشر سنوات معدودات؛ فسق، وفجور، وانحراف، وأكل مال حرام، ويدع ساعة الموت خارج كل حساباته، يأتي الموت فجأةً فإذا الإنسان في قبضة الله عزّ وجل.
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) ﴾
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
12-03-2012, 01:37 AM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (08- 95):تفسير الآيات 17-20، أصناف المنافقين
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-08-14


بسم الله الرحمن الرحيم
*****الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*****أيها الأخوة الكرام مع الدرس الثامن من دروس سورة البقرة، ومع الآية السابعة عشرة.
ملخص ما جاء في الدروس السابقة:
*****لا زلنا مع الآيات التي تصف المنافقين، الآيات التي تصف المؤمنين خمسُ آيات، والآيات التي تصف الكافرين آيتان، بينما الآيات التي تصف المنافقين ثلاث عشرةَ آية، هؤلاء المنافقون الذين يقولون:
﴿ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾
*****هؤلاء المفسدون في الأرض.
﴿ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾
*****هؤلاء الذين :
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) ﴾
*****هؤلاء الذين يستهزئون بالمؤمنين:
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) ﴾
*****هناك في الأصل علاقةٌ تجارية، تدفع شيئاً وتقبض شيئاً، فالمؤمن ربحت تجارته مع الله ؛ بينما المنافق خسرت تجارته مع الله، شُرِحَت هذه الآيات في درسين سابقين.
طريقة المثال أحد أساليب القرآن الكريم الرائعة في توضيح الحقائق وتَجْلِيَة الأمور :
*****نصل الآن إلى قوله تعالى:
﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) ﴾
*****أما كلمة
﴿ مَثَلُهُم ﴾
*****أراد الله جلَّ جلاله أن يضرب لنا مثلاً للمنافقين، والمثل صورة حسية واضحة جداً تنطبق على حقيقةٍ معنوية مُعَقَّدة، فالمثل طريقةٌ في التعبير رائعة، وطريقةٌ في التعبير واضحة، وطريقةٌ في التعبير قريبة، وطريقةٌ في التعبير صادقة، وطريقة المثال أحد أساليب القرآن الكريم الرائعة في توضيح الحقائق وتَجْلِيَة الأمور.
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً (5) ﴾
(سورة الجمعة)
*****ضع على ظهر الحمار كُتُباً قيمة، وسر به مسافةٌ طويلة، ثم اسأله عن بعض الحقائق التي في الكتب، لا يزيد عن أن ينهق، لأنه لم يفقه شيئاً، فعلاقة هؤلاء الذين أوتوا الكتاب، ولم يفهموا مضمون هذا الكتاب، ولم يعملوا به كعلاقة هذه الدَّابة البهيمة بكتابٍ حُمِّل على ظهرها.
﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ (176) ﴾
( سورة الأعراف )
*****يلهث على اختلاف أحواله إن كان جائعاً، أو مرتاحاً، أو مُتْعَباً، فهو يلهث، هذا مثل آخر ضربه الله عزَّ وجل، ومن اللطيف جداً أن نرجع إلى القرآن الكريم لنرى هذه الأمثال الرائعة التي ضربها الله تعالى توضيحاً لبعض الحقائق.
استخدم النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة أسلوب المثل :
*****استخدم النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة أسلوب المثل، فَشَبَّه الجماعة بأنهم رُكَّاب سفينة واقتسموا أماكنهم، أراد بعضٌ هؤلاء الركاب أن يخرق مكانه ليأخذ الماء سريعاً، قال:
(( فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعاً، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعاً ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير ]
*****إذا أخذوا على يده نجا ونجوا وإن تركوه هلك وهلكوا، مثل رائع في المسؤولية الجماعية، نحن في قاربٍ واحد فإذا أراد بعضنا أن يخرق المساحة التي له من هذا القارب يُهْلكنا جميعاً، فإذا أخذنا على يده نجونا جميعاً وإن تركناه هلكنا جميعاً، هذا من أمثلة النبي عليه الصلاة والسلام.
(( الصلاة عماد الدين ))
[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]
*****خيمة فيها عمودٌ يبرز كيانها، فإذا أُزيح العماد أصبحت الخيمة قماشاً ملقى على الأرض، لا يظهر كيان هذه الخيمة إلا بالعماد الذي في وسطها.
(( الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين ))
[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]
*****آياتٌ كثيرة فيها أمثلةٌ صارخة، وأحاديث كثيرة فيها أمثلة صادقة، يستخدم الدعاة أحياناً طريقة المثل، وهي من أروع الطرق في توضيح الحقائق.
المنافقون ليس لهم في الآخرة رصيد كل رصيدهم في الدنيا:
*****أيها الأخوة، إن أردت أن تُعَلِّم، أو أردت أن توضِّح، أو أردت أن تلقي الحقيقة فاستخدم المثل، لأن المثل أسلوبٌ قرآني، وأسلوبٌ نبوي، وليس هناك من عملٍ أعظم من أن تُشابه أسلوب القرآن، والأسلوب النبوي، هؤلاء منافقون لأنَّهم أحبوا الدنيا فقط، ولأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، أحبوا الدنيا، وجعلوها نهاية آمالهم ومَحَطَّ رحالهم، وبذلوا جهداً جهيداً من أجلها، فأسسوا وبنوا ومكَّنوا أنفسهم في الأرض، فلما أرادوا أن يقطفوا ثمار هذا الجهد الطويل، هذا الجهد الجهيد، هذا الجهد الذي استغرق من حياتهم مثلاً أربعين عاماً، أو ستين عاماً فاجأهُم الموت، وأخذ منهم كل شيء في ثانيةٍ واحدة.
﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً (17) ﴾
*****استوقد وزن استفعل في اللغة وزنٌ يعني الطَلَب ؛ طلب النار، طلب النار لتضيء له حياته، أي طلب المال، طلب العز، طلب المكانة العلّية، طلب الجمال، طلب البيت المريح، طلب المركبة، هذه طلباته.
﴿ اسْتَوْقَدَ نَاراً (17) ﴾
*****من أجل أن تنير له، فبعد جهدٍ جهيد، وعمرٍ مديد، وعملٍ مضنٍ، تألقت النار وأضاءت له ما حوله، جاء ملك الموت فجأةً وأخذ منه كل هذا الجهد، وكل هذه المكتسبات، هذا حال المنافقين، ليس لهم في الآخرة رصيد، كل رصيدهم في الدنيا، كل البيض في سلةٍ واحدة، فإذا أُخذت منه هذه السلة فقد كل شيء، ليس للمنافق مستقبل أبداً، له حاضر قد يكون رائعاً جداً.
أمثلة عن أناس فاجأهم الموت وهم في أوج تألقهم :
*****قال تعالى:
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُم خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ (4) ﴾
( سورة المنافقون )
*****ماله وفير، مكانته عَلِيَّة، ولكن ليس له مستقبل، كل ما عنده من مال، كل ما عنده من وجاهة، كل ما عنده من مكانة، كل ما عنده من أساليب يستمتع بها بمباهج الحياة الدنيا منوطةٌ بقطرِ شريانه التاجي، منوطةٌ بسيولة دمه، منوطةٌ بنمو خلاياه فإذا اضطرب نمو خلاياه فقد كل شيء وإذا ضاق شريانه التاجي فقد كل شيء، وإذا تَجَمَّد دمه في مكانٍ ما فقد كل شيء.
﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً (17) ﴾
*****يسعى ويعمل ويسهر ويُسافر ويؤسس ولا ينام الليل ويخاصم من أجل الدنيا فقط، من أجل المال، من أجل المكانة، فإذا أضاءت ما حوله، أي بدأ يقطف ثمار عمله فاجأه الموت في أحرج الأوقات، بل في أوج تألُّقه، في أوج استمتاعه بالدنيا، فاجأه الموت بعد أن انتهى من إنشاء العمارة، بعد أن انتهى من تحصيل هذه الشهادة، بعد أيامٍ من زواجه، بعد سنواتٍ من تألُّقِه، وهناك آلاف الأمثلة، سعى إنسان في بناء بيتٍ سنواتٍ طويلة، فلما انتهى البيت فاجأه الموت بعد أيام.
*****حدثني أخٌ كريم عن إنسان اشترى بيتاً في مكان جميل، واعتنى بكسوته عناية تفوق حد الخيال، وجاء بأمتعته ليستقر بهذا البيت، وجاء بالوجبة الثانية، وبالوجبة الثالثة، وبقي جهازٌ ينبغي أن يركب في بيته، رُكِّب الجهاز، ولما حان موعد المجيء النهائي، والاستقرار في هذا البيت، وافته المنيَّة في اليوم نفسه الذي أزمع فيه أن يسكن هذا البيت.
المنافق إنسان بلا هدف أُخروي وبلا مستقبل :
*****هذا كلام عام، يسعى الإنسان إلى الدنيا بكل جهده، بكل وقته، بكل ماله، بكل تعبه، بكل كده، بكل عرقه، فإذا امتلك منها شيئاً أضاءت ما حوله، أي صارت له مكانة، له دخل ثابت، يسكن بيتاً مريحاً، له مركبة مريحة، أمره نافذ، اتصالاته جيِّدة، معارفُهُ كُثُر، أتباعه كثيرون، يأتيه ملك الموت وهو في هذه اللحظة من النشوة ليأخذ منه كل شيء في ثانيةٍ واحدة، المنافق إنسان بلا هدف أُخروي، وإنسان بلا مستقبل، وأوضحُ مثلٍ هذا المثلُ.
﴿ اسْتَوْقَدَ (17) ﴾
*****بذل الجهد المضني إلى أن أضاءت ما حوله، استمتاعه بها لسنوات معدودة، وهذه الدنيا أمامكم، من دون مفاجآت، حتى يصل الإنسان إلى الحد المعقول يحتاج إلى أربعين عاماً من حياته، ماذا بقي له من حياته حسب متوسط العمر في الدنيا ؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين.))
[الحكيم عن أبي هريرة]
*****كل سنة يعيشها بعد الستين مَكْسَب، عندما يبلغ عمره الستين عاماً يشعر بأنه قد يفاجأ بالموت في كل لحظة، وقد يموت وعمره خمسون عاماً، ففي أحسن الاحتمالات بعد الستين، أصبح احتمال الموت بعد الستين قائماً في كل لحظة، ماذا استمتع من حياته ؟ عشرون سنة. ضيَّع الأبد بعشرين عاماً مشحونة بالمتاعب والخصومات والدعاوى، انظر إلى قصر العدل عشرات بل مئات الألوف من الدعاوى، هناك دعاوى بين الناس وهناك خلافات أسرية، وخلافات تجارية، وعلل بصحته، وهو يطلب الدنيا بكل ما يملك، هذا حال المنافق.
﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ (17) ﴾
معان متعددة لآية (استوقد ناراً):
1ـ المعنى الأول أن المنافق يريد من النار أن تضيء له حياته ليكون سعيداً:
*****أراد المنافق من النار ضوءها طبعاً، قد تُريد النار من أجل الدفء، وقد تُريدها من أجل طهو الطعام، وقد تُريدها من أجل النور. هنا أراد الله عزَّ وجل أن يبيِّن لنا أن المنافق يريد من النار أن تضيء له حياته، أن تكون حياته سعيدة، فيها بهجة، فيها عِز، فيها فخامة، فيها رفاه، وكم من بيتٍ فخمٍ لم يسكنه صاحبه، وكم من مركبةٍ فارهةٍ ركبها أياماً معدودة، ثم فاجأه ملك الموت، هذا الذي يجعل كل مكتسباته محصورة في الدنيا، يقامر ويغامر.
*****المؤمن له مستقبل، والمؤمن يأتيه ملك الموت، ولكن يأتيه ملك الموت وله عند الله رصيدٌ كبير، قدَّم ماله أمامه فسهُل عليه اللحاق به، رصيده عند الله كبير، استقامته، وطلبه للعلم، وعمله الصالح، ونفعه للمسلمين، صدقه، وأمانته، وتربية أولاده، هذه كلها أرصدة هائلة مودَعَةٌ له في الآخرة، فإذا فاجأه الموت يقول له: مرحباً، الموت تحفة المؤمن، الموت عرس المؤمن، لا تكن أيها الأخ الكريم كالذي وضع كل إمكاناته في الدنيا، هذه الإمكانات العالية في الدنيا تُنهيها جلطة، تنهيها سكتةٌ قلبيةٌ مفاجئة، تنهيها خثرةٌ دماغية، ينهيها نمو الخلايا العشوائي، أما الذي له عند الله رصيدٌ كبير من العمل الصالح، ومن الانضباط الشرعي، ومن الدعوة إلى الله، لو جاءه الموت، الموت تحفته، الموت عُرسه.
2ـ المعنى الثاني رفض المنافقين لدعوة النبي التي كانت ستوصلهم للسعادة في الدنيا والآخرة:
*****المعنى الثاني في هذه الآية أن اليهود كانوا يتحدَّوْنَ المنافقين قبل مجيء الرسالة النبوية بقولهم: آن أوان مجيء نبيٍ نؤمن به، فالمنافقون كان عليهم أن يؤمنوا بهذا النبي ليتحدّوا اليهود الذين بشروهم بهذا النبي، فلما جاء النبي الذي كانوا ينتظرونه، وكانوا يبحثون عنه، كي يردوا على كيد اليهود، وكي يقفوا أمامهم نداً لند، كذَّبوا به، فهم استوقدوا ناراً، فلما أضاءت ما حولهم أذهب الله نورهم الذي كان من الممكن أن يُرْشِدهم إلى طريق السعادة في الدنيا والآخرة برفضهم لدعوة هذا النبي.
3ـ المعنى الثالث أنهم كفار حقيقة لكن مصالحهم تعلقت بالمؤمنين فأظهروا ما لا يبطنون:
*****هناك معنى ثالث: أن هؤلاء المنافقين هم في الحقيقة كُفَّار، ولكن مصالحهم تعلَّقت بالمؤمنين، فأعلنوا إسلامهم، وأخفوا كفرهم، وهم أرادوا الدنيا فقط، هؤلاء انتفعوا بكفرهم، ولكنهم يختلفون عن الكافرين بأن لهم مصالح مع المؤمنين، فأظهروا ما لا يُبطنون، وأعلنوا ما لا يُسِرُّون، والدليل على ذلك:
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) ﴾
*****هذه منافذ الإيمان.
الاستماع الذي أراده الله هو الذي يعقبه تطبيق:
*****صممٌ أَصَم لا يسمع.
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) ﴾
( سورة ق)
*****الإنسان إذا أصغى:
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا (4) ﴾
( سورة التحريم )
*****المؤمن يصغي إلى الحق لكن المنافق لا يصغي، قد يجلس في مجلس علم، لأنه على موعد مع شخص، قال له: نلتقي في الجامع، يجلس، ويستمع إلى الدرس كُلِّه، ولا يفقه منه شيئاً، لأنه ليس هناك، هو في واد والدرس في واد آخر،
﴿ صُمٌّ ﴾
*****وقد تجلس وتحدِّثه عن الله يتثاءب، ويتشاغل، ذهنه في أسعار العملات، في الصفقات، في الدرهم والدينار، في النساء، فإذا حدَّثته حديثاً مصيرياً وخطيراً فأنت في واد وهو في وادٍ آخر،
﴿ صُمٌّ ﴾
*****لذلك أهل النار يوم القيامة يقولون:
﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) ﴾
( سورة الملك)
*****لا يرى القرآن الكريم أن الاستماع هو أن تُعْطي أذنك للقائل، الاستماع الذي أراده الله هو الذي يعقبه تطبيق.
صفات المنافقين:
*****قال تعالى:
﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) ﴾
( سورة الأنفال )
*****مصيبةٌ كبيرة أن يأتي الإنسان إلى درس علم وأن يسمع كلاماً خطيراً مُتَعَلِّقاً بمصيره وأن لا يأبه له، هو لم يسمع شيئاً هذه علامة الأصّم.
﴿ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44) ﴾
( سورة فصلت)
*****المنافق أصم.
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ (18) ﴾
*****لا يسأل، لأن الأمر لا يعنيه إطلاقاً، ولا ينطق بالحق، هو لا ينطق بالحق من باب أولى، وهو لا يسأل، لأن لسانه لا يستخدمه إلا للدنيا، للغيبة والنميمة، للحديث عن النساء، للحديث عن مظاهر الدنيا.
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ (18) ﴾
*****لا يرى الحقائق، لا يرى الآيات الدالة على عظمة الله، لا يرى أفعال الله عزَّ وجل التي تهتز لها القلوب.
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) ﴾
*****كيف يرجعون وهم على ما هم عليه من الصمم، من الخَرَس، من العَمَى ؟!!
يأتي الموت في وقت غير مناسب أبداً وغير متوقَّع وهذا من حكمة الله عزَّ وجل :
*****أول معنى في هذه الآية: أن المنافق يبحث عن الدنيا، ولا يعنيه إلا الدنيا، لا يعنيه من الدنيا إلا الدِرهم والدينار، جَمَعَ الدرهم والدينار، اشترى البيت الفخم، والمركبة، ورَفَّه نفسه رفاهاً عالياً جداً، ثم يفاجأ أن كل هذا التَعَب ذهب أدراج الرياح.
*****قال لي طالب: لي خال عنده دار سينما ـ القصة قديمة جداً والقصة بالستينات على ما أظن ـ قال لي: جمع خمسة ملايين بالستينات ـ أي ما يعادل تقريباً خمسمئة مليون حالياً ـ من أجل أن يعيش خريف عمره في بحبوحةٍ كبيرة ويستمتع بالدنيا، جاءه مرضٌ خبيث وهو في سن مبكر فصار يبكي وهو على فراش الموت، قال لابن أخته وهو طالبٌ عندي: جمعت هذا المال من طريق غير مشروع لأستمتع به فلم يتح لي أن أستمتع به. هذه قصةٌ متكررة.
*****أيها الأخوة الكرام، المنافق يسعى للدنيا:
(( حُبُّك الشيء يُعمي ويصم.))
[أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء]
*****الدنيا تغرٌ وتضّرُّ وتمر، سأروي قصة رمزية ذكرتها لكم كثيراً، أن إنساناً أراد أن ينتحر جاءه ملك الموت ودلَّه على طريقةٍ يغتني بها، أصبح هذا الرجل غنياً جداً، ثم أُتيح له أن يتزوَّج ابنة الملك وأصبح صهر الملك، فاجأه ملك الموت وهو في يوم عُرْسه، قال له: تأخذني الآن !! ليتك أخذتني من قبل، يوم كنت مزمعاً أن أنتحر من أجل الدِرهم والدينار، يأتي الموت في وقت غير مناسب أبداً، في وقت غير متوقَّع، وهذا من حكمة الله عزَّ وجل، المؤمن مستعد للقاء الله عزَّ وجل، أهلاً وسهلاً، أناسٌ كثيرون من أهل الإيمان يأتيهم ملك الموت، وهم في أحلى حالاتهم، وهم على شوقٍ له.
﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) ﴾
*****كيف يرجعون ؟ أدوات الرجوع مُعَطَّلة، أداة السمع الأذن صمَّاء، أداة رؤية الآيات عليها غشاوة، أداة طلب العلم مُعَطَّلة، هذا الصنف من المنافقين كفار.
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) ﴾
الصنف الآخر من ضعاف النفوس الذين تحدث عنهم القرآن :
*****أما الصنف الثاني الذين ضَعُفَت نفوسهم أو اشتبهت عليهم الأمور هؤلاء منهم خير.
﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ (19) ﴾
*****هذا الدين كهذا السحاب كُلُّه خير، يقول لك: سحابة تحمل ثلاثمئة مليون طن من الماء سوف تنزل على الأرض، سوف تصبح الأرض عُشباً أخضر، محاصيل، أشجار مثمرة، ينابيع فوَّارة، الماء هو أساس الرزق.
﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ (19) ﴾
*****لكن هذا السحاب يَحْجُب أشعة الشمس، أيام الشتاء غائمة، وقد يسمع الإنسان صوت رعدٍ فينخلع قلبه، وقد يرى ضوء برقٍ فيخطف بصره، ما رأى المنافقون ما في هذه السحابة من الخير، أزعجهم الغيم الذي حجب أشعة الشمس، أزعجهم صوت الرعد، أزعجهم وميض البرق، هذه أزعجتهم فرفضوا هذه السحابة، هناك في الإسلام غض بصر، فيه دفع زكاة، فيه ضبط لسان، فيه قواعد، فيه صلوات، فيه صيام، فيه انضباط، أزعجتهم هذه التكاليف فرفضوا كُلَّ الدين.
﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) ﴾
ضعاف النفوس يريدون من الإسلام مكاسبه لا متاعبه:
*****الذي يُمَيِّزُهم عن الأولين هو قوله تعالى:
﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) ﴾
*****هؤلاء يريدون من الإسلام مكاسبه لا متاعبه، يريدون المغانم لا المغارم، يريدون أن يعتزّوا بالإسلام، أن يقطفوا ثماره دون أن يدفعوا الثمن، هؤلاء حالهم مع الإسلام:
﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ (19) ﴾
*****الإسلام فيه تكاليف، لذلك تخفف الفِرَق الضالة دائماً التكاليف، هذه قاعدة، تؤلِّه الفرق الضالة الأشخاص، تعتمد النصوص الموضوعة والضعيفة، ذات نزعة عدوانية.
﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ (19) ﴾
الفرق بين المؤمنين وبين ضعاف النفوس :
*****المؤمن يُصلي الفجر حاضراً، يقرأ القرآن، يضبط لسانه، ينفق من ماله، يُرَبِّي أولاده، يجهد، ولكن هناك نموذجاً آخر هو نموذج مستمتع بالحياة، هناك إنسان يُعطي وإنسان يأخذ، إنسان يسترخي وإنسان يجهد.
﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ (19) ﴾
*****ينخلع قلبه لذكر الموت، هناك أُناسٌ يكرهون القرآن، لماذا ؟ لأنه يُتلى في مناسبات الحُزن، كأن القرآن يذكِّرهم بالموت، هناك أناسٌ يكرهون بعض النباتات لأنها توضع على القبور، يكرهون كل شيءٍ يذكِّرهم بالآخرة من شدة تعلُّقهم بالدنيا، حتى أنك لا ترى في بعض البلدان جنازة إطلاقاً، من المستشفى بسيارة إسعاف إلى المقبرة لا ترى فيها نعياً على الجدران، بلادٌ كثيرة إسلامية النعي فيها ممنوع، الجنائز ممنوعة، لا ترى الموت على الإطلاق، ترى حياة، لكننا نحن نستمع أحياناً إلى إعلام في المئذنة يذكرنا بالموت، نقرأ النعي كل يوم، نرى جنازة أمامنا، فالإنسان كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( أكثروا من ذكر هادم اللذات ـ مفرق الأحباب ـ مشتت الجماعات ))
[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))
[ أخرجه الشيرازي عن سهل بن سعد و البيهقي عن جابر ]
*****هذا الذي يريد من الإسلام المغانم، إذا كان هناك احتفال، أو نزهة، أو توزيع شيء هو أول شخص يأتي، إذا كان هناك تكليف هو ليس هنا، يريد المكاسب لا المتاعب، المغانم لا المغارم، يريد قطف الثمار لا بذل الجهد.
﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ ﴾
ضعاف النفوس ليس عندهم قيود أبداً فهم ضد الضبط وضد المَنْهَجِّية لأنهم لا يحتملونها:
*****يحتاج الإسلام أحياناً إلى جهد، وإلى قوة إرادة، وإلى ضغط، لا يعجبه الجهد المبذول، ولا الضغط الشديد، بل يعجبه التفَلُّت، يجلس المنافق مع من يشاء، أنثى أو ذكر، متزوجة أم غير متزوجة، تحل له أو لا تحل له، ليس عنده مشكلة إطلاقاً، ينظر إلى أي شيء ولا فرق عنده بين شيء يجوز أن يراه وشيء لا يجوز، يقول لك: نتعلم، يُطلق بصره في كل شيء، يتكلَّم أي شيء، لا يوجد عنده قيود أبداً، هو ضد الضبط، ضد الإرادة القوية، ضد المَنْهَجِّية لأنه لا يحتملها.
﴿ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ (19) ﴾
*****يحب ألا يسمع الكلام الذي يُزعجه، يضع إصبعه في أُذنه، وهذا واقع، تتحدث حديثاً عن الآخرة تجده يتثاءب، اعتذر لأن عنده موعد، اجعل الحديث عن الدنيا تجده جلس معك حتى الساعة الواحدة، ولم يقل لك: عندي موعد، ما دام الحديث عن الدنيا هو مصغٍ إليه، كتلة نشاط وحيوية، حدثه عن الآخرة تجده تململ وتثاءب وتأفف واعتذر.
﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ (19) ﴾
*****يظنون إذا تجاهلوا ذكر الموت، وإذا تجاهلوا الدار الآخرة، أنهم لا تصيبهم الآخرة ولا يموتون ؟
﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) ﴾
هناك قوانين*واقعةٌ عليك وإن لم تؤمن بها :
*****هذه نقطة مهمة جداً، توجد قوانين هي واقعةٌ عليك وإن لم تؤمن بها، مطبقةٌ عليك شئت أم أبيت، وأقرب مثل: قانون السقوط، السقوطُ الحرّ له قانون، مظلة الطائرة مبنية على هذا القانون، فإذا سخر الإنسان من هذا القانون، واحتقر هذا القانون، ولم يعبأ بهذا القانون وكذَّب هذا القانون، وألقى بنفسه من الطائرة، القانون لا يُطَبَّقُ عليه ؟ إذا كذَّب بقانون السقوط هل ينزل سليماً بلا مظلة ؟ ينزل ميتاً، يعني سيَّان أن تؤمن أو لا تؤمن، أن تعترف أو لا تعترف، أن تصدق أو لا تصدق، القانون مُطَبَق. هو لا يحتمل سماع الحق، لا يحتمل التذكير بالآخرة، لا يحتمل ذكر الموت، يجعل أُصبعه في أُذنيه لئلا يصل إليه الحق لكن الله محيطٌ به، إذاً فهو غبيُّ جداً، كالنعامة إذا غَمَسَت رأسها في الرمل، ظنَّت أن الخطر لن يقترب منها، مع أنها أصبحت لقمةً سائغة لعدوها، حينما غمست رأسها في الرمل غاب عنها منظر عدوها، فتوهمت أن عدوها اختفى، هي أخفت رؤيته عن ذاتها، فكانت لقمةً سائغة لعدوها، هذا الحال دقيق جداً:
﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ (20) ﴾
*****ذكر الجنة ـ الحور العين ـ يقول لك: الله يطعمنا إياها، الحور العين تعجبه:
﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾
(سورة التحريم: آية "8" )
*****تُعجبه:
﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ (160) ﴾
( سورة آل عمران )
*****تعجبه، إذاً ادفع الثمن.
وصف دقيق للإنسان غير المتوازن كما ورد في القرآن الكريم:
*****قال تعالى:
﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا (20) ﴾
*****تكون تجارته أحياناً رائجة تماماً، صار يحب الدين، ويحب العلم، والمشايخ، والدروس لأن تجارته رائجة، عندما تتوقف تجد أن وضعه اختلف، تضعضعت صلاته، ضعفت ثقته بالله، تلاشى أمله الكبير، فهذا الذي يسير كلَّما أضاء له البرق، وإذا أظلم عليه لم يسر، فهذا إنسان غير متوازن، وهذا وصفٌ دقيقٌ لهذا الإنسان:
﴿ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا (20) ﴾
*****المنافق:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) ﴾
( سورة الحج)
المنافق يميل مع مصالحه و المؤمن لا يبدل ولا يغير :
*****المؤمن لا يُغيِّر:
﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23) ﴾
( سورة الأحزاب)
*****المؤمن ما بدَّل ولا غيّر، ولكن المنافق يميل مع مصالحه، تجده حيثما تكون مصالحه جيدة، الآن حتى في أمور الخلافيَّات مثلاً يملك هذا المنافق بيتاً، هذا البيت لا يخرج منه المستأجر بحكم القانون، فالطريق مسدود لأن المستأجر محميٌّ، يلجأ للمشايخ، ويقول: أنا أريد الشرع، يريد حُكْمَ الله فقط، لأنه شعر بالحاسة السادسة أن القانون ليس معه، بحكم القانون مستحيل أن يخرج المستأجر، تراه يتَّخذ تديّن المستأجر نقطة ضعف، فهو يريد حكم الله، بالأسبوع نفسه موضوع ثانٍ وجد أن الطريق مسدود بالدين صار له مصلحة بالقانون، يوكّل محامياً، يقول لك: نحن في دولة فيها نظام وقانون، اختلف النغم، قبل يومين كان يريد الشرع والآن يريد القانون، إنه يلحق مصالحه، ويوجد عنده قدرة لمعرفة أين تتحقق مصلحته، إذا كانت مصلحته تتحقق بالشرع فإنه يُحكِّم المشايخ، وإذا كانت مصلحته لا تتحقق عن طريق الدين فإنه يحكِّم المحامين والقضاة، فهو يميل مع الهواء أينما مال.
﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا (20) ﴾
الفرق بين المنافقين وبين ضعاف النفوس :
*****إذا نجح ابنه بتفوق فإنه يحب الجامع الذي فيه ابنه، وشيخ ابنه، ويقول له: يا بني خذ أخاك معك إلى الجامع، وإذا رسب ابنه عزا كل أخطاء ابنه للشيخ والجامع، الجامع ليس له علاقة بالموضوع، ابنك هو المقصِّر، لا يوجد عنده حل موضوعي، إنه يميل مع مصالحه.
﴿ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ (20) ﴾
*****هم بقية خير، لذلك منافقون كُثُر في عهد النبي حَسُن إيمانهم، هناك نموذج كافر ينتفع بكفره، لكن مصلحته مع المؤمنين فيظهر ما لا يُبطن هذا أول قسم:
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) ﴾
*****يوجد صنف ثانٍ: ضعفت نفسه أمام شهواته، واختلط الأمر عليه، فمال مع شهواته وله ثقةٌ بالمؤمنين فهو لا مع هؤلاء ولا مَعَ هؤلاء، إذا وجدت مع المؤمنين ميزات تهمُّه مشى، وإذا حدثت متاعب اختفى، يعني أيّ خطر يلغي كل تديّنه، قد يدعُ الصلاة إذا كان شعر أن هناك خطر من هذا الاتجاه الذي هو فيه، أما المؤمن لا يغير:
﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23) ﴾
( سورة الأحزاب)
آية المنافق ثلاث :
*****أيها الأخوة آية المنافق ثلاث:
(( آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ))
[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
(( إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ))
*****إذا تاب عن الكذب أُزيلت منه إحدى صفات النفاق.
(( وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ))
*****إذا تاب عن إخلاف الوعد أُزيحت عنه إحدى صفات النفاق.
(( وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ))
*****إذا تاب عن خيانة الأمانة أُزيحت عنه صفةٌ ثالثة، لا يوجد شيء ثابت، طبعاً أول قسم من المنافقين مُخيف، أول قسم كافر، أما القسم الثاني فيه أمل كبير فإذا كان فيه خطأ أو تقصير، فيه ازدواجية، فيه سر وجهر يُصَلَّح هذا ويُبَدَّل. لذلك كان أصحاب النبي عليهم رضوان الله وهم على ما هم عليه من مرتبةٍ عالية كان أحدهم يتهم نفسه بالنفاق، واتهام النفس بالنفاق حالةٌ صحيةٌ طيبة، لأن المنافق يعيش أربعين عاماً في حالٍ واحد، بينما المؤمن يطرأ عليه في اليوم الواحد أربعون حالاً. يكون أحياناً مرتاحاً ومطمئناً، ويكون أحياناً قلقاً، أحياناً خائفاً، تَعْتريُه هذه الأحوال، دليل إيمانه، ودليل صدق إيمانه، ودليل حرصه على رضوان الله عزّ وجل.
*****أيها الأخوة الكرام، مطلع هذه السورة مهمٌ جداً لأن الناس رجلان ؛ مؤمن وكافر، أما الثالث فمحيِّر، تظنه مؤمناً، وهو ليس كذلك، وهذا الصنف الثالث بعضهم منتمون إلى الكُفَّار قطعاً، وبعضهم يمكن أن يصلح حالهم، وأن يعودوا إلى صف المؤمنين، ولا أدَلَّ على ذلك من أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفضح المنافقين، بل سترهم، لكنه أعطى أسماءهم لسيدنا حذيفة رضي الله عنه، والشيء الذي لا يصدَّق أن سيدنا عمر عملاق الإسلام قال له: يا حذيفة بربك هل اسمي مع المنافقين ؟ من شدة خوفه من الله ومن شدة حرصه على رضوان الله.
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
12-03-2012, 01:48 AM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (09- 95):تفسير الآية 21، العبادة طاعة وسلوك
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-08-21


بسم الله الرحمن الرحيم
*****الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*****أيها الأخوة الكرام مع الدرس التاسع من سورة البقرة.
ملخص للدروس السابقة من سورة البقرة:
*****مع الآية الواحدة والعشرين وهي قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) ﴾
*****كان هناك في الدروس السابقة وصفٌ للمؤمنين في خمس آيات، ووصفٌ للكُفَّار في آيتين، ووصفٌ للمنافقين في ثلاثَ عشرةَ آية، وانتهت آيات المنافقين بمثلين دقيقين ؛ الأول:
﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) ﴾
*****هؤلاء المنافقون الذين انتفعوا بكفرهم، هم في الحقيقة كُفَّار، لكن مصالحهم متعلقةٌ بالمؤمنين فنافقوا، وهم:
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) ﴾
المنافق هو من أَظْهَر الإيمان وأبطن الكفر وهو الأخطر على الإسلام:
*****أما النموذج الآخر فهو من ضَعُفَ إيمانهم، وكَثُرَت الشُبُهات في عقولهم، فمالؤوا المؤمنين، وضعفت نفوسهم عن الالتزام التام، هؤلاء يرجى لهم الشفاء، لذلك لم يُخْبر النبي عن أسمائهم، بل أَسَرَّ أسماءهم لسيدنا حُذَيفة، الزمرة الثانية:
﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) ﴾
*****هؤلاء يتعلَّقون بالمغانم ويبتعدون عن المغارم، هؤلاء يحبون ثمار الإيمان ولا يدفعون ثمن هذه الثمار:
﴿ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا (20) ﴾
*****وقال:
﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) ﴾
*****انتهى وصف المؤمنين، والكفار، والمنافقين، والحقيقة هناك رجلان ؛ مؤمنٌ وكافر، أما الثالث فهو من أَظْهَر الإيمان وأبطن الكفر.
*****الأول واضح، والثاني واضح، الأول جريء قَبِلَ الحق وقبض ثمنه، والثاني ردَّ الحق ودفع الثمن باهظاً، أما الثالث فجبان، لم يجرؤ على أن يلتزم، ولم يجرؤ على أن يكفر، فهو بَيْنَ بَيْن، مصدر الخطر من الثالث، لأن الأول ينفعك، والثاني تحذره، أما الثالث فيغشك، لذلك يُخشى على الدين لا من أعدائه، بل من أدعيائه من المنافقين، والمنافق هنا من كان عليم اللسان، جاهل القلب، من كان عمله غير ملتزم بالدين، من أظهر ما لا يُبطن، ومن أبطن ما لا يُظهر.
من سنة الله تعالى أنَّه يُخاطب عامَّة الناس بأصول الدين بينما يخاطب المؤمنين بفروع الدين:
*****أيها الأخوة ننتقل الآن إلى فقرةٍ جديدة من الآيات:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾
*****من سنة الله جلَّ جلاله أنَّه يُخاطب عامَّة الناس بأصول الدين بينما يخاطب المؤمنين بفروع الدين، كلمة:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ (21) ﴾
*****هذا توجيهٌ عام لكلِّ البشر:
﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾
*****أما:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) ﴾
( سورة البقرة )
*****وقال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً (6) ﴾
( سورة التحريم )
*****يا أيها الذين آمنوا افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، أي يا من آمنتم بي، يا من عرفتموني، يا من عرفتم رحمتي، يا من عرفتم سر وجودكم، يا من خُلِقتم لسعادةٍ أبدية افعلوا هذا ولا تفعلوا هذا، هناك عَقدٌ إيمانيٌ مع الله.
مهمة المؤمن أن يتحرَّى أمر الله ويطبِّقه فقط:
*****المؤمن على عقدٍ إيمانيٍ مع الله عز وجل، من لوازم هذا العقد أن يطبق كل ما جاءه عن الله:
﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (111) ﴾
(سورة التوبة )
*****باع نفسه، والثمن هو الجنة.
﴿ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) ﴾
( سورة التوبة)
*****يخاطب الله عزَّ وجل عامَّة الناس بأصول الدين، ويخاطب خاصَّتهم وهم المؤمنون بفروع الدين، المؤمن آمن بالله، وعرف لماذا خلقه الله، عرف أنه قد خُلِقَ لجنةٍ عرضها السماوات والأرض، وعرف أن هذه الجنة ثمنها طاعة الله عزَّ وجل، وتلقَّى الأمر عن الله عزَّ وجل، فمهمة المؤمن أن يتحرَّى أمر الله ويطبِّقه فقط، يخاطب الله الشاردين البعيدين، الذين بعدوا عن الله عزَّ وجل، والذين تعلَّقوا بالدنيا، هؤلاء الكفار يخاطبهم الله عزَّ وجل بشكلٍ عام:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾
الإنسان مخلوقٌ على وجه الأرض من أجل أن يعبد الله عزَّ وجل:
*****أيها الأخوة أكبر سؤالٍ يُطْرَحُ علينا هو: لماذا نحن في الدنيا ؟ لماذا خُلقنا ؟ صدقوني أيها الأخوة أن ملايين طائلة من الناس يتحركون كل يوم، يعملون عملاً شاقاً، يكسبون الأموال، يسكنون البيوت، يتزوَّجون، يسافرون، يتاجرون، يفرحون، يمرحون، ولا يعلم أحدهم لماذا خلقه الله ؟ إذا ذهبت إلى بلد، ونزلت في أحد فنادقه، واستيقظت صبيحة اليوم الأول، وتناولت طعام الفطور، وارتديت ثيابك قد تسأل: إلى أين سأذهب ؟ نحن نسألك لماذا جئت إلى هنا ؟ إن جئْتَ هذا البلد تاجراً فاذهب نحو المعامل والمؤسسات، وإن جئته سائحاً فاذهب نحو المقاصف والمتنزَّهات، وإن جئته طالب علمٍ فاذهب نحو المعاهد والجامعات، متى تَصِحُّ حركتك ؟ إذا عرفت سرَّ وجودك، هذا سؤال دقيق جداً يجب على كلٍ منا أن يسأله بشكلٍ جاد، ليسألْ نفسه: لماذا أنا في الأرض ؟ الذي خلقني في الأرض لماذا خلقني ؟ إن كنت تعرف فهذه نعمةٌ عظمى، وإن كنت لا تعرف فربنا أخبرك:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾
( سورة الذاريات )
*****شيءٌ يغيب عن معظم الناس، أنت مخلوقٌ على وجه الأرض من أجل أن تعبد الله عزَّ وجل، نُرسل أحياناً طالباً إلى بلد أجنبي، هناك آلاف الأبنية، آلاف الأماكن، دور لهو، دور سينما، ملاعب، مسارح، متاحف، مقاصف جميلة، مكتبات، صناعة، تجارة، هذا الطالب الذي ذهب إلى هذا البلد له هدفٌ واحد، أن يأتي بدكتوراه، هدفٌ واحد، إذا كان هذا الهدف ماثلاً في ذهنه، واضحاً في فكره، يُحَقِّق هذا الهدف، أما إذا ذهب إلى بلدٍ أجنبي ودُهِش، فأمضى يوماً في مسرح، ويوماً في سينما، ويوماً في ملهى، ويوماً في متحف، ويوماً يقرأ قصة، ويوماً في مُتَنَزَّه، مضى العام الدراسي ولم ينتسب للجامعة، فقد أخفق إخفاقاً كبيراً جداً، لأنه ما عرف سر وجوده هناك، لو عرف سر وجوده لما فعل هذا.
خُلِق الإنسان للجنة ولكن هذه الجنة لا بدَّ لها من ثمن:
*****أيها الأخوة الأكارم، كلامٌ دقيق، أكبر سؤال يجب أن تسأله لنفسك: لماذا أنا هنا على وجه الأرض ؟ متى تعرف الحقيقة ناصعةً ؟ حينما يأتي ملك الموت:
﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً (100) ﴾
(سورة المؤمنون)
*****أعظم شيء في هذه الدنيا أن تعمل صالحاً، لأن عملك الصالح طريقُك إلى الجنة، العمل الصالح ثمن الجنة، أنت في الأصل مخلوقٌ للجنة، أنت في الأصل مخلوقٌ لجنةٍ إلى أبد الآبدين فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، حينما خُلقت خُلِقتَ للجنة.
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119) ﴾
(سورة هود )
*****خلقك ليرحمك، خلقك ليُسْعدك، ولكن هذه السعادة الأبدية المتنامية لا بدَّ لها من ثمن، والدليل: اجلس مع إنسان حَصَّل دكتوراه فَخْرِية، زار بلداً وأقيم له احتفال ومنح هذه الدكتوراه الفخرية، بالمقابل اجلس مع إنسان حصل دكتوراه حقيقية، درس ثلاثاً وثلاثين سنة، وألَّف أطروحة، ونجح نجاحاً باهراً، تجد فرقاً كبيراً بين مَن بذل هذا الجهد ونال هذه المرتبة، وبين من أخذها بلا سبب وبلا جُهد.
عندما حمل الإنسان الأمانة سُخِّرَت له الأكوان:
*****من أجل أن تسعد في الآخرة سعادةً متنامية إلى أبد الآبدين، من أجل أن تحتل أعلى مرتبةٍ نالها مخلوق، من أجل أن تصل إلى أعلى مرتبة، لأن:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72) ﴾
( سورة الأحزاب)
*****لمَّا حملها الإنسان سُخِّرَت له الأكوان، مُنح عقلاً هو أعظم آلةٍ في الكون، مُنٍحَ فطرةً سليمة تدلُّه على خطئه، منح كوناً مسخَّراً له تسخير تعريفٍ وتسخير تكريم، مُنح شهوةً تحرِّكه إلى الله عزَّ وجل يرقى بها مرَّتين، يرقى بها صابراً ويرقى بها شاكراً، منح حرية اختيار ليُثَمَّنَ عملُه، ليأتي ربه طائعاً لا مُكْرهاً، الإنسان مُخَيَّر فيه شهوات هي سلمٌ يرقى به، فيه عقل أداة معرفة الله وهو القوة الإدراكية الأولى.
*****أطلعني أخٌ على جهاز حاسـوب بحجم الكف، بإمكانه أن يُرسل أي رسالة عَبْرَ الفاكس وأن يتصل بالإنترنت، وفيه كل البرامج الضخمة، بحجم الكف، ماذا فعل هذا العقل البشري ؟ وصل إلى القمر، وإلى المريخ، وإلى المشتري، غاص إلى أعماق البحار، نقل الصورة ملونةً عَبْرَ القارَّات الخمس، أنجز إنجازاً مُذهلاً، لو بذل الإنسان من هذا الجهد واحداً بالمليون لوصل إلى الله فسعد بقربه، حقق العقل البشري الآن إنجازات ضخمة لكِنَّه مع الأسف الشديد لم يُستخدم لما خُلِقَ له، استُخدم للدنيا فأنتج الأعاجيب، ولو أنه استُخدم للآخرة لكان سبب سعادة الأمم والشعوب.
مفهوم العبادة :
*****أيها الأخوة الكرام، يجب أن تعلموا علم اليقين أن علَّة وجودكم على وجه الأرض أن تعبدوا الله، وللناس مفاهيم ساذجةٌ في العبادة، أي نطيعه.
﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾
*****فعلاً أطيعوا ربكم، لكن أطيعوا ربكم طاعةً طَوعية وليست قسرية، حينما تطيع الله مقهوراً هذه ليست عبادة، أنت حينما تطيع إنساناً قوياً هل تُعَدُّ عابداً له ؟ قد تكرهه، لكن العبادة التي أرادها الله هي الطاعة الطَوْعية الممزوجة بالمحبة القلبية، المبنية على معرفةٍ يقينية، التي تُفضي بك إلى سعادة أبدية، هذه هي العبادة، طاعةٌ طوعية مبنيةٌ على معرفةٍ يقينية تفضي إلى سعادةٍ أبدية. هذا المفهوم يدلُّنا على أن في الإسلام كُلِّيةً علمية، وكليةً سلوكية، وكليةً جمالية، لا بد في الكلية العِلمية من أن تطلب العلم، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلَّمه، أدنى مراتب الإيمان معرفة، أدنى مراتب الإيمان علم:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (19) ﴾
( سورة محمد )
*****وقال:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (9) ﴾
( سورة الزمر )
*****وقال:
﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ (11) ﴾
(سورة المجادلة )
أول مرحلة في عبادة الله أن تعرفه:
*****اعتمد الله جلَّ جلاله قيمة العلم، فالعلم قيمةٌ مُرَجِّحةٌ بين الخلق، لذلك:
(( الناس رجلان عالمٌ ومتعلِّم ولا خير فيما سواهما.))
[الطبراني وأبو نعيم عن ابن مسعود]
*****رجلان، وليس أجر العالم بأكثر من أجر المتعلِّم.
((تواضعوا لمن تَعَلَّمُون منه وتواضعوا لمن تُعَلِّمُون.))
[أبو الشيخ في الثواب عن أبي هريرة]
*****مشاركة، الحقيقة التعليم تعاون، تبادل خبرات:
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (2) ﴾
( سورة المائدة: آية " 2" )
*****العبادة معرفة، أول مرحلة في عبادة الله أن تعرفه وإلا من تعبد ؟ من تخافُ ؟ من تحبُّ ؟ رحمة مَن ترجو ؟ عذابَ من تخشى ؟ أصل الدين أن تعرف الله، إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في تطبيق الأمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلُّت من أمره، وهذا ما يفعله معظم الناس، يبحث عن فتوى مهما تكون ضعيفة يقبلها ويعتمد عليها ويقول: إن شاء الله بذمة من أفتى بذلك، علماً أنَّك لو استخلصت فتوى من فم رسول الله سيد الخلق وحبيب الحق ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله، فهذا الذي يتعلَّق بفتوى من بني البشر هناك خللٌ في عقله، لأن الله جلَّ جلاله هو الذي سيحاسب:
﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) ﴾
( سورة القيامة)
*****فالعبادة طلب علم.
من أساسيات الإيمان بالله أن تعرفه من خلال أسمائه الحُسنى:
*****المشكلة أيها الأخوة أنَّ معظم الناس يطلبون العلم الشرعي إذا كان عندهم وقت فراغ، الأصل كَسْبُهم للمال، الأصل مصالحهم، الأصل أهواؤهم، يأتي إذا كان هناك درس قصير وممتع جداً، جلسة مريحة، يأتي ليزيد من مُتَعِ الدنيا، الأمر غير ذلك، طلب العلم حقٌ واجبٌ على كل مسلم:
(( طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم.))
[ابن ماجه عن أنس]
*****كيف أن الهواء شرط لبقائنا، نموت فوراً من دون هواء، الهواء أساسيٌ في بقائنا، شرب الماء أساسيٌ في بقائنا، تناول الطعام والشراب أساسيٌ في بقائنا، الزواج أساسيٌ في بقاء النوع، كذلك العلم أساسيٌ في سلامتك وسعادتك، فإذا قلتُ لك: اعبد الله، أي أُطلب العلم من أجل أن تعرف من ينبغي أن تعبد، معظم الناس يعبدون بعضهم بعضاً، معظم الناس اتخذ إلهه هواه.
*****جلس عالم في أمريكا في حديقة إلى جانب إنسان أمريكي، وعندما تعرَّف عليه، وعرف أنه من بلاد الشرق الأوسط، وأنَّه مُسلم قال له: هل تحدثني عن دينك ؟ فهذا العالم بارعٌ في الحديث ويُتقن اللغة الأجنبية، حدَّثه عن الإسلام، وعن عقيدة المسلمين، وعن أخلاق المسلمين، وعن عبادات المسلمين، وعما ينتظر المسلمَ من عطاءٍ أبدي، بعد أن انتهى من حديثه كله أخرج هذا الأمريكي من جيبه دولاراً، وقال: هذا إلهي أعبده من دون إلهك.
*****هم هكذا، يعبدون الدرهم والدينار، بل إنَّهم، وهذا شيءٌ غريب اقتبسوا من الإسلام حقائق تنفعُهم في حياتهم الدنيا، فإذا ذهبت إلى بلدٍ غربي ترى أن إيجابِيَّات هذا البلد إسلامية، لكن لا حباً بالله، ولا طاعةً له، ولكن حباً بالدرهم والدينار.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾
*****أي اطلب العلم من أجل أن تعرف من ينبغي أن تعبد، لماذا تعبد الله ؟ لماذا ترجوه وحده ؟ لماذا تخافه وحده ؟ لماذا تعلِّق الأمل على رضاه وحده ؟ لماذا تُفني شبابك في سبيله ؟ لماذا تنفق مالك من أجله ؟ لماذا تُعادي من تعادي في سبيل الله وتصالح من تصالح في سبيل الله؟ ينبغي أن تعرف من هو الله ؟ لذلك جزءٌ من معرفة الله أن تعرف أسماءَهُ الحسنى ؛ كيف أن الله رحيم ؟ كيف أنه حكيم ؟ عليم، قدير، سميع، رؤوف، لطيف، قوي، جبَّار، مُهَيْمِن، منتقم، رافع خافض، مُعِزٌّ مُذِلّ، ضار نافع، جزءٌ أساسيٌ من إيمانك أن تعرف الله من خلال أسمائه الحُسنى، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾
*****يتوهَّم الناس أنها كلمة "اعبد ربك"، لا ليست كذلك، العبادة طاعةٌ طوعيةٌ مع محبةٍ قلبية أساسها معرفةٌ يقينية.
لا هدف يعلو على طلب العلم ولا شغل يفوق أن تشتغل بمعرفة الله عزَّ وجل :
*****كم من الوقت بذلت لمعرفة الله ؟ اِسأل إنساناً يحمل دكتوراه يدرس ثلاثاً وثلاثين سنة من أجل أن يضع على بطاقته حرف الدال قبل اسمه، وربما لا يستفيد من هذه المدةِ التي قضاها في الدراسة، مستحيل، مستحيل أن يستفيد إنسان من الدكتوراه بسنواتٍ توازي سنوات الدراسة، أقل بكثير، سنوات معدودات بعدها، أفمن أجل أن تنال درجة في الدنيا تبذل هذه الدراسة الطويلة، ومن أجل أن تعرف الله، وأن تعرف هذا المصير الأبدي ألا تحتاج إلى طلب العلم ؟ هذا الذي يقول لك: ليس عندي وقت فراغ لأحضر مجلس علم هذا إنسان جاهل، كما لو أن إنساناً ذهب إلى بلدٍ أجنبي، لينال دكتوراه وقد وعِد بأعلى منصبٍ في بلده حينما يعود ـ مثلاً وُعِد بأفخر بيتٍ، وبأجمل زوجةٍ ـ يأتي وقت الدوام في الجامعة، وليس له عمل إطلاقاً في هذا البلد إلا نيل هذه الشهادة، يقول: والله لا يوجد عندي فراغ لأحضر المحاضرات شيء عجيب !! إذاً عندك فراغ لماذا ؟ إذا كان الهدف الأول من هذا السفر الطويل، وهذه المشقَّة، أن تنال هذه الشهادة من هذه الجامعة، وحينما حان وقت الدوام تقول: ليس عندي وقت ؟! لا هدف يعلو على طلب العلم، ولا شغل يفوق أن تشتغل بمعرفة الله عزَّ وجل.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾
*****أي اعرفوه، تفكَّر في خلق السماوات والأرض، هل تصدق أن في أنفك عشرين مليون نهاية عصبية، في كل نهايةٍ عصبية سبع أهداب، كل هُدْبٍ محاطٌ بمادةٍ مخاطية تتفاعل مع الرائحة، ينتج عن هذا التفاعل شكلٌ هندسي، كرة، موشور، أسطوانة، مفتاح، ينقل هذا الشكل الهندسي إلى الدماغ إلى الذاكرة الشَمِّية التي تحوي ملفاً فيه عشرة آلاف بند، يعرض هذا الشكل الهندسي الذي هو مُحَصِّلة تفاعل الرائحة مع الأهداب على عشرة آلاف بند، توافق مثلاً مع البند خمسمئة وأحد عشر، إذاً ياسمين، في لمح البصر.
﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ (64) ﴾
( سورة غافر )
آيات دالة على عظمة الله عزَّ وجل :
*****هناك آيات في جسمك، والله لا تكفي سنوات وسنوات لشرحها، في جسمك الذي هو أقرب شيء إليك، هو أقرب آيةٍ دالةٍ على عظمة الله عزَّ وجل، شعرُك ثلاثمئة ألف شعرة، لكل شعرةٍ عضلة، وعصبٌ محرك، وغدةٌ دهنيةٌ، وغدة صبغيةٌ، ووريدٌ وشريان في كل شعرة، هناك مئة وثلاثين مليون عُصَيِّة ومخروط في شبكية العين، عصب العين تسعمئة ألف عصب، تفرز المعدة خمسة وثلاثين مليون عصارة هاضمة، تحوي الكلية مليون نفروناً، يسير الدم في الكليتين في اليوم الواحد مسافة مئة كيلو متر ليتصفَّى، يضخ قلبك في اليوم الواحد ثمانية أمتار مكعبة، قد تستهلك في العام كلِّه متراً مكعباً من الوقود السائل، وقلبك يضخ في اليوم الواحد ثمانية أمتار مكعبة، ويضخ في عمرٍ متوسط ما يملأ أكبر ناطحة سحابٍ في العالم، ينبض القلب ليلاً نهاراً وأنت نائم لا يمل ولا يَكَل.
*****أيها الأخوة الكرام حينما يقول الله عزَّ وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾
*****أي اعرفوه أولاً، ولا شيء يعلو على معرفة الله، والله أيها الأخوة لو عرفنا ما نحن قادمون عليه في الدار الآخرة لشُغِلنا عن كل شيء بمعرفة الله، لشُغلنا عن كل شيء، ولأمضينا الوقت كله في معرفته وطاعته، لأن هذه السنوات المعدودة التي نمضيها ستحدد مصيرنا الأبدي، لاحظ مثلاً الطلاب، ينجح الطالب من الصف السابع إلى الثامن كل الصف ناجح، سواء أكان في المرتبة الأولى أو الأخيرة، من السابع إلى الثامن، ثامن تاسع، تاسع عاشر، التاسع مصيري، إما تعليم عام وإما مهني، إذا لم يحصل على مئة وثمانين علامة فليس له مكان في التعليم العام، دخل تعليماً عامّاً: عاشر، حادي عشر، ثاني عشر، الآن ستحدد علاماته مهنته، حصل على علامات طب صار طبيباً، حصل على علامات مهندس، حصل على علامات صيدلي، أتى بعلامات شريعة، أتى بعلامات حقوق، أتى بعلامات علوم، رياضيات ـ مثال للتقريب ـ فعلاماته في هذه الشهادة مصيرية، وهي ستحدد مصيره في الحياة، تحدد حرفته، مكانته الاجتماعية، وأنت في هذه السنوات المعدودات سوف يتحدد مصيرك الأبدي، إلى أبد الآبدين:
(( والذي نفسي بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار. ))
[أخرجه البيهقي في الشعب من حديث الحسن عن رجل من أصحاب النبي وفيه انقطاع]
*****إما جنةٌ يدوم نعيمها وإما نارٌ لا ينفد عذابها.
الآيات الكونية في القرآن منهج للتفكُّر:
*****حينما يقول الله عزَّ وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾
*****تعرفوا إليه، تعرف إليه من خلقه، في القرآن الكريم ألفٌ وثلاثمئةٍ واثنتان وعشرون آية كونية، ما الهدف منها ؟ لماذا جعل الله سُدُس القرآن آيات كونية ؟ للتسلية ؟! للقراءة ؟! أم لنتعرف على الله من خلالها ؟ جعل الله هذه الآيات منهجاً للتفكُّر، لما قال الله عزَّ وجل:
﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) ﴾
( سورة الحجر)
*****لو أن الله كلَّفنا أن نُخَزِّن المياه التي نستعملها طوال العام، يحتاج كل منا إلى مستودع يساوي حجم بيته تماماً، مثلاً لو كانت مساحة بيته مئة وخمسين متراً مضروبة بثلاثة أمتار، أربعمئة وخمسين متر مكعب، تحتاج الأسرة في السنة كلها أربعمئة وخمسين متراً مكعباً، نريد ضعف أبنية العالم، قال الله عزَّ وجل:
﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) ﴾
*****تجد نهراً كالأمازون كثافته في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف متر مكعب، هذه دمشق الشام فيها خمسة ملايين ونصف إنسان، ويوجد قول: ستة ونصف في النهار، تشرب كلُّها من نبع الفيجة، كثافته ستة عشر متراً مكعباً في الثانية:
﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) ﴾
*****مياه هذا النبع مُخَزَّنة في هذا الجوف الجيولوجي الذي يمتد إلى حمص، ونصف لبنان فوق هذا الجيب الجيولوجي، يمتد هذا الجيب قريباً من تَدْمُر، هذا هو الحقل أو المستودع الجيولوجي لهذا النبع:
﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) ﴾
معرفة الله تعالى توصلنا إلى طاعته :
*****عندما يشرب الإنسان ماء القوارير يفاجأ أنه يحوي ثلاثة عشر معدناً فيه، مغنيزيوم وصوديوم وغير ذلك، ماء معدني، مياه الآبار مياه معدنية، هل فكَّرت في هذا الماء ؟ هل فكَّرت في هذا الهواء المتوازن ؟ نحن نستهلك الأوكسجين دائماً، جعل الله النبات يستهلك عكسنا يستهلك النبات غاز الفحم ويعطي الأوكسجين، هذا التوازن رائع ودائماً يجعل نسب الأوكسجين ثابتة في الهواء الخارجي، من فعل هذا ؟! ألف آيةٍ وآية، أينما تحرَّكت، أينما نظرت ؛ في طعامك، في شرابك، في ابنك، في النبات، في الطير، في السمك، في الجبل، في السهل، في البحر.
وفي كل شيءٍ له آيةٌ ***** تدلُّ على أنَّه واحدُ
***
*****وقال:
﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾
*****أي تعَّرفوا إليه من أجل أن تطيعوه، لأن العبادة طاعةٌ طوعية تسبقها معرفةٌ يقينية تُفضي إلى سعادةٍ أبدية.
فضل طلب العلم:
*****أيها الأخوة الكرام:
(( طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم.))
[ابن ماجه عن أنس]
*****إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتَهُما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كُلَّك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظلُّ المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظنَّ أنَّه قد علِم فقد جهل، العلِم، ثم العلِم، ثم العلم:
(( فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد )).
[ أخرجه النسائي وابن ماجة عن ابن عباس ]
(( أغد عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك.))
[ رواه البيهقي وابن عبد البر عن أبي بكرة]
*****هذه الكُلِّية الأولى، لا بدّ من أن تزداد كلَّ يومٍ علماً بالله عزّ وجل، ورد في بعض الأدعية أن " لا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله علماً، ولا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله قرباً."
*****المساجد مفتَّحةٌ أبوابُها، مفتَّحةٌ على مصراعيها من أجل طلب العلم، لا بدّ لك من درسٍ أسبوعي، لا بدَّ لك من أن تفهم كلام الله، لا بدّ لك من أن تعرف سنة رسول الله، لا بدَّ لك من أن تعرف سيرة رسول الله، لا بدَّ لك من أن تعرف أحكام الفِقْه، لا بدَّ لك من أن تعرف أسلوب الرُقي الرُوحي، هذا كلُّه تأخذه في المسجد، لذلك:
﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾
*****يعني اعرفوا ربَّكم لأن العبادة طاعةٌ طوعية ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية أساسها معرفةٌ يقينية تفضي إلى سعادةٍ أبدية.
الإسلام سلوك:
*****الآن السلوك، البند الثاني في العبادة هو السلوك، إسلام بشكل انتماء فقط لا معنى له، إسلام فولكلوري ومظاهر لا معنى له، إسلام تعاطف لا معنى له، خلفية إسلامية ـ هذه مصطلحات جديدة ـ وأرضية إسلامية، ونزعة إسلامية، واتجاه مُحافظ، وثقافة إسلامية، ومشاعر إسلامية، هذا كلُّه لا يُجدي، لا بدَّ من أن تضبط كل شيء وفق منهج الله، لا بدَّ من أن تضبط دخلك، هذا القرش من أين اكتسبته ؟ وكيف أنفقته ؟ هذا البيت الذي هو بيتك هل أقمت الإسلام فيه ؟ هذا العمل الذي هو عملك هل كنت صادقاً فيه ؟ هل نفعت المسلمين ؟
*****المؤسف أيها الأخوة أن بعض الناس يتوهَّمون أن الإسلام هو هذه العبادات أي صلاة وصيام وحج وزكاة وانتهى الأمر، أما حياته فهي حياة أخرى لا علاقة لها بالإسلام إطلاقاً، أنا أكاد أقول: الإسلام مئة ألف بند، الصلاة هي واحد من هذه البنود، والصيام، والحج، والزكاة هذه خمسة من مئة ألف تقريباً، كل شيءٍ له حكمٌ شرعي ؛ إما أنه فرض، أو أنَّه واجب، أو أنه مندوب، أو أنَّه سُنَّة مؤكَّدة، أو سُنَّة غير مؤكَّدة، أو مُباح، أو مكروه كراهة تنزيهية أو كراهة تحريمية، أو حرام، أي شيءٍ على وجه الأرض لا بد من أن تَعْتَريَهُ هذه الأحكام الخمسة.
*****يا أيها الأخوة:
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا (72) ﴾
( سورة الأنفال )
*****يجب أن ترى الإسلام صارخاً في حياة المؤمن، أن ترى الإسلام في مواعيده، أن ترى الإسلام في عمله، في صدقه، في أمانته، في إخلاصه، في محبَّته، في رحمته، في إنصافه، في إحسانه، الإسلام سلوك، أي أن المؤمن الصادق يُشار له بالبنان، يعني أنشأ بناء ولسببٍ أو لآخر لم يتَمَكَّن من إفراغ المُلْكِيَّة لأصحابها، ظنَّ الذين اشتروا منه هذا البناء أنه يتلكَّأ ليأخذ من أموالهم، عرضوا عليه مبلغاً ضخماً فقال: لا أنا بعتكم وقبضت ثمن ما بعتكم به ، وربحت عليكم، ولا شيء لي عندكم، فلما أُتيح له أفرغ كل البناء لأصحابه، هذا الإسلام.
البند الثاني في العبادة الانضباط السلوكي:
*****الإسلام عفة عن المحارم، الإسلام عفة عن المطامع، الإسلام صدق، الإسلام أمانة، الإسلام عفاف، الإسلام كرم، الإسلام شجاعة، الإسلام تواضع، الإسلام علم، الإسلام سخاء. المؤمن إسلامه صارخ، أما أن يتمَيِّز المسلم عن غير المسلم بالصلاة فقط هذا شيء مضحك، الصلاة عبادة من العبادات أما الإسلام منظومة قِيَم، إذاً البند الثاني في العبادة: الانضباط السلوكي ؛ ضبط الجوارح، ضبط اللسان، ضبط العين، ضبط الأذن، ضبط اليد، ضبط الرجل، ضبط الكَسْب، ضبط الإنفاق، ضبط البنات، ضبط الشباب، ضبط الزوجة، الإسلام منظومة قيَم، هذا الذي يتوهَّم أن الإسلامَ صلاةٌ وصيامٌ شيء مضحك.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾
*****اعرفوه أولاً، وأطيعوه ثانياً، واتصلوا به ثالثاً، هذا الجانب الجمالي في العبادة، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن أوضِّح لكم هذه الحقيقة، إن لم تقل: أنا أسعد الناس فلَسْتَ مؤمناً، أنت موصول بالله فهل تشقى ؟!! لك اتصالٌ بخالق الكون، لك اتصالٌ بأصل الجمال، لك اتصالٌ بأصل الكمال، لك اتصالٌ بأصل النوال، بالأصول، الذي يُعْطي وحده هو الله، والجميل وحده هو الله، والكامل وحده هو الله، أن تتصل بالله فتقول: أنا غير سعيد، فهذه مشكلة !!
*****أيها الأخوة الكرام:
﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ (36) ﴾
(سورة العنكبوت )
*****عبادة الله من أجل اليوم الآخر، من أجل أن نصل إلى دار السلام بسلام، من أجل الجنَّة، من أجل السعادة الأبدية، لا ترى العبادة عبئاً عليك، ثمن قليل لخيرٍ كثير.
بعض الآيات القرآنية عن العبادة:
*****قال تعالى:
﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) ﴾
*****وقال:
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23) ﴾
( سورة المؤمنون)
*****أي لا خيار، لا يوجد إلهٌ ثانٍ، الله عزّ وجل لا يخَيِّرك أن اعبدني أو اعبد فلاناً:
﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ (23) ﴾
( سورة المؤمنون )
*****لا إله إلا الله، فإن لم تعبده فأنت مع من ؟ مع لا شيء.
﴿ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ (72) ﴾
( سورة المائدة )
وجوب عبادة الله من لحظة معرفة الإنسان به وحتَّى الموت:
*****إن لم تعبد الله فما النتيجة ؟ الجنة محرمةٌ على المُشرك ومأواه النار:
﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) ﴾
( سورة العنكبوت )
*****وقال:
﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) ﴾
(سورة الحجر)
*****يجب أن تعبد الله من لحظة معرفتك به وحتَّى الموت:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) ﴾
( سورة الحج)
*****يجب أن تعبده في الأعماق ولا يهِزَّك أقل شيء، هناك أشخاص تهزهم كلمة، كلمة تجعله يدع الجامع كلَّه لأجل خلاف بسيط مع أخ فهل يعقل هذا ؟!! دخلت كلية الطب ومصيرك طبيب تركت هذه الكلية لخلافٍ بسيط مع صديق أو مع أستاذ ؟ لا يفعلها عاقل في الدنيا فكيف في الآخرة ؟ أساء لك أخ، تكلَّم معك كلمة نابية، تضحي بدينك ؟! تضحي بآخرتك ؟! مستحيل.
على المؤمن أن يعتزل من يعبد غير الله:
*****هذا الذي يعبد الله على حرف مقاومته هشةٌ جداً لأن علمه هزيل، إرادته ضعيفة، مقاومته هَشَّة، يعبد الله على حرف، أما الناس إذا عَبَدوا بعضهم بعضاً، وعبدوا أهواءهم، وعبدوا من دون الله جِهاتٍ لا تملك لهم من الله شيئاً هؤلاء يجب أن يُعتَزَلوا، قال تعالى:
﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (16) ﴾
(سورة الكهف )
*****يجب أن تعتزلهم إلى أن يعبدوا الله عزّ وجل:
﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) ﴾
( سورة البقرة )
*****أما الذين يعبدون من دون الله، قال:
﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ (40) ﴾
( سورة يوسف )
*****أي تعبدون أشخاصاً، أشخاصاً ضِعافاً، أنت تحيطهم بهالةٍ كبيرة، فمن قال: إنَّ بوذا إله، من قال ؟ له تمثال كبير توضع الفواكه له قيل: ليأكلها في الليل ( يأكلها السَدَنة )، لأنه حجر لا يأكل شيئاً، تعيش شعوب بأكملها في خرافاتٍ مضحكة.
آيات من القرآن الكريم عن أشخاص أشركوا مع الله آلهة أخرى*:
*****قال تعالى:
﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ (40) ﴾
( سورة يوسف )
*****وقال:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ (17) ﴾
( سورة العنكبوت )
*****وقال:
﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (42) ﴾
( سورة مريم )
*****وقال:
﴿ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً (43) ﴾
( سورة مريم )
العبادة ثمن الجنة وهي الهدف من هذه الحياة:
*****أيها الأخوة الكرام، قضية العبادة قضيةٌ خطيرةٌ جداً هي هَوِيُّتك، هي سر وجودك، هي هدفك من هذه الحياة، العبادة ثمن الجنة، العبادة ثمن السلامة، العبادة ثمن السعادة، العبادة ثمن التقوى.
*****أيها الأخوة الكرام، هذه الآية أوَّل آية بعد أن وصف الله المؤمنين والمنافقين والكفار:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾
*****وهذه الآيةُ إن شاء الله تُفَسَّرُ في الدرس القادم، والله المستعان.
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
12-03-2012, 01:50 AM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (10- 95):تفسير الآيتان 21-22، العبادة ، الأرض
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-08-28


بسم الله الرحمن الرحيم
*****الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*****أيها الأخوة الكرام، مع الدرس العاشر من دروس سورة البقرة.
الخالق عز وجل هو وحده يستحق العبادة:
*****مع الآية الثانية والعشرين وهي قوله تعالى:
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾
*****والآية التي قبلها:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) ﴾
*****من الذي يستحق العبادة ؟ الذي خَلَقْ، الذي خلقك هو وحده يستحق العبادة، والذي أمدَّك بكل ما تحتاجه هو وحده يستحق العبادة، والذي أَمْرُك بيده هو وحده يستحق العبادة، والذي مصيرك إليه هو وحده يستحق العبادة، خلقك، وأمدك، وجعل أمرك بيده، ومصيرك إليه هذا الذي ينبغي أن تعبده، بعض الناس يعبدون ما لا يملك لهم نفعاً، ولا ضراً، ولا رزقاً، ولا حياةً ولا نشوراً، وهذا هو الخطأ الجسيم، الحُمْقُ البالغ، والغباء الشديد أن تتجه إلى جهةٍ لا تملك لك نفعاً ولا ضراً، لا تملك لك، ولا تملك لذاتها نفعاً ولا ضراً، وكأن الطريق مسدود، هناك إحباطٌ شديد يصيب هؤلاء الذين عبدوا من دون الله، لأن كل جهةٍ دون الله عزَّ وجل ليس لها من الأمر شيء ولا تملك لك نفعاً، ولا ضراً، ولا رزقاً، ولا حياةً، ولا أمناً، ولا توفيقاً، ولا نصراً، ولا تطميناً، ولا تمكيناً، لا تملك لك شيئاً، ومع ذلك فالإنسان يعبد هذه الجهة ويَمْحَضُها حُبَّه وولاءه، وهو بهذا يمشي في طريقٍ مسدود، لذلك يقول الله عزَّ وجل:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (48) ﴾
( سورة النساء )
يغفر الله ما يشاء إلا الشرك به:
*****كنت قد ضربت حول هذه الفكرة مثلاً أنه يمكن أن تتجه إلى مدينة، ولك فيها مبلغٌ كبيرٌ جداً، يُمكن أن ترتكب وأنت في الطريق إليها آلاف الأغلاط، لكنَّك تسير نحوها وستأخذ هذا المبلغ، أما الخطأُ الذي لا يُغْتَفَر أن تتجه في طريقٍ معاكس لا تجد فيه شيئاً.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ (48) ﴾
( سورة النساء )
(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي ـ الله رؤوف رحيم، رؤوف رحيم ـ لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))
[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]
لا يليق بالإنسان أن يعبد غير الله وإلا فإنه يحتقر نفسه:
*****الذي خلقك، الذي أَمَدَّك، الذي يُسَيِّرُك، الذي أمْرُكَ بيده، الذي إليه يُرْجَعُ الأمر كله، الذي مصيرك إليه، هذا وحده الذي ينبغي أن تعبده، ولا ينبغي أن تعبد سواه، ولا ينبغي أن تتجه إلى سواه، ولا ينبغي أن تكون محسوباً على غيره، يجب أن تكون محسوباً على الله وحده، لا يليق بك أن تكون لغير الله، إنَّك إذاً تحتقر نفسك.
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾
( سورة البقرة )
*****أنت تحتقر نفسك حينما تتجه إلى غير الله، عبدٌ ضعيفُ مثلك، نقطة دم في دماغه تجعله مشلولاً، ونموٌ عشوائيٌ في بعض أنسجته يجعله مصاباً بمرضٍ خبيث يُسَلِّم الأمر لغيره، الإنسان ضعيفٌ جداً، فكيف تتجه إليه ؟ وكيف تعلِّق الأمل عليه ؟ وهو لا يملك حياته !!
*****أيها الأخوة الكرام ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، والدين كله توحيد.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾
*****أقرب اسمٍ من أسماء الله تعالى إلى العبد اسم الرب، وأقرب شيءٍ إلى الطفل أمُّه، لأنها تربيه، تمدُّه بالحليب، تمده بالـرعاية، تعطف عليه، ترعى شؤونه، تأخذ بيده، ترقى به، أقرب كائنٍ في حياة الطفل أمه، وأقرب اسمٍ مـن أسماء الله الحسنى إلى الإنسان ربُّ العالمين، فهو يربيه، إذا أودع الله في قلب الأب رحمةً فمن الله عزَّ وجل، إذا رأيت أباً يرحم ابنه هذه رحمة الله، إذا رأيت أماً تعطف على ابنها هذه رحمة الله.
كلُّ الخلائق يتراحمون بجزءٍ من رحمة الله:
*****تروى قصةٌ رمزية ـ لها معنى عميق ـ أن أحد الأنبياء رأى امرأةً تَخْبُزُ وابنها إلى جنبها، كلما وضعت رغيفاً في التنور ضَمَّت ابنها وقَبَّلته، فعجب هذا النبي من رحمة هذه الأم بولدها، فقال الله له: هذه رحمتي يا عبدي، وسأنزعها، فلما نزع من قلبها الرحمة بكى طفلها فألقته في التنور.
*****إذا رأيت أماً تعطف على ابنها فهذه رحمة الله، إذا رأيت حيواناً يعطف على أولاده هذه رحمة الله، كلُّ الخلائق يتراحمون بجزءٍ من رحمة الله، بل إن الرحمة التي في قلبك تتناسب مع اتصالك بالله عزَّ وجل بالضبط، أشدُّ الخلق اتصالاً بالله هو رسول الله، إذاً هو أرحم الخلق بالخلق على الإطلاق. ذهب إلى الطائف، وكذَّبوه، وسخروا منه، وأغْرُوا صبيانهم بإيذائه، فلما جاءه جبريل وقال: يا محمد أَمَرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لم ينتقم، مع أنهم بالغوا في الإساءة إليه، قال:
(( لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون، أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً ))
[متفق عليه عن عائشة]
*****يا أيها الأخوة الكرام، إليكم هذا القانون، وهو مستنبط من هذه الآية:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (159) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 159" )
*****كنت ليِّناً معهم بسبب رحمةٍ استقرَّت في قلبك من خلال اتصالك بنا، فالتفوا حولك، وأحبّوك، وفدوك بأرواحهم وأولادهم ونسائهم، وكانوا معك في كل شيء إلى نهاية الطريق، قال أبو سفيان: " ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحابُ محمدٍ محمداً "، وهذا الذي يفقده المسلمون اليوم.
*****مظاهر الإسلام صارخة، ولكن الحب معدوم بين المسلمين، ما رأيت أحداً يحبُّ أحداً كحبِّ أصحابِ محمدٍ محمداً.
العبادة غاية الخضوع:
*****أيها الأخوة الكرام، هـل تصدِّقون أن امرأةً أنصارية تتفقَّد أقرباءها عقب معركة أحد، تذهب إلى ساحة المعركة فإذا زوجها شهيدٌ، ثم ترى أباها شهيداً، ثم ترى أخاها، ثم ترى ابنها، معقول ؟! زوجها، وأبوها، وأخوها، وابنها وتقول: ما فعل رسول الله ؟ فلما رأته بأم عينها، واطمأنت على سلامته قالت: يا رسول الله كل مصيبةٍ بعدك جلل، هكذا كان أصحاب النبي، هكذا كان حبُّهم لرسول الله، هكذا كانت تضحياتهم، بهذا وصلوا إلى المَشرِقَين، بهذا مكَّنهم الله في الأرض، بهذا استخلفهم، بهذا بدَّل خوفهم أمناً، بهذا دانت لهم أنحاء الأرض.
*****جاءت رسالة إلى هارونَ الرشيد من إمبراطور الروم، تقول هذه الرسالة: إن الإمبراطورة التي سبقتني دفعت لك الجزية، وكان الأولى أن تأخذها منك، فَرُدَّ كل شيءٍ أخذْتَه منها وإلا بيني وبينك القتال، فأجابه: من عبد الله هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى كَلب الروم، الجواب ما تراه لا ما تسمعه، فغزاه، وقهره، وجعله يدفع الجزية ضِعْفَاً.
*****هكذا كان المسلمون يوم كانوا مع الله، كلمتهم هي النافذة، هي العُليا، ولكن حينما تركوا سُنَّة رسول الله اختلف الوضع:
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾
( سورة مريم)
*****أيها الأخوة الكرام، قضية عبادة الله عزَّ وجل أخطر موضوعٍ في حياة المؤمن، من تعبد ؟ العبادة غاية الخضوع، لمن تخضع ؟ هل تخضع لغير الله ؟ أقول لكم هذه الكلمة التي قلتها مراراً: حينما يطيع الإنسان مخلوقاً ـ كائناً من كان ـ ويعصي ربَّه، فهو لم يقل: الله أكبر، ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لماذا ؟ لأنه تصوَّر أن طاعة هذا المخلوق ـ القوي في نظره ـ أثمن عنده من طاعة الله، إذاً لم يقل: الله أكبر بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، الذي يَغُشُّ المسلمين ما قال: الله أكبر، ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه رأى أن هذا المال الذي يأخذُه من هذا الغش أثمن عنده من طاعة الله.
كلمة المسلمين ليست هي العليا لأنهم اعتزّوا بغير الله:
*****قال تعالى:
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾
( سورة مريم)
*****الذي لا يقيم الإسلام في بيته إرضاءً لزوجته ما قال: الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنَّه رأى إرضاء أهله وأولاده أثمن عنده من إرضاء الله عزَّ وجل، قضيةٌ مصيرية هو الجواب عن سؤالٍ كبير لماذا نحن كذلك ؟ لماذا يعد المسلمون خُمس العالم مليار ومئتي مليون، وليست كلمتهم هي العُليا ؟ ترتعد فرائصهم إذا حدث شيءٌ في العالم ونُسب إليهم، لأن الغضب سينصَبُّ عليهم، أهذه حياة ؟!! لأنهم اعتزّوا بغير الله، لأنهم ما أرادوا عزاً عن طريق الدين، بل عن طريق شيءٍ آخر.
*****أيها الأخوة الكرام:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ (21) ﴾
*****هو الذي خلقك، وهو الذي يربيك، يُمِدُّك بما تحتاج، وهو الذي يربِّي نفوسنا، ينقلها من حالٍ إلى حال، من طور ٍإلى طور، هو الذي يراقب أعمالنا، يطَّلع على ما في سرائرنا، يحاسبنا على خواطرنا، هو الذي بيده كل شيء، وإليه مصير كل شيء.
الربَّاني الذي لا يشغل ساحتَه إلا اللهُ:
*****أيها الأخوة، ينبغي أن تعبد هذا الإله، ينبغي أن تنتمي إليه، ينبغي أن يكون ولاؤك لـه، حُبُّك له، إخلاصك له، شبابك له، حياتك كلها له، مالك له، ذكاؤك له، طلاقة لسانك له، خبرتك له، علمك له:
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) ﴾
( سورة الأنعام)
*****هذا هو الربَّاني:
﴿ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيينَ (79) ﴾
( سورة آل عمران)
*****الربَّاني الذي لا يشغل ساحتَه إلا اللهُ، لا يعمل إلا لله، لا يرضي غير الله، لا يخاف إلا من الله، لا يسعى إلا لطاعة الله، لا يهاب أحداً إلا الله، هذا هو التوحيد، ائتني باثْنَي عشر ألف موحّد ولن يُغلبوا في الأرض، ورد في الحديث الصحيح:
(( لن تغلب أمتي من اثني عشر ألفاً من قلة ))
[ الجامع الصغير ]
*****(لن تغلب) تفيد تأبيد النفي:
(( لن تغلب أمتي من اثني عشر ألفاً من قلة ))
[ الجامع الصغير ]
*****إن لم يصلح المجتمع كُلُّه فعليك بإصلاح نفسك، إن لم يصطلح الناس مع ربهم اصطلح أنت مع الله، إن لم يُقِم الناس الإسلام في بيوتهم فأقم أنت الإسلام في بيتك، أقم الإسلام في عملك، كن مع الله ولا تُبالِ.
أسماء الجلال وأسماء الجمال:
*****أيها الأخوة الكرام، هذه الآية الأساسية:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) ﴾
*****قضيةٌ ثابتة، من يستطيع أن يدَّعي أنه خلق الناس ؟ من يستطيع أن يدَّعي أنه خلق الأرض ؟ أنه أنزل الماء من السماء ؟ شيءٌ بديهي حتى إن الكُفر يعني الإيمان ! كيف ؟ كفر: غطَّى، غطَّى شيئاً، ما هذا الذي تغطيه ؟ هو الإيمان، الكافر يقول: مصرف إسلامي، المعنى أن المصارف الأخرى غير إسلامية.
*****أيها الأخوة الكرام:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) ﴾
*****لعلكم تتقون أسماء جلاله بأسماء جماله، أسماء جلاله: قَهَّار..
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) ﴾
( سورة البروج)
*****الله منتقم، هـذه أسماء الجلال، كيف تتقيها ؟ بطاعته، فإذا أطعته نِلْتَ أسماء الجمال ؛ هو الرحيم، هو اللطيف، هو المعطي، هو المُعِزّ، هو الرافع، هو العَدل، تتقي أسماء جلاله بأسماء جماله.
عناصر الأرض متنوِّعة لحكمةٍ بالغةٍ أرادها الله:
*****أيها الأخوة الكرام، شرِحَت هذه الآية في الدرس الماضي، بعدها:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾
*****الحقيقة الفِراش مُرِيح، مـا كان الفراش فراشاً إلا لترتاح عليه، ليِّن، مُريح، نظيف، يتناسب مع جسمك، يتفاعل مع خطوط جسمك، ترتاح عليه، قدَّم الله لك نموذجاً لشيءٍ قريبٍ منك، فالإنسان وهو نائم أقرب شيءٍ إليه فراشه، ما سُمي فراشاً إلا لأنه مريح، جعل الله جلَّ جلاله لك الأرض فراشاً، أي جعلها مستوية، فلو جعلها متعرِّجة ؟!! قد تشتري أرضاً في سفح جبل تنفق عليها مئات الألوف لتجعلها مصاطب، شيء متعب، جعل لك الأرض فراشاً، جعلها مستوية، ماذا تفعل بها لو جعلها صخرية ؟ جعلها تربة تنبت لك الزرع، جعلك مستقراً عليها عن طريق الجاذبية، جعلها لك فراشاً، أودع فيها الماء، أودع فيها المعادن، أودع فيها أشباه المعادن.
*****عناصر الأرض متنوِّعة لحكمةٍ بالغةٍ أرادها الله، جعل لكل عنصر درجة انصهار خاصة، ولو أن كل العناصر لها درجة انصهار واحدة لوجدت الأرض كلها صلبةً، أو سائلةً، أو غازاً، تجد شيئاً صُلباً، الحديد قاسٍ، الصخر قاسٍ، الرخام قاسٍ، المعادن قاسية، قاسية ومتينة، تجد بالمقابل بعض الأجسام الليِّنة، الكاوتشوك، الفَلِّين، بعض النباتات، الصوف، القطن. هناك أشياء سائلة، و أشياء غازية، هذا التنوُّع بين الصلب، واللَّزج، والمَرن، والسائل، والغاز لتكون الأرض فراشاً، تحتاج إلى هواء تستنشقه ؛ غاز، تحتاج إلى ماء تشربه سائل، تحتاج إلى فراش تنام عليه ليِّن، تحتاج إلى معدن قاسٍ تصنع منه المركبة والمحراث كالحديد، جعلها الله فراشاً، جعلها تنبت.
الله تعالى جعل الأرض فراشاً فيها استقرارك واستمرار حياتك:
*****جعلها فراشاً بمعنى أنه جعل فيها أسباب استقرارك عليها واستمرار حياتك فيها، لو سكنت في بيت لا ماء فيه تخرج منه، لو سكنت في بيت ليس فيه تدفئة في الشتاء تخرج منه، لو سكنت في بيت لا يوجد فيه تكييف في الصيف تخرج منه، لو سكنت في بيت لا يوجد فيه فراش، كيف تنام على الأرض ؟
*****هذا البيت لماذا تستقر فيه ؟ فيه ماء، فيه هواء، فيه طعام، هناك ثلاجة، غرفة ضيوف، غرفة جلوس، هناك حمام، ومطبخ، وغرفة للأولاد، هذه الغرف، وهذا الفَرْش، وهذه الأدوات كلها وسائل الاستقرار والاستمرار في هذا البيت، وكذلك الأرض جعل الله أسباب استقرارك واستمرارك فيها، إذاً هي كالفراش. تحتاج إلى معدن تصنع منه طائرة يجب أن يكون خفيفاً جداً ومتيناً جداً ؛ الألمنيوم، هو معدن يتميَّز عن غيره، لو أن الطائرة من حديد لكانت كُلفة طيرانها عشرة أضعاف، لكن معدن الطائرة متين وخفيف في وقتٍ واحد، تحتاج إلى معدن يَنْصَهِر بدرجة مئة، كيف تعامل الحديد مع الحجر ؟ عندَّك دُكَّان ولها باب، تريد أن تضع القفل على الحجر، ينصهر معدن الرصاص في درجة مئة، هذا المعدن له خاصة ينفرد بها أنه حينما يبرد يزداد حجمه، فيكفي أن تحفر الحجر على شكل إجاصة، وأن تضع الحديد في الحجر، وأن تسكب الرصاص، فحينما يبرد يتمدد، وعندئذٍ توجد قوة تنزع الحديد من الحجر. من خلق هذا المعدن خصيصاً لهذا الاستعمال ؟ الله جلَّ جلاله، تحتاج إلى معدن يكون قِيَماً للأشياء جعل الذهب والفضة، هذا المعدن مهمته أن يكون قيماً للأشياء يصنع منه النقد، تحتاج إلى معدن ينقل الحرارة ؛ النحاس، أسلاك الكهرباء من النحاس، أواني المطبخ من النحاس، تحتاج إلى معدن ليِّن ؛ قصدير، معدن قاسٍ، معدن متين، معدن مقاوم، معدن لا يصدأ، رأيت صورةً لسبائك ذهبية استخرجت من البحر حيث غرقت قبل مئة عام، غرقت سفينة بين أمريكا وأوربا وفيها خمسة أطنان من الذهب على شكل سبائك، بحث عنها ووجدت، استخرجت والله كأن هذا الذهب سُبْكَ من يومه، مئة عام في أعماق البحر لم يتأثر إطلاقاً، خلق لك هذا المعدن خصيصاً ليكون نقداً.
هناك حيوانات خُلِقَت مذللة خصيصاً للإنسان:
*****الألمنيوم له فائدة، والرصاص له فائدة، والنحاس له فائدة، والحديث عن المعادن يطول، وكل معدن له خصائص، وإذا دَمَجْتَ معدنين جاءت خصائص جديدة ليست في أحد المعدنين، علم المعادن علمٌ عميقٌ وطويلٌ وفيه أسرار كبيرة جداً، من الذي خلق هذه المعادن ؟ المعدن الأساسي الذي هو قوام حياتنا ؛ الحديد:
﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ (25) ﴾
( سورة الحديد: آية " 25" )
*****ما من شيءٍ تراه عينك إلا والحديد أحد أسباب وجوده، كل الأدوات من الحديد، فهذا معنى قول الله عزَّ وجل:
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾
*****هناك أسماك تأكلها، وأطيار، وحيوانات، حيوانات خُلِقَت مذللة خصيصاً لك.
﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ (72) ﴾
( سورة يس: آية " 72 " )
*****البقرة مذلَّلة، أما إذا جنَّت لا تُبقي ولا تذر، يضطر صاحبها أن يطلق عليها الرصاص، خلقت بالأصل مذللة، أما إذا أصابها مرض الجنون يطلق عليها صاحبها الرصاص بعد أن دفع ثمنها مئة ألف، لأنها تصبح مجرمةً، من ذللها ؟ يوجد خروف ويوجد ضبع، من رَكَّب في الخروف هذه الطباع الليِّنة، لا تخاف منه، لا تتهيَّبه أبداً، ينساق لك، حتى إلى الذبح ينساق لك، بينما الضبع تحسب له ألف حسابٍ وحساب.
آيات دالة على عظمة الله:
*****الحيوان الذي تأكل منه مذلل، والماء الذي تشربه مذلل، من جعل هذا الماء عذباً فراتاً بعد أن كان مِلحاً أجاجاً ؟ شيء لا يصدق، من أجل أن يتبخَّر ماء البحر فيصبح سحاباً وينقلب إلى أمطار، وتكون هذه الأمطار في أعماق الأرض، جُعِلَت هذه المسطَّحات المائية الواسعة جداً، فأربعة أخماس اليابسة بحر، يتبخَّر هذا البحر ليشكِّل سحاباً، ليصبح أمطاراً ليستقر في باطن الأرض، من أودع في هذه الأرض الينابيع ؟ في بعض البلاد أربعة آلاف جزيرة، وفي كل جزيرةٍ نبعٌ يتناسب مع مساحتها، وتأخذ كل هذه الجُزُر المياه من جبالٍ في آسيا، إذاً هناك تمديدات من أعماق الجِبال إلى هذه الجزر، هذا صُنْعُ الله عزَّ وجل.
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾
*****الأرض فيها هواء، والهواء متوازن، لو أن الهواء على شكلٍ آخر، لو أن نِسَب الأوكسجين في الهواء عالية لاحترق كل شيء، ولو أن نسب غاز الفحم عالية لما اشتعلت النار إطلاقاً، ولو أن النبات يتنفَّس الأوكسجين مثلنا ويعطي غاز الفحم لانتهى الأوكسجين من آلاف السنين، ما هذا التوازن الرائع ؟ يأخذ النبات غاز الفحم ويعطي الأوكسجين، ويأخذ الإنسان الأوكسجين ويعطي غاز الفحم .
*****خصائص الماء: لا لون له، لا رائحة، لا طعم، يتبخَّر بدرجة أربعة عشر، سريع النفوذ، هذا الماء لا يقبل الضغط، لو وضعت متراً مكعباً من الماء وفوقه ثمانمئة طن لا تنضغط ولا ميلي، أما حينما يتمدد لا يقف أمامه شيء، يُصَدِّع الفولاذ. إذا جَمَّدت الماء في الفولاذ تمدد الماء بعد التجَمد فيتصدع الفولاذ من تمدد الماء، الماء مصمم، الماء كأي عنصر إذا برَّدته ينكمش، ولكنه يتمدد عند الدرجة الحَرِجة (+4)، ولولا هذا التمدد لما كنا في هذا المسجد، ولا وجدت كائناً حياً على وجه الأرض، تمدد الماء في الدرجة (+4) سر الحياة على الأرض، فراش بهوائها، بمائها، بنسب البحار إلى اليابسة.
كل شيءٍ في الأرض خلقه الله تكريماً للإنسان:
*****اليابسة فيها مناطق خضراء، وفيها صحارى قاحلة، قد يقول قائل: لمَ هذه الصحارى ؟ لو أن الأرض كلها خضراء لما عشنا، هذه الصحارى الحارَّة تُشَكِّل حرارة تسَخِّن الهواء الذي فوقها، إذا سخن الهواء يتخلخل، فيقل ضغطه، وعندما ينكمش الهواء البارد يزداد ضغطه، من وجود ضغطين متفاوتين تمشي الرياح، أساس الرياح منطقتان ذواتا ضغطين متباينين، الهواء في القطب بارد منكمش ضغطه مرتفع، وفي خط الاستواء الهواء مخلخل ضغطه منخفض، تأتي الرياح من الشمال إلى الجنوب، والأرض تدور، تأتي الرياح إذاً من الشمال إلى الجنوب الشرقي، هذا مسير الرياح، ولبحث الرياح بحوثٌ طويلة.
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾
*****الله عزّ وجل فضلاً عن أنه هيَّأَ لنا الأساسيَّات أعطانا الأشياء المُحَسِّنة، توجد أزهار فهناك بعض المُجَلَّدات ـ ثمانية عشر مجلداً ـ كل صفحةٍ في هذه المجلدات فيها رسم زهرةٍ، وكل هذه الصفحات في ثمانية عشر مجلداً هي أنواع الأزهار التي خلَقها الله لهذا الإنسان، فالأزهار خُلِقَت تكريماً للإنسان، خُلِقت الروائح العطرية تكريماً للإنسان، خُلِقت التوابل تكريماً للإنسان، توجد أطعمة كثيرة، وتوجد نباتات كثيرة، وتوجد روائح كثيرة هدفها أن تقوم حياتك بها، هدفها أن تتنعم بها، وهذا يشير إلى اسم الودود:
﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) ﴾
(سورة البروج)
*****هذا كلُّه من معنى:
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾
الليل والنهار من الآيات الدالة على عظمة الخالق:
*****أيُّها الأخوة، الحقيقة الحديث عن أن الأرض فراش لا ينتهي، كل شيءٍ في الأرض مخصَّص للإنسان، بدءاً من حجم الأرض، لو كان حجم الأرض عشرة أضعاف لكان وزنك عشرة أضعاف، لو حجمها العُشر لكان وزنك العُشر، لو لم تكن هناك جاذبية لكانت الحياة لا تُطاق لأن الله عزّ وجل يقول:
﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً (61) ﴾
( سورة النمل: آية " 61" )
*****أنت مستقر عليها بفعل الجاذبية، وثمة شيء آخر: لو كان الليل مئة ساعة لما أُطيقت الحياة ؛ تنام وتستيقظ، وتنام وتستيقظ، طاقتك للنوم ثماني ساعات، والليل مئة ساعة، ناس يعملون في الليل، ولا أحد ينام، ضجيج وعمل، جعل ربنا عزّ وجل الليل اثنتي عشرة ساعة، والنهار اثنتي عشرة ساعة، ويختلفان من فصلٍ إلى فصل، حتى الليل والنهار مصمم للإنسان، وزن الإنسان مصمم، هذا التناسب مثلاً: هذا الحليب الذي تنتجه البقرة يتناسب تناسباً مذهلاً مع جسم الإنسان، وهو غذاءٌ كامل، لأن الذي خلق الإنسان هو الذي خلق البقرة، وخلق هذا الحليب خصيصاً له حيث إن وليد البقرة يحتاج إلى اثنين كيلو في اليوم، بينما تعطي البقرة أربعين كيلو.
*****هذا الخروف تنتفع من كل شيءٍ فيه ؛ مـن جلده، وصوفه، ولحمه، ودهنه، وشحمه، وأمعائه، وكل أعضائه، فهو خُلِقَ خصيصاً لك.
الفواكه وتصميمها من الآيات الدالة على عظمة الله تعالى:
*****الفواكه.. انظر إلى التفَّاحة ؛ شكلها جميل، حجمها معقول، رائحتها عطرة، قشرتها مانعة، طعمها لذيذ، فيها غذاء مفيد، فيها مواد سكرية ومعادن، وفيها حديد، فمن الذي جعل مقوِّماتها، عناصرها، قِوامها ؟ كيف تأكلها لو أنها كالصخر ؟ تحتاج إلى مطحنة بحص، فإنها لا تؤكل معك، قوامها معقول، قشرتها، حتى قَطْفُها سهل، لو أردت أن تسحب عنقود العنب سحباً لَعُصِر في يدك ولا ينسحب معك، أما بحركة معاكسة تنزعه من على الشجرة، كل شيء مصمم، هذا البطيخ يجب أن ينضج خلال تسعين يوماً لأنه فاكهة الصيف، لو أنه نضج في يومٍ واحد لا تنتفع منه إطلاقاً، كذلك الخضراوات، أما المحاصيل فيجب أن تنضج في يومٍ واحد تسهيلاً لجنيها، وهذه الفواكه مبرمجة، كل فترة من الصيف تنضج فاكهة، تبدأ بهذه الفاكهة ثم هذه الفاكهة، مبرمجة فيما بينها، ومبرمجة في نضجها في ذاتها، والثمار الكبيرة على الأرض، لو أنها على الشجر لصار هناك حوادث موت كثيرة جداً، لو وقعت بطيخة وزنها اثنتي عشرة كيلو على إنسان فإنها تُميته، البطيخ على الأرض، والفواكه اللطيفة على الشجر، والشجر قريب، هناك تصميم مذهل في الكون .
*****هذه الأرض فِراش، بحجمها فِراش، بنسب الماء إلى اليابسة فِراش، بليلها ونهارها فِراش، بشَّمسِها ؛ لو أن الشمس أقرب لاحترق كل ما على الأرض، نموذج قبل أسابيع بلغت الحرارة إحدى وخمسين درجة كاد الناس يخرجون من جلودهم، من صمم هذه الحرارة بشكل معتدل بين الخمسة والخمسة وثلاثين على مدار السنة ؟ هذه فِراش، فحجم الأرض، وشكل الأرض الكُروي، والشمس، والليل والنهار، والجاذبية، والماء والهواء، والمحاصيل والفواكه والخضراوات، والأسماك والأطيار، والمعادن وأشباه المعادن، والفيتامينات، وتصميم الفواكه والخضراوات مع جسمك، هذا كلُّه لأنه شيء مريح جعل لكم الأرض فِراشاً.
حينما تركع وتسجد لا تنسَ أن الله سبحانه وتعالى خلق لك الأرض فِراشاً:
*****أيّها الأخوة الكرام، توجد أشياء لا تنتهي، والله ما ذكرت إلا القليل إلا الذي حضرني وأنا ألقي هذا الدرس، أما استقصاء هذه الحقائق فيشمل الأرض كلَّها، حينما تقول:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾
( سورة الفاتحة)
*****حينما تركع، وحينما تسجد فلا تنسَ أن الله سبحانه وتعالى خلق لك الأرض فِراشاً، سمح لك أن تبني بيتاً، أعطاك مواداً أولية للبناء، ليس هذا الإسمنت في الأساس من صنع البشر من أعطى هذه المواد ـ مواد الإسمنت ـ خصائصها فسهُل عليك البناء ؟ من أعطى الحديد خصائصه فسهُل عليك البناء ؟ من خلق هذا الوقود السائل فسَهُلَت عليك الحركة ؟ لأن الآية الكريمة:
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾
( سورة النحل)
*****عُزي خَلْقُ المركبة، والطائرة، والباخرة إلى الله، ومعنى عُزي إلى الله: أي هو الذي خلق موادها الأولية، وهو الذي خلق الوقود السائل الذي أودعه الله في الأرض، هذه الطاقة من خلقها ؟
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) ﴾
( سورة يس)
*****أحدث نظرية للبترول أنه في العصور المطيرة انطمرت هذه النباتات العملاقة في باطن الأرض، وهي طاقةٌ مخزونة فأصبحت بترولاً، وصناعات البترول لا تُعدُّ ولا تُحصى، بل إن استهلاك البترول في الوقود يُعدُّ استهلاكاً له غير معقول لأن له استعمالات أخرى، الآن كل شيء بالبترول، فهذه الأرض فِراش.
لا تزال الأرض تملك ثروات لا يعلمها إلا الله :
*****هناك شيء يلفت النظر، في الحرم المكي والمدني رخامٌ أبيض تدوسه عند الظهيرة الحرارة قد تصل تحت أشعة الشمس إلى الثمانين، تدوس على هذا الرخام فإذا هو بارد، شيء لا يُصدَّق، أحد أنواع الرخام النادر بالعالم كأن الله صممه لهذا الحدث، إنَّ الحُجاج والعُمَّار يطوفون حفاةً والدليل: أن الرخام القديم تحت الأروقة لو جاءته الشمس وسِرْتَ عليه كما لو وضعت يدك على مكواة حارة بالضبط، لا تستطيع أن تسير عليه، من صمم هذا الرخام ؟ فكل شيء في الأرض جاهز، ولا تزال الأرض تملك ثروات لا يعلمها إلا الله، قال تعالى:
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) ﴾
(سورة طه)
*****المعادن والفلذات التي اكتشُفت والتي لم تُكتشَف، يوجد في البحر وحده مليون نوع من السمك، ليس مليون سمكة بل مليون نوع من السمك، بدءاً من الحيتان الزرقاء وزن مئة وخمسين طناً ـ هو شيء لا يُصدَّق مخلوق هائل ـ مدينة، يخرج منه تسعون برميل زيت، فيه خمسون طن لحماً، وخمسون طن دهناً، وفيه أرقام لكبده ولدماغه ولمعدته شيء لا يُصدَّق، وليده يرضع منه ثلاثمئة كيلو في الرضعة الواحدة، وهو يحتاج ثلاثة رضعات في اليوم، فيرضع منه طن حليب، إلى سمكٍ صغير تراه في بعض أحواض السمك ـ سمك تزييني ـ سمكة صفراء، سمكة خضراء، سمكة فسفورية، سمكة شفافة، سمكة سوداء هذه للمنظر فقط سمك تزييني.
*****النباتات ؛ يعيش هذا النخل ستة آلاف عام، هناك نخلٌ نأكل منه التمر كان على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، تعيش النخلة ستة آلاف عام وتعطي تمراً فيه ست وأربعون مادة غذائية، التمرة صيدلية، العسل، ماذا أقول ؟ أنواع النباتات لا تُعدُّ ولا تُحصى.
سخَّر الله للإنسان كل شيء تكريماً له أمَّا هذا المُسخَّر له فهو غافل عن الله:
*****ذهبت ذات مرة إلى بلد غربي ودخلت إلى مكان لبيع الخضراوات فرأيت عشرة أنواع لا أعرف اسمها ولا شكلها، شيء غريب، أنواع النباتات لا تُعَدُّ ولا تُحصى، أنواع الأزهار، أنوع الأطيار، أنواع الأسماك، أنواع المعادن، أنواع الفِلزات، هذا كلُّه من أجل الإنسان، سخَّر الله لنا كل شيء تكريماً لنا، أمَّا هذا المُسخَّر له فهو غافل عن الله:
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) ﴾
( سورة الإسراء)
*****أما الذي سُخِّرَت له كل هذه النعم هو وحده الغافل، ما موقفه يوم القيامة وقد رأى كل المخلوقات سُخِّرت له وهي تسبِّح الله عزّ وجل ؟ والله أيها الأخوة لو عرفنا الحقيقة لم نَنَم الليل.
*****لو تعلمون ما أنتم عليه بعد الموت ما أكلتم طعاماً عن شهوةٍ، ولا دخلتم بيوتكم تستظلون بها، ولذهبتم إلى الصُعُدات تبكون على أنفسكم.
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾
(سورة الحجر)
*****فو الله ما ذكرت شيئاً من هذه الكلمة:
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾
*****كالفراش تماماً، أنت الآن في الحر تجد وسائل لتخفيف الحر، يوجد برد فهناك وقود ومدافئ، أنت تحتاج إلى الماء، الماء موجود تستخرجه من أي مكان، أي مكان إذا حفرت بئراً تصل إلى الماء، من أودع الماء في الأرض ؟ الله جلَّ جلاله، نظام المطر، نظام الرياح، هذا كلُّه يحتاج إلى دراسات.
على المؤمن أن يحمد الله تعالى لأنه هداه إليه:
*****أيها الأخوة، كلمة (فِراش) كلمة دقيقة جداً يجب أن نذوب شكراً لله عزّ وجل، والإنسان حينما يقف بين يدي الله عزّ وجل ليقول:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾
*****هل حمدت الله على أنَّه أوجدك ؟ وهل حمدت الله على أنه أمَدَّك ؟ وهل حمدت الله على أنه هداك إليه ؟ هناك شعوب ؛ تسعمئة مليون في بعض البلاد يعبدون البقر، شعب اليابان يعبد ذكر الرجل، شعوبٌ تعبدُ الجرذان، شعوبٌ تعبد النار، والشعوب المتحضِّرة تعبد أهواءها أي تعبد المرأة، تعبد شهوتها.
﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43) ﴾
( سورة الفرقان)
*****لكن المؤمن وحده يعبد الله، يعبد خالِقَ الكون، يعبد ربَّ العالمين، يعبد المُسَيِّر، يعبد الحكيم، يعبد القدير، يعبد الغَني:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾
*****وفي درسٍ آخر إن شاء الله نُتابع هذه الآية.
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
12-03-2012, 01:57 AM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (11-95 ) تفسيرالآية 22 ، بناء السماء
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-09-04


بسم الله الرحمن الرحيم
*****الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*****أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الحادي عشر من دروس سورة البقرة.
السماء بناء لأن هناك نظاماً للجاذبية بين الكواكب:
*****مع الآية الثانية والعشرين، وهي قوله تعالى:
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾
*****أولاً أيها الأخوة الكرام: السماء بناء لأن هناك نظاماً للجاذبية فيما بين الكواكب، لولا حركة الكواكب في مساراتٍ مغلقةٍ لأصبح الكون كُتلةً واحدة، لأن الجسم الأكبر يجذب الأصغر، فحركة الكواكب ينشأ عنها قوى نابذة تكافئ القِوى الجاذبة، فالسماء بناء، لولا هذه المسارات المُغْلقة لاضطربت الحركة، وأن السماء كما قال الله عزَّ وجل:
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾
( سورة الطارق )
*****أي أن كل كوكبٍ يدور في مسارٍ مغلق، تتناسب هذه الدورة باتساعها وسرعتها مع قوة جذب النجم الآخر له، إذاً ينشأ ما يُسمى في الميكانيك توازن حركي، كل شيء متحرِّك وكل شيء متوازن، هذا بناء ضخم، فلا بدَّ من توضيح هذه الحقيقة، لو أتيت بسطحٍ سوي مستوٍ تماماً وجئت بكتلتين مغناطيسيتين بحجم بعضهما تماماً وأتيت بكرةٍ بينهما، لاستطعت بجهد خيالي أن تثبِّت هذه الكرة في المتوسط بين الكُتلتين، بحيث يتكافأ جذب الكُتلتين لهذه الكرة فتقف في الوسط، أما لو زاحت عُشْر الميليمتر لانجذبت إلى الكتلة الأولى، لو زاحت عُشر الميلي بجهة الكتلة الثانية لانجذبت إلى الكتلة الثانية، هي تحتاج إلى جهد كبير جداً كي تستقر في الوسط، أما إذا كانت الكتلتان غير متساويتين، تحتاج إلى حسابات رياضية كثيرة جداً، وإذا كانت الكتلتان ثلثين وثلثاً فلا بدَّ من أن تضعها في مسافةٍ تتناسب مع جذب الكبرى ومسافةٍ تتناسب مع جذب الصغرى، حسابات.
هذا الكون مبنيٌ بناءً رائعاً أساسه التوازن الحركي:
*****أما إن كانت ثلاث كتل أو أربع كتل، وكل كتلة لها حجم، ولها قوة جذب !! الحديث قبل قليل على سطح مستوٍ، أما إذا كانت هذه الكتل في فراغ وكانت متحرِّكة وبأحجام مختلفة، ومسافات مختلفة، وسُرعات مختلفة، فالإعجاز أن تتوازن هذه الكتل المتفاوتة في الحجم والسرعة والمسافة وهي في فراغ ومتحركة، والمحصلة توازن، هذا هو التوازن الحركي المعجز.
﴿ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (67) ﴾
( سورة الزمر: آية " 67 " )
*****بيده ملكوت السماوات والأرض، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً (22) ﴾
*****السماء بناء، والله سبحانه وتعالى هو الذي بنى هذا النظام وبنى هذه المجرَّات، قد يسأل أحدكم: كم مجرة في الكون ؟ لا يزال الكون مجهولاً، أما المعلومات المتواضعة التي وصل إليها العلماء مليون ملْيون مجرة، وفي أكثر هذه المجرات مليون ملْيون كوكب ونجم، وكل هذه المجرات مُترابطة مع بعضها البعض بقوى التجاذب، ومتحرِّكة بمساراتٍ مغلقة حيث إن هذا الكون مبنيٌ بناءً رائعاً أساسه التوازن الحركي.
﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً (32) ﴾
( سورة الأنبياء: آية " 32 " )
أروع ما في هذه الآية أن كلمة (تزول) أعطت معنيين في آنٍ واحد:
*****أيها الأخوة الكرام، من الآيات التي تشير إلى هذا المعنى، قول الله عزَّ وجل:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا (41) ﴾
( سورة فاطر: آية " 41 " )
*****تحمَّلوا قليلاً، هذه آياتٌ دالةٌ على عظمة الله عزَّ وجل.
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا (41) ﴾
( سورة فاطر: آية " 41 " )
*****الزوال هو الانحراف، أي إن لهذا الكوكب مسار، لو أنه خرج عن مساره، ماذا يحصل ؟ لو أنه زال عن مساره، أقرب مثال هو الأرض، لو أن الأرض في دورتها حول الشمس خرجت عن مسارها ما الذي يحصل ؟ قال: حينما تبتعد هذه الأرض عن مسارها، تبتعد عن مصدر الطاقة والحرارة، تُصبح الأرض كوكباً جليدياً متجمِّداً تنعدم فيها الحياة لأن الوجه غير المقابل للشمس، إذا ثبتت الأرض من دون أن تدور تهبط حرارته إلى مئتين وسبعين تحت الصفر، تنعدم الحياة، لو أن الأرض توقفت لصار طرف الوجه المقابل للشمس ثلاثمئة وثلاثين درجة، بينما بلغت على الوجه الآخر مئتين وسبعين درجة تحت الصفر، انتهت الحياة، لو أنها خرجت عن مسارها وانطلقت بعيداً في الفضاء الخارجي، وحُرِمت من أشعة الشمس ومن طاقتها ودفئها أيضاً لأصبحت كوكباً متجمداً، ومع الصفر المُطلق تتلاشى حركة الذرَّات، ومع تلاشي حركة الذرَّات تنتهي الأرض، أروع ما في هذه الآية أن كلمة تزول أعطت معنيين في آنٍ واحد، لو أن الأرض انحرفت عن خط سيرها، لو أن الأرض زالت عن خط سيرها لزالت وتلاشت.
حركة الأرض حول الشمس من الآيات الدالة على عظمة الله تعالى:
*****قال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا (41) ﴾
( سورة فاطر: آية " 41 " )
*****للتقريب لو أن الأرض خرجت عن مسارها، وأردنا أن نعيدها إلى مسارها ـ طبعاً هذا كلام كله افتراضي، لكن الهدف منه أن تعرف ما معنى ارتباط الأرض بالشمس ـ قال: نحتاج إلى مليون ملْيون حبل فولاذي ـ أمتن عنصر في الكون الفولاذ المَضفور، لذلك المصاعد والتليفريكات كلها تستخدم الحبال الفولاذية المضفورة لأنها أمتن عنصر ـ لو أردنا أن نعيد الأرض إلى مسارها حول الشمس لاحتجنا إلى مليون ملْيون حبل فولاذي، قطر كل حبل خمسة أمتار، ما معنى حبل فولاذي قطره خمسة أمتار ؟ أي أن هذا الحبل يقاوم من قوى الشد مليوني طن، ملخَّص الكلام أن الأرض مرتبطة بالشمس بقوة جذبٍ تساوي مليون ملْيون ضرب مليوني طن، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا (41) ﴾
( سورة فاطر: آية " 41 " )
*****لو أنها خرجت عن سيرها لزالت وتلاشت، الأرض مربوطة بقوة جذب تساوي مليونين ضرب مليون ملْيون طن، كل هذه القوة من أجل أن تُزيح الأرض عن مسارٍ مستقيم ثلاثة ميلي في الثانية، من ثلاثة ميلي كل ثانية ينشأ مسار مُغلق حول الشمس، ثلاثة ميلي في الثانية على مدى العام ينشأ مسار حول الشمس مغلق، هذه حركة الأرض حول الشمس.
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً (41) ﴾
( سورة فاطر: آية " 41 " )
*****أجل رحيم على جهل عباده، وعلى انحرافهم.
مسار الأرض إهليلجي:
*****هناك شيء ثانٍ أيها الأخوة ـ لعلي قلته لكم سابقاً لكن لا بدَّ من إعادة ذكره الآن ـ مسار الأرض في دورتها حول الشمس إهليلجي ؛ بيضوي، والشكل البيضوي له قطران أصغري وأعظمي، وإذا كانت الأرض في القطر الأصغري تزيد من سرعتها لينشأ من هذه السرعة الزائدة قوةٌ نابذةٌ زائدة تكافئ المسافة القليلة التي تزداد فيها قوة جذب الشمس، توازن دقيق، في المنطقة ذات القُطر الأدنى تزيد السرعة، أما في المنطقة ذات القطر الأعظمي تتباطأ السرعة، لو أنها زادت لتفلَّتت الأرض من جذب الشمس، فكلما أبطأت السرعة زاد الجذب، وكلما زادت السرعة قلَّ الجذب، ففي القطر الأصغر تزيد السرعة، وفي القطر الأكبر تقل السرعة، ينشأ من هذه الزيادة وهذا النقصان تفاوت في سرعة الأرض، أما لو كان هذا التفاوت عنيفاً، أو لو كان التسارع عالياً لتهدم ما على الأرض، معنى أن التسارع عالٍ نقول: هذه السيارة تنطلق من صفر إلى مئة في ثلاث ثوان تسارع عالٍ جداً، من صفر إلى مئة في عشرين ثانية تسارع أقل، لو أن التسارع كان عالياً جداً لتهدم كلُّ ما على الأرض، الله لطيفٌ بعباده، تزداد السرعة شيئاً فشيئاً وتنخفض شيئاً فشيئاً، من هذا الازدياد البطيء والانخفاض البطيء يسلم كل ما على الأرض، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً (22) ﴾
*****السماء مبنية.
الله جلَّ جلاله يمسك السماء أن تقع على الأرض:
*****يقول الله جلَّ جلاله في آيةٍ أخرى:
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ (65) ﴾
( سورة الحج: آية " 65 " )
*****لو أن كوكباً انجذب إلى كوكبٍ واصطدما لانتهت الحياة على الكوكبين، فالله جلَّ جلاله يمسك السماء أن تقع على الأرض، رَصدوا قبل سنوات وسنوات مذنباً يتِّجه نحو الأرض وظنوا أنه سوف يصطدم بها، وظنوا أن هذا هو يوم القيامة، ثمَّ حوَّل المذنب وجهته قبل مسافةٍ طويلة، فلو سمح الله عزَّ وجل في أية لحظة لكوكبٍ أن يصطدم بكوكب آخر لانتهت الحياة، فالله جلَّ جلاله يقول:
﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ (65) ﴾
*****وفي آيةٍ ثالثة:
﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً (32) ﴾
( سورة الأنبياء: آية " 32 " )
*****لننظر في الظواهر التي تجري في العالم الآن، فمثلاً هذا الفيضان الذي شَرَّد مئتين وخمسين مليون إنساناً في الصين وجعلهم بلا مأوى، والذي أنهى آبار النفط كلها، والذي أتلف المحاصيل كلها، وجعل الصين تعيش في مصيبةٍ ما بعدها من مصيبة وذلك كله بسبب ارتفاع درجات الحرارة في الأرض، وهذا الارتفاع بسبب تَخَلْخُل طبقة الأوزون التي هي السقف المحفوظ للأرض، والسبب أن الإنسان حينما تعلَّم ولم يوازي علمه دينه غيَّر خلق الله عزَّ وجل، قال تعالى:
﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ (119) ﴾
(سورة النساء )
نهاية العلم أن يعود الإنسان إلى التصميم الإلهي:
*****هناك غازات ناجمة عن بعض الصناعات أثَّرت على طبقة الأوزون المحيطة بالأرض والتي مهمتها الخطيرة حفظ الأرض من وصول القسم الضار من أشعة الشمس إليها، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً (32) ﴾
( سورة الأنبياء: آية " 32 " )
*****محفوظاً من كل ما يؤذي الإنسان، فلما تخلخلت هذه الطبقة ارتفعت الحرارة، فذابت الثلوج في القطبين، وهذا انعكس على مُناخ الأرض، فالمُناخ الذي تمر به الأرض مناخ غير طبيعي، ما عهدنا أن تصل الحرارة في دمشق في الشمس إلى إحدى وسبعين درجة، وما عهدنا أنها تصل في الظل إلى إحدى وخمسين درجة، ما عهدنا أنها تصل في الخليج إلى أربعة وثمانين درجة بالشمس، وإلى سبع وخمسين بالظل، وضع غير طبيعي، ناجم عن تغيير خلق الله عزَّ وجل، تحتل مشكلة البيئة في العالم كله الآن المرتبة الأولى، اخترع الإنسان وصَنَّع لكن هذا الاختراع كان وبالاً عليه، ويسير الإنسان الآن في طريق العودة إلى أصل التصميم الإلهي.
*****سمعت أن الدول المتقدمة بالمفهوم العصري تشتري الفاكهة التي لم تُسَمَّد بالأسمدة الكيماوية، والتي لم تُرش بالمبيدات الكيماوية، بعشرة أضعاف ثمن الفاكهة التي سُمِّدت وكوفحت آفاتها بالأدوية الكيماوية، حرصاً على عدم تغيير بنية هذه الفاكهة، وهذا ينعكس على أجسامنا أوراماً خبيثة، فالقضية يجب أن نعود إلى أصل التصميم الإلهي، الأصل أن الله جعل السماد طبيعياً وجعل المكافحة حيوية، وهذا ما يطمح إليه العالم في المستقبل، نهاية التقدُّم، نهاية العلم أن تعود إلى التصميم الإلهي في إنبات النبات وتسميده، ومكافحة الحشرات والأوبئة النباتية.
تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز:
*****أيها الأخوة الكرام تقول الآية الكريمة:
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً (22) ﴾
*****هناك علاقة وثيقة بين قوله تعالى في الآية السابقة، وبين تتمة الآية:
﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ (32) ﴾
*****لحكمةٍ إلهية جعل الله رِزْقَ الإنسان في الأمطار، الأمطار وحدها آيةٌ من آيات الله الدالة على عظمته، من أين جاءت هذه البحار ؟ فقد سمعت أن مرصداً عملاقاً في أوروبا يستخدم الأشعة فوق البنفسجية في كشف النجوم، اكتشف سحابة كونية، سحابة واحدة من بين آلاف السحب تستطيع هذه السحابة أن تملأ البحار كلَّها ستين مرة في يوم واحد بالماء العذب، فكل من يقول: إن الرزق محدد، وهناك أزمة مياه في العالم وأزمة رزق في العالم، فرد عليه بأن:
﴿ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ الْمَتِينُ (58) ﴾
(سورة الذاريات)
*****إن ربنا حينما يقنن، يقنن تقنين تأديب، ولا يقنن تقنين عجز.
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) ﴾
(سورة الشورى)
الكون من آيات الله الدالة على عظمته:
*****الحديث عن السماء وكيف أنها بناء حديثٌ دقيقٌ جداً، السماء بناء بكل معنى الكلمة، ذكرت مرةً أن الإنسان لو أراد أن يصل إلى أقرب نجم ملتهب من الأرض، نحن حولنا كواكب منطفئة، القمر منطفئ، المريخ منطفئ، أما إذا أردنا أن نصل إلى أقرب نجم ملتهب قال العلماء أن بعده عنا أربع سنوات ضوئية، بحسابٍ بسيط جداً يقطع الضوء في الثانية ثلاثمئة ألف كيلو متر ضرب ستين في الدقيقة، ضرب ستين بالساعة، ضرب أربعة وعشرين في اليوم، ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين في السنة، ضرب أربع سنوات، هذا الرقم سهل لتقوموا أنتم بحسابه احسبوه مساء اليوم ثلاثمئة ـ اترك الأصفار مبدئياً ـ ضرب ستين ضرب ستة ضرب ستة ضرب أربعة وعشرين ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين بعد ذلك أضف الأصفار المحذوفة، ينتج معك رقمٌ هو المسافة بالكيلو مترات بيننا وبين هذا النجم الملتهب.
*****لو فرضنا تبسيطاً للحقيقة ركبت سيارتي واتجهت إلى هذا النجم بسرعة مئة كيلومتر في الساعة، تقسم هذا الرقم الذي هو بعد النجم عن الأرض على مئة، كم ساعة ؟ على الأربعة والعشرين كم يوم ؟ على ثلاثمئة وخمسة وستين كم سنة ؟ تحتاج إلى خمسين مليون سنة كي تصل إلى أقرب نجم مُلتهب، و الأدق من ذلك ثمانية وأربعين تقريباً وحساب الرقم سهل جداً، أربع سنوات ضوئية، ثلاثمئة ألف ضرب ستين ضرب ستين ضرب أربعة وعشرين ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، هذا هو الرقم، تقسيم مئة كم ساعة ؟ تقسيم أربعة وعشرين كم يوم ؟ تقسيم ثلاثمئة وخمسة وستين كم سنة ؟ يكون الناتج قريباً من خمسين مليون سنة.
*****دقق الآن ؛ بُعد نجم القطب عنا أربعة آلاف سنة ضوئية، كنا أربع سنوات صرنا أربعة آلاف بُعد نجم القطب، تبعد عنا ـ مجرة المرأة المسلسلة وهي صغيرة ـ مليون سنة ضوئية، كشف العلماء قبل خمس أو ست سنوات أبعد مجرة أربعة وعشرين ألف مليون سنة ضوئية، ورد من سنة ونصف في محطة أخبار عالمية أنهم أرسلوا مرصداً على مركبة إلى المشتري، ورصد أبعد مجرة حتى الآن رقم بسيط جداً، ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية، الرقم أحفظه بدقة لأنه ملفت للنظر، نحن على بعد أربع سنوات نحتاج خمسين مليون سنة إلى أن نصل فما بالك بثلاثمئة ألف بليون ؟!!
خشية الله محصورةٌ في العلماء:
*****قال تعالى:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾
( سورة الواقعة )
*****لو تعلمون:
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (28) ﴾
( سورة فاطر: آية " 28 " )
*****كلمة
﴿إنما﴾
*****تعني أن العلماء وحدهم ولا أحد سواهم يخشون الله،
﴿إنما﴾
*****الخشية محصورةٌ في العلماء، مطلق العلماء، يقول أحد أكبر علماء الفيزياء: كل إنسان لا يرى فوق هذا الكون قوةً هي أقوى ما تكون، عليمةً هي أعلم ما تكون، رحيمةً هي أرحم ما تكون، حكيمةً هي أحكم ما تكون، هو إنسانٌ حي في جسده وشكله ولكنه ميت في عقله ونفسه وفطرته التي تَنَكَّرَ لها.
معرفة الله تسمو بنا وإلا فنحن كالدابة كما ورد في الذكر الحكيم:
*****أخواننا الكرام والله الذي لا إله إلا هو إن الذي لا يعرف الله عزَّ وجل، والله هو كالدابة تماماً.
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً (5) ﴾
( سورة الجمعة: آية " 5 " )
*****هذه هي الحقيقة:
﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) ﴾
( سورة الفرقان )
*****وقال:
﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) ﴾
( سورة النحل )
*****لا بدَّ من أن نعرف الله، معرفة الله عِلَّة وجودنا، معرفة الله تسمو بنا، معرفة الله تسعدنا، معرفة الله تحقق الهدف من وجودنا، معرفة الله تُفْضي بنا إلى الجنة وهذا هو الأصل.
حينما تقرأ كلام خالق الأكوان تجد في قلبك سلامة الإيمان:
*****أنتم جميعاً ترون الشمس، وحجمها بالدقة يزيد عن حجم الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، فلو وضعنا في الشمس مليوناً وثلاثمئة ألف أرض من أراضينا لوسعت كل هذا العدد، والمسافة بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر، يقطعها الضوء في ثماني دقائق، هناك نجمٌ صغير أحمر اللون اسمه قلب العقرب في برج العقرب، قال ربنا:
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) ﴾
( سورة البروج )
*****تتم الأرض دورتها حول الشمس في اثني عشر شهراً، تمر في كل شهر ببرج، هذا البرج اسمه مثلاً برج الميزان، وهنا برج العقرب، تجد في برج العقرب نجماً أحمر اللون متألِّقاً اسمه قلب العقرب، هذا النجم يتسع للأرض والشمس معاً، لكن مع المسافة بينهما، كم حجمه ؟ علمه عند الله، ذلكم الله رب العالمين:
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (28) ﴾
( سورة فاطر: آية " 28 " )
*****وبعد أيُعصى هذا الإله ؟!! يعرض عنه ؟! يُزْهَد في وعده ويغفل أحد عن وعيده ؟! ألا ترجى رحمته ؟! ألا يخشى عذابه ؟! بيده ملكوت كل شيء هو نفسه أنزل هذا القرآن، أنزله على النبي العدنان، إنه كلامه، أنت حينما تقرأ هذا الكلام الذي هو كلام خالق الكون، كلام الذي بيده ملكوت كلِّ شيء، كلام الذي إليه يرجع الأمر كله، كلام الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، كلام الذي بيده الخلق والأمر، كلام الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، كلام الذي إليه المصير، تجد في قلبك برد اليقين وصحة الدين كما تجد سلامة الإيمان، لذلك:
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ (22) ﴾
المطر وحده آية من آيات الله الدالة على عظمته:
*****كيف جعل الله أربعة أخماس الأرض بحاراً وخمسها يابسة، وجعل مناطق ساحلية من اليابسة خضراء، ومناطق داخلية صفراء، يا رب لمَ من اليابسة هذه الأراضي الصحراوية ؟ لا ماء ولا نبات، حر شديد ؟ إنها معمل، هذه الصحراء معمل، الهواء فيها ساخن جداً بينما هو بارد جداً بالأماكن الباردة، الهواء البارد ثقيل، كثيف، ضغطه مرتفع، الهواء الحار مخلخل ضغطه منخفض، حينما توجد منطقتان إحداهما ذات ضغطٍ منخفض، والثانية ذات ضغطٍ مرتفع يتحرَّك الهواء بينهما، إذا تحرَّك ساق بخار الماء الذي في الهواء، ساقه من البحر إلى الداخل، لما ساقه إلى الداخل واجه جبهاتٍ باردة فانعقد المطر، فكانت هذه الخيرات، وهذه الأشجار، وهذه النباتات، وهذه الينابيع، وهذه الأنهار مثلاً بكثافة مياه الأمازون ثلاثمئة ألف متر مكعب في الثانية ، غزارته في الثانية ثلاثمئة ألف متر مكعب، أين ينابيع هذا النهر ؟ أين مستودعاته ؟ تصوَّر نهراً يقدم ثلاثمئة ألف متر مكعب في الثانية، أين مستودعاته ؟ فكل دمشق بما فيها من سكان يشربون من نبعٍ غزارته أثناء التفجُّر ستة وثلاثون متراً مكعباً في الثانية، وفي أيام نضوب الينابيع تكون متراً مكعباً واحداً في الثانية، وتشرب كل دمشق من هذا النبع، فثلاثمئة ألف متر مكعب في الثانية هذه من أين ؟ أين المستودعات ؟ ذلكم الله رب العالمين.
*****المطر وحده آية من آيات الله الدالة على عظمته، من قال: إن الهواء يحمل بخار ماء بكل درجة، كل درجة يستوعب بها الهواء كمية بخار ماء خاصة، لولا هذه الخاصة لم تكن الأمطار، فالهواء الحار يحمل كمية بخار كبيرة، وعندما يواجه جبهة باردة ينكمش، يعصر، قال الله عزَّ وجل :
﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً (14) ﴾
( سورة النبأ )
*****تنزل غزيرةً، والله عزّ وجل إذا أعطى أدهش، قرأت مرَّة خبراً أنه قد نزَلت أمطار في رأس الخيمة في ليلة واحدة تقارب مئتين وخمسين ميليمتراً، أي تساوي أمطار دمشق في كل موسم الشتاء، إذا أعطى أدهش، كل شيء عند الله عزّ وجل قد يكون رحمة وقد يكون عذاباً، الرياح نعمة، أما الريح ـ ريح صرصرٍ تأخذ كل شيء ـ لا تبقي شيئاً، الأعاصير، فالماء قد تغرق في الماء كما هي الحال في الصين، وقد تنتعش بالماء، وهكذا كل شيء.
كل شيء خلقه الله عزَّ وجل خصيصاً للإنسان:
*****قال تعالى:
﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ (22) ﴾
*****هذا موسم فواكه، يأكل الإنسان كل يوم منها صنفاً أو أصنافاً، فهل خطر في بالك من صنع هذه البطيخة ؟ من صممها بهذا الحجم ؟ أساسها بذرة واحدة، من أين جاء هذا الطُعْم الحلو ؟ وهذا اللون الأحمر ؟ وهذه المواد المُدِرَّة ؟ وهذه المواد المفيدة ؟ ومن جعل هذه القشرة سميكة جداً وذات شكل بيضوي ؟ وتجد السيارة تحمل عشرة أطنان من البطيخ، البطيخ في الأسفل كما هو في الأعلى، لأن الشكل البيضوي أكبر شكل يقاوم الضغط، لأن الضغط على أي مكان فيه يوزَّع على كل سطح هذا الشكل، كالبيض تماماً تضع مئة بيضة في سلة، فالبيضة التي في الأسفل لا تتأثر أبداً، تأكل التفاح والدراق والإجاص، هذه الفاكهة لها طعم، لها شكل، لها قشرة خاصة، لها لون، لها مكوِّنات، لها قِوام، من جعل قِوامها، ومكوِّناتها، وطعمها، وشكلها، ولونها يشتهيه الإنسان ؟
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ (22) ﴾
﴿ لكم ﴾
*****لكم خصيصاً لكم، قد تُدعى إلى وليمة وأنت ضيف الشرف كل هذا الطعام صُنِع من أجلك أيّها الإنسان، قد يطرق الباب طارق، ضيف زائر تفضَّل وكُلْ، لكن هذا الطعام لم يصنع لهذا الضيف الطارق صنع لضيف الشرف، يجب أن تعلم علم اليقين أن كل شيء خلقه الله عزَّ وجل خصيصاً لك، هذا يُستفاد من قوله تعالى
﴿ لكم ﴾
﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ (5) ﴾
( سورة النحل: آية " 5 " )
كل ما في الكون مسخر للإنسان من أجل أن يعرف الله وأن يسعد بقربه:
*****قال تعالى:
﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ (72) ﴾
( سورة يس: آية " 72 " )
*****هذه الحيوانات الأليفة ـ سبحان الله ـ جمل وزنه ثلاثة أطنان يقوده طفل صغير لا يخاف منه، لكن والد هذا الطفل يخرج من جلده إذا رأى عقرباً صغيراً، عَقرب صغير هذا غير أليف، ترى طائراً وديعاً تشتهي أن تَضُمَّه، الجُرذ بنفس الشكل والانسياب لا تتحمل أن ترى منظره، فمن صَمَمَ هذا الحيوان المُحَبَب وذاك غير مُحَبَب، هذا أليف وذاك غير أليف ؟ الغنمة يقول لك: فلان مثل الغنمة، لو رَكَّب الله فيها طباع الضبع من يجرؤ أن يشتري غنماً ليذبحها في العيد ؟ يقول لك: انضبعنا فيها، فلان مضبوع أي خائف، مأخوذة من الضبع:
﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ (72) ﴾
( سورة يس: آية " 72 " )
*****وقال:
﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ (5) ﴾
( سورة النحل: آية " 5 " )
*****تتبع كلمة
﴿ لكم ﴾
*****في القرآن كلُّه مسخَّرٌ لك من أجل أن تعرفه، من أجل أن تعبده، من أجل أن تسعَد بقربه.
حينما تخضع لإنسان فقد جعلته نداً لله:
*****قال تعالى:
﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ (22) ﴾
*****الفواكه تكريم للإنسان ؛ كرز، مشمش، تفاح، دُراق، إجاص، بطيخ، البطيخ أنواع منوَّعة، العنب أنواع منوَّعة، أنواعٌ لا يعلم عددها إلا الله، كلَّها مصممة من أجل أن تأكلها، وأن تعرف الله من خلالها:
﴿ رِزْقاً لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾
(سورة البقرة: آية " 22 ")
*****لا أحد يقول طبعاً: إن هناك إلهاً آخر خلَق، أما أنت حينما تخضع لإنسان فقد جعلته نداً لله، ذكرت مرةً: أنه ـ دققوا في هذا الكلام ـ من أطاع مخلوقاً وعصى خالقه، فهو لم يقل: الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه في الأساس أطاع الأقوى في نظره، جعله نداً لله، هناك أشخاص يجعلون فتنة الناس كعذاب الله، مثلاً إذا هدده إنسان قوي فإنه يعصي الله، يشرب خمر لكي يتخلَّص من شره، أنت جعلت عذابه كعذاب الله، فحينما تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً فأنت لم تقل: الله أكبر ولا مرة، ولو رددتها بلسانك ألف مرة، هذا كلام دقيق، لأنك أطعت الأقوى في تصوِّرك، أطعت الأكثر فعَاليةً في تصورك، من لم يُقِم الإسلام في بيته إرضاءً لأهله ولأولاده فهو ما قال: الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه رأى أن إرضاء أهله وأولاده أغلى عنده من إرضاء الله عزَّ وجل، مَن غَشَّ المسلمين ما قال: الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه رأى أن هذا المال الحرام الذي يكسبه من غِشِّ المسلمين أغلى عنده من طاعة الله.
*****أحياناً يقول الإنسان كلمة واحدة تكشف أنه جاهل، لو قال لك أحدهم: أنا درست الطب وقال لك: كلما كثر الملح في الطعام يتحسن ضغطك وينخفض، هذا لم يدرس الطب، ولا هو طالب طب، وليست عنده ثقافة طبية، ولا معه بكالوريا، وهو خاو من أية ثقافة، مستحيل لأن الملح يرفع الضغط، وهو قال لك: كلما كثر الملح ينزل الضغط، هذا جهل مطبق، إنه تكلم كلمة لكن هذه الكلمة تُنبئك أنه جاهل.
لا أحد يستطيع أن يدعي خلق الكون إلا الله :
*****لو رسم أحدهم خارطة لسوريا، ووضع دمشق على الساحل هل يكون هذا عالماً ؟ هذا مُنْتَهى الخطأ، وهي غلطة كبيرة، فالإنسان عندما يطيع مخلوقاً ويعصي الخالق هذه غلطة كبيرة جداً، لذلك الكلمة التي أقولها دائماً: عندما يأكل الإنسان مالاً حراماً فإنه لا يعرف الله، لو عرف أن الله لا بدَّ من أن يُحاسبه، ولا بدَّ من أن يدفع الثمن باهظاً إن عصى الله، فإنه لن يعصي الله عزّ وجل، والذي يعتدي على أموال الآخرين، الذي يعتدي على أعراضهم، الذي يقيم الشِقاق بينهم، النَمَّام، المُغْتاب، هؤلاء جميعاً لم يعرفوا الله لو عرفوا الله لوقفوا عند حدودهم:
﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾
*****لا أحد يقول: إن هناك جهة خلقت الكون، لا أحد يستطيع أن يدعي خلق الكون إلا الله، الله يقول:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (4) ﴾
( سورة السجدة: آية " 4 " )
*****ما معنى نِداً لله ؟ النِّد هنا معناه أنك تطيعه كما لو كان إلهاً، تحبُّه كما لو كان إلهاً، تعبده كما لو كان إلهاً، تعلِّق الأمل عليه كما لو كان إلهاً، تخضَع له كما لو كان إلهاً، هذا:
﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾
المشكلة الكبيرة في العالم الإسلامي أن الناس يعبدُ بعضهم بعضاً :
*****أيها الأخوة الكرام، بمناسبة قوله تعالى:
﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾
*****هؤلاء لم يخلقوكم، ولم يرزقوكم، ولا يملكون نفعكم ولا ضرَّكُم، ومع ذلك تتخذونهم أنداداً ؟! وهذه مشكلة كبيرة في العالم الإسلامي، الناس يعبدُ بعضهم بعضاً، يقول الله عزّ وجل:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ (165) ﴾
( سورة البقرة: آية " 165 " )
*****أن تتخذ نِداً لله أي أن تُحِبَّه كحب الله، وأن تخافه كما تخاف الله، وأن ترجوه كما ترجو الله، وأن تُعَلِّق عليه الأمل كما تُعلق الأمل على الله عزَّ وجل.
﴿ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (165) ﴾
( سورة البقرة: آية " 165 " )
*****أي ظلموا أنفسهم حينما أحبوا أندادهم كحب الله.
الذي ينبغي أن يُحَب هو الله وحده لأنه أصل الكمال:
*****الذي ينبغي أن يُحَب هو الله وحده لأنه أصل الكمال، وأصل النوال والعطاء، وأصل الجمال، الذي ينبغي أن تحبَّه وحده هو الله.
﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) ﴾
*****وقال:
﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً (8) ﴾
( سورة الزمر: آية " 8 " )
*****أي قد يمرض ابن الرجل مرضاً شديداً، فيأخذه إلى طبيب، يلهم هذا الطبيب بتوفيق الله أن يشخص المرض ويحدده، ويُلهم وصف الدواء المناسب فيشفى هذا الابن، ونسي الأب الله وعزا الشفاء إلى الطبيب، تُوكِّل محامياً فأكرمك الله عزّ وجل بأن ألهمه المذكرة الدقيقة وألهم القاضي أن ينصفك فأنصفك، تعزو نجاح الدعوى إلى هذا المحامي وذاك القاضي، لذلك قال تعالى:
﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) ﴾
( سورة الزمر)
الشرك الخفي هو أن ترى مع الله أحداً:
*****وقال:
﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12)﴾
( سورة يونس)
*****لتكن هذه الآية مناراً يهديك، فلا تنزلق في مهاوي الشرك ويحبط ـ لا سمح الله ـ عملك، إنها:
﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)﴾
*****وبعد ؛ فإن الإنسان إذا عَزَا الأمور إلى قوَّته، أو إلى حكمته، أو إلى علمه، أو إلى قوة الآخرين وعلم الآخرين فقد أشرك، إذاً الحذر الحَذر ولا ينبغي أن ترى مع الله أحداً، هذه الآية أيها الأخوة من الآيات الدقيقة التي تبيِّن أن الشرك الخفي هو أن ترى مع الله أحداً، أن تتخذ من دون الله أنداداً تحبُّهم كما ينبغي أن تحبَّ الله عزّ وجل.
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
12-03-2012, 02:00 AM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (12- 95):تفسيرالآية 23 ، الإعجاز في القرآن
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-09-11


بسم الله الرحمن الرحيم
*****الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*****أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني عشر من دروس سورة البقرة.
الكون خَلْقُ الله والقرآن كلامه:
*****مع الآية الثالثة والعشرين، وهي قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) ﴾
*****أيها الأخوة الكرام، هاتان الآيتان متعلِّقتان بالقرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض، والسماوات والأرض تعبيرٌ قُرْآني يعني الكون، والكون ما سوى الله، خلق الله جلَّ جلاله السماوات والأرض وأنزل على عبده الكتاب، فالكون خلقه والقرآن كلامه، بل إن القرآن في آيةٍ أخرى وضع في كفةٍ والكون في الكفة الثانية:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (1) ﴾
( سورة الأنعام: آية " 1 " )
*****وقال:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (1) ﴾
( سورة الكهف: آية " 1 " )
*****أهم شيءٍ بعد خلق الكون هذا المَنهج الذي أنزله الله على سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
أهم شيءٍ بعد خلق الكون هذا المَنهج الذي أنزله الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:
*****أيها الأخوة الكرام، يقول الله عزَّ وجل:
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾
( سورة الرحمن )
*****يواجهنا سؤال عن الترتيب في نظم هذه الآيات الأربع التي تشكل مطلع سورة الرحمن، أيعقل أن يعلم الإنسان القرآن قبل أن يخلق ؟
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾
( سورة الرحمن )
*****قال علماء التفسير: هذا ترتيبٌ رُتَبِي، وليس ترتيباً زمنياً، أي لا معنى لوجود الإنسان من دون منهجٍ يسير عليه، لو أنَّك اشتريت حاسوباً بثلاثين مليون ليرة من النوع المُعَقَّد جداً، هناك حواسيب تضع عليها نقطةً من دم تعطيك سبعة وعشرين تحليلاً في كبسة زر واحدة، فإذا كان لدى صاحب الحاسوب مئة تحليل، وأجرة كل تحليل ألف ليرة، كان دخله اليومي مئة ألف، فهذا الحاسوب لو أن الشركة الصانعة لم ترسل لك تعليمات التشغيل، إنك إن استعملته من دون تعليمات عَطَبْته، وإن خفت عليه ولم تستعمله جَمَّدَت ثمنه، أليست هذه التعليمات في أهمية الجهاز نفسه ؟ هل تقل هذه التعليمات من حيث الأهمية عن الجهاز نفسه ؟ فالإنسان أعقد آلة في الكون، هو المخلوق الأول.
الشر مخلوق أودعت فيه الشهوات وتحرَّك من دون منهج الله عزَّ وجل:
*****طبيعة الإنسان فيه شهوات، أودع الله فيه الشهوات، هذه الشهوات قوى دافعة، حب الطعام، حب النساء، حب العلو في الأرض، حب الخلود، هذه كلها شهوات، هذه الشهوات من دون منهج مدمِّرة، وهي مع المنهج قوى خَيِّرة، كيف أن السيارة حينما يقودها إنسان متمرِّس تنقله إلى أهدافه بيسرٍ وراحة، أما حينما يقودها إنسان مُغْمَى عليه، أو سكران تودي به إلى الهاوية، والمركبة نفسها لم تتغير، الإنسان أعقد آلة في الكون أودع الله فيه الشهوات..
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ (14) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 14 " )
*****تحتاج هذه الشهوات إلى مِقْوَد، تحتاج إلى قناةٍ نظيفة تسري خلالها، فما هو الشر ؟ مخلوق أودعت فيه الشهوات لم يعبأ بمنهج الله، يريد المال أخذه عدواناً، يريد المُتعة فعلها اغتصاباً، يريد العلو في الأرض بَنى مجده على أنقاض الآخرين، هذا هو الشر، مخلوق أودعت فيه الشهوات وتحرَّك من دون منهج الله عزَّ وجل.
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ (50) ﴾
( سورة القصص: آية " 50 " )
مهمة العقل البشري أن يكشف المُغَيَّبات من خلال الآثار:
*****أيها الأخوة، هذا الكتاب هو المنهج ولا معنى لوجود الإنسان من دون منهجٍ يسير عليه، لأنه في خطر من دون منهج، مركبة تنطلق بسرعة عالية في طريقٍ كلُّه منعطفات، وعن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره وادٍ سحيق أيضاً، فإذا أطفئت المصابيح فالحادث حتمي، وأنت كذلك مركبة، الطريق كله منعطفات وعن يمينك وادٍ وعن يسارك آخر، فهذا المنهج هو النور الذي به تبقى على الطريق، ومن دون منهجٍ لا بدَّ من أن يقع الإنسان في الوادي، فلذلك:
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾
( سورة الرحمن )
*****القضية في هذه الآية: ما الذي يؤكِّد لك أن هذا الكلام كلامُ الله ؟ أتمنَّى على كل مؤمن مع أنه مؤمن إيماناً قطعياً بأن هذا القرآن كلام الله، لكن أتمنَّى أن تدقق وأن تبحث وأن تتأمل وحتى تمتلئ قناعةً بالدليل والتعليل أن هذا القرآن كلام الله، بادئ ذي بدء أودع الله جلَّ جلاله في الإنسان عقلاً، مهمة هذا العقل أن يعرف ما غاب عنه من خلال آثاره، هذا ملخص الملخص، مهمة العقل البشري أن يكشف المُغَيَّبات من خلال الآثار، فكل هذا الكون يدلُّ على الله، كل هذا الكون مظهرٌ لأسماء الله الحسنى، كل هذا الكون تجسيدٌ لأسماء الله الحسنى، إذاً طريق معرفة الله من خلال التفكر في خلق السماوات والأرض، وفي القرآن ألفٌ وثلاثمئة آيةٍ تتحدث عن مظاهر الكون، إذاً من خلال الكون تعرف الله عزَّ وجل.
*****عرفت ربك، وعرفت أن لهذا الكون خالقاً، وأن لهذا الكون مربياً، وأن لهذا الكون مسيراً، لكن هناك أشياء لا تراها بهذا الكون، لماذا خلقني ؟ مهما تفكَّرت في الجبال، في الأمطار، في البحار، لا تعرف لماذا خلقك ؟ لا بدَّ من اتصالٍ مباشر بين هذا المخلوق الأول وبين خالقِه العظيم، فالصلة بين الخالق العظيم وهذا المخلوق هو هذا القرآن.
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119) ﴾
( سورة هود: آية " 119 " )
لا بدَّ من كتابٍ يسير عليه الإنسان مع التفكُّر في خلق السماوات والأرض :
*****أوضح لك سبب خلقك:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (4) ﴾
( سورة السجدة: آية " 4 " )
*****بيَّن لك أصل المخلوقات من آدم، بيَّن لك ما بعد الموت، بيَّن لك مصائر الشعوب، بيَّن لك الجنة والنار، فأنت لا بدَّ من كتابٍ تفهم فيه التفاصيل، لو دخلت إلى بناء جامعي تستنبط من خلال التأمُّل بالبناء حقائق كثيرة، تقول: كان المهندسون على أعلى مستوى، كان المهندسون على اتصالٍ وثيق بإدارة الجامعة، حتى هيئوا القاعات، والمدرَّجات، والحدائق، وأبنية الطلاب، وهذه المخابر، وفيه وسائل التهوية من الدرجة الأولى، والقاعات بشكل مدرجات، وهي واسعة تتناسب مع عدد الطلاب في السنة الواحدة، فأنت من خلال التأمُّل في بناء الجامعة تستنبط أشياء كثيرة، لكن مهما تأمَّلت لن تستطيع أن تستنبط النظام الداخلي للجامعة مهما تأمَّلت في الأقواس، وفي القاعات، وفي المدرجات، وفي الأبنية، وفي الساحات، وفي الحدائق، وفي الملاعب، لن تستطيع أن تستنبط كم كُلية في هذه الجامعة ؟ ولن تستطيع أن تستنبط من هم عمداء الكليات، وما نظام الترفيع، وكيف يقبل الطلاب في هذه الجامعة ؟ لا بدَّ من كُتَيِّب يشرح لك ذلك، هناك شيء خاضع للتأمُّل، وهناك شيء خاضع للإعلام، فأنت أولاً تستنتج أن أموالاً طائلة أنفقت على أبنية هذه الجامعة، هذا بالتأمل، وتستنبط أن هؤلاء المهندسين على أعلى مستوى، كما تستنبط أن هؤلاء المهندسين على اتصال شديد بإدارة الجامعة حتى جاءت خططهم متوافقةً مع حاجات الجامعة، هذا كله تستنبطه بالتأمُّل والتفكُّر، أما أن تعرف كم كلية في الجامعة ؟ من هم عمداء الكليَّات ؟ ما النظام الداخلي ؟ ما شروط القبول ؟ هذا لا بدَّ له من كتيب، لا بدَّ له من نظام، إذا تأمل الإنسان في الكون عرف أن لهذا الكون خالقاً فقط، عرف أن لهذا الكون مربياً يمدُّ مخلوقاته بما يحتاجون، عرف أن لهذا الكون خالقاً عليماً، وخالقاً حكيماً، وخالقاً غنياً، وخالقاً قديراً، وخالقاً رحيماً، هذا كله تستنبطه بالتأمل، أما لماذا خلقت ؟ لا بدَّ من أن تعرف هذا بشرح يأتيك من قبل الله عزَّ وجل، لماذا جاء بك إلى الدنيا ؟ ما الطريق الأمثل للسعادة في الدنيا والآخرة ؟ هل هناك آخرة ؟ من يقول لك هذا ؟ الله جلَّ جلاله، ولذلك لا بدَّ من كتابٍ تسير عليه مع التفكُّر في خلق السماوات والأرض، لا بدَّ من منهجٍ يُعَرِّفُك بحقيقة الكون، بحقيقة الحياة الدنيا، بحقيقة الإنسان، بالطريق الموصل إلى السلامة والسعادة، بالطريق الذي يحقق الهدف من وجودك، هذا كله في الكتاب الكريم.
مهمات العقل*ثلاث:مهمات العقل*ثلاث:
*****لقد بعث الله رسولاً ، ولكن بإمكان كل إنسان أن يدَّعي أنه رسول الله، كيف يعرف الناس أن هذا الإنسان بالذات هو رسول الله ؟ لا بدَّ من معجزة، لا بدَّ من أن يأتي هذا الرسول بعمل لا يستطيعه أي فرد من أبناء البشر لأنه من عند خالق البشر وحده، فالذي يجعل من العصا ثعباناً مبيناً هذا فوق طاقة البشر، والذي يجعل البحر طريقاً يبساً هذا فوق طاقة البشر، والذي يُلْقى في النار فلا يحترق بها هذا إذاً رسول، فربنا عزَّ وجل من أجل أن يعطي هذا الرسول دليلاً على أنَّه رسول أجرى على يديه المُعجزات، أولاً الكون كله يدل على الله، الله عزَّ وجل الحقيقة الكبرى في الكون، الكون كله يدلُّ على الله، وأنبيائه ورسله ومعجزاتهم تدل على أنهم رسل وأنبياء، أما القرآن فما الذي يؤكد لك أنه كلام الله ؟
*****لو جاءك وارد أن هذا القرآن من صنع محمد، كان عبقرياً، وكان ذكياً، وفصيحاً، وأديباً فنظم هذا الكتاب وأوهمنا أنه كلام الله، ما الدليل القطعي الذي لا يدعُ مجالاً للشك ؟ ما الدليل القطعي أي أن درجته مئة في المئة تؤكد أن هذا القرآن كلام الله ؟ الجواب: إعجازه ، الإعجاز، الدليل على وجود الله الكون، والدليل على صدق الأنبياء والرسل المعجزات، والدليل على أن هذا القرآن كلام الله إعجازه، فمهمات العقل الثلاث: أن يعرف الله من خلال الكون، وأن يعرف النبي من خلال المعجزة، وأن يعرف كلام الله من خلال الإعجاز، الآية الكريمة:
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) ﴾
المُعجزات شهادة الله للناس جميعاً أن هؤلاء الرُسُل هم رسله :
*****إعجاز القرآن دليل على أنه كلام الله عزَّ وجل، طبعاً هذه بعض الأدلة، وهناك أدلة كثيرة، قبل أن آتي بالدليل أطرح السؤال التالي: هل شهد الله لرسله أنهم رسله ؟ هل شهد الله لهم بذلك ؟ أنت كإنسان تلتقي بشاهد يقول لك: أنا أشهد أن لفلان مع فلان مئة ألف ليرة، لأنه أداها له أمامي، فإن يشهد لك إنسان على أمر ما قضية سهلة جداً، تلتقي أمامي معه وينطق تسمع بأذنك شهادته، أما كيف يشهد الله لك أن هذا الإنسان رسوله ؟ ما تعريف شهادة الله لرسله أنَّهم رُسُله ؟ جواب ذلك أن: شهادة الله لرسله تكون عن طريق المعجزات، فالمعجزة بحدِّ ذاتها شهادة الله لرسله أنهم رسله، يقول إنسان: أنا رسول الله، ما الدليل ؟ يقول: هذه العصا، الآن هي عصا، يلقيها أرضاً فإذا هي ثعبانٌ مبين، نَزَعَ يده فإذا هي بيضاءٌ للناظرين، يتكلم في مهده وهو صغير ! عمره ساعات، فهذه معجزة:
﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً (30) ﴾
( سورة مريم )
*****وقال:
﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) ﴾
( سورة الأنبياء )
*****انشق الجبل فخرجت منه النَّاقة تلك معجزة صالح لثمود، فالمُعجزات شهادة الله للناس جميعاً أن هؤلاء الرُسُل هم رسله.
شهادات من الله جلّ جلاله أن هذا القرآن كلامه:
*****هنا سؤال يطرح نفسه علينا: هل شهد الله لنا أن هذا القرآن كلامه ؟ طبعاً هناك مئات الشهادات، إحدى هذه الشهادات: أن في القرآن أمراً ونهياً ووعداً ووعيداً، فإذا طبَّقت الأمر قطفت ثماراً يانعة، وإن وقعت في النهي دفعت ثمناً قد يكون غالباً باهظاً، فحينما يقول الله عزَّ وجل:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً (97) ﴾
( سورة النحل: آية " 97 " )
*****الحياة الطيِّبة التي يحياها المؤمن شهادة الله له أن هذا القرآن كلامه.
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً (124) ﴾
( سورة طه: آية " 124 " )
*****المعيشة الضَنْك التي يحياها المعرض عن ربه شهادة الله له أن هذا القرآن كلامه، حينما يأتي المرابي فيخسر ماله كله دفعةً واحدة، دمار ماله كله شهادة الله له أن هذا القرآن كلامه لأن الله يقول:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا (276) ﴾
( سورة البقرة )
*****حينما يأتي المُتَصَدِّق فيدفع الصدقة فيضاعف الله له أمواله أضعافاً كثيرة، مضاعفة المال له شهادة الله له أن هذا القرآن كلامه، هذا أكبر دليل على أن هذا القرآن كلامه.
يحالفك التيسير حينما تبني حياتك على العطاء وتؤمن بالله:
*****إذا طَبَّقت الأمر وانتهيت عما نهى الله عنه، ترى أن الأحداث كلَّها تجري وفق منهج الله، وتحيا حياةً طيبة:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) ﴾
( سورة الليل )
*****متى تجد التيسير ؟ ترى التيسير عجيباً فكل شيء مُيَسَّر، الإشارات كلها خضراء، أي الطريق سالك، لا تقف أبداً، يحالفك التيسير حينما تبني حياتك على العطاء، وتؤمن بالله، وتتقي الله فلا تعصيه.
﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) ﴾
*****صار التيسير لنا قريناً في كل شؤون حياتنا، وحينما نقطف ثمرة أي أمر تَعَبَّدْنا به الله فهذه الثمرة هي في الحقيقة شهادة الله للمؤمن أن هذا القرآن كلامه، وحينما يرتكب الإنسان معصيةً فالثمن الذي يدفعه شهادة الله له أن هذا القرآن كلامه، هذا نوع من أنواع الإعجاز.
في هذا القرآن آيات ولو كانت من كلمتين إلا أن دلالتها مؤكدة ومعناها محقق:
*****لو كنت في غرفة تطل على ميناء بحري، وقال شخص لك: أنا مدير الميناء، وكل هذه البواخر بإمرتي حتى المُغادِرة، فرأيت باخرة ضخمة جداً بدأت تُغادر الميناء، فمن أجل أن تتأكد أنه فعلاً مدير الميناء، تقول له: هل بإمكانك أن توقف هذه الباخرة ؟ يقول لك: نعم، يتصل بها فإذا هي تقف، قلت له: أعدها إلى الميناء، قال لك: سأُعيدها، اتصل بها: أعادها إلى الميناء، فلما وقفت هذه الباخرة العملاقة التي حمولتها مليون طن، وقفت ثم عادت، معنى ذلك أن كلامه صحيح، والدليل إيقاف هذه الباخرة الضخمة وعودتها إلى الميناء، إنسان واقف في الميناء وقال لك: أنا مدير الميناء العام ! فقلت له: أحقاً ما تقول ؟ فقال: أنا معي الدليل، قلت له: هذه الباخرة الضخمة التي أقلعت الآن وسارت باتجاه الغرب، هل بإمكانك أن تعطيها أمراً فتقف ؟ يقول لك: نعم، أعطاها أمراً فوقفت، هل بإمكانك أن تعيدها إلى الميناء ؟ قـال لك: نعم، أعطاها أمراً آخر فرجعت، معنى هذا أن كلامه صحيح، ماذا أردت من هذا المثل ؟ أردت أن ترى أن في هذا القرآن آيات ولو كانت مثل هذه الآية من كلمتين أو أكثر:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا (276) ﴾
( سورة البقرة )
*****إلا أن دلالتها مؤكدة، ومعناها محقق، وهي دليل قاطع، فأنت مثلاً قد تجد شخصاً معه مئة مليون، غُرِّمَ بمبلغ من المال يقدر بمئة وثمانين مليوناً، بسبب ارتكابه غلطة بسيطة، فهل من المعقول أن يفقد إنسان ماله كله دفعة واحدة ولا يبقى لديه شيء ؟ نعم ! قال الله تعالى:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا (276) ﴾
( سورة البقرة )
*****ثلاث كلمات في الآية، مطبوعة بحرف صغير:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا (276) ﴾
( سورة البقرة )
*****معنى ذلك أن الذي أنزل هذا الكتاب وأمر فيه ما أمر ونهى فيه عما نهى هو الذي دمَّر ماله.
كل وعد في القرآن وكل وعيدٍ وكل أمرٍ وكل نهيٍ حينما تُطَبِّقه تقطف ثماره :
*****اصطلح أحدهم مع الله عزَّ وجل، فتغيرت أموره بعد أن اصطلح مع ربه، شعر بسعادة، شعر بطمأنينة، شعر بتوفيق، أموره ميَسَّرة، الطرق كلها سالكة، صار بيته جنة، يقرأ الآية:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً (97) ﴾
( سورة النحل: آية " 97 " )
*****هذه الآية الصغيرة هي من عند الذي جعل حياته طيبة، جعل بيته سعيداً، جعل أولاده أبراراً، جعل عمله موفقاً، شيء دقيق جداً، فكل وعد في القرآن، وكل وعيدٍ، وكل أمرٍ، وكل نهيٍ، حينما تُطَبِّقه تقطف ثماره، قطف ثماره دليل أنه كلام الله.
*****أحد الناس أشرك بالله فامتلأ قلبه خوفاً:
﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ (151)﴾
( سورة آل عمران: آية " 151 " )
*****هذا الخوف الذي أكل قلب هذا الخائف دليل على أن هذا القرآن كلام الله، هذا أحد الأدلة، هذه شهادة الله لنا أن هذا القرآن كلامه.
إذا قرأت كلام الله آيةً آية تجد أن الأحداث كلها تتحرك وفق منهج الله :
*****المسلمون في البدايات، عشرات الألوف في الجزيرة، بدو رُحَّل متخلّفون بالمقياس الحضاري، ليس عندهم علم، ولا جامعات، ولا أجهزة، ولا تطوِّرات، ولا تكنولوجية، كيف استطاعوا أن يفتحوا المشرقين وأن يصلوا إلى أطراف الدنيا، وأن يصلوا إلى مسافة قريبة من باريس، وإلى مشارف الصين، وأن تدين لهم الدنيا من أطرافها ؟ سرّ ذلك أنهم أقاموا الدين في قلوبهم وترجموه عملاً وسلوكاً ! قال الله تعالى:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ (55) ﴾
( سورة النور: آية " 55 " )
*****معنى ذلك أن هذا القرآن كلامه:
﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي (55) ﴾
( سورة النور: آية " 55 " )
*****أيها الأخوة، إذا قرأت كلام الله آيةً آية تجد أن الأحداث كلها بدءاً من المجرَّات إلى السماوات، إلى الأمطار، إلى البحار، كُلُّها تتحرك وفق هذا المنهج، لذلك فإن وقوع الوعد والوعيد شهادة الله لنا أن هذا القرآن كلامه، قال تعالى:
﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ (39) ﴾
( سورة يونس: آية " 39 " )
*****قال علماء التفسير: التأويل وقوع الوَعْد والوعيد.
الإيمان و الإخلاص سببان رئيسان للنصر :
*****أيها الأخوة أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون الواحد منا صادقاً، فإذا تعامل مع الله بصدق فو الله يرى العجب العُجاب، والله يرى الشيء الذي لا يُصَدَّق، لأن هذا القرآن كلامه سبحانه، الله عزَّ وجل قال:
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) ﴾
( سورة الصافات )
*****لا يمكن ومن رابع المستحيلات أن تكون جندياً لله وأن تُهْزَم، ذلك مستحيل، فإذا لم تنتصر فاعلم أن جُنْدِيَّتك لله قد اختلت، إن لم تنتصر فاعلم علم اليقين أن جنديتك لله قد اختلت، دعا إنسان إلى الله فلم تنجح الدعوة ومُنعت، فيقول: الأمر ليس بيدي ؟ نقول له: لا، اقرأ قوله تعالى:
﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) ﴾
( سورة غافر )
*****هل تجد أدق من هذا الكلام ؟
﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (51) ﴾
( سورة غافر )
*****معنى ذلك حينما تكون مؤمناً حقاً وحينما تكون مخلصاً حقاً لا بدَّ من أن تنتصر، ما من إلهٍ إلا الله، ليس في الوجود إلا الله عزَّ وجل.
الله وحده فعالٌ لما يريد:
*****الله تعالى هو الفعال وحده:
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾
( سورة البروج )
*****الله وحده فعالٌ لما يريد، أما الإنسان قد يُريد آلاف الأشياء، وقد يحال بينه وبين ما يُريد، ولكن الله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئاً:
﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) ﴾
( سورة يس )
*****إذاً:
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ (23) ﴾
*****أخواننا الكرام، أحياناً يكون للإنسان قضية في القضاء ومضى عليها ثماني سنوات مثلاً، ودفع مئات الألوف للمحامي، يقول له المحامي: نجحت الدعوى، كيف ؟ يقول له: وجدت اجتهاد بمحكمة النقض لصالحك، هل من المعقول أن أربع كلمات مطبوعة بمجلة تملأ قلب المحامي ثقة أن الدعوى نجحت.
*****القرآن أمامك، كلام رب العالمين، كلام خالق السماوات والأرض، الذي خلق مجرةً تبعد عنا ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية هو الذي أنزل هذا الكتاب، هذا الكتاب من عند خالق الكون، فأيهما أشدُّ مصداقيةً عندك ؟!! اجتهاد محكمة النقض قد ملأ قلبك سروراً، يقول لك: ربحنا الدعوى، كيف ربحتها ؟ هل ظهر الحكم ؟ لا، ولكن المحامي طمأنني، المحامي قال لي: هناك اجتهاد في محكمة النقص لمصلحتك.
*****إذاً: إن إنساناً اجتهد اجتهاداً صادراً عن محكمة النقص، وطبع في المجلة، واطلع عليه المحامي، وبلّغ الموكل به، وقال له: ربحنا الدعوى، فأفرحَ الموكل، فكيف إذا صدر الوعد من الله تبارك وتعالى لك أيها المؤمن ؟ فأيهما يبعث الأمل والرجاء والطمأنينة في قلب صاحبه ؟ أقرار محكمة ؟ أم وعد خالق السماوات والأرض ومن بيده الأمر كله ؟
آيات من القرآن الكريم تؤكِّد أن الأمر بيد الله :
*****قال تعالى:
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) ﴾
( سورة فاطر )
*****بيده ملكوت السماوات والأرض:
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)﴾
( سورة الأعراف )
*****وقال:
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26) ﴾
( سورة الكهف )
*****وقال:
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (10) ﴾
( سورة الفتح: آية " 10 " )
*****وقال:
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) ﴾
( سورة الزمر )
*****وقال:
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) ﴾
*****آياتٌ كثيرة تؤكِّد أن الأمر بيد الله.
قضية القرآن الكريم قضيةٌ مصيرية فهو منهج الله سبحانه :
*****إذا كان خالق الكون طَمْأنك وقال لك: أنت ما دمت مؤمناً ولك عملٌ طيب فلك عندي حياة طيبة، بكل الأحوال، في كل الظروف، في كل المناسبات، في كل الأقاليم، بأي بلد، بأي نظام، ما دُمْتَ مع الله، فالله معك.
كن مع الله تَرَ الله معك ***** واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنعه؟ ***** ثم من يعطي إذا ما منعك ؟
* * *
أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا ***** فإنا منحنا بالرضا من أحبنا
ولُذ بحمانا واحتمِ بجنابنـا ***** لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
* * *
*****أيها الأخوة الكرام: قضية هذا القرآن الكريم قضيةٌ مصيرية، هذا منهج الله، هذه تعليمات الصانع، لو كان عندك حاسوب وتعطَّل ولك جار تحبه حباً لا حدود له يعمل في بيع الخضر مثلاً هل تكلفه بأن يصلحه لك مع حبك الشديد له ؟ هذه ليست مهنته، تبحث عن الخبير، تبحث عن الوكالة، فلماذا في شؤون سعادتك الأبدية لا تبحث عن الخبير ؟
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) ﴾
( سورة فاطر )
كلَّما تقدَّم العلِم تطابق مع القرآن :
*****أيها الأخوة الكرام:
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا (24) ﴾
*****" لم، ولن "، لم لنفي الماضي، ولن للنفي على التأبيد أي المستقبل:
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا (24) ﴾
*****لم تستطيعوا أن تفعلوا في الماضي، ولن تستطيعوا أن تفعلوا بالمستقبل، والدليل: أنه مضى على إنزال هذا القرآن أكثر من ألفٍ وأربعمئة عام، هل استطاع العِلم كله في الأرض أن يأتي بشيءٍ يُناقض هذا القرآن ؟ بالعكس كلَّما تقدَّم العلِم تطابق مع القرآن، يعني:
﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) ﴾
( سورة الرحمن )
*****أين هذا البرزخ ؟ يلتقي البحران البحرُ الأحمر والبحر الأبيض في قناة السويس، وجد عُلَماء البحار أن للبحر الأحمر كثافةً وله مقومات، وله مكونات، وله درجة ملوحة تختلف عن البحر الأبيض، ويلتقي البحر الأبيض بالمحيط الأطلسي في مضيق جبل طارق، ومكونات المحيط الأطلسي وكثافته وملوحته تختلف اختلافاً بيّناً عن كثافة وملوحة ومكونات البحر الأبيض، ويلتقي البحر الأحمر بالبحر العربي في مضيق باب المَنْدَب.
بعض الأدلة عن إعجاز القرآن الكريم:
*****قال تعالى:
﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) ﴾
*****هذه الآية لم تُفَسَّر إلا بعد اختراع السُفُن الفضائية، فقد وجِدَ عن طريق التصوير الفضائي العالي خط بين كل بحرين ـ خط وهمي ـ هو فرق كثافة، فرق لون، فلما بحثوا وجدوه، لذلك أسلم أحد علماء البحار على ضوء فهمه دلالات هذه الآية، هذا من إعجاز القرآن الكريم، الأرض ؛ كانت قناعة الناس أن الأرض مُنْبَسِطة لكن الله عزّ وجل قال:
﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) ﴾
( سورة الحج )
*****لماذا لم يقل بعيد ؟ مع أن بعيد أقرب للذهن ؟ إنك كلما ابتعدت عن إحدى نقاط الكرة صار هناك عُمْق:
﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) ﴾
( سورة الحج )
*****بالنسبة للكرة العمق هو البعد عندما تكون المسافة بعيدة جداً، أما المسافة القصيرة فإن الخط مستقيم، أنت إذا ذهبت إلى دوما مثلاً تجد أن الخط مستقيم، أما إذا ذهبت إلى أمريكا سوف تدور نصف دائرة بالضبط، فصار البعد في الكرة هو العمق، هذا كلام خالق الكون.
أدلة أخرى عن إعجاز القرآن الكريم:
*****يركب أحدهم الآن سيارة فخمة جداً أو يركب طائرة من أحدث الطائرات تُقِل ستمئة وستين راكباً أو يركب باخرة تُقِل مليون طن، يقرأ قوله تعالى:
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (8) ﴾
( سورة النحل: آية " 8 " )
*****أين الخيل والبغال والحمير ؟ أنا أركب سيارة فخمة جداً ثمنها أربعة وعشرون مليوناً قال:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾
*****إذاً هو كلام خالق الكون:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾
*****وأنت في الطائرة:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾
*****وأنت في سيارة فخمة:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾
*****وأنت في يختٍ ضخمٍ:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾
من إعجاز القرآن العلمي:
*****لو أنَّه من كلام النبي عليه الصلاة والسلام لاكتفى بالقول: والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، انتهى، هذا الذي كان في عهد النبي، أما لأنه كلام خالق الكون:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾
*****حينما يصعد الإنسان إلى أعالي الطبقات، طبعاً يقلُّ هناك الأوكسجين، لذلك تضخ الطائرات ثمانية أمثال حجمها من الهواء ليكون الضغط فيها كالضغط في الأرض، تلاشى هذا الضغط لسبب أو لآخر لا بد من هبوط الطائرة في أي مكان في الأرض وإلا يموت الركاب جميعاً، فهذا هو الضيق الذي يَحْصَل للإنسان إذا ركب طائرةً مُخَلْخَلَة، قال تعالى:
﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ (125) ﴾
( سورة الأنعام: آية " 125 " )
*****هل صعد إنسان واحد في عهد النبي إلى السماء ؟ الآن صعدنا إلى السماء، هذا من إعجاز القرآن العلمي.
*****ما كانوا يستطيعون قياس المسافات البعيدة، الآن تُقاس المسافة بين الأرض والقمر بالمليمتر عن طريق أشعة الليزر، وتجد الآن أجهزة مع المهندسين يضعُها أمام الحائط فتكشف له على الشاشة المسافة بالمليمترات، تُرسل هذه الأشعة إلى الجدار وترجع فتقيس المسافة، بعد اختراع هذه الأشعة ـ أشعة الليزر ـ أمكن قياس الأبعاد بدقةٍ متناهية، فاكتُشف أن أعمق نقطةٍ في الأرض اليابسة غور فلسطين، وقد جاءت الروايات التاريخية تشير إلى أن المعركة الشهيرة التي جرت بين الروم والفُرس كانت في غَوْر فلسطين، وقد قال الله عزّ وجل:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ (4) ﴾
( سورة الروم )
*****في الآية إعجازان: إعجاز علمي، وإعجاز إخباري، كيف يشهد الله لنا أن هذا القران كلامُه ؟ عن طريق الإعجاز.
أدلة أخرى عن الإعجاز العلمي للقرآن:
*****اكتشف الآن أنه ما من شيءٍ في الكون إلا وهو ذرات، والذرات كهارب تدور في مدارات متعددة حول نويّات، أن ترى هذا الخشب جامداً وكذلك هذا الحجر ولكن كل شيءٍ يدور هذا نظام الذرة، نظام الذرة كالمجرة، قال تعالى:
﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) ﴾
( سورة الأنبياء: آية " 33 " )
﴿ كُلٌّ﴾
*****هذه تفيد الشمول المُطْلَق:
﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) ﴾
( سورة الأنبياء: آية " 33 " )
*****بعد أن اكتشفت الذرة وجِد أنه ما من عنصر ؛ الحجر البازلتي، الحجر، الخشب، الصخر، الماء، الهواء إلا وهو ذرات وكهارب على مدارات حول نويّات، هذا العنصر الصُلب مثلاً يحوي على مداره الخارجي ثلاثة كهارب، هذا عنصر غازي عليه أربعة كهارب، بين عنصرٍ غازي وعنصر صلب الفرق كهروب واحد فقط، هذا شيء يعرفه مَن درس فيزياء في الكتاب المقرر لطلاب الشهادة الثانوية، يعرف هذا الشيء، شيء طبيعي، قال:
﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) ﴾
( سورة الأنبياء: آية " 33 " )
المرأة لا علاقة لها إطلاقاً بنوع الجنين ونوع الجنين يتحدد من الذكر:
*****اكتُشف الآن أن جنس الجنين يتحدَدُ من الحوين لا من البويضة، والمرأة لا علاقة لها إطلاقاً بنوع الجنين، فهذا الذي يُطَلِّق امرأته لأنها أنجبت له بنتاً أحمق وجاهل، لأن امرأته لا علاقة لها إطلاقاً بنوع الجنين، قال تعالى:
﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) ﴾
( سورة النجم )
*****من نطفة فقط، كون الجنين ذكر من الزوج، كونه أنثى من الزوج، يوجد بالمورثِّات كروموزونات و Y وX ، الـ X ذكر و الـ Y أنثى.
*****على كلٍ:
﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) ﴾
( سورة النجم )
*****وقال:
﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ﴾
( سورة السجدة: آية " 5 " )
الآية التالية هي النظرية النسبية التي جاء بها أينشتاين وملأت الدنيا صياحاً وضجيجاً:
*****قال تعالى:
﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) ﴾
(سورة الحج: آية " 47" )
*****اكتشف العلماء الآن مدلولات بعض الآيات الحسابية، وبيان ذلك في الفقرة التالية: نحن نعدُّ السنوات عن طريق القمر، يدور القمر حول الأرض دورةً كل شهر، لو أخذنا مركز الأرض ومركز القمر وقسنا المسافة بينهما لعرفنا نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، عن طريق القانون الرياضي نعرف المحيط من نصف القطر، كشفنا محيط الدائرة، (يدور القمر حول الأرض دورةً كلَّ شهر) × 12 (يعطينا ما يقطعه القمر حول الأرض في سنة)× 1000 يعطينا ما يقطعه القمر حول الأرض في ألف عام هذه هي المسافة، لو قسَّمناها على الزمن، ﴿ وَإِنَّ يَوْماً ﴾ اليوم أربع وعشرون ساعة، والساعة ستون دقيقة، والدقيقة ستون ثانية، لو ضربنا أربعاً وعشرين × ستين × ستين وقسَّمنا المسافات الكيلو مترية التي يقطعها القمر في دورته حول الأرض في ألف عام على عدد ثواني اليوم لوصلنا إلى سرعة الضوء في الدقيقة: مئتين وتسعة وتسعين ألفاً وثمانمئة واثني عشر كيلو متر في الثانية، هذه النظرية التي ملئوا بها الدنيا صياحاً وضجيجاً ـ النظرية النسبية التي جاء بها أينشتاين ـ في هذه الآية:
﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) ﴾
( سورة الحج )
الإحكام الحسابي من الإعجاز في القرآن :
*****قال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾
( سورة الطارق )
*****السماء كل ما علاك فهو سماء، كيف وصف الله السماء كلَّها بكلمةٍ واحدة ؟
﴿ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾
*****ثبت الآن أن كل كواكب الكون تدور حول بعضها في مساراتٍ مغلقة، ومعنى مسار مغلق: أي أن هذا الكوكب يرجِع إلى النقطة الأولية التي انطلق منها، قال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾
( سورة الطارق )
*****طبعاً آيات إعجاز القرآن الكريم لا تعدُّ ولا تحصى، هذه نماذج، من منكم يصدِّق أننا إذا نسبنا عدد كلمات البر في القرآن إلى عدد كلمات البحر في القرآن لكانت تساوي نسبةَ البرِّ إلى البحر بالتمام والكمال ؟ من يصدق أن عدد كلمات الملائكة بعدد كلمات الشياطين ؟ وأن كلمات الدنيا بعدد كلمات الآخرة ؟ هذا الإحكام الحسابي شيء لا ينتهي، موضوع ثانٍ.
*****والله أيُّها الأخوة، والله الذي لا إله إلا هو لو تأمَّلت هذا القرآن من خلال إعجازه لآمنَت كلُّ خليّةً في جسمك، كل خليّة، ولآمنت كل قطرةٍ في دمك أن هذا القرآن كلام الله، قد يقرأ الإنسان في الجريدة خبراً أو تصريحاً لمدير مؤسسة مؤلفاً من خمس كلمات، أن هناك احتمالاً بالسماح باستيراد السيارات، ينخفض سعر كل سيارة مئتي ألف ليرة بسبب خمس كلمات في جريدة وتصريح غير مؤكد، هل من المعقول أن ينخفض السعر مئتي ألف ليرة لكل سيارة لورود تصريح مقداره خمس كلمات في جريدة.
يهجر القرآن حينما تُهْجَر أحكامه وحينما يبقى تراتيل:
*****يوجد في القرآن الكريم العدد الكبير من الأوامر والنواهي أو الوعود، والناس في واد وهذا القرآن في واد:
﴿ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُوراً (30) ﴾
( سورة الفرقان )
*****قرؤوه في المناسبات، قرؤوه في التعازي، قرؤوه وتلوه في الإذاعة ولكنهم هجروا أحكامه.
*****المُصْحَف في مقدَّمة المحل التجاري، وتوضع آيات كثيرة:
﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) ﴾
( سورة الفتح )
*****فَهم الفتح المبين أن يربح فقط، وبخط عريض واضح كتب على واجهة المحل:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
*****وترى سلوك صاحب المحل في وادٍ والقرآن في واد، يوضع المصحف أمام السائق في السيارة وهي تنطلق من مكان إلى مكان لا يُرضي الله أبداً، يهجر القرآن حينما تُهْجَر أحكامه، حينما يبقى تراتيل، و قرئ القرآن الكريم في باريس على أنه فلكلور شرقي، قُرئ في باريس في حفل كبير لا على أنه كلام الله، لا على أنه منهج الله، بل على أنه فلكلور شرقي، هكذا:
﴿ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُوراً (30) ﴾
( سورة الفرقان )
*****لتعلم يا أخي أن حياتنا وسعادتنا بهذا الكتاب، حياتنا وفلاحنا في تطبيق هذا الكتاب، القرآن الكريم منهج كامل، اختصر الناس الدين لخمس عبادات شعائرية، ولكن في الدين غض بصر، وصدق، و أمانة، ووفاء بالوعد، وإخلاص، اقرأ القرآن، ستمئة صفحة من عند خالّق الأكوان ألا ينبغي أن نقرأه وأن نستمع إلى تفسيره وذاك هو الحد الأدنى.
النار ودرجات غليانها:
*****قال تعالى:
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا (24) ﴾
*****هذه في الماضي:
﴿ وَلَنْ تَفْعَلُوا (24) ﴾
*****بالمستقبل:
﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) ﴾
*****النار أيها الأخوة، وما أدراك ما النار ! الشموس، أبدأ الكلام الآن عن شموس حمراء اللون، والنجوم البعيدة بيضاء، انظروا إليها في الليل تجدوها بيضاء، ويوجد الآن ثقوب سوداء، يمر الكوكب المُلتهب بمرحلة الاحمرار إلى الابيضاض إلى السواد، وكل مرحلة تتضاعف فيها الحرارة ملايين المرَّات، شمسنا حمراء حيث أنها في البدايات، ولكن هناك شموساً بيضاء تنكمش وتصبح بيضاء اللون، وبعد ألف عام تصبح هذه الشمس سوداء، وهناك ثقوب فيها ضغطٍ عالٍ جداً، لو دخلت الأرض أحد هذه الثقوب لأصبحت بحجم البيضة مع وزنها نفسه، ورد في صحيح:
((أمر الله تعالى أن يوقد على النار ألف عام حتى احمرت ثم أوقد عليه ألف عام حتى ابيضت ثم أوقد عليه ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة ))
[للبزار من حديث أنس وهو ضعيف ]
الإنسان يعيش في زمن سينقضي بالموت وبعدها سيُحاسب على كل حركةٍ وسكنةٍ:
*****إذا وضعت الحجر البازلتي وهو آخر العناصر انصهاراً فإنه يذوب في النار:
﴿ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ (24) ﴾
*****هل تعلم يا أخي أن أهل الخبرة يصنعون أرض الأفران الآن من الحجر الأسود أي البازلتي، قلَّما ينصهر هذا الحجر، أما في نار جهنم فهو يصبح سائلاً، لو أن الأرض أُلقيت في الشمس لتبخَّرت في ثانيةٍ واحدة، حرارة الشمس في ظاهرها ستة آلاف درجة، وفي أعماقها عشرون مليون درجة، هذه شمس الأرض الحمراء وليست السوداء، الحمراء عشرون مليون درجة، قال:
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) ﴾
*****قال الله عزّ وجل :
﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ﴾
( سورة البقرة )
*****هذا كلام خطير يا أخوان، كلام خطير جداً، الكلام الخطير تسمعه فتبدأُ متاعبك، أنت مسؤول، أنت تعيش في زمن سينقضي بالموت، وبعدها تُحاسب على كل حركةٍ وسكنةٍ، وعطاءٍ ومنعٍ، وزواجٍ وطلاقٍ، وغضبٍ وتربيةٍ، كله مُحَاسب عليه، فإذا كان معك دليل أن هذا القرآن ليس كلام الله فأتني به ؟ أما إذا كانت الأدلة كلُّها تقول على أنه كلام الله فماذا تفعل ؟!
لن يستطيع أعداؤنا أن ينتصروا علينا إلا إذا تركنا هذا القرآن:
*****لو قرأ أحدهم بلاغاً بمنع التجوّل وتحت طائلة إطلاق الرصاص، قرأه ثم لم يتحرك ولم يدخل إلى بيته فإنه يكون مجنوناً، فإذا خالف هذا البلاغ فإنه يُقتل، فإذا قرأه وقال: والله الخط جميل، والله التوقيع جيد، انظروا إلى الحبر لونه جيد جداً، الورق ثمين جداً، وغير متوفر، من أين أتوا به ؟ إذا انصرف عن مضمون البلاغ، وتوجَّه إلى جزئياتٍ ليس لها علاقة بمضمون البلاغ إطلاقاً فإنه يكون أحمق، هذا القرآن منهج لكنا نقرؤه على الأموات، نقرؤه في المناسبات، نقتنيه تحفة من المتحف، علماً أنَّه منهج للتطبيق، للعمل به.!
والحمدلله رب العالمين

ساند
12-03-2012, 11:24 AM
جزاك الله خير نوور وجعله الله في ميزان حسناتك

yasser4101
12-03-2012, 02:49 PM
اللهم إجعل قبر ياسمين معطر بالياسمين كما هو اسمها
اللهم يا مالك الملك يامن تقول كن يامن بيدك الرحمة ياغفور يا ودود يا دامح الزلات ومبدل السيئات بالحسنات
اللهم يا سامع الدعاء يا عالم بما تضرع لك من الاحباء لها أن تجعل مثواها جنات تجري من تحتها الانهار
اللهم اجعلها من الحور العين وانزل عليها السكينة في قبرها وارزقها المفاز عند السؤال
اللهم امين
----------
جزاك الله خير نوور وفعلك طيب مثل قلبك الابيض

نووْور~
12-03-2012, 02:51 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (13- 95):تفسير الآيات 23-25، العلم والعمل طريقا الجنة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-09-18


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثالث عشر من سورة البقرة.
(إن) تفيد احتمال الوقوع، أما (إذا) تفيد تحقق الوقوع:
*مع الآية الثالثة والعشرين والتي تليها، يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ (23) ﴾
*(إن) أيها الأخوة تفيد احتمال الوقوع، أما (إذا) تفيد تحقق الوقوع:
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) ﴾
( سورة النصر )
*لا بدَّ من أن يأتي نصر الله:
﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ (6) ﴾
( سورة الحجرات: آية " 6 " )
*قد يأتي وقد لا يأتي، فـ (إن): تفيد احتمال الوقوع، و(إذا) تفيد تحقق الوقوع:
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ (23) ﴾
*الريب: هو الشك، لماذا يرتاب كفار مكة برسالة النبي ؟ مع أن أعداء النبي عليه الصلاة والسلام وصفوه بالصادق والأمين ما جربوا عليه كذباً قط، أيعقل ألا يكذب على الناس ويكذب على الله ؟ كان المشركون يضعون عنده مالهم، يثقون به إلى درجةٍ أنه لمَّا هاجر أبقى ابن عمه علي ابن أبي طالب ليردَّ الأموال إلى أصحابها، فهو عندهم أمين، وهو عندهم صادق، وكان اسمه في قريش: الأمين، فلماذا يتهمونه بهذه الرسالة ؟ ويقولون عنه إنه كاذب ؟ وهو لم يتلقَّ علماً قط:
﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) ﴾
(سورة العنكبوت)
*أتى بكلامٍ معجز لا يستطيع أن يأتي بمثله فصحاء العرب، فمن أين جاءهم الريب ؟ قال بعض العلماء: هذا ريبٌ نفسي وليس ريباً عِلمياً، كانوا يتمَنَّوْن أن ينزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم، هم لهم مقاييس، مقاييسهم المال والجاه، ولكن مقاييس الله عزَّ وجل غير مقاييس البشر، وهذا معنى دقيق نحتاجه اليوم.
المراتب عند الله تنالها بالعلم والعمل فقط:
*في كل مجتمع يوجد أشخاص أغنياء، أشخاص أقوياء، أشخاص وجهاء، هؤلاء قمم بموازين المجتمع، ولكنهم قد لا يكونون كذلك عند الله:
(( رب أشعث أغبر ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره ))
[ أخرجه الحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة ]
*أنت قد تكون عبداً ذا دخلٍ محدود، ليس لك شأنٌ كبير، لا أحد يفتقدك إذا غبت، ولا أحد ينتبه إليك إذا حضرت، هؤلاء سمَّاهم النبي الأتقياء الأخفياء: إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا:
(( إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم يدعوا ))
[ابن ماجة عن معاذ]
*ومع ذلك قد تكون عند الله بمنزلةٍ عاليةٍ جداً، هم أرادوا هذه النبوَّة لرجلٍ من القريتين عظيم، له مالٌ وفير، وشأنٌ كبير، ونسبٌ عريق، ولكن الله سبحانه وتعالى يرفع من عباده من يشاء ويخفض من يشاء، فالبطولة أيها الأخوة أن تكون عند الله ذا مرتبةٍ عالية، المراتب عند الله تنالها بالعلم والعمل فقط:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (9) ﴾
( سورة الزمر: آية " 9 " )
*وقال:
﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) ﴾
( سورة المجادلة )
*وقال:
﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا (132) ﴾
( سورة الأنعام: آية " 132 " )
معنى الحكمة:
*عند الله مقياسان فقط ؛ مقياس العلم ومقياس العمل، دقق النظر والفكر:
﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) ﴾
( سورة البقرة )
*الحكمة خير كثير، يصف الله العظيم جلَّ جلاله هذا الخير بأنه كثير، ما الحكمة ؟ الحكمة بالتعريف الجامع المانع أن تعرف الحقيقة وأن تعمل وفقها، إن عرفتها ولم تعمل وفقها فلست حكيماً، أنت عالم، متعلِّم، مثقف، ولكنك لا تكون حكيماً إلا إذا تطابق السلوك مع ما تعرف من العلم، إذا تعلَّمت وانتفعت بما تعلَّمت، إذا عرفت وجاء السلوك اليومي موافقاً لهذه المعرفة، إذا عرفت الحقيقة الكبرى وجاءت الحركة اليومية موافقةً لهذه الحقيقة فأنت حكيم.
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ (269) ﴾
( سورة البقرة )
*بنص القرآن الكريم:
﴿ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (269) ﴾
( سورة البقرة )
الإنسان ينتفع بالحكمة إلى أبد الآبدين ولكنه لا ينتفع من المال الكثير*إلا بالقليل:
*ما هو خير الدنيا ؟ شخص معه ألف مليون، عنده خمسمئة دونم، عنده بيوت لا يعلمها إلا الله، عنده أموال منقولة وغير منقولة، عنده أرصدة بالبنوك الأجنبية بالمليارات. قال الله تعالى:
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ (77) ﴾
( سورة النساء: آية " 77 " )
*وازن بين الآيتين:
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ (77) ﴾
( سورة النساء: آية " 77 " )
*متاع قليل لأنه منقطع بالموت، يأتي الموت فلا يَدَعُ لك شيئاً إلا أمتاراً من أرخص أنواع الأقمشة، خام، غير مقصور، أسمر ـ هذا هو الكفن ـ لا تأخذ معك شيئاً، لذلك فالشيء المنقطع غير كثيرٍ، ولو ضاقت عنه الدنيا، لأنه منقطع، الآيتين:
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ (77) ﴾
( سورة النساء: آية " 77 " )
*وقال:
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (269) ﴾
( سورة البقرة )
*إنك تنتفع بالحكمة إلى أبد الآبدين، ولكنك لا تنتفع من المال الكثير إلا بالقليل، ما تأكل، وما تشرب، وما ترتدي من ثياب، سرير تنام عليه، بيتٌ يؤويك.
العبرة أن تكون عند الله كبيراً:
*سأل ملك جبار وزيره ذات مرة: من الملك ؟ فانخلع قلب الوزير وقال له: أنت الملك، هل في الأرض ملكٌ غيرك ؟ قال له: لا، الملك رجلٌ لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيتٌ يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزقٌ يكفيه، إنَّه إن عرفنا جَهِدَ في استرضائنا، وإن عرفناه جَهِدْنا في إحراجه، فالملك بالمفهوم الدقيق هو الذي عرف الله وكان مستقيماً على أمره فوعده الله بالجنة.
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) ﴾
(سورة القصص)
*هم يتمَنَّوْن أن تكون هذه النبوة لرجلٍ من القريتين عظيم بمقياس الأرض، ولكن الله سبحانه وتعالى أعطاها لإنسانٍ صادقٍ، أمينٍ، محبٍ، مخلصٍ، مطيع، فكل بطولتك أن تكون وفق مقاييس الله عزَّ وجل إنساناً مقبولاً عند الله، فهذا الشاب الذي نشأ في طاعة الله، وهذا الموظَّف البسيط الذي يخدم الناس ولا يبتزُّ أموالهم، ولا يوقعهم في حرجٍ شديد، ولا يعقِّد عليهم الأمور، قد يكون في أدنى مرتبة في الدنيا، ولكنه عند الله كبير، هذا التاجر الصدوق الذي يعلِّم الناس درساً في الورع والاستقامة والصدق والأمانة إنه عند الله كبير، إنسان له دخلٌ محدود يسعى لنشر الحق هو عند الله كبير، العبرة أن تكون عند الله كبيراً، كان من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: " اللهم أرني بعين نفسي صغيراً، وبأعين الناس كبيراً ".
*هناك أشخاصٌ كثيرون هم عند الناس صغاراً لكنهم عند أنفسهم كُبَاراً، هذا مرض العُجب والكِبر.
أعلى مرتبة في الدين مرتبة العبودية لله وهي التي وصل إليها النبي الكريم:
*أيها الأخوة:
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا (23) ﴾
*أعلى مرتبة في الطب أن تحمل بورد، أو ( إف آر إس ) من بريطانيا، أو (أكريجيه ) من فرنسا، هذه أعلى شهادة بالطب، أعلى شهادة في الآداب أن تحمل دكتوراه دولة وتأخذ عليها جائزة نوبل مثلاً، هذه مراتب الدنيا، رجل ألَّف إنتاجاً أدبياً فقُدِّر عالياً إلى درجة أنه منح عليه جائزة نوبل، لكن يا ترى ما هي أعلى مرتبة عند الله عزَّ وجل ؟ أعلى مرتبة في المال أن يكون معك آلاف الملايين بالعملات الصعبة الغالية جداً ـ آلاف الملايين ـ الذي اخترع الكمبيوتر ويقود الآن صناعة متفوقة فيه، حجمه المالي الآن ثلاثين مليار دولار، هذه مرتبة مالية عالية، وهناك مرتبة علمية كأينشتاين الذي جاء بالنظرية النسبية، وهناك مرتبة إدارية كالذي يتربَّع على عرش أقوى دولة في العالم هو في قمة هذا المجتمع، لكن ما هي أعلى مرتبة في عالم الدين ؟ أعلى مرتبة هي التي وصل إليها النبي، مرتبة العبودية لله، أن تكون حقاً عبداً لله:
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا (23) ﴾
*أنت في أعلى درجة عند الله حينما تكون عبداً له، معنى عبد: انصياعٌ كامل، حبٌ كامل، إخلاصٌ كامل، رضى بقضاء الله وقدره، طُمأنينة إلى وعد الله:
﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23) ﴾
( سورة الأحزاب )
الله عزَّ وجل وليّ دينِهِ وهو ينصره دائماً بطريقةٍ أو بأخرى:
*كان سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام في أثناء الهجرة ملاحَقاً وقد هُدِرَ دمه، ووضعت قريش مئة ناقة مكافأة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، لحقه سُراقة ليقتله، وليأخذ المئة ناقة، فقال له النبي ـ وإذا كان هناك للدعوة الإسلامية في عهد النبي خطٌ بياني، كان هذا الخط في نهايته الدنيا، أي في أصعب مرحلةٍ مرَّت بها الدعوة، النبي بين مكة والمدينة مهدورٌ دَمُهُ، مُلاحُق، مئة ناقةً لمن يأتي به حياً أو ميتاً ـ قال له: كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟ معنى ذلك أن النبي واثق أنه سيصل إلى المدينة سالماً، وسيُؤسس دولةً هناك، وسيحارب الفرس، وستأتيه كنوز كِسْرَى، ووعد سراقة أن يلبسه سواري كسرى.
*انظر إلى الثقة بوعد الله عزَّ وجل، وعدك الله بالنصر، وكلما كان إيمانك قوياً فإنه لا يتزعزع ولو سمعت ألف خبر ضد الإسلام، هذا الدين دين الله ولن يتخلى عنه أبداً، ولكن أرجو الله أن يكسبني الشرف فأكون جندياً له، القلق دربي من باب واحد هو خوفي ألا يسمح الله لي ألا أكون جندياً للحق، ألا يقبلني جندياً من جنده، أما هذا الدين فهو دينُه، وهو ناصره، وربنا عزَّ وجل قد ينصر دينه بالرجل الفاجر، وأحياناً يُسَخِّر أعداء الدين لخدمة الدين، ولربما تَنْبُع الدعوة من بلدٍ يحارب الدين، وهذا الذي يحدث الآن في أوروبا وأمريكا، إذ يزداد الوعي فيهما، ويدخل الناس في الإسلام أفواجاً، يصلون إلى مراتب عُليا وهم مسلمون، وهذا الذي يُقْلِقُ الغرب، يقولون: في عقر دارنا أناسٌ من جنسنا مثقَّفون أعلى ثقافة، يحتلون أعلى المناصب يسلمون !! الله عزَّ وجل وليّ دينِهِ وهو ينصره دائماً بطريقةٍ أو بأخرى، ولكن اِقلق إن لم يسمح الله لك أن تنصره، أو أن تكون في عداد جنده، لأن الله عزَّ وجل عزيز:
﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) ﴾
( سورة محمد )
معرفة الله و طاعته تثمر إيماناً وتقوى:
*هذه الأمة العربية التي شرَّفها الله بالرسالة، وجعلها أمةً وسطاً، إذا قَصَّرت في مهمتها سخَّر الله أمةً أخرى، نحن شرّفنا ربنا بأن جعلنا في أشرف المواقع بين الأمم، وجعل النبي محمداً صلى الله عليه وسلم سيد الخلق وحبيب الحق من جنسنا، تجد إنساناً غير عربي اللسان يقف في الصلاة ويبكي خاشعاً ولعله لا يفهم شيئاً من التلاوة ـ لأن لغته ليست عربية ـ يُسأل: لماذا تُصَلِّي أو تحضر هذه الصلاة الجهرية في المسجد وأنت لا تفهم شيئاً ؟ يقول: ماذا يفهم الطفل الرضيع وهو على صدر أمِّه ؟ يمصُّ ثدييها، وتضمُّه بيديها إلى صدرها وتغمره بحنانها، ماذا يفهم من كلامها ؟ لا يفهم شيئاً، لكنَّه في قمة السعادة، مثله مثل الطفل ذاك، فهذا يصلي ولا يفهم ماذا يُتلى في الصلاة ولكنه سعيد بقربه من الله سعادة الطفل بقربه من أمه، ونحن لغتنا عربية نستمع إلى القرآن صباح مساء، نصلِّي خلف الإمام فنفهم قراءته، أيكون هذا الذي لا يتقن العربية أقرب إلى الله منا ؟!!
*يا أيها الأخوة، القضية مصيرية والأمور واضحة جداً، هناك في هذا الْكَون حقيقة واضحة جداً، حقيقة واحدة هي الله، كل من اقترب من هذه الحقيقة شعر بالأمن، شعر بالطُمأنينة، شعر بالرضا، شعر أن المستقبل له، شعر أن الدنيا صغيرةٌ جداً لا تستأهل أن نهتم لها:
((إنما الدنيا عرض حاضر يصيب منها البر والفاجر وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر ))
[الحسن بن سفيان والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن شداد بن أوس]
(( لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء))
[الترمذي عن سهل بن سعد]
*قال لي شخص: مساحة بيتي سبعمئة متر، تجد فـي هذا البيت كلُّ ما تتمنى ؛ حدائق، شرفات، أبهاء، أثاث فخم جداً، كل وسائل العصر في هذا البيت، أجبته: هذا النبي الكريم الذي هو سيِّد ولد آدم، سيد الخلق وحبيب الحق، كان إذا أراد أن يصلِّي قيام الليل، لا تتسع غرفته لصلاته ونوم زوجته، فكانت تنزاح جانباً كي يصلي، معنى ذلك أن مساحة البيت ليست مقياساً لسعادة الإنسان، والدخل ليس مقياساً، كذلك أحد الصحابة وهو سيدنا مصعب بن عمير كان والده غنياً، فلمَّا أعلن إسلامه قاطعه أبوه وطرده ولم يعطه من مال الدنيا شيئاً، كان من أكثر شباب قريش أناقة، كان من أكثرهم غنىً، كان شاباً عطراً، فلما أسلم ذاق ألوان الجوع وألوان العُرِي، ولما مات رآه النبي وقد كُفِّن بثوب إذا وضع على رأسه انكشفت قدماه، إذا جرَّ إلى قدميه انكشف رأسه، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام، هذه الدنيا ليست لها قيمة، قد تكون أمين مستودع، قد تكون ضارب آلة كاتبة، قد تكون بمنصب صغير جداً وأنت عند الله كبير، عند الله مقياس واحد ؛ الذي عَرَفَه وأطاعه معرفة وطاعة أثمرتا إيماناً وتقوى.
النبي الكريم عرف الله واستقام على أمره فتبوأ أعلى مرتبة ينالُها إنسان على الإطلاق:
*اقرأ:
﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) ﴾
( سورة يونس )
*عرف الله واستقام على أمره فتبوأ أعلى مرتبة ينالُها الإنسان على الإطلاق، فكان عبداً لله، واقرأ قوله تعالى:
﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) ﴾
( سورة النجم )
*أين هذا الكلام ؟ عند سدرة المنتهى، في المرتبة التي لم يصل إليها إلا محمدٌ صلى الله عليه وسلم:﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) ﴾
( سورة النجم )
*وقال:
﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) ﴾
( سورة النجم )
*وقال:
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ (1) ﴾
( سورة الإسراء )
الفرق بين العبيد والعباد:
*قال تعالى:
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا (23) ﴾
*إذاً حينما تتعبد لله حقاً ترتقي إلى أرقى مرتبةٍ في الكون وهي أن تكون عبداً لله، لكن الناس كلهم عبيدٌ لله قولاً واحداً، عبيدٌ لله جميعاً كافرهم ومؤمنهم، معنى العبودية: أن تكون مفتقراً إلى إمداد الله، من منا يقول: أنا لست عبداً ؟ إذا لم تكن عبداً أغلق أنفك، فهل تستطيع ؟ أنت مفتقر إلى هذا النَفَس، فإذا مُنع عنك الهواء ثلاث دقائق تموت، لست عبداً ؟ دع الماء أياماً معدودة يوماً أو يومين يموت الإنسان، لست عبداً ؟ دع الطعام، وجودك مفتقر إلى ما حولك، إلى هواء، إلى ماء، إلى طعام، إلى زوجة، إلى مأوى، إلى رزق، إلى مال تشتري به الطعام، إذاً أنت عبد، هذا العبد المقهور ليس هو المقصود، هذا عبد القَهْرِ، جمعه عَبيد:
﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) ﴾
( سورة فصلت: آية " 46 " )
*لكن المقصود عَبْدَ الشكرِ، جمعه عِباد:
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً (63) ﴾
(سورة الفرقان: آية " 63 ")
*وقال:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ (53) ﴾
( سورة الزمر: آية " 53 " )
دليل هذا الكتاب إعجازُه:
*العباد هم الذين عرفوا الله، واختاروا طاعته، وآثروا قربه، وعملوا لبلوغ جنَّته، ففرِّق بين العبيد والعباد، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام عبدٌ، عبدٌ لله، لكنه عبدٌ أتاه بمحض إرادته، هو عبد الشُكْرِ، لا عبد القهرِ، الملحد عبد لله، بدليل أن وجوده مفتقرٌ للهواء والشراب والطعام، هو عبد ولكنَّه عبدٌ مقهور، العبد المؤمن تعَرَّف إلى الله باختياره، وأطاعه باختياره، فهو عبد الشكر، إذاً:
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) ﴾
*دليل هذا الكتاب إعجازُه ؛ أي نظم القرآن، صياغة القرآن، لغة القرآن، حروف القرآن، أخبار القرآن، الحقائق العلمية في القرآن، المنهج التربوي في القرآن، أصول العلوم في القرآن، هذه يَعْجَزُ عنها كلُّ البشر، لذلك إعجاز القرآن دليل على أنه كلام الله، وقد كان الدرس الماضي حول إعجاز القرآن الكريم، هناك إعجاز علمي، وإعجاز أدبي بلاغي، وإعجاز إخباري، إعجاز وصفي، وإعجاز أدبي، قال سبحانه:
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا (24) ﴾
الله عزَّ وجل تحدى البشرية كلها بهذا القرآن:
*هذا التحدي قائمٌ أبداً، ومَن يستطيع من بني البشر أن يحكم على المستقبل ؟ هذا مستحيل، قد يقول أحدهم: أنا أعلم العلماء الآن، هل يقول أحدٌ في الأرض: أنا أعلم العلماء في هذا الموضوع في المستقبل ؟ هذا كلام غير علمي، مثل هذا الإنسان يُضْحَكُ عليه ويسخر منه، قد يتحدَّى الإنسان من حوله ولكنه لا يستطيع أن يتحدَّى من سيأتي بعده، إلا الله وحده فهو يتحدى لأنه عليمٌ بكل شيء، لأنه علم ما كان وعلم ما يكون وعلم ما سيكون وعلم ما لم يكن، لأن الله وحده يعلم السِرَّ وأخْفى يقول:
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا (24) ﴾
*لن تستطيعوا:
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا (24) ﴾
*في المستقبل، معنى ذلك أنه مضى على نزول هذا القرآن أكثر من ألفٍ وأربعمئة عام، وتقدّم العلم تقَدُّمَاً يفوق حَدَّ الخيال، هل في كل علوم الأرض حقيقةٌ مقطوعٌ بها تُصادم آيةً قرآنية ؟ أبداً، لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لكن يقع المسلمون أحياناً في منزلقٍ مضحك، يقول لك أحدهم: الحمد لله، القرآن يوافق العلم، هذا كلام مضحك، بل قل: الحمد لله العلم يكْسب وسام شرف حينما يوافق القرآن، القرآن هو الأصل، لا تمدحِ القرآن بأنه وافق العلم، يجب أن تمدح العلم بأنَّه وافق القرآن، هذا كلام خالق الأكوان، هذا الكلام الذي لا ريب فيه.
*هناك عبارة أقولها لكم كثيراً: فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، كم هي المسافة بين خالق الأكوان وبين هذا الإنسان الضعيف ؟ فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، لذلك تحدى الله عزَّ وجل البشرية كلها بهذا القرآن، ومع ذلك فإنني لم أدخل في موضوع الإعجاز الآخر الرياضي، هناك بحوث ودراسات والله مذْهِلة، ملخَّصها أنَّك إذا بدَّلت حرفاً واحداً في كتاب الله يَخْتَل ميزان القرآن الكريم، حروفه حرفاً حَرفاً بحسابات دقيقة جداً محسوبة لو بَدَّلت حرفاً واحداً، أو حذفت حرفاً واحداً، أو أضفت حرفاً واحداً بحيــث لا يختل ميزان القرآن كله، ولكن لا مجـال للخوض في موضـوع الإعجاز الحسابي والرياضي علماً أن هناك علماء دخلوا في هذا الموضوع، ولم يكونوا مخلصين فيه فَزَلَّت أقدامهم زلاّتٍ لا تعَدُّ ولا تحصى.
أي كتاب يضم حقائق علمية مكتشفة بعد القرآن لا يمكن أن تتعارض مع آيات في كتاب الله:
*قال:
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ (24) ﴾
*مثلاً هل يعقل أن عالماً من كبار علماء البحار، بعد جهدٍ جهيد، وبعد عمرٍ مديد يكتشف حقيقةً يظنُّ أنه ما سبقه إليها أحد، وهي أن بين البحرين حاجزاً، فإذا هي آيةٌ كريمة في القرآن الكريم قبل ألفٍ وأربعمئة عام:
﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) ﴾
( سورة الرحمن )
*هناك أخ طبيب أخصائي بالعظام درس في بريطانيا، درس على أستاذ في علم الأجنة، يُعَدّ من أكابر علماء عصره، وله كتاب من كثرة تداوله وشهرته يُسَمِّيه الطلاب: إنجيل علم الأجنة، لأنه صار كتاباً مقدَّساً عندهم، كتاب دقيق جداً يدَرَّس في كل الجامعات تقريباً، وهو أستاذ هذه المادة ومتفوق إلى أعلى درجة، قال: دخل ذات مرة على طلابه ليقول: ذكرت لكم سابقاً في كتابي مؤكداً أن العظام تتكون بعد اللحم، ثم تبين لي بشكلٍ لا يدع للشك مجالاً أن القضية بالعكس، العظم أولاً واللحم ثانياً، دخل إلى القاعة وهو في أعلى مرتبة في الجامعة وكأنَّه أحدث شيئاً وكأنَّه سَيُلْقي قُنْبُلةً علمية، فقال: اكتشفت مؤخراً أن العظام تتكون أولاً واللحم ثانياً، مع أنه خلال عشرين سنة أو ثلاثين سنة كان يؤكِّد أن اللحم أولاً ثم العظام ثانياً، قام طالب باكستاني وقال له: يا أستاذ هذه الحقيقة جاءت في كتابنا قبل ألفٍ وأربعمئة عام، قـال لي محدثي: كاد الأستاذ يُصْعَق، وأخذ يردد: هذا اختراعي، هذا كشفي، جاء الطالب بالقرآن الكريم مع ترجمته إلى اللغة الإنكليزية في اليوم التالي:
﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً (14) ﴾
( سورة المؤمنون: آية " 14 " )
*ويقال إنه أسلم، واستعلنت الحقيقة خفّاقة أن أي كتاب يضم حقائق علمية مكتشفة بعد القرآن لا يمكن أن تتعارض مع آيات في كتاب الله التي تتحدث في النقطة ذاتها، أو الموضوع ذاته.
هناك إشارات في القرآن الكريم فيها أصول العلوم :
*قال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا (24) ﴾
*بل إن هناك إشارات في القرآن الكريم فيها أصول العلوم، الذرة:
﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) ﴾
( سورة الأنبياء: آية " 33 " )
*تَشَكُّل الجنين:
﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) ﴾
( سورة النجم )
*حركة الجِبال:
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) ﴾
( سورة النمل )
قلب المؤمن الكامل فيه تعظيمٌ لله وخوفٌ منه وحبٌ له سبحانه :
*شيء لا يصدَّق، قال:
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) ﴾
*أيّها الأخوة الكرام القرآن متوازن، يتحدث الخطيب أحياناً عن جهنَّم فيملأ الناس رُعْباً منها، أو يتحدَّث عن الجنة فقط فيدغدغ أحاسيسهم ويسترخون لكن الأكمل أن تتحدث عنهما معاً، لماذا ؟ لأن الإنسان يخاف ومع الخوف ينبغي أن يتفاءل، قال:
(( قال داود فيما يخاطب ربه: يا رب أي عبادك أحب إليك أحبه بحبك ؟ قال: يا داود أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي الكفين، لا يأتي إلى أحد سوءً، ولا يمشي بالنميمة، أحبني وأحب من يحبني وحببني إلى عبادي، قال: يا رب إنك لتعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى عبادك ؟ فقال: ذكرهم بآلائي وبلائي ونعمائي.. ))
[رواه البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس]
*ذكرهم بآلائي كي يعظِّموني، ذكرهم بنعمائي كي يحبوني، ذكرهم ببلائي كي يخافوني، أي يجب أن تخافه وأن تحبه وأن تعظمه في وقتٍ واحد، قلب المؤمن الكامل فيه تعظيمٌ لله وفيه خوفٌ منه وفيه حبٌ له، نِعَمُه تدعو إلى محبته، ونِقَمُه تدعو إلى الخوف منه، وآلاؤه تدعو إلى تعظيمه، فالقرآن متوازن.
تبشير خالق الكون للمؤمن بالجنة:
*بعد أن حذَّرنا سبحانه من التكذيب بهذا القرآن جاءت البشرى منه تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (25) ﴾
*خالق الكون يُبَشُّرك، والله أيُّها الأخوة لو عقلنا هذه الآية، لو كنت تعاني ما تعاني ؛ ضيق دخل، مشكلة أُسرية، مشكلة صحية، مشكلة في عملك:
﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (25) ﴾
*خالق الكون يبشرهم:
﴿ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ (25) ﴾
*هذا الوصف بليغ، أي أنَّه مكان جميل جداً، أحياناً يذهب الإنسان إلى بستان جميل ؛ ورود، أشجار، مياه، حدائق، مروج خضراء، بيت فخم، مسبح، يقول لك مندهشاً: مثل الجنة، إن الجنة دائمة خالدة، أما هذه النزهة ربع ساعة، ساعة، ساعتين، نهار ثم يكون ذكرى، ولكن الجنة إلى الأبد.
من معاني الآية التالية أن كل نعيم تناله في الجنة بسبب استقامتك في الدنيا :
*قال تعالى:
﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ (25) ﴾
*ليست جنة واحدة بل جنات:
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ (25) ﴾
*هذه الآية لها عدة معانٍ ؛ من أوجه معانيها أن كل نعيم تناله في الجنة بسبب استقامتك في الدنيا، مثلاً إذا درس إنسان دراسة طويلة جداً ومتعبة جداً ونال أعلى شهادة، الآن يبدأ القطاف، الآن له دخل كبير، مكانة اجتماعية، راحة كبيرة جداً، ماذا يقول زميله الكسول ؟ يقول: متى صار فلان في هذه المرتبة العالية ؟ أين كان هو عندما كنت تلعب أنت في الأزقة ؟ عندما درس ثلاثاً وثلاثين سنة ولم يرفع رأسه يوماً وآثر الدراسة على كل حظوظه من الدنيا، الآن صار في مرتبة عالية، فهذا الذي تُرزَقه في الآخرة بسبب استقامتك في الدنيا، أهل الدنيا كلهم يدعونه إلى درس علم يقول لك: مشغول وليس عندي فراغ، لأي شيء لديك فراغ إذاً ؟ عندي ازدحام أعمال ومواعيد، يتنصَّل من كل مجلس علم يتعرف فيه إلى الله عزّ وجل، أما الذي يجلس على ركبتيه ليطلب العلم، وليعمل بالعلم فإن له عند الله مقاماً كبيراً، والله عزّ وجل جعل ثواباً لمجالسِهِ حوافز ومكافآت، قال: "هم في مساجدهم والله في حوائجهم " أما ترضى أيها المؤمن أنَّ يتولَّى الله أمرك ؟
﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) ﴾
( سورة البقرة )
المؤمن يرعاه الله ويربيه بينما الكافر كالدابة المنفلتة:
*والله أيها الأخوة، هناك آية كريمة في سورة محمد صلى الله عليه وسلم:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾
( سورة محمد )
*تصوَّروا ابن في كنف أبٍ كبير، عالِم، غني، مُرَبٍِّ، أحسن تنشئته، اعتنى بأخلاقه، اعتنى بدينه، اعتنى بصحته، اعتنى بطعامه، اعتنى بهندامه، اعتنى بشهاداته، اعتنى بمكانته، راقب تصرُّفاته، ضبط حركاته وسكناته حتى صار إنساناً ألمعياً، وهناك شاب بلا تربية، يمضي وقته بأماكن اللهو، بأماكن القِمار، متَّهم بالسرقة، متهم بالزنى، مودع بالسجن، هذا إنسان من دون مربّ ٍ، المؤمن يرعاه الله ويربيه، عنده قرآن يربِّيه، عنده جامع يربيه، تجد المؤمن متميِّزاً، عنده حياء، عنده خجل، في ملابسه حياء، بحركاته وسكناته، مزحه لطيف جداً، نظراته أديبة، كلامه مضبوط، عنده خوف من الله، عنده وفاء بالوعد، عنده رحمة في قلبه، عنده إنصاف، تجد كماله صارخاً:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾
( سورة محمد )
*الكافر إنسان كالدابة المنفلتة، يتمتع ويأكل كما تأكل الأنعام، أما المؤمن فهو إنسان راقٍ مُعلِّق قلبه وبصره بربه:
﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ (25) ﴾
معانٍ مستفادة من الآية التالية :
*لولا أن الله منَّ علينا في الدنيا فعرفناه، وطلبنا العلم، واستقمنا على أمره، وغضّضنا من أبصارنا، وأقمنا الصلوات، وحججنا، وزكينا، وربينا أولادنا، وحجَّبنا بناتنا، وجعلنا بيتنا إسلامياً، وعملنا إسلامياً، ودخلنا حلالاً، وإنفاقنا صحيحاً، وتوخِّينا العمل الصالح لما وجدنا هنا، الآن انظر إلى شخص يحمل شهادة عُليا، بعدما تعب ثلاثاً وثلاثين سنة، إذا جلست معه يقول لك: والله تعبنا كثيراً، والله جاءت أيام لم ننم الليل، كان عندنا أساتذة شديدو القبضة علينا، تجده يفتخر ويشعر بنشوة أنه تجاوز عقبات كبيرة جداً، فأهل الجنة في الجنة، قال تعالى:
﴿ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ (25) ﴾
*المعنى الأول: لولا أنَّ الله منَّ علينا في الدنيا، وتعرَّفنا إليه، وكلفنا بعض الشدائد مما حَمَلنا على التوبة، فجمعنا مع أهل الحق، وأخذ بنواصينا إلى أن نعمل أعمالاً صالحة، قرَّبنا، تجلَّى علينا، ملأ قلوبنا نوراً، ملاً قلوبنا حبوراً، ملأ قلوبنا محبةً له، حبب إلينا الإيمان وزيَّنه في قلوبنا، كرَّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، لولا فضل الله علينا ما كنا في هذه الجنة.
*المعنى الثاني: إذا أمسكت تفاحة في الجنة، هذه تفاحة، لكن عندما أكلتها فليس هناك نسبة، وليس لها علاقة بتفاح الدنيا إطلاقاً، طعم آخر أطيب بكثير، العلاقة بينهما الشكل والاسم فقط، ليس من فواكه الجنة في الدنيا إلا الاسم والشكل:
﴿ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً (25) ﴾
*أي أن التشابه بالشكل والاسم، أما الطعم فلا نسبة بينهما بل المقارنة مرفوضة، أنت تشرب أحياناً كأساً من الشراب المصنع والمصنوع، ونشرب شراباً طبيعياً طازجاً مئة بالمئة، فلا تجد بينهما أي نسبة، أين الثرى من الثُريا ؟ الاسم واحد ولكنك تجد أن الشراب الكيماوي كيماوي، والشراب الطبيعي لا يُقَدَّر بثمن وهذا في الدنيا، فكيف في الجنة ؟ هذا المعنى الثاني.
الذي يزهد في الجنة ويعيش للدنيا فقط إنما هو*إنسان أحمق :
*قال تعالى:
﴿ قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ (25) ﴾
*لا يوجد نَكَد، ولا يوجد تَرَهُّل، ولا يوجد مرض، هناك متاعب عديدة عند النساء في الدنيا، أما في الجنة فلا، هن طاهرات ومطهرات، لا حيض، ولا نفاس، ولا نشوز، ولا زوجة حاقدة، ولا زوجة لئيمة، انتفى كل ذلك أبداً، والزوجة يزينها كمال وجمال منّة من الله تعالى:
﴿ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) ﴾
*هذه هي الجنة، وطريقها واضح، وهي بعد الموت، فالذي يزهد في الجنة ويعيش للدنيا فقط إنما هو إنسان أحمق:
﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) ﴾
الذين أحبَّهم الله عزّ وجل جعل دنياهم كفافاً:
*قد ينتقي الواحد زوجته وتكون من الدرجة الأولى، ولكنها كبرت بعد الخمسينات، اختلفت، تجد أن أكثر النساء مصابات بعلل مرضيـة كثيرة، وتنوعت مشكلات الحياة لدى الزوجين، شاءت حكمة الله عزّ وجل أن تكون الحياة متعبةٌ لأننا خُلِقنا للجنة، فإذا كانت الحياة مريحةً جداً كرهنا لقاء الله عزّ وجل، إذا كانت الحياة مريحة جداً وكل شيء كاملٌ فيها زهد الناس عندئذٍ عن الآخرة، وكانوا ممن يشملهم قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) ﴾
( سورة يونس )
*لذلك الدنيا العريضة خطر كبير جداً، هؤلاء الذين أحبَّهم الله عزّ وجل جعل دنياهم كفافاً، قال عليه الصلاة والسلام:
(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه قوتاً ـ كفافاً ))
[متفق عليه عن أبي هريرة ]
*الإنسان ينبغي أن لا يطلب الكمال في الدنيا، ولكنه يجب أن يطلب الستر والكفاف في الدنيا والكمال في الآخرة، كل شيء في الآخرة كامل، الآخرة مبنية على أن لك ما تشاء، أيُّ خاطرٍ يخطر على بالك تراه واقعاً أمامك، إنه نعيم الجنة الذي لا يُداني قال تعالى:
﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) ﴾
( سورة الحاقة )
*أي أُكُلها دائمٌ وظلها، فواكهها:
﴿ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) ﴾
( سورة الواقعة )
الجنة كما وصفها الله عزّ وجل في القرآن الكريم :
*في الجنة أنهار من عسل، من لبن، من عسل مُصَفَّى، من لبن لم يتغيَّر طعمه:
﴿ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لّلشَّارِبِينَ(15) ﴾
( سورة محمد: آية " 15 " )
*وقال:
﴿ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ (15) ﴾
( سورة محمد: آية " 15 " )
*الماء غير آسن، واللبن لم يتغير طعمه، والعسل مصفَّى، والخمر لذةٍ للشاربين:
﴿ وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) ﴾
( سورة الواقعة )
*هذه هي الجنة كما وصفها الله عزّ وجل في القرآن الكريم، هي للمؤمنين، والطريق لها سالك غير صعب، شروطها غير تعجيزية، أحياناً يكون هناك شيءٌ عظيم لكن شرطه تعجيزي فوق طاقتك تزهد به، لكن الجنة ليست كذلك، بل يكفي أن تعرف الله حقاً، وأن تطيعه صدقاً، وأن تؤدِّي واجباتك تِجَاهه كاملة، فأنت إذاً من أهل الجنة، في الدرس القادم إن شاء الله:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (26) ﴾
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
12-03-2012, 02:57 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (14- 95):تفسير الآية 26، آية الله في خلقه
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-09-25


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الرابع عشر من سورة البقرة.
كلَّما صغر الشيء احتاج إلى صنعةٍ بارعة :
*مع الآية السادسة والعشرين وهي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) ﴾
*أيها الأخوة الكرام، تعارف الناس على أن البعوضة لا قيمة لها، حشرةٌ حقيرة، يضربها الإنسان ويقتلها ولا شيء عليه، كما يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف:
(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))
[الترمذي عن سهل بن سعد ]
*يبدو أن هذه الحشرة هيَّنةٌ على الناس، لكن الشيء الذي يلفت النظر هو أن الشيء كلما صَغُر كلما احتاج إلى صنعةٍ بارعة، فقد تجد مذياعاً كبيراً فلا يثير دهشتك، أما إن رأيته صغيراً فإنه يستأثر باهتمامك، وأما إن رأيت ساعةً فيها مِذياع فإنك تزداد اهتماماً وانتباهاً، وتدرك أن فيها دقة صُنع.
*أطلعني أخٌ كريم على جهاز كمبيوتر بحجم كف اليد فيه كل البرامج التي توضع في الكبير، وفيه اتصال دولي، وفيه إنترنت ـ شيء لا يُصدق ـ بحجمٍ صغير، فكلَّما صغرت الآلة كان وراءها صنعةٌ بارعة، هناك أحياناً آلات تصوير تُثَبَّت في قدَّاحة وتستخدم لأغراضٍ خاصَّة ؛ كآلة تصوير فقط، وأحياناً آلة تصوير متحركة، وقد تكون قطعة كحبة العدس تُلتَقط بها الأصوات وتُسَجَّل، فكلَّما صغر الشيء احتاج إلى صنعةٍ بارعة وأثار الاهتمام.
الإعجاز في خلق البعوضة:
*توصل أحد العلماء قبل أشهر عديدة إلى جهاز يقيس عشرة مرفوعة إلى قوة خمسة عشر من أجزاء الثانية، أي رقم واحد أمامه خمسة عشر صفراً، أي ألف مليون ملْيون جزء من الثانية، هذه هي الثانية ضربة واحدة، هل بإمكان إنسان أن يَصل إلى تقسيم ثانية إلى ألف مليون ملْيون جزء ؟ أُعطي هذا الإنسان في جامعة في أمريكا الجائزة الأولى، يمكن أن يقاس الآن بهذا الجهاز زمن تفكك الذرة، وهناك تطبيقات كثيرة جداً، كلَّما دَق الأمر كلّما ظهر من خلاله عظمة الصانع، طبعاً الفيل كبير، والحوت الأزرق كبير يبلغ وزنه مئة وخمسين طناً، يحوي خمسين طناً لحماً، وخمسين طناً دهناً، ويستخرج من الحوت ما يقدر بتسعين برميلاً زيت سمك، وجبة غذائِهِ أربعة أطنان، وإرضاع صغيره ثلاثمئة كيلو في كل رضعة، هذا شيءٌ ضخم، أما حينما ترى نملة ؛ فيها دماغ، وفيها ذاكرة، وفيها جهاز هَضم، وفيها جهاز إفراز، وفيها جهاز مَعرفة، وفيها جهاز شمّ، لها نشاطات مخيفة، حينما ترى نحلة صغيرة، حينما ترى بعوضة، فما عليك إلا أن تلوذ بقوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً (26) ﴾
*البعوضة أيها الأخوة لها ثلاثة قلوب، قلبٌ مركزي وقلبٌ لكل جناح، هذا القلب يُمِدُّ الجناح بطاقةٍ تجعله يرِفُّ أربعة آلاف رفةٍ في الثانية، هذه البعوضة عندها جهاز رادار، ففي ظُلمة الليل ينام طفلان على سريرهما تتجه البعوضة إلى الطفل مباشرةً دون أن تتجه إلى وسادة أو إلى ركن في الغرفة، الآن لديها جهاز رادار يكشف لها الكائن الحي فإذا وصلت إليه حلَّلت دمه، هناك دمٌ لا يُناسبها، قد ينام أخوان على سرير واحد، يفيق أحدهما، وقد أُصيب بمئات لدغات البعوض، والثاني سليم، إذاً عندها جهاز تحليل دم، تأخذ الدم الذي يناسبها، وتدع الذي لا يناسبها، والبعوضة من أجل أن تأخذ هذا الدم لا بد أن تميَّعه لأن الكرية الحمراء أوسع من خرطوم البعوضة، فلا بد من أن تميع الدم حتى يجري في خرطومها، فإذا لدغت البعوضة هذا الطفل استيقظ وقتلها فلا بدّ أن تخدره، متى يشعر الإنسان بلدغ البعوضة ؟ بعد أن تطير، يضربها من دون فائدة لأنها تكون قد طارت، فهذه البعوضة الصغيرة فيها جهاز رادار، وجهاز تحليل، وجهاز تمييع، وجهاز تخدير، ولها جناحان يرفَّان أربعة آلاف رفَّة في الثانية، ولها ثلاثة قلوب ؛ قلبٌ مركَّزي، وقلبٌ لكل جناح، وبإمكان البعوضة أن تقف على سطحٍ أملس عن طريق محاجم كالمِشْجَب الذي يثبت على البلور بتفريغ الهواء، تضغط البعوضة المحجم فيتفرغ الهواء فيثبت، وللبعوضة مخالب أيضاً.
طيران الطائر واتجاهه نحو هدفه عُزِيَ إلى الله مباشرةً:
*أجرى بعض علماء الطيران مقارنة بين أعظم طائرة صنعها الإنسان وبين البعوضة في المناورة، فكانت قدرات البعوضة والذبابة أعلى من أي طائرة صنعت، لاحظ الذبابة في أثناء طيرانها بسرعة عالية تأخذ زاوية قائمة فجأةً، وقد ترجع فجأةً، وقد تصعد إلى عَلٍ فجأةً، وبإمكان الذبابة أن تَحُطَّ على السقف، تضع أرجلها على السقف فتثبُت، وعندها قدرة على المناورة تفوق أعظم طائرة صنعها الإنسان.
*قرأت ذات مرة في موسوعة علميَّة عن الطيران، موسوعة مترجمة من دار علوم مُحترمة جداً في أمريكا، كُتِبَ على أول صفحة في هذه الموسوعة: إنَّ أعظم طائرة صنعها الإنسان لا ترتقي إلى مستوى الطائر، يطير الطائر أحياناً مسافة تقدر بست وثمانين ساعة بلا توقُّف، يقطع الطائر من شمال الكرة الأرضية إلى جنوبها تقريباً سبعة عشر ألف كيلو متر، يُهاجر صيفاً وشتاءً، يهتدي الطائر إلى هدفه بشكلٍ غير معروف حتى الآن، وضِعَت عشرات النظريات لتفسير اتجاه الطائر نحو هدفه ؛ تفسير الجاذبية، تفسير الشمس، تفسير التضاريس ،وكل هذه التفاسير حارت ولم تقف على قدمين، لذلك قال تعالى:
﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ (19) ﴾
( سورة الملك )
*عُزِيَ طيران الطائر واتجاهه نحو هدفه إلى الله مباشرةً، فلا توجد نظرية صمدت، قد يؤخذ الطائر قبل أن يرى النور من لندن أو من بريطانيا ويُرْسَل إلى الصين، واتجاه الطيور في الرحلات كلّها شمال جنوب، جنوب شمال، فهذا الطائر الذي لم ير النور يطير من الصين إلى بريطانيا، الطائر الذي غادر عُشَّه مثلاً في دمشق وانتقل إلى جنوب إفريقيا، لو تغيَّرت الزاوية في طريق العودة درجة واحدة لجاء في بغداد، درجة نحو اليسار لجاء في القاهرة، يصل إلى دمشق وإلى حي الصالحية، وإلى بيتٍ في أحد أحياء حي الصالحية إلى عشه، ما هذه القدرة ؟
﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ (19) ﴾
( سورة الملك )
البعوضة هينةٌ على الناس ولكن فيها من الأجهزة ومن دقَّة الصُنع ما لا يُوصَف:
*أيها الأخوة، كلَّما صغر الجسم عظمت دقة الصنعة فيه، الآن فيروس الإيدز يتحدى العالَم كلّه، لم يستطع الإنسان بكبريائه، بجبروته، بتقدُّمه العلمي، بإنفاقه المذهل على البحوث العلمية أن يصل إلى مصل مضاد للإيدز، مع أن هذا الفيروس أضعف فيروس على الإطلاق، يموت إذا خرج من الإنسان على بعد عشرة سنتيمترات، لكنه إذا دخل الجسم يدخلـه بثيابٍ مموَّهة، يدخله بشكل الكرية البيضاء فلا أحد يُعاكسه، فإذا تمكَّن التهم كل الكريات البيضاء، قد يُبذل ألف مليون دولار لتطوير أبحاث للوصول إلى مصل مضاد لهذا الفيروس، ولكنه يُغَيِّر شكله فتذهب كل هذه الأموال أدراج الرياح، وله سُلالات، وقد شاءت حكمة الله أن يكون هذا المرض عقاباً لا ابتلاءً، بقدر ما هو خطير ومميت بقدر ما تكون الوقاية منه سهلة، يكفي أن تستقيم وانتهى الأمر، انتهى المرض.
*هذه الآية أيها الأخوة التي تتحدث عن البعوضة، على صغرها وضآلة شأنها وهوانها على الناس، فلو قتل الإنسان خطأً هرَّةً في الطريق بسيَّارته فإنه يضطرب ويتألَّم، يقول: لعلِّي أخطأت، لعلِّي تساهلت، لعلِّي لم أكن منتبهاً، يا ترى هل الله سيُحاسبني ؟ هل أدفع مبلغاً من المال صدقة ؟ أما إذا قتل بعوضة فهو لا يشعر بشيء أبداً، وكأنه لم يفعل شيئاً أبداً لهوانها على الناس، ومع أن هذه البعوضة هينةٌ على الناس، فإن فيها من الأجهزة، وفيها من دقَّة الصُنع والإبداع ما لا يُوصَف، تذكرنا هذه البعوضة بقوله تعالى:
﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ (3) ﴾
( سورة الملك )
*ليس التفاوت هنا في الصنعة، فهناك مثلاً شركة تصنع مُعِدَّات منزلية والشركة نفسها تصنع معدات صناعية، المُعدات المنزلية استعمالها قليل جداً، لذلك معدنها رخيص وأجهزتها بسيطة، أما المُعدات الصناعية فهي غالية جداً لأنها مصمَّمة أن تعمل ليلاً ونهاراً.
صنعة الله متقنة لا تفاوت فيها :
*المعمل يصنع مادَّة مُعتنى بها كثيراً، ومادَّة مُعتنى بها قليلاً، أما لو دققت في صنعة الله عزّ وجل فإنك لا تجد صنعةً متقنةً وصنعةً أقلّ إتقاناً:
﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ (3) ﴾
( سورة الملك )
*التفاوت في الحجم قائم، هناك بعوضة، وهناك فيل، ولكن ليس هناك من تفاوتٍ إطلاقاً في إتقان الصنعة.
*أيها الأخوة الكرام، المؤمن كل شيءٍ يدلُّه على الله، نحن أمام موضوع دقيق جداً، إنَّك إن أردت أن تعرف الله فكل شيءٍ يدلُّك عليه، وإن لم ترد أن تعرفه فإنك لو التقيت مع سيد الأنبياء ورأيته رأي العين، وجلست إليه، وحادثته، لما قنعت، ولما آمنت، لو رأيت منجزات العلم كلَّها الآن، لو ذهبت إلى أكبر مرصد الآن في العالَم لحار عقلك.
*زارنا أخ اليوم مختص بالفلك في أمريكا، حَدَّثنا شيئاً لا يُصدَّق ؛ يبلغ طول ألسنة اللهب لبعض الشموس مئة وخمسين ألف سنة ضوئية، توجد شموس تزيد عن حجم شمسنا اثنين فاصلة اثنين بليون (2.2بليون) مرَّة عن حجم شمسِنا، ذكر أرقاماً لا تُصدق، فقلت: سبحان الله أهذا الإله العظيم يُعصى ؟
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (28)﴾
( سورة فاطر: آية " 28 " )
*إن نجم قلب العقرب يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، وهناك أكثر من مليون ملْيون مجرة، ومعنى مجرَّة أي فيها قريب من مليون كوكب، ومجرتنا درب التبّانة صغيرة جداً جِداً بالنسبة لغيرها من المجرات، ومع ذلك حين نقرأ عنها تهولنا المعلومات التي تطالعنا.
صنع الله متقن في أكبر شيءٍ صنعه وفي أصغر شيءٍ صنعه :
*أيها الأخوة الكرام، صنع الله متقن في أكبر شيءٍ صنعه، وفي أصغر شيءٍ صنعه، بل إنَّ قوله تعالى:
﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) ﴾
( سورة الأنبياء: آية " 33 " )
*هذه تشمل الذرَّة والمجرَّة، هناك كهارب في الذرة تسبح حول النواة، وفي المجرَّات هناك كُتَل كبيرة جداً تسبح حول مركزها بسرعة قريبة من سرعة الضوء.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (26) ﴾
*قال العلماء:
﴿ فَمَا فَوْقَهَا ﴾
*أي فما أصغر منها، فوقها في الصِغَر، البعوضة تراها بالعين، ولكن هناك كائنات كالجراثيم لا تراها، والفيروسات أصغر، الحشرات تراها، أما الجراثيم فلا تراها، الجرثومة هي أصل كل الأمراض، إنك لا ترى الجراثيم التي هي أصل المرض، ولكنك ترى فعلها، الفيروس أصغر من الجرثوم، الآن بعد اختراع المجاهر الإلكترونية، فإن المجهر يكبر أحياناً مئتي مرَّة، وهناك مجهر يكبّر أربعين ألف مرَّة، حينما يُكَبَّر الجلد تجد أنه كالغابة فيها تلال ووديان، وسهول وهضاب ، وأشجار هي الشعر، إذا كبَّرنا نقطة من الجلد، إذا كبَّرنا نقطة من غِشاء المعدة، من جدار المعدة، إذا كبَّرنا نقطة من الدماغ، فإن الشيء الذي تراه شيءٌ لا يُصدق أبداً، الآن توجد صور لهذا المِجهر الإلكتروني، إنك تشاهد بواسطته فتبدو لك الخلية.
*الخلية بناء قائم بذاته، عالَم قائم بذاته، والخلية لا تُرى بالعين، لذلك كلَّما صغر الشيء احتاج إلى صنعةٍ عاليةٍ جداً، لهذا قال الله تعالى:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) ﴾
( سورة الحاقة )
*الذي لا تبصره أضعاف الذي تبصره، فأنت إذا أمسكت بكأس ماء ماذا تبصر ؟ تبصر ماء صافياً، ماء عذباً، فراتاً، نقياً، شفَّافاً، لو صوَّرت هذا الماء تحت المجهر لرأيت فيه من الكائنات الحيَّة ما لا يُحصى، هذا الذي لا نُبصره.
عظمة الله في خلقه :
*أيها الأخوة، أراد الله سبحانه وتعالى من هذا المثل أن يلفت نظرنا إلى أن هذه الحشرات التي لا شأن لها عندكم، وهي مخلوقاتٌ عظيمةٌ جداً، فليس هناك من حرجٍ أن يضربها الله مثلاً، لكن أريد أن أُثَبِّت هذه الحقيقة إن لم يرد الإنسان أن يعرف الحقيقة فهو لا يصل إليها، ولو كان إنساناً ذكياً جداً، ويحمل أعلى شهادة في الأرض، يعمل في الكيمياء، يعمل في الطبيعيات، يعمل في أبحاث الفَلك ويرى بالمراصد الشيء الذي لا يُعقل، ثم يتعامى عما يرى أحياناً، قد يرى الإنسان في ليلة مظلمة شيئاً كالغبار في السماء، هذا الغبار هو المجرَّة، ملايين الملايين من الكواكب يرى على شكل غبار، فليس كل شيء لا تراه غير موجود، أي إنَّ عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، أنت ماذا ترى ؟ ترى الشمس تدور بينما هي ثابتة بالنسبة إليك، أنت الذي تدور، الشمس تدور حول نقطة، الله قال:
﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) ﴾
( سورة الأنبياء: آية " 33 " )
*كم تحتاج الشمس من زمن لتُتِمَّ دورتها ؟ تحتاج الشمس لمئتي مليون سنة من أجل أن تدور دورة حول كوكبٍ ما، فالحقيقة نحن في كونٍ لا تتناهى أبعاده، ذكرت قبل قليل ما هذا الرقم ؟ شيء مذهل حقاً ! مجرَّة تبعد عنّاً ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية، هذه عظمة الله، ولو وصلت إلى كُنهِ هذه البعوضة وأقل من البعوضة أي إلى الجرثوم، وأقل من الجرثوم إلى الفيروس لوجدت العجب العُجاب.
كل ما في الكون يدل الإنسان على الحقيقة :
*على كلٍ كلَّما تناهت الأشياء في الصغر تحتاج إلى صانعٍ متقن، فيها صنعةٌ دقيقة، والأشياء الصغيرة غالِّية جداً، توجد أجهزة تسجيل صغيرة، أجهزة راديو صغيرة أسعارها مرتفعة جداً، حتى أنت قد تجد كمبيوتراً كبيراً، شاشة كبيرة، وجسماً للكمبيوتر، وأحياناً تجد كمبيوتراً يوضع كله في محفظة، وأحياناً بحجم كفِّ اليد، كلَّما صغر الجهاز رأيت صنعةً غاية في الإتقان، هذا هو مغزى هذه الآية:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (26) ﴾
﴿ فَمَا فَوْقَهَا ﴾
*أي فما أصغر منها، بل فما فوقها في الصغر حسبما قال العلماء، قال تعالى :
﴿ فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ (26) ﴾
*هنا إذا أراد الإنسان معرفةً الحقيقة دلَّه عليها كل شيء، وإذا أعرض عن الحقيقة فإنه لو مكث في أعظم مرصد في أمريكا عمره كله، ولو دخل إلى أدق مخبر في العلوم الطبيعية ؛ رأى الخليّة، رأى النُسُج الحّية، رأى تفاعل المواد، لو أُتيحت كل المعلومات بين يديه فإنه لا يؤمن، وأدق مثل لذلك: آلة تصوير بسيطة جداً ورخيصة جداً، إذا أراد صاحبها أن يستخدمها ووضع فيها الفيلم فإنه يلتقط المناظر التي أمامها، والذي يرفض الحقيقة كإنسان معه آلة ثمنها مليون ليرة ولكنها دون فيلم، هو إنسان مثقف ثقافة عالية جداً، ولكنه لم يرد الحقيقة، بين يديه معلومات مذهلة، بين يديه آيات يقشعر منها الجلد ومع ذلك لا يستفيد منها شيئاً، فالعبرة: أنك أنت إذا أردت الحقيقة وصلت إليها، وإن لم تردها فعليك إثم نفسك !!
خلق الله الإنسان مخيراً ولأنه مخير فإن كل شيءٍ في الكون مصممٌ ليكون حيادياً:
*بعوضة ؛ يسمع هذه الكلمة إنسان فاسق فيقول:
﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً (26) ﴾
*يقول ساخراً أهذا قرآن !!! ؟ هكذا قال الكفَّار: الإله العظيم يذكر بعوضةً ؟ يذكر ذبابةً ؟ يذكر العنكبوت، هل من المعقول أن يذكر إنسان عظيم هذا في كلامه ؟
﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً (26) ﴾
*قيل: كل شيء في الكون حيادي:
﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً (26) ﴾
*آية واحدة يرفضها إنسان ويهتدي بها إنسان، آيةٌ واحدة يذوب إنسان خشوعاً لله من خلالها وإنسان آخر يستهزئ بها، خلقك الله مخيراً ولأنك مخير فإن كل شيءٍ في الكون مصممٌ ليكون حيادياً، يُستخدم سُلماً ترقى به، أو دركاتٍ تهوي بها:
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ (26) ﴾
*ما هو الحق ؟ الحق خلاف الباطل، ما هو الباطل ؟ الباطل زهوق زائل، والباطل عابث.
تناقض الحق مع الباطل و العبث:
*قال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) ﴾
( سورة الدخان )
*وقال:
﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ (3) ﴾
( سورة الأحقاف: آية " 3 " )
*ربنا عزّ وجل نفى أن يكون خلق السماوات والأرض باطلاً، الباطل الشيء الزائل، ونفى أن يكون خلق السماوات والأرض عبثاً، فالعبث الشيء غير الهادف، ولكن الله جلَّ جلاله خلقهما بالحق، فالحق يتناقض مع الباطل ويتناقض مع العبث، فالحق لا عبَث فيه ولا بطلان، الشيء الثابت الهادف، إذا قلنا:
﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ (3) ﴾
( سورة الأحقاف: آية " 3 " )
*أي لابس الحق خلق السماوات والأرض، أحياناً إذا أنشأنا جناحاً في المعرض لمدة أسبوعين فإننا نضعه من القماش، أما حينما ننشئ جامعة فإننا ننشئها من حجر، هذه الجامعة أُنشئت لتبقى، أما هذا الجناح في المعرض أنشئ ليُهدم بعد أسبوعين، فكلمة بالحق أي أن الله عزّ وجل خلق الكون ليبقى، قال:
﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ (3) ﴾
( سورة العنكبوت )
*النفس تذوق الموت ولا تموت، وفرقٌ كبير بين أن تذوق النفس الموت وبين أن تموت، النفس تَخْلُدُ إما في جنةٍ يدوم نعيمها أو في نارٍ لا ينفد عذابها.
النمل والنحل من آيات الله الدالة على عظمته:
*صارت القضية: هل تريد الحقيقة ؟ إذاً كل شيءٍ يدلَّك على الله حتى البعوضة، حتى الذبابة، حتى النملة، النمل مثلاً يعمل دائماً أعمالاً عدة متنوعة، وهو في أدبه أعجوبة تكاد لا تُصدق، النمل يزرع، النمل يربِّي المواشي، النمل يُنشئ صوامع الحبوب، يقيم الجسور، يَشُقُّ الطُرُقات، النمل يُعَلِّم، عنده قِطاع تعليم، النمل يخزِّن، النمل يعالج المرضى، وعند النمل مكتب لدفن الموتى، تُسحب النملة الميتة وتُدفَن، وعند النمل كذلك جيش يحرس الملكة، ويرُدُّ العدوان، هناك نمل رُحَّل يتنقل من مكانٍ إلى مكان، ونمل يعيش في بيوت ثابتة، وهناك نمل يعيش على العمل، ونمل يعيش على الغزو، وهناك شيء في النمل لا يُصدق، النملة عندها جهاز ضخ وجهاز مص فإذا لقيت نملةً جائعة وضعت فمها في فمِها وضخت لها من خلاصة غذائها، يوجد عند الإنسان مص فقط وليس عنده ضخ أما النمل فعنده جهاز مص وجهاز ضخ، والله هناك شيءٌ عن النمل يكاد لا يُصدَّق، إذا رأت النملة أنها في خطر فإنها ترسل إشارة كيماوية إلى من حولها، إذا كان موتها محقَّقَاً ترسل إشارة تحذير ؛ ابتعدوا عن المجزرة، وإذا كانت نجاتها محققة ترسل إشارة استغاثة ؛ تعالوا إلي أنقذوني، والله عزّ وجل أثبت لها الكلام، وأثبت لها المعرفة:
﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) ﴾
( سورة النمل )
*النملة اجتماعية، إذا وضعت النملة في بيت فيه طعام وشراب بشكل كامل لوحدها، فإنها تموت بعد عشرين يوماً وحشةً، هناك نظام دقيق جداً للنمل، قال تعالى:
﴿ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ (38) ﴾
( سورة الأنعام: آية " 38 " )
*النحلة ترقص رقصة لتُحدد مكان الأزهار والمسافة والجهة، وهناك رقصة ثانية للكثافة والجهة، والمسافة برقصة، والكثافة برقصة.
من يتخذ قراراً بالإيمان فكل ما في الكون يدله على الله :
*أيها الأخوة، يوجد في هذه الآية موضوع خطير جداً، يقول الله عزّ وجل:
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً (26) ﴾
*قف معي أمام مثلٍ واحد، آية كونية، حشرة، حيوان، نبات، هذه الآية يؤمن أُناس بالله من خلالها وأناس غيرهم يستهزئون بها، بين أن تؤمن وبين أن تستهزئ مسافة كبيرة جداً، جداً كبيرة، فما السر في ذلك ؟ لماذا قرأ فلان عن البعوضة فبكى خشوعاً لله، وسمع إنسان هذه الآية فاستهزأ ؟
﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً (26) ﴾
*أحياناً تتكلَّم بكلام أمام جمع يؤيدك إنسان ويعترض إنسان عليك، إنسان يقبل وإنسان يرفض، ما سرُّ ذلك ؟ الجواب هنا:
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ (26) ﴾
*ما معنى آمنوا ؟ أي اتخذوا قراراً بالإيمان، أرادوا الحقيقة، فإن أردت الحقيقة فكل شيءٍ يدَلَّك على الله.
من لم يرد الحقيقة فإنه يستهزئ بها:
قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا (26) ﴾
*أي أعرضوا عن طلب الحقيقة، لا يريدون الحقيقة بل يريدون الشهوة:
﴿ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً (26) ﴾
*اجلس مع إنسان طالب للحقيقة وحدّثه عن المجرَّات فإنه يبكي، بينما يقول لك إنسان آخر: كم ثمن الدولار اليوم ؟ هذا الموضوع كلَّه ليس له علاقة به، ما يهمه هو سعر العملات، البيوت والسيارات، التجارة والربح، الشهوات والمقاصف، فكل إنسان له وجهة هو موليها، الذي أراد الحقيقة فإن كل شيء يدلُّه على الله، والذي لم يردها فإنه يستهزئ بها:
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً (26) ﴾
*والحقيقة واضحة مشرقة.
قبولك للحق أو رفضك له متعلق باستقامتك :
*الشيء الواحد قد يؤدي إلى ضلال من يضل وهداية من يهتدي، قال تعالى :
﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً (26) ﴾
*هل التغيُّر حاصل من الشيء أم من الإنسان ؟ ليس من الشيء لأن الشيء واحد ؛ بعوضة، إنسان ازدادت معرفته بالله من خلالها وإنسان استهزأ بها، والبعوضة هي هِي، معنى هذا أن التبدُّل ليس من البعوضة، ولكن مِنَ الذي ينظر إليها:
﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) ﴾
*حينما يَفْسُق الإنسان لا يحب الحقيقة، حينما يفسق يرُدُّ الحق، حينما يفسق يستهزئ بالآيات، حينما يفسق يشمئزُّ إذا ذُكِر الله وحده، حينما يفسق تأخذه العزة بالإثم، فعندنا معنى خطير جداً، قبولك للحق أو رفضك له متعلق باستقامتك، لأن غير المستقيم يدافع عن انحرافه، وغير المستقيم اختل توازنه، فكيف يستعيده ؟ يقول: هؤلاء الديِّنون على خطأٍ عظيم ظناً من أن ذلك يجعله يتوازن، دائماً وأبداً يطعن المُنحرف بالمستقيم حتى يرتاح، لا يرتاح إلا إذا طعن بالمستقيم، الكافر يطعن بالمؤمن حتى يتوازن، فلذلك الشيء واحد آية واحدة ؛ الشمس، القمر، الليل، النهار، الفيل، الحوت، البعوضة، النملة، الذبابة، العَنكبوت، هل تُصَدِّق أن العنكبوت تنسُج خيطاً لو سُحِب الفولاذ بقطر هذا الخَيط لكان خيط العنكبوت أمتن من الفولاذ ؟ وأوهن بيتٍ لبيت العنكبوت، فالضعف التي أشارت إليه الآية اجتماعي لوجود خلاف عميق جداً بين الزوجين فبيت العنكبوت ضعيف لأن فيه انهياراً داخلياً، وأما خيط العنكبوت فهو متين جداً.
الذي يريد ألا يسمع هو أشد الناس صمَماً :
*أيها الأخوة، آيةٌ واحدة يطير المؤمن إلى الله بها، يذوب خشوعاً بها، وإنسان آخر يستهزئ، التفسير: إن أردت الحقيقة كل شيءٍ يدلَّك عليها، وإن رفضتها فإنك لو رأيت الآيات كلِّها وجهاً لوجه فإنك لن تستفيد، أليس هناك أناس عاشوا مع النبي ؟ هل هناك في البشرية كلِّها إنسانٌ أعظم من النبي ؛ من خلقه، فصاحته، علمه، أدبه، أخلاقه، نورانيته، ومع ذلك هناك من عاداه، وهناك من كرهه، وهناك من قاتله، فصار هناك معركة أزليه أبدية بين الحق والباطل، اذكر للكافر آية كونية يقول لك: الآن لا تُضيع وقتك، شيء واضح تماماً إذا كنت متحمِّساً لآية كونية، متحمِّساً لقضية دينية، متحمِّساً لعمل إسلامي كبير فإنه لا يلقى عند الكافر إلا السُخرية والاستهزاء، ولكنه يلقى عند المؤمن التعظيم والإكبار والعمل واحد، فصار التحوُّل وتناقض المواقف ليس من الشيء بل من الإنسان، إن أردت الحقيقة عرفتها، وأعانك عليها كل شيء، وإن رفضتها ما من حقيقةٍ يمكن أن تقنعك عندئذِ.
*يقول أحد الحكماء: " لم أجد أشد صمماً من الذي يريد ألا يسمع "، الذي يريد ألا يسمع أشد الناس صمَماً، فالكافر رفض الحقيقة، فإذا عرضت عليه آية كونية، مجرَّة، بحر، تيَّار الخليج، البرزخ بين البحرين فإنه يزداد سخريةً واستهزاءً:
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً (26) ﴾
عند المؤمن المستقيم استعداد لقبول الحق وعند الفاسق استعداد لقبول الباطل:
*أما الشيء الخطير، والله أيها الأخوة افتتاح الآية بهذه الكلمة:
﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) ﴾
*انظر، إن فَسَق الإنسان ردَّ الحق، وإن آمن قبِل الحق، وجرِّب الجلوسَ مع إنسان أخلاقي مستقيم، وحدثه بحديث كتاب الله، تجد أنه قبِل هذا الكلام، وأثنى عليك، وانهمرت دموعه، اجلس وكلِّم إنساناً فاسقاً، وشارباً الخمر، وزانٍ، فإنه يردُّ عليك رداً قاسياً، يسخر من هذا الكلام، معنى ذلك أن عند المؤمن المستقيم استعداد لقبول الحق، وعند الفاسق استعداد لقبول الباطل، فلو عرضت عليه الحق لرفَضَه، هذا الذي أقوله لكم تؤَكِّده الآية الكريمة:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) ﴾
( سورة الماعون )
*وتؤكده الآية الثانية:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ (50) ﴾
( سورة القصص: آية " 50 " )
*وتؤكده الآية الثالثة:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْداً إِذَا صَلَّى (10) ﴾
( سورة العلق )
*أين التتمة ؟ انتهت الآية، أي أرأيت إلى دناءته ؟ أرأيت إلى نقض عهده ؟ أرأيت إلى حبِّه لذاته ؟ إلى عجرفته ؟ إلى كبره ؟ سلوكه يكفي، لذلك الفاسق يرُدُّ الحق والمؤمن يقبله، الفاسق تتأبى نفسه أن يقبل الحقيقة.
من المهم أن تكون ذا هيئة حسنة دون أن تكون راداً للحق ولا مضطهداً للناس:
*كان لأحد الصحابة مظهر حسن، فخاف على نفسه أن يكون مخطئاً، فقال لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
(( إِنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَناً وَنَعْلِي حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْجَمَالَ وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ بَطَرَ الْحَقَّ وغمس النَّاسَ ))
[الترمذي عن عبد الله ]
*الكبر أن ترد الحق ، أن تكون أكبر من أن تُصَلِّي، أكبر من أن تصوم، أن تكون أكبر من أن تكون عبداً لله، أن تستنكِف عن عبادة الله وتستكبر، هذا هو الكِبر، وأن تحتقر الناس، أما إنسان تعجبه الهيئة الحسنة يعجبه الثوب الأنيق فإنَّ هذا مطلوب، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ ))
[ أحمد عن أبي الدرداء]
*مطلوب إذاً أن تكون ذا هيئةٍ حسنة في مظهرك، لكن ليس مطلوباً أن تكون راداً للحق ولا مضطهداً للناس.
*أيها الأخوة الكرام، هذه آيةٌ من آيات الله الدالة على عظمته، وأنا أرى أن في القرآن الكريم ألفاً وثلاثمئة آية كونية، ولا يليق بالله عزّ وجل أن يقول كلاماً لا معنى له، لماذا ذكر هذه الآيات ؟ تكاد تكون هذه الآيات سُدُسَ القرآن، كأن الله أرادنا أن نعرفه من خلال خلقه، فهذه البعوضة التي لا تُعجبك فيها هذه الأجهزة، وهذه الأعضاء، وهذه الخصائص، وهذه النملة التي تكاد ألا تراها لصغر حجمها، النملة فيها دماغ، فيها قلب، فيها جهاز هضم، كل شيء في هذه النملة على صِغَرِها، وكلَّما صغر الشيء كان وراءه صنعةٌ أدق، وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله ننتقل إلى قوله تعالى:
﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) ﴾
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
12-03-2012, 03:00 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (15- 95):تفسيرالآية 27، صفات الفاسقين
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-10-02


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس عشر من سورة البقرة.
كلَّما دقَّ الشيء في حجمه كلما عَظُمَت دقة صنعه:
*مع الآية السابعة والعشرين، وهي قوله تعالى:
﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) ﴾
*أيها الأخوة الكرام، هؤلاء الذين سَخِروا من آيات الله، سخروا من هذه البعوضة كيف يضربها الله مثلاً مع أنها مخلوقٌ حقير، يقتلها الإنسان ولا يشعر بشيء لأنها صغيرةٌ، لكن الحقيقة أن الشيء كلما كان صغيراً كانت به صنعةٌ بارعة، كلَّما دقَّ الشيء في حجمه كلما عَظُمَت دقة صنعه، وذكرت في الدرس الماضي كيف أن لهذه البعوضة خرطوماً يمكن أن تغرسه في جلد الإنسان، ويمكن أن تغرسه في جدار الأوعية، والبعوضة تهتدي إلى ضحيتها عن طريق الرادار، ويمكن أن تفحص دم ضحيتها لأن هناك دمٌ يناسبها ودمٌ لا يناسبها، معنى ذلك أن للبعوضة خرطوماً يخترق جلد الإنسان ويدخل جدار الأوعية، وهي تهتدي إلى ضحيتها بالرادار، وعندها جهاز فحصٍ للدم، لتختار الدم الذي يناسبها، وعندها جهاز تخدير لئلا تُقْتَل أثناء مَصّ الدم، فالإنسان حينما تلدغه بعوضة يضربها، ولكنها تكون قد طارت في الجو، يعني أنه يشعر بها بعد أن يذهب فعل التخدير، وشيءٌ آخر نضيفه هو أن عندها جهازاً لتمييع الدم من أجل أن يسري الدم في خرطومها الدقيق جداً، ولها ثلاثة قلوب ؛ قلبٌ مركزي وقلبٌ لكل جناح، ويرِفُّ جناحاها أربعة آلاف رفّة في الثانية الواحدة، ولها أرجل على طريقتين إن وقفت على سطحٍ أملس فلها محاجم تثبت بها نفسها عن طريق الضغط وتفريغ الهواء، وإن وقفت على سطحٍ صُلب فلها مخالب تغرزها فيه فتثبت عليه.
لو علمنا دقة صنع البعوضة لسجدنا لله عزَّ وجل تعظيماً له:
*هذه البعوضة التي ضرب النبي عليه الصلاة والسلام مثلاً بِضَعف شأنها:
(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))
[ الترمذي عن سهل بن سعد ]
*لهذه البعوضة جهاز هضم، ولها جهاز دوران، ولها رأس، وفي الرأس بعض الحواس، كل هذه الحواس، وهذه الأجهزة، وهذه الأرجل، وهذا القلب والأوعية، وجهاز المَصْ، وجهاز الرادار، وجهاز التمييع، وجهاز التخدير، وجهاز التحليل، وهذا الخرطوم الذي ينفذ في جدران الأوعية ويخترق الجلد، هذه البعوضة لو علمنا دقة صنعها لسجدنا لله عزَّ وجل تعظيماً له.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) ﴾
*الآية واحدة، وموضوعها البعوضة، لكن رد فعل المؤمن تعظيم الله، ورد فعل الكافر الاستخفاف والاستهزاء، إذاً حينما أراد المؤمن الحقيقة وأراد معرفة الله دلَّه على الله كل شيء، الأقدام تدل على المسير، والبعر يدل على البعير، والماء يدل على الغدير، أفسماءٌ ذات أبراج وأرضٌ ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟!!
العلاقة الرائعة بين السلوك وبين الاعتقاد:
*قال تعالى:
﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ (26) ﴾
*من هو الذي يستخف بهذه البعوضة التي هي من آيات الله الدالة على عظمته ؟ إنه الفاسق:
﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) ﴾
*هناك علاقة رائعة بين السلوك وبين الاعتقاد، الفاسق لا يعتقد والمؤمن يعتقد، الفاسق يسخر والمؤمن يُعَظِّم، معنى ذلك أن الإنسان حينما يفسُق يصبح منطقه تبريرياً تسويغياً، منطقه مقيداً بشهواته، لذلك إياك أن تناقش منتفعاً لأنه لا يقنع معك، فهو يدافع عن المكاسب التي حَصَّلها، هذا الذي ينتفع من الكفر لا يمكن أن يتخلَّى عن الكفر لأنه ينتفع منه، منتفع، المنتفع لا يُناقَش، والغبي لا يُناقَش، والقوي المغتر بقوته لا يُناقَش، لذلك هم:
﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) ﴾
*يريد أن يُغَطِّي فسقه لأنه فاسق، يريد أن يعتقد اعتقاداً يتناسب مع فسقه، وأنسب اعتقاد للفاسق أنه ينفي وجود الآخرة، وأن هذه الحياة ليس بعدها حياة:
﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) ﴾
(سورة المؤمنون)
*الاعتقاد الذي يغطي الانحراف هو الإلحاد، فكلَّما كان هناك انحرافٌ لا بدَّ من عقيدة فاسدة تغطِّي هذا الانحراف.
الإنسان العاصي دائماً مختل توازنه فيستعيده بعقيدةٍ تسوِّغ له عمله:
*المسلم الذي يتوسَّع ولا يستقيم على أمر الله أنسب عقيدة له أن يؤمن بالشفاعة إيماناً ساذجاً يردد: نحن أمة محمد، نحن أمةٌ مرحومة، يوم القيامة يشفع لنا النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: أمتي أُمتي، ولا يقبل إلا أن يدخلنا الجنة جميعاً، هذه العقيدة الساذجة عند الفاسقين، مع أن الشفاعة حق وفيها نصوص صحيحة، لكن لها معنى فوق هذا المعنى، أما غير المسلمين فهم يعتقدون:
﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) ﴾
( سورة البقرة )
*يؤمن الفسقة والمنحرفون والمُقَصِّرون والمتفلتون دائماً بعقائد تسوغ أعمالهم حتى يستعيدوا توازنهم، حينما يعصي الإنسان الله يختل توازنه، حينما يعصي الله تحاسبه فطرته، ينزعج، يضيق ذرعاً، توازن الإنسان العاصي دائماً مختل، كيف يستعيده ؟ يستعيده بعقيدةٍ تسوِّغ له عمله، لذلك حينما تأتي بعض الكتب مثلاً كتاب سُمي " قراءة معاصرة للقرآن الكريم"، هذا الكتاب الذي يسوِّغ السلوك الإباحي تحت غطاء من الدين، هذا الكتاب يروج جداً فيطبع طبعات كثيرة، عشر طبعات حتى الآن، لأنه مريح، يغطي فسق الإنسان وانحرافه بنصوص دينية، ولكن هذا لا ينطلي أمره على الإنسان المسلم الواعي.
حينما يختل توازن الإنسان فلديه طريقان لاسترجاع التوازن:
*أخواننا الكرام، فكرة دقيقة جداً، فطرتك سليمة، حينما تعصي الله ـ لا سمح الله ولا قدَّر ـ يختل التوازن، حينما يختل هذا التوازن لديك طريقان لاسترجاع التوازن:
1ـ الطريق الأول الصحيح هو التوبة:
*الطريق الأول الصحيح هو التوبة، تتوب إلى الله، تصطلح معه، تطبِّق منهجه، تستعيد توازنك وترتاح نفسك، هذا الطريق الطبيعي لاسترداد التوازن.
2ـ إن كان مصراً على هذه الشهوة فيحتاج إلى عقيدة زائغة تغطي انحرافه:
*أما حينما يعصي الإنسان ربه فيتفلَّت، يطلق بصره، يتوسَّع في المعصية، يقبل السلوك اليومي المعاصر، يقبل السلوك الإباحي ويستسيغه، فهو يحتاج الآن إما إلى توبةٍ نصوح يستعيد بها توازنه، أما إن كان مصراً على هذه الشهوة فيحتاج إلى عقيدة زائغة تغطي انحرافه، هو يتوهَّم أنه يفعل الشيء الصحيح، لذلك تجد الإنسان المبتلى بشرب الخمر مُصِراً على أن الله لم يحرِّم الخمر، يقولون: نصحنا أن نجتنبه، ولكن اذكر لي آية تنص على شرب الخمر، هذا كلام مريح له جداً، لأنه مدمن خمر، فإذا اعتقد أن الخمرة حرام اختل توازنه، انكشف، أما حينما يعتقد أن الخمر رجس فاجتنبوه، وهذا أسلوب صريح بالتحريم، فيقلع عنها راضياً عندئذٍ، ويصغي بقلبه:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) ﴾
( سورة المائدة )
على الإنسان أن يترك بينه و بين المعصية هامش أمان:
*مع أن كلمة اجتناب فيها أشد نوع من أنواع التحريم، فمثلاً تيار ثمانية آلاف فولت، أردنا أن ننصح الناس بالابتعاد عنه، هذا التيار له مساحة جذب تقدر بثمانية أمتار، إذا دخل الإنسان هذا الحرم يجذبه هذا التيار ويجعله فحماً أسوداً، فلو أن وزير الكهرباء أراد أن يضع إعلاناً تحذيرياً فهل يقول: " ممنوع مس التيار "، أم يقول: " ممنوع الاقتراب منه " ؟ يقول: "يمنع الاقتراب منه "، إذا كان ضمن مسافة ثمانية أمتار أصبح فحماً، فهذا الإعلان التحذيري لا يأمر بعدم المس ولكنه يأمر بعدم الاقتراب، وكذلك لا بدَّ من أن تدع بينك وبين هذا التيار هامش أمان، لو أن الله تعالى قال في الخمر: حُرِّمت الخمر عليكم، فيجوز بذلك أن تبيعها وأن تشتريها وأن تتاجر بها وأن تعصرها وأن تُعْلِن عنها، كل هذا يجوز لكن المنع أن تشربها فقط، أما حينما قال:
﴿ فَاجْتَنِبُوهُ (90) ﴾
( سورة المائدة )
*ثم أوضح رسول الله المزيد، فقال:
((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وشاربها وآكل ثمنها.))
[ابن مردويه والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمر]
*من يزرع عنباً من أجل أن يبيع هذه المعصرة أو هذه الخمَّارة هذا كله ملعون إذاً:
﴿ فَاجْتَنِبُوهُ (90) ﴾
( سورة المائدة )
*اجتنبوه تعني أشد أنواع التحريم، اجتنبوه، أي أن هذه المعصية لها قوة جذب، فلا بدَّ من أن تدع بينك وبينها هامش أمان، كيف أن النهر العميق المخيف الذي ينذر من وقع فيه بالموت، لهذا النهر شاطئ مائل عليه حشيش مُبْتَل، وله شاطئ جاف مستوٍ، المشي على الشاطئ المائل المبتل الزَلِق فيه مخاطرة كبيرة جداً، ممنوع أن تمشي على هذا الشاطئ المائل الزلق لئلا تقع في النهر، ينبغي أن تمشي على الشاطئ الجاف المستوي، هذه قاعدة.
الشهوات التي نضعف أمامها في بعض الظروف أمرنا الشرع الحكيم أن نبتعد عن أسبابها:
*قال الله عزَّ وجل :
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32) ﴾
( سورة الإسراء )
*لم يقل: لا تزنوا، بل قال:
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا (32) ﴾
*هذه شهوة تثور بوجود الخلوة، وإطلاق البصر يثير هذه الشهوة، متابعة مشاهد مثيرة على الشاشة أيضاً يثير الشهوة، فكل ما يُقَرِّبُكَ من هذه الشهوة مُحَرَّم، هذا معنى:
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا (32) ﴾
*اجعل بينك وبين الزنى هامش أمان، اجعل بينك وبين مال اليتيم هامش أمان، لا تخلط مالك بماله، لا تجعل الحساب هو الحكم، اجعل خلط المال هو الحكم فلا تفعله، هناك موضوع دقيق جداً، هناك شهوات لها قوة جذب أو فيها وهج، هذه الشهوات التي يضعف الإنسان أمامها في بعض الظروف أمرك الشرع الحكيم أن تبتعد عن أسبابها، الشهوات التي فيها قوة جذب، والتي يَضْعُف الإنسان أمامها في بعض الظروف نهاك من الاقتراب منها " ولا تقربوا الزنا ".
الآية العظيمة الدَّالة على عظمة الله لا يسخر منها إلا الفاسق:
*قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) ﴾
( سورة المائدة )
*اجعلوا بينكم وبينها هامش أمان، لا تجلس مع شارب خمر، لا تتعامل مع كل من يتعامل بالخمر، إذاً لِمَ أصرّ الأخ على أنه ليس في القرآن الكريم آيةٌ تحرم الخمر ؟ حتى يُغَطِّي انحرافه، فالقضية الدقيقة الآن هي حينما ينحرف الإنسان أمامه سبيلان لاستعادة توازنه ؛ سبيل الاستقامة والتوبة النصوح والصلح مع الله، وسبيل أن يعتقد عقيدةً زائغةً فاسدةً منحرفةً يتوهَّم بها أنها تغطِّي انحرافه، ولذلك لا يناقش المتلبِّس بشهوة، لا يناقش لأن منطقه منطق تسويغي تبريري وليس منطقاً حراً أبداً:
﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) ﴾
*الآية العظيمة الدَّالة على عظمة الله لا يسخر منها إلا الفاسق، دقق في هذه الآيات:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) ﴾
( سورة الماعون )
*هو نفسه:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) ﴾
( سورة القصص )
*الذي يتبع هواه من دون هدىً من الله عزَّ وجل هذا من أشد الناس ضلالاً يوم القيامة، هؤلاء الفاسقون ما صفاتهم ؟ هذا هو موضوع درسنا اليوم.
للآية التالية عدة معانٍ:
*هؤلاء الفاسقون:
﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ (27) ﴾
*لهذه الآية معانٍ كثيرة، بعض معانيها أن الله سبحانه وتعالى أخذ من بني آدم في عالم الذَرْ عهداً على أن يطيعوه حينما قال لهم:
﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى (172) ﴾
( سورة الأعراف: آية " 172 " )
*هذا عهد، فالذي يأتي إلى الدنيا، ويتعرَّف إلى الله، ويستقيم على أمره هذا أوفى بما عاهد عليه الله، والذي يأتي إلى الدنيا، وتستهويه الشهوات، ويضع منهج الله وراء ظهره هذا نقض عهده مع الله، يقول سيدنا علي كلمة : " والله إني لأذكر ذلك العهد " هذا معنى من معانٍ كثيرة.
*المعنى الثاني: أن عهد الله هو أمره ونهيه الذي جاء في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ونَقْضُ هذا العهد عدم العمل به، فالذي لا يعمل بالقرآن والسنة يَنْقُضُ عهد الله، هؤلاء الفاسقون لماذا سموا فاسقين لأنهم:
﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ (27) ﴾
نقض العهد هو عدم العمل بالكتاب والسنة:
*عهد الله إلينا أن نأكل المال الحلال، عهد الله إلينا أن نَقْصُرُ طرفنا على زوجاتنا وعلى محارمنا، عَهْدَ الله إلينا أن نكون صادقين، عهد الله إلينا أن نكون أُمناء، عهد الله إلينا أن نؤدِّي الأمانات إلى أهلها، عهد الله إلينا ألا نظلم بني البشر، ألا نكذب، ألا نأخذ ما ليس لنا، أن نكون أمناء، لذلك بعث الله عزَّ وجل النبي عليه الصلاة والسلام لهذه الأمة ليقوِّم أخلاقها، وعَبَّر سيدنا جعفر للنجاشي عن الواقع الذي بين الجاهلية والإسلام حين قال: " أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونسئ الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده، ونوحَّده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثانِ، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحُسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ".
*إذاً نقض العهد عدم العمل بالكتاب والسنة، كل أمرٍ في القرآن هو عهدٌ عَهِدَ الله به إليك، كل أمرٍ في القرآن، وكل أمرٍ في سنة النبي العدنان هو عهدٌ عهد الله به إليك أن تُطَبِّقَهُ، فإن طبَّقته فقد وفَّيت بهذا العهد، وإن لم تطبقه فقد نقضت عهدك مع الله، أي أن كل إنسان يعصي الله نقض عهده مع الله، هذا المعنى الواضح والشائع والواسع والمقبول، نقض العهد مع الله عدم تطبيق أمره والوقوع في نهيه، هذا نقض العهد، فالفاسقون لماذا هم فاسقون ؟ لأنهم نقضوا عهدهم مع الله، وحينما يتوب الإنسان يعاهد الله على الطاعة، من السُّنة أن يقول الإنسان في بيت الله الحرام عند الحجر الأسعد: " بسم الله، الله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، واتِّباعاً لسنة نبيِّك، وعهداً على طاعتك "، فالذي عاهد الله عند الحجر الأسود أن يطيعه ثم عاد إلى بلده فعاد إلى ما كان عليه نقض عهد الله.
المنافق الفاسق ينقض عهده مع الله :
*يقول الله عزَّ وجل :
﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102) ﴾
( سورة الأعراف )
*ويقول الله عزَّ وجل:
﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23) ﴾
( سورة الأحزاب )
*لاحظ نفسك، إذا تبت إلى الله توبةً نصوحاً، وعاهدته على الطاعة، وعاهدته على الإنصاف، وعاهدته على خدمة المسلمين، وعاهدته على الإنفاق في سبيله، لاحظ نفسك: هل تبدل هذا العهد مع مرور الأيام ؟ المنافق الفاسق ينقض عهده مع الله.
﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (27) ﴾
*لهذه الآية معانٍ كثيرة، الأنبياء جميعاً دعوتهم واحدة، فالذي لا يفرِّق بين الأنبياء، يجعل كل الأنبياء مبعوثين من عند الله عزَّ وجل معهم كتاب الله، يعتقد بالأنبياء جميعاً اعتقاداً صحيحاً، هذا لم يقطع ما أمر الله به أن يوصل، هذا معنى، وهناك معنى آخر: كل إنسان يدعو إلى معصية يقطع الناس عن الله عزَّ وجل وقد أمروا أن يتصلوا بالله، أية بدعة، بدعة فيها اختلاط ـ عرس مختلط ـ هذا العرس المختلط بدعةٌ فيه دعوةٌ إلى القطيعة مع الله، حينما يُمَتِّعُ الإنسان بصره بمن لا تَحِلُّ له كانت هذه المتعة المحرَّمة حجاباً بينه وبين الله، ماذا فعل من دعاه إلى هذا الحفل ؟ قَطَّعَ علاقات الناس بالله عزَّ وجل.
أنواع المعاصي كلها تقطع عن الله:
*من دَلَّ على كسبٍ حرام قطع هذا المكتسب عن الله، أي إنسان دعا إلى معصية، رَوَّج لمعصية، دعا إلى دنيا مُغرية، رَغَّب الناس بشيءٍ لا يرضي الله، دعا الناس إلى شراء جهاز حتى يكون على مستوى العصر، وحتى يَطِّلع على ما في العالم من أحداث، كما يتوهم كل إنسان يدعو إلى شيء يقطع عن الله هو قاطع، وأكبر كلمة وأكبر جريمة يرتكبها الإنسان أن يكون قاطعاً عن الله، أنواع المعاصي كلها تقطع عن الله، إذا كانت حرفة إنسان مبنية على معصية، كأن يملك ملهى مثلاً، ماذا يفعل صاحب الملهى ؟ هو يقطع الناس عن الله عزَّ وجل، فالقضية طويلة وواسعة جداً، أي حرفة مبنية على معصية هي في حقيقتها قطع الناس عن رَبِّهم، تزيين الدُنيا، إغراء الناس بها، تحبيبهم بالمعصية، أن يكسبوا المال من أي طريق، أن يتخذوا أية حرفة تُدِرُّ عليهم مالاً وفيراً دون أن يهتموا بطاعة الله فيها، هذا الذي يتخذ حرفةً فيها شبهة، فيها إيذاءٌ للناس، فيها إيذاءٌ للناس بدينهم، هذا الذي يروِّج الشهوات ويحببها للناس إنما يقطعهم عن الله بشكل أو بآخر.
*لو أخذ صديق صديقه إلى حفلة مختلطة، وهذا الصديق مثلاً له مسجده، له طاعته لله، له استقامته، أغراه صديقه بالسهرة المختلطة، فأدخله بعالم آخر، عالم الفتيات، وعالم الاختلاط، وعالم الاستمتاع بمباهج هذه السهرات، فنسي دينه، ونسي صلاته، ونسي حفظه لكتاب الله، سمعت أن أحد الأشخاص يسجل أفلاماً إباحية، ويعرضها على الشباب بأجر في غرفة في بعض أحياء دمشق، أقسم لي أحدهم أن أحد الشباب كان من حُفَّاظ كتاب الله ترك الصلاة طبعاً، ترويج أي معصية، ترويج أي عمل فني، ترويج أي حرفة، هذه الفتاة التي تخرج متبذِّلةً في ثيابها، تظهر مفاتنها، والله تقطع الشباب عن الله، تصرفهم عن دين الله، عشرون عاماً بينه وبين الزواج، ينتظر عشرين عاماً إلى أن يتزوج، تظهر له كل مفاتنها في الطريق، وليس كل شاب لديه المناعة القوية، فكثيرٌ من الشباب يسقط في حمأة المعصية، فهذه الفتاة تَقْطَعُ الشباب عن الله، أي شيء مغرٍ، أي شيء فيه معصية، أي شيء فيه تحبيب للدنيا هذا كله يبعد الناس عن الله عزَّ وجل، فهؤلاء الفاسقون مُهِمَّتُهم أن يقطعوا ما أمر الله به أن يوصل.
من يقطع ما أمر الله به أن يوصل إنسان لا علاقة له بالإسلام و له اسم مسلم فقط :
*يقول الله عزَّ وجل:
﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (15) ﴾
( سورة لقمان: آية " 15 " )
*هناك شخص كلما وجد شاباً متعلِّقاً بمسجد أو بعالم يقطعه عنه، يقول له: كن حراً، لا حاجة بك إلى الشيخ، ولا حاجة بك للجامع، إذا كان حراً فهو وحيد غير منضبط، بالمسجد تاب إلى الله، عاش بمجتمع مؤمن، أصبح في منافسة شريفة مع أخوانه، صار عنده انضباط ووعي، صار ذا عقيدة صحيحة، هناك أب لا يروق له أن يكون ابنه في مسجد، يقطعه عن الله وعن المسجد، قد يأتيه ابنه الساعة الثانية ليلاً، ولا يعلم الأب أين كان ؟ لا يتكلَّم ولا كلمة، أما إذا علم أنه في مسجد، في حضور درس علم يقيم عليه النكير، ماذا يفعل هذا الأب ؟ يقطع ما أمر الله به أن يوصل، وهناك أب إذا رأى ابنته محجَّبة يقيم عليها النكير، يريدها متبذِّلة حتى يتباهى بها، هناك رجل إن أصرت زوجته على الحجاب يطلِّقها، يريدها متبذِّلة، يريد أن يعرض مفاتنها على أصدقائه كي يتباهى بها، هؤلاء لهم أسماء المسلمين فقط، هؤلاء بين أظهرنا، هؤلاء يعيشون معنا، يقطعون ما أمر الله به أن يوصل:
﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾
( سورة الكهف )
هناك حقيقة واحدة في الكون هي الله:
*قال تعالى:
﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (15) ﴾
( سورة لقمان: آية " 15 " )
*هذا الذي يقطعك عن مجلس علم، ويقطعك عن مسجد يعلمك ويدعوك إلى الله عزَّ وجل، هذا يقطع ما أمر الله به أن يوصل، هذا الذي يغريك أن تكسب المال الحرام من طريقٍ غير مشروع، من أجل أن تصبح غنياً في وقت قصير، هذا يقطعك عن الله عزَّ وجل.
*والله أخ من أخواننا أعجبني فيه صدقه، قال لي: اشترى والدي صحناً فضائياً، تابعت بعض البرامج زمناً: فقطعت عن الله عزَّ وجل، وقال لي: أصبحت صلاتي لا معنى لها إطلاقاً، بعد حين شعر بالخطر على دينه، فعاهد الله على أن يمتنع عن مشاهدة برامج هذا الصحن:
﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (27) ﴾
*هناك حقيقة واحدة في الكون هي الله، أي عمل يقرِّبُك من الله هذا عمل عظيم، وأي عمل يبعدك عن الله عزَّ وجل فهو عمل خسيس، فشراء مجلة غير منضبطة مشكلة، شاب يطَّلع على صور الفنانات في أوضاع مغرية في مجلة مشكلة، وهذه المجلة ومثيلاتها ينبغي ألا تدخل هذا البيت، هناك من يشتري هذه المجلاَّت ويضعها في عيادته من أجل أن يستمتع المرضى قبل الدخول إلى غرفة المعاينة، هذا يقطع ما أمر الله به أن يوصل.
*أيها الأخوة، هؤلاء يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، وبالمناسبة إذا وجدت إنساناً له شيخ في مسجد، ملتزم، متألِّق، دَعْهُ لا تدخل بتفاصيل، لا تقطعه عن هذا المسجد، هذا مصدر سعادته، مصدر انضباطه، إلا بحالات نادرة جداً، إذا كانت هناك عقيدة منحرفة خطيرة جداً في هذا المسجد، هذا موضوع ثانٍ، أما بشكل عام فلا يكن همُّك قطع إنسان موصول بالله عن طريق جماعة، عن طريق مسجد، عن طريق شيخ، هذا عمل تخريبي، أنت قطعته ولكنك لست متمكناً لتحل مكان هذا الشيخ، قطعته عن هذا الشيخ، وجعلته ضائعاً فماذا فعلت ؟ هذا عمل تخريبي لأنك قطعته عن إنسان له صلة بالله، له عمل صالح، له وجهة مع الله عزَّ وجل.
لا يأتمر المؤمن الصادق إلا بما أمر الله به ولا ينتهي إلا عما نهى الله عنه :
*أحياناً تجد إنساناً معتقداً بإنسان، كأخوين في المسجد، الأخ السابق تائب من عشر سنوات، له ماضٍ قبل عشر سنوات كان غير مرضٍ، ولكنه تاب توبة نصوحاً من هذا العمل، يصطحب معه أخاً فيسأله أحدهم: مَن الذي دلك على هذا المسجد ؟ فيقول له: فلان، يقول له: فلان ؟ يتكلم بلهجة استنكار ؟! هذا كان كذا، كان كذا، ماذا فعلت أنت ؟ لقد تاب من هذا الذنب وسلك طريقه إلى الله، وصار متألِّقاً، ودعا إلى الله، لماذا تُذَكِّر هذا الشاب الناشئ الذي اهتدى على يد هذا الشاب الأكبر منه بعمل فعله قبل عشر سنوات ؟ هذا التصرف عمل شيطاني ، كل إنسان له صلة بالله فقطع هذه الصلة عمله تخريبي، وعمله يغضب الله عزَّ وجل، هؤلاء الفسقة همُّهم الأول أن يقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، يقطع التلميذ عن أستاذه، يقطع الأخ عن أخيه، يقطع الجار عن جاره، يقطع الأم عن ابنتها، هناك زوج يحرِّم أن تزور البنت أهلها، لماذا ؟ أمها وأبوها من حقها أن تزورهما، والله عزَّ وجل أمر بصلة الرحم، وهو يقطع هذه الصلة.
*قد يأمر أحدهم إنساناً أن يقاطع أهله، هذا الأمر مخالف للسنة، ولا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، فلتحقيق نزوة معيَّنة، لتحقيق هدف كيدي يأمر هذا الإنسان أن يقاطع أهله جميعاً، أن يقاطع أخواته، هذا عمل كَيْدي هذا مخالف للسنة، لا يأتمر المؤمن الصادق إلا بما أمر الله به، ولا ينتهي إلا عما نهى الله عنه، ولا يطيع مخلوقاً في معصية أبداً، وكل إنسان يعتقد أن هناك إنساناً أكمل من رسول الله فهو كافر برسالة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أي أنك إذا سمعت كلام إنسان وعصيت النبي عليه الصلاة والسلام فأنت لست مؤمناً برسالة النبي، ولا بعصمة النبي، ولا بأحقية اتباع النبي، هذه آية دقيقة المعنى، خطيرة نتائجها:
﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (27) ﴾
*إيَّاك أن تكون أداة قطعٍ، بل كن أداة وصلٍ، لذلك: ليس منا من فَرَّق.
*حتى بعض المؤسسات مثلاً تعلق أنها تريد موظفاً يعمل لديها غير متزوج، أو غير مصحوب بزوجته، في دول الخليج أحياناً يطلبون موظفاً من دون زوجة، زوجته أقرب الناس إليه، ليس في الإمكان أن يعيش بعيداً عنها، وليس في إمكانها أن تعيش بعيدةً عنه، لا نقبلك بزوجة، يبقى سنةً بأكملها في مكان، وزوجته في بلد آخر، هؤلاء يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، هؤلاء الذين يفرِّقون شمل الأسرة هؤلاء ليسوا على حق، يأمرك القرآن والسنَّة أن تجمع شمل الأسرة، هذه الآية واسعة جداً لا تنتهي، ومعانيها وشموليتها في العلاقات الأسرية، في العلاقات الزوجية، في علاقة الأباء بأبنائهم، هذا الذي يثير الابن على أبيه هذا يقطع ما أمر الله به أن يوصل، هذا الذي يثير الجار على جاره، والأخ على أخيه، هذا الذي يدعو إلى معصية، يرَغِّب في معصية، هذا الذي يغريك بمالٍ حرام يقطعك عن الله عزَّ وجل، طبعاً آية واسعة جداً، ليس منا من فرَّق كما قال عليه الصلاة والسلام.
البيت مصون مقدَّس في الإسلام:
*قال تعالى:
﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ (27) ﴾
*يفسدون العلاقات، يفسدون الأخلاق، يفسدون براءة الصِغار، هناك أعمال فنية مستوردة تُعْرَض على الصغار فيها كل شيء من الفسق والفجور والعلاقات الغرامية، طفل عمره ثلاث سنوات أو أربع سنوات يشرب مع دمه هذه العلاقات الشائنة عن طريق أفلام نستوردها، هذه لا تجوز، لا بدَّ من أعمال تناسب الصغار المؤمنين، كل عمل يُبعدك عن الله عزَّ وجل هذا قطعٌ لما أمر الله به أن يوصل.
*هناك جهات بعيدة تكيد للمسلمين، لقد غُزِينا ثقافياً عن طريق هذه الصحون، صار البيت ملهى، صار البيت نادياً ليلياً، بينما البيت مصون مقدَّس في الإسلام، الأب مقدَّس، الأم مقَدَّسة، حالاتٌ كثيرةٌ من زنا المحارم تقع عن طريق هذه الصحون.
﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (27) ﴾
*آية واسعة جداً، أي أن كل شيء أمر الله به أن يوصل قطعه عملٌ تخريبي يحمل كل ما يغضب الله عزَّ وجل ولا يرضيه.
﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ (27) ﴾
*هذا الفساد كما قال الله عزَّ وجل:
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) ﴾
( سورة الروم )
*أي أن الله عزَّ وجل يذيق الناس وبالأجزاء بعض الذي عملوا:
﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) ﴾
علينا أن نطيع الله وإلا لا بدَّ من تأديبٍ قد لا نحتمله:
*سمعت عن إعصار أمريكا الأخير اسمه " إعصار جورج "، هذا الإعصار الذي بلغت سرعته مئتين وخمسة وعشرين كيلو متراً في الساعة، وهذه من السرعات العالية جداً والمدمرة، مرَّ هذا الإعصار على بيوت الشاذين في فلوريدا فَدَمَّرها عن آخرها:
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) ﴾
( سورة هود )
*أخواننا الكرام، علينا أن نطيع الله وإلا لا بدَّ من تأديبٍ قد لا نحتمله:
﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (286) ﴾
( سورة البقرة )
*يأتي التأديب أحياناً فوق طاقة الاحتمال، إنسان يرى نفسه بلا مأوى يسكن في الطريق، مئتان وأربعون مليون إنسان في الصين بلا مأوى، أنت عندك بيت، لك مأوى، لك فراش، لك سرير، لك غرفة طعام، خزانة ملابس، فكيف بك ـ لا سمح الله ـ إن وجدت نفسك وأهلك في العراء بلا مأوى، هذا يراه الناس كل يوم في مكان الفيضانات، فيضانات تغرق الناس في مكان ما، رياح عاتية في مكان آخر تقتلع بيوتهم، وحروب أهلية في مكان ثالث تصحن البشر طحناً.
﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (286) ﴾
( سورة البقرة )
ملخص الملخص أننا إذا هان أمر الله علينا هُنَّا على الله ولا يعبأ الله بنا:
*مُلَخَّص المُلَخَّص: إذا هان أمر الله علينا هُنَّا على الله، لا يعبأ الله بنا..
﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ (27) ﴾
*الفساد كذلك واسع جداً شرّه وأثره، سأل أحدهم أخته عندما جاءها مولود: ماذا قدَّم لكِ زوجكِ بمناسبة الولادة ؟ قالت له: لم يقدِّم لي شيئاً، فأجابها متسائلاً: أمعقول هذا ؟ أليس لكِ قيمة عنده ؟ والله يليق بكِ شخص غيره أرقى منه، ألقى بذلك قنبلة ومشى، جاء زوجها ظهراً إلى البيت فوجدها غاضبة فتشاجرا، وتلاسنا، واصطدما، فطلقها، من أين بدأت المشكلة ؟ من كلمة قالها الأخ، مثلاً قد يسأل أحدهم: هذا البيت كيف يتسع لكم ؟ إنه يتسع لنا، ليس لك أنت علاقة، إنه يحب أن يُعَكِّر صفو الأسرة، هو شيطان، داخل فيه شيطان، وهذا هو الفساد، التقى بشاب راقٍ: أين تشتغل ؟ فقال له: بالمحل الفلاني، كم يعطيك بالشهر ؟ قال له: خمسة آلاف، فيرد عليه مستنكراً: خمسة آلاف فقط، كيف تعيش بها ؟ إن صاحب العمل لا يستحق جهدك ولا يستأهله، جعله كارهاً عمله، فطلب رفع الراتب، رفض صاحب العمل، فأصبح بلا شغل، كان يعمل أما الله فهو بلا عمل، هو شيطان.
(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
*كل إنسان يصَغِّر دنيا الناس عندهم، يكَرِّهه ببيته، يكرهه بزوجته، يكرهه بأولاده، يكرهه بمهنته، بحرفته، يستعلي عليه، هذا يفسد في الأرض، أفسد العلاقات، أفسد القرابات، أفسد الأعمال، فالفساد أيضاً واسع شره ونتائجه.
الفساد واسع جداً وهو إخراج الشيء عن طبيعته:
*دققوا أيها الأخوة، كلمة تنطق بها من سخط الله تهوي بها في جهنم سبعين خريفاً، كلمة استعلاء أحياناً تجرح الإنسان:
جراح السنان له التئام * وليس لجراح اللسان التئام
***
*يتكلم بعضهم أحياناً كلاماً جارحاً، يحفر عميقاً في نفس سامعه، حمله على الكلام مكرٌ أو خبثٌ أو جهل، فلماذا ؟ أما كان الأجدر به أن يراقب الله فيما يقول ؟!! فاحذر يا أخي أن ينزلق لسانك وتقطع عندئذٍ ما أمر الله به أن يوصل.
*أيها الأخوة الكرام، قطع ما أمر الله به أن يوصل والفساد في الأرض هذا من خصائص هذا العصر، مصدره أحياناً التباهي، النساء دائماً يحببن أن يستكثرن أمام صديقاتهن، هذا أيضاً فساد في الأرض، أكرمك الله بزوج حالته المادية جيدة، هل من المفروض أن تحدِّثي جيرانك عن طعامكم، وعن نزهاتكم، وعن فرشكم، وعن بيتكم ؟ داخل فيها شيطان، عملية تحطيم، أنا كذا، زوجي كذا، دخله كذا، قمنا بنزهة بالمكان الفلاني، بالفندق الفلاني، حفل عُرسنا كان بالمكان الفلان، هذا الحديث الفارغ الذي يملأ القلب حسرةً، ويملأ الناس ضغينةً وحقداً، ما مبرراته ؟ أليس يحمل في طياته خلافاً بين الأزواج قد ينتهي إلى الطلاق وتشريد الأولاد، إنه يقطع ما أمر الله به أن يوصل.
*المؤمن يذكر الله عزَّ وجل فيشكره، إذا أكرمك الله عزَّ وجل فاشكره دون أن تكسر قلب الآخرين، لئلا تقع في الفساد، هناك فساد بالكلمة، فساد بالأجواء، فساد بالمياه، فساد بالبيئة، فساد بالثمرات، فساد بالنباتات، الفساد واسع جداً، وهو إخراج الشيء عن طبيعته، والمؤمن لا يفسد إطلاقاً، إنما يصلح بين خلق الله عزَّ وجل.
﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) ﴾
بعض خصائص الذين لا يعبؤون بآيات الله ولا يراقبون الله في تصرفاتهم:
*أيها الأخوة، هؤلاء الذين لا يعبئون بآيات الله ولا يراقبون الله في تصرفاتهم، من خصائصهم أنَّهم:
﴿ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ (25) ﴾
*المعنى الواسع: لا يطيعون الله، لا يأتمرون بأمر الله لا في كتابه ولا في سنَّه نبيِّه، ويفعلون المنهيَّات وينتهون إلى الضلال:
﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (27) ﴾
*يقطعون الناس عن ربِّهم:
﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ (27) ﴾
*يغيِّرون طبيعة كل شيء:
﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) ﴾
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
12-03-2012, 03:05 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (16- 95):تفسير الآيتان 28-29، الموت والحياة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-10-09


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السادس عشر من دروس سورة البقرة.
لا يوجد الكون شيءٌ إلا ويشير إلى الله موجوداً وواحداً وكاملاً:
*مع الآية الثامنة والعشرين وهي قوله تعالى:
﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) ﴾
*يقول علماء اللغة: إن
﴿ كَيْفَ ﴾
*اسم استفهام، يستفهم به عن الحال، تقول لأخيك: كيف حالك ؟ اسم استفهام يستفهم به عن الحال، ولكن الاستفهام أحياناً يخرج عن أصله إلى معانٍ أخرى، فإذا أردت أن توبِّخ إنساناً تقول له: كيف تفعل هذا ؟ أردت أن توبِّخه، أو إن أردت أن تُنْكِر عليه، أو إن أردت أن تردعه، فالاستفهام هنا هو استفهام إنكاري، كيف يكفر هذا الإنسان وقد خلقه الله عزَّ وجل من ماءٍ مهين ؟ كيف يكفر وقد خلق له ما في الأرض جميعاً ؟ كيف يكفر وقد منحه نعمة العقل ؟ كيف يكفر وقد خلق له من نفسه زوجةً ؟ كيف يكفر وقد خلق له من نفسه أولاداً يتحركون أمامه ؟ وهو يعلم علم اليقين كيف تم خلق هؤلاء الأولاد من نطفةٍ من ماء مهين ؟ كيف يكفر وكل ما حوله يدل على الله عزَّ وجل ؟ كيف يكفر وما في الكون شيءٌ إلا ويشير إلى الله موجوداً وواحداً وكاملاً ؟ فهذا الاستفهام استفهام توبيخي، واستفهام إنكاري:
﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ (28) ﴾
*قال علماء التفسير:
﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً (28) ﴾
*أي كنتم في حالة العدم، الموت الأول موت العدم:
﴿ فَأَحْيَاكُمْ (28) ﴾
*جاء بكم إلى الدنيا، ثم أماتكم بعد انتهاء الحياة، ثم يحييكم يوم القيامة لتلقوا نتائج أعمالكم، إذاً أولاً موت العدم، ثم إحياء الدخول في الدنيا، ثم موت الخروج من الدنيا، ثم إحياء يوم القيامة للحساب والعقاب والجزاء.
هذه الحياة التي تنعُم بها إنما هي من الله عزَّ وجل:
*أيها الأخوة الكرام، حياة الإنسان بيد الله، الله عزَّ وجل مُتَحَكِّمٌ بإيجاده، متحكمٌ بحياته، الله عزَّ وجل هو الذي منحه نعمة الحياة، أنت كائن حي تتحرك، ترى، تسمع، تتحسس، تأكل، تشرب، تذهب إلى بيتك، هذه الحياة التي تنعُم بها إنما هي من الله عزَّ وجل، هو الذي منحك الحياة.
﴿ فَأَحْيَاكُمْ (28) ﴾
*منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، ومنحك نعمة الهدى والرشاد، وهذه هي النعم الكبرى.
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) ﴾
( سورة الإنسان )
*منحك نعمة الحياة، منحك نعمة الإمداد، منحك نعمة الهُدى والرشاد.
﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ (28) ﴾
*أنت بين قَوْسين قوس الحياة وقوس الممات، الله عزَّ وجل هو المتحَكِّم بالحياة، واهب الحياة، الله عزَّ وجل هو المميت، هو الذي ينهي حياة الإنسان، فإذا كانت البداية من خلق الله والنهاية من خلق الله لم لا تكون الحياة لله ؟ " الدنيا ساعة اجعلها طاعة ".
عظمة الله في خلقه:
*الدنيا ساعة، الزمن يمضي سريعاً، الإنسان زمن، الإنسان بضعة أيام كلَّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه، والإنسان العاقل يَعُدُّ عمره عداً تنازلياً يقول: كم بقي لي من عمري ؟ كيف مضى الذي مضى ؟ مضى الذي مضى كلمح البصر، فإذا مضى ثُلثا العمر فالثلث الباقي يمضي كلمح البصر أيضاً، الإنسان فجأةً أمام حسابٍ دقيق، وجزاءٍ دقيق، وعقابٍ دقيق.
﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً (28) ﴾
*كنتم في طور العدم.
﴿ فَأَحْيَاكُمْ (28) ﴾
*أصل الإنسان من ماء مهين، هناك خمسمئة مليون حوَين في اللقاء الزوجي، وتحتاج البويضة إلى حوين واحد، و البويضة لا ترى بالعين لأنها صغيرةٌ جداً، ثم تنقسم البويضة إلى عشرة آلاف قسم وهي في طريقها إلى الرحم، تنشأ لها في الرحم استطالات كالأرجل من أجل أن تعلق في جدار الرحم، إذا علقت بدأت تأخذ الغذاء من جدار الرحم في تسعة أشهر وعشرة أيام، هذه البويضة التي لا ترى بالعين، وهذا الحوين الذي لا يرى بالعين يشكلان كائناً بداخل دماغه ما يقرب من مئة وأربعين مليار خلية استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، هناك في قشرة الدماغ أربعة عشر مليار خلية، يحوي العصب البصري تسعمئة ألف، الشبكية مئة وثلاثين مليون عُصية ومخروط، الشم عشرين مليون نهاية عصبية شمِّية، لكل نهاية سبعة أهداب، الأهداب مغمَّسة بمادة معينة تتفاعل مع الرائحة، تصبح الرائحة شكلاً هندسياً تشحن إلى الدماغ، في الدماغ تعرض على ملف فيه عشرة آلاف رائحة من أجل أن تعرف الروائح، العين ترى الأشخاص بالحجم الحقيقي واللون الدقيق، وتفرق العين البشرية بين لونين، بين درجتين من ثمانمئة ألف درجةٍ من اللون الواحد، لو درجنا لوناً واحداً ثمانمئة ألف درجة تدرك العين البشرية السليمة الفرق بين درجتين.
خلق الإنسان من آيات الله الدالة على عظمته:
*في رأس الإنسان ثلاثمئة ألف شعرة، لكل شعرة وريد، وشريان، وعصب، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغية، شعر الإنسان، دماغ الإنسان، السمع، البصر، الشم، السمع قضية معقدة جداً، جهاز التوازن، الغدة النخامية وزنها نصف غرام تفرز اثني عشر هرموناً، وهي ملكة الغدد تسيطر على كل الغدد الصمَّاء في الجسم، ملكة وزنها نصف غرام تفرز اثني عشر هرموناً، لو تعطَّل إفراز أي منها لأصبحت حياة الإنسان جحيماً، هرمون النمو، هرمون الجنس، هرمون توازن السوائل، شيء لا يصدَّق، الغدة الدرقية مسؤولة عن الاستقلاب فهي تحول الغذاء إلى طاقة، الكظر مسؤول عن مواجهة الأخطار، الخطر الداهم، يعطي أمراً للقلب لرفع نبضه، وأمراً للرئتين لزيادة وجيبهما، وأمراً للكبد لطرح كمية سكر إضافية، وأمراً للأوعية فتضيق لمعتها، وأمـراً للكبد لإفراز هرمون التجلُّط، شيء لا يصدَّق هذا الكظر فتضيق، والمعدة فيها خمسة وثلاثون مليون عصارة تفرز في وجبة الطعام، ونصف لتر من حمض كلور الماء من أجل هضم الطعام، والبنكرياس، والطُحال، والكبد فيه خمسة آلاف وظيفة، وتقوم كل خليةٍ من خلايا الكبد بكل هذه الوظائف، والعظام، والعضلات، والأعصاب، والقلب، والشرايين، هذا كلُّه يُصَنَّع في أكمل صناعة في تسعة أشهر، الله منحنا الحياة وبيده كل شيء، إنسان ملء السمع والبصر، غني، قوي، يصبح خبراً بثانية، نعوة، ينتهي.
﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44) ﴾
( سورة المؤمنون )
*واهب الحياة هو الله، المميت هو الله، وحياتك بين هذين القوسين، فلمَ لا تكون لله عزَّ وجل ؟ " الدنيا ساعة اجعلها طاعة ". في أول ليلةٍ يوضع الإنسان في قبره ـ هكذا ورد في الأثر ـ يُنادى أن: رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت.
مثال عن استحالة إيجاد مخرج في معصية الخالق :
*الآية الكريمة:
﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ (28) ﴾
*طلب إنسان من عالم أن يجد له مخرجاً في معصية الله، فقال له: خمسة أشياء إن فعلتها لا تضرُّك معصية ـ شيء رائع جداً ـ ما هي هذه الأشياء ؟ قال له: إن أردت أن تعصيه فلا تسكن أرضه، قال له: وأين أسكن إذاً ؟ قال له: أتسكن أرضه وتعصيه ؟!! أمعقول هذا ؟! إذا أدخلك إنسان إلى بيته وأنت ضيفه، أمعقول أن تضرب له ابنه وأنت في بيته ؟ معقول أن تضع السم في الطعام وأنت في بيته ؟ تسكن أرضه وتعصيه ؟ قال له: هات الثانية، قال: إن أردت أن تعصيه فلا تأكل من رزقه ؟ قال له: وماذا آكل إذاً ؟ قال له: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه ؟! أمعقول ؟! قال له: هات الثالثة، قال له: إن أردت أن تعصيه فاعصه في مكانٍ لا يراك فيه، قال:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) ﴾
( سورة الحديد )
*قال: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه وهو يراك ؟
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى*أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً * وتنظر ما به جاء وعدنــــا
* * *
*قال له: هات الرابعة، قال: إن أردت أن تعصيه وجاءك ملك الموت فلا تذهب معه، قال له: لا أستطيع، قال: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه وهو يراك ولا تستطيع أن تدفع عنك ملك الموت ؟ قال له: هات الخامسة، قال له: إن أردت أن تعصيه وجاء الملكان بك إلى النار فلا تذهب معهما، قال له: لا أستطيع، قال: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه وهو يراك ولا تستطيع أن تدفع عنك ملك الموت ولا ملائكة العذاب ؟ قال له:كُفيت؟
﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ (28) ﴾
الله يمهل ولا يهمل :
*وجودك من الله، سمعك، بصرك، نُطقك، ذكاؤك، عضلاتك، أمعاؤك، جهاز الهضم، جهاز الدوران، جهاز التصفية، العظام، الأعصاب، كل هذه بيد الله، أيعقل أن تعصيه بِنِعَمِهِ ؟ أيعقل أن تعصيه بالأعضاء التي منحك الله إياها ؟ كيف ؟ هذا استفهام إنكاري، واستفهام توبيخي، واستفهام تعجُّبي في آن واحد.
﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ (28) ﴾
*لم أر أشد غباءً من الذي يتجاهل وجود الله ويفعل ما يشاء، والله عزَّ وجلٍ يمكن أن ينهيه في أي ثانية، هذا الذي يتجاهل القوة الوحيدة في الكون، الحقيقة الوحيدة في الكون إنسان أحمق وهناك آلاف القصص، إنسان مشى في طريق العدوان فدمَّره الله عزَّ وجل، مشى في طريق المعصية فدمره الله عزَّ وجل، ولكن الله يمهل ولا يهمل، بعد ذلك:
﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) ﴾
*يجب أن يغلب على يقينك أن كل حركةٍ، وكل سكنةٍ، وكل كلمةٍ، وكل ابتسامةٍ وكل عبوسٍ، وكل وصلٍ وكل قطعٍ، وكل عطاءٍ وكل منعٍ، مسجلٌ عليك وسوف تسأل لماذا فعلت هذا ؟ قال تعالى:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾
( سورة الحجر )
ما دام في العمر بقية فالصلح مع الله سهلٌ جداً لأنه ينتظرك :
*ما دام في العمر بقية فالصلحة بلمحة، ما دام في العمر بقية فالصلح مع الله سهلٌ جداً لأنه ينتظرك:
(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد )).
[ ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]
*مرةً ثانية أقول لكم: قصة الأعرابي الذي ركب ناقته وعليها زاده وشرابه:
(( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ )).
[مسلم عن أنس بن مالك]
*أصاب قلبه، وأخطأ لسانه، فقال عليه الصلاة والسلام: " لله أفرح بعبده التائب من هذا البدوي بناقته "، فهل الصورة واضحة ؟ هذا كلام النبي في الصحاح: "لله أفرح بعبده التائب من هذا البدوي بناقته" ، ماذا تنتظر ؟!!
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) ﴾
( سورة الزمر )
الغنى والفقر بعد العرض على الله:
*إذا قال العبد: يا رب وهو راكع، قال الله: لبَّيك يا عبدي، فإذا قال العبد: يا رب وهو ساجد، قال الله له: لبَّيك لبيّك عبدي، فإذا قال العبد: يا رب وهو عاصٍ، قال الله له: لبيك ثم لبيك ثم لبيك.
فيا خجلي منه إذا هو قال لـي*أيـا عبدنا ما قرأت كتابنــا ؟
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى* أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً*وتنظـر ما به جاء وعدنـــا
* * *
إلى متى أنت باللذات مشغول ؟* وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
تعصي الإله وأنت تظهر حبه * ذاك لعمري في المقال شــنيع
لو كان حبـك صادقاً لأطعته *إن المحـــب لمن يحب يطيع
* * *
*كيف ؟ خالق الكون يعجب ؟ خالق الكون يعجب ؟!
﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ (28) ﴾
*أنت حي، هذه الحياة منحةٌ من الله عزَّ وجل، وبعد الحياة موت، وبعد الموت حسابٌ دقيق، فكيف ؟ من هنا قال سيدنا علي كرَّم الله وجهه: " الغنى والفقر بعد العرض على الله"، يكون الغني غنياً والفقير فقيراً بعد العرض على الله، والغنى غنى العمل الصالح.
*خالق الكون يعجب كيف ؟ منحتُ نعمة الهدى، نعمة الإيجاد، نعمة الهدى والرشاد، نعمة الإمداد، التقيت رجلاً فقلت له: ألا ترى أن الله خالق السماوات والأرض إلهٌ عظيم ؟ قال: لا، قلت له: هل في جسمك شيءٌ غير مُتقن ؟ قال لي: نعم الزائدة الدودية، قلت له: ما رأيت من جسمك إلا الزائدة الدودية ؟ اسمها الزائدة المدافعة هي خط دفاعٍ كاللوزتين، قال لي: اللوزتان متعبتان أيضاً.
﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) ﴾
القلب السليم فيه تعظيم وخوف وحب معاً:
*كيف يعرف الإنسان الله ؟ من صنعته، من نعمته، من عقابه، ورد في الأثر القدسي:
(( يا رب أيّ عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أنني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي )).
[من الدر المنثور عن ابن عباس ]
*ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني.
*القلب السليم فيه تعظيم وخوف وحب معاً، التعظيم من خلال الآيات الكونية، مجرة تبعد عنا ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية، وتحتاج أربع سنوات ضوئية إلى خمسين مليون عام كي نصل إليها بمركبة أرضية، الأربع سنوات الضوئية تحتاج إلى خمسين مليون عام فثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية كم نحتاج كي نصل إليها ؟ وأين هي ؟
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾
( سورة الواقعة )
*هذا الإله العظيم أيُعصَى ؟ لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت.
كل ما في الأرض خُلِق خصيصاً للإنسان:
*إذاً الموت الأول موت العدم، الإحياء الأول إحياء الدخول في الحياة الدنيا، الموت الثاني الموت عقب انتهاء العمر في الحياة الدنيا، والإحياء الثاني هو إحياء يوم القيامة للحساب والجزاء، ثم يقول الله عزَّ وجل:
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (29) ﴾
*دقق
﴿خلق لكم﴾
*فأنت أحياناً تقيم مأدبة أو وليمة، هناك ضيف شرف هو الأساس، تدعو معه صديقه، جاره، ابنه، الأساس هذا الضيف الأول، صُنِع هذا الطعام خصيصاً لهذا الضيف، وهو يأكل الطعام يُطرق الباب، يأتي طارق، تقول له: أدخل وكل معنا، هذا دخل وأكل، لكن هذا الطعام صنع خصيصاً للضيف الأول وليس للطارق، هذا المعنى المستفاد من كلمة
﴿لكم﴾ .
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (29) ﴾
*كم معدن موجود في الأرض ؟ معادن تصدأ تصبح أملاحاً، معادن لا تصدأ، معادن ثمينة تصلح لأن تكون قِيَماً كالذهب والفضة، معادن مُشِعَّة، معادن خفيفة، الفلذات والمعادن لا يعلم خصائصها ودقائقها وأنواعها وعددها إلا الله، وأشباه المعادن، والمواد العضوية، وأنواع النباتات، يوجد في البحر مليون نوع من السمك، من حوتٍ يزيد وزنه عن مئة وخمسين طناً إلى سمكة زينة في أحواض السمك لا يزد طولها عن سنتيمتر واحد، فسفورية، سوداء، تكون شفافة أحياناً، تُرى أحشاؤها، شيء لا يصدق، هناك أسماك للزينة، حيتان كبيرة جداً، مليون نوع من السمك، كم نوع من الطيور ؟ كم نوع من النباتات ؟ أذكر أنني اطلعت على كتاب مؤلف من ثمانية عشر جزءاً، كل صفحة فيها نوع من الأبصال، هذا الكتاب كله أبصال فقط غير الورود، والكتاب تحت يدي، والورود، والنباتات، وأزهار الزينة، شيء لا يصدق، هذه كلها ليست للأكل وإنما لمتعة العين فقط.
﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (29) ﴾
*أنواع النباتات، والحيوانات، والأطيار، والأسماك، والخضراوات، والفواكه، وأشجار الزينة لا تعَدُّ ولا تحصى.
النبات أيضاً من آيات الله الدالة على عظمته:
*النبات ؛ هناك نباتٌ صنع خصيصاً من أجل أثاث بيتك كخشب الخيزران، هناك خشب للأغراض الصناعية، تزيد أنواع الأخشاب عن مئة نوع، هناك آلات للأغراض الصناعية لا تعمل إلا على قاعدة من خشب التوت لأن ألياف هذا الخشب مرنة ومتينة، فحركة المكوك تمتصها القاعدة، هناك أخشاب تصلح أساساً للأبنية الضخمة، هناك بناء في ساحة المرجة أساسه من الخشب، يزداد حجمه مع الماء، هناك خشب لا يتأثر بالماء، والهواء، والحر، والبرد إطلاقاً، وهو خشب النوافذ، وكأنه مصمم للنوافذ، لا يتغير مع الأمطار، والرياح، والبرد، والحر، والتبدلات، ولا ميليمتر، ولا يصلح الخشب الأغلى منه لو وضعته للنوافذ، الخشب الزان لأثاث البيوت، هناك خشب طري كخشب الكبريت، للأعمال الصناعية التعامل معه سهل جداً، هذه الأشجار التي صممت لتكون خشباً لك، هذه باب قائم بذاته، وهناك أشجار زينة هدفها أن تمتع عينك بها، أشجار مظَلاَّت، وأشجار حدودية، هناك أشجار تعطيك الكاوتشوك، أشجار تعطيك الفلِّين، نباتات تعطيك الأدوية، نباتات تعطيك الأصبغة، نباتات تأكل منها، نباتات تعطيك أواني، نباتات تعطيك حبات المسبحة ؛ كرة مثقوبة، جاهزة، نباتات لتنظِّف أسنانك بها، نباتات لتنظف ما بين الأسنان ؛ الخُلَّة، نباتات لتكون ورقاً كورق البُردي، قال الله عزَّ وجل:
﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ (99) ﴾
( سورة الأنعام: آية " 99 " )
*هناك نبات ورق، نبات سواك، نبات نكَّاشة أسنان، نبات ليفة، وجه ناعم ووجه خشن ؛ الخشن على الخشن، والناعم على الناعم، أنواع النباتات لا تعد ولا تحصى، كلها مخلوقةٌ من أجلك، تكريماً لك.
كل شيء*خلقه الله جعله مذللاً للإنسان:
*قال تعالى:
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (29) ﴾
*الجبال، الوديان، الصحارى، السهول، البحار، الأنهار، البحيرات، الينابيع، الجبال العالية، أنواع الحيوانات، كم خروفاً يستهلك البشر في اليوم الواحد ؟ أعداد فلكية، من خلقها ؟ كم دابة تستخدم لطعام الإنسان في اليوم الواحد ؟ أرقام فلكية.
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (29) ﴾
*تقول القاعدة: إن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، من الممكن أن تنتفع بمكيِّف دون أن تفقه شيئاً عن تركيبه، ولا عن آلية عمله، وهذه من نعم الله العظمى، تنتفع بكل ما في الأرض دون أن يكون هذا الانتفاع مبنياً على معرفةٍ به، إذاً هو مُذلل لك، هناك أجهزة معقَّدة جداً لا تستفيد منها، إن لم تعلم طريقة تشغيلها وكأن الجهاز ليس له قيمة، أما كل شيء خلقه الله جعله مذللاً لك، ولكن أحياناً تصبح الرياح المذللة أعاصيرَ مدمرة، والأمطار المنعشة تصبح فيضانات مدمرة، والأرض المستقرة تصبح زلازَل مدمرة، ما حكمة الزلازل والفيضانات والعواصف ؟ قال: إذا توهَّم الإنسان أنها تعمل بأمره أو تعمل بإرادته، أو أنه هو الذي استغلها و سيَّرها فهو واهم، هو لا يملكها، تأتيه أحياناً فتنفعه وأحياناً تدمِّره، إذاً الله عزَّ وجل هو الذي ذللها، راقب إنساناً يقترب من البقرة، منظرها مؤنس، أحد أخواننا قال لي: جنَّت بقرة في الغوطة فقتلت رجلين وجرحت الثالث، ما كان من صاحبها إلا أن أطلق عليها النار فقتلها، لأنها جنَّت، علماً أن ثمنها سبعون ألف ليرة ! من جعلها مذلَّلة ؟ الجمل لا تخاف منه أما العقرب فإنك تخاف منه لأنه غير مذلَّل، الأفعى غير مذلَّلة، الضبع غير مذلَّل، أما الجمل فمذلَّل، الحصان مذلّل، الدواب مذلَّلة قال تعالى:
﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) ﴾
( سورة يس )
الأصل في الأشياء الإباحة :
*أيها الأخوة الكرام، استنبط العلماء من هذه الآية:
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (29) ﴾
*أن الأصل في الأشياء الإباحة، لمن خلقت ؟ خلقت للإنسان فهي مباحة، إلا ما ورد فيه نص تحريمي، الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة، ولا يُحرَّم شيءٌ منها إلا بنصٍّ صحيحٍ قطعي الدلالة، دينُنا منهجي، الأصل في الأشياء الإباحة، والتحريم يحتاج إلى نص صحيح قطعي الدلالة، أما في العبادات فالعكس، الأصل فيها الحظر ولا تُشرع عبادةٌ إلا بنصٍ صحيح قطعي الدلالة، فالأشياء أصلها مُباحة، والعبادات أصلها محظورة، لذلك الذي يُحرِّم ما خلق الله للإنسان هو إنسان جانب الصواب:
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ (29) ﴾
*قد تقول: الله عزَّ وجل يعلم، والإنسان يعلم، تقول: الله عزَّ وجل قدير، والإنسان تقول: رجل قدير، فهل يُعقل أن تكون قدرة الإنسان كقدرة الله ؟ وأن يكون علم الإنسان كعلم الله ؟ واستواء الإنسان كاستواء الله ؟ الله عزَّ وجل ليس كمثله شيء، كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك، لذلك أكمل شيء أن نوكل إلى الله المعنى الدقيق للآيات القليلة جداً المتعلقة بذات الله، كيف استوى الله إلى السماء ؟ الله أعلم بهذا الاستواء، الاستواء معلوم والكيفُ مجهول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب، الاستواء معلوم لكن الكيفَ مجهول، استواء الله غير استواء الإنسان، استوى زيدٌ على بلاد الشام أي ملكها، إذا قلنا: ملكها، فبيد من كانت قبله ؟ هذا المعنى لا يليق بحضرة الله عزَّ وجل، فالاستواء إذا نسب إلى الله فهناك معنى لا يمكن أن يكون كالمعنى البشري، لأن الله ليس كمثله شيء، لذلك قال الإمام مالك: " الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب "، هذا متعلقٌ بذات الله، الأكمل أن نَكِلَ إلى الله المعنى الدقيق للأشياء المتعلقة بذات الله، أو أن نُؤوِّلها تأويلاً وفق ما يليق بكمال الله:
﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ (22) ﴾
( سورة الفجر: آية " 22 " )
*أي جاء أمره:
﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)﴾
( سورة الأنفال )
*أي علمه، وهكذا
الآية التالية تشير إلى المجموعة الشمسية:
*قال تعالى:
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ (29) ﴾
*هناك تفسير دقيق، وجيد، ومقنع، وراجح، هو أن هذه السماوات السبع سبعٌ بشكلٌ دقيق، أحصى علماء التفسير خلال ألف ومئتي عام الكواكب فوجدوا أنها خمسة وهي: عطارد، والزهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل، والآية سبعة، أضافوا الشمس والقمر فصار العدد سبعة، لكن الله عزَّ وجل يقول:
﴿ أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً (16) ﴾
( سورة نوح )
*في هذه الآية لا علاقة للشمس والقمر بالسماوات السبع، اكتُشف بعد ألف ومئتي عام أنه يوجد نجم سادس وهو أورانوس، ونجم سابع وهو نبتون، فكأن هذه الآية تشير إلى المجموعة الشمسية، والشمس مركز هذه المجموعة، والقمر تابع للأرض، فكواكب المجموعة الشمسية كما اتضح بعد ألف ومئتي عام هي سبعة نجوم: عطارد، والزهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل، وأورانوس، ونبتون.
كل شيء يزهو الإنسان به موجود في الأرض ومسخَّر ومذلل:
*أيها الأخوة الكرام، ثمة تفسير آخر ؛ كلمة سبعة تفيد التكثير في اللغة العربية، والقرآن حمَّال أوجه، لك أن تَعُد أن هناك سماوات كثيرة، ولك أن تقول: هناك سبع سماوات، هي سبعة نجوم سيّارة حول الشمس:
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) ﴾
*على كلٍ هذه الأشياء مسخَّرةٌ لنا، ونحن لم نفعل شيئاً إلا أننا انتفعنا بها، كل شيء ظن الإنسان أنه قدَّمه هو موجود في الأرض، هو كشفه فقط، هل هناك إنسان صنع معدناً ؟ إنه اكتشف المعدن، ولكن عندنا وهم كبير أن الإنسان حقق معجزات، لم يفعل الإنسان شيئاً إلا أنه اكتشف واستفاد، أما الأشياء فهي موجودة، المعادن موجودة، البترول موجود، كل شيء يزهو الإنسان به موجود في الأرض، ومسخَّر، ومذلل.
ما بين الحياة والموت ينبغي أن يكون لله عزَّ وجل:
*الشيء نفسه أحياناً يستعصي، الأرض مذللة فإذا اهتزت انتهى كل شيء، والرياح مذللة فإذا هاجت دمَّرت كل شيء، والماء مذلل فإذا زاد عن حدِّه المعقول دمَّر كل شيء، معنى هذا أن فيضان الأنهار، وانتشار العواصف المدمِّرة، وزلزال الأرض هذا يؤكِّد أن الإنسان ضعيف، وأنَ هذه الأشياء المذللة له أرادها الله مذللة، فماذا إذا أخرجها عن طبيعتها ؟ تملك بريطانيا أكبر قطيع بقر في العالم، وهي الدولة الأولى المصدّرة للحوم البقر وتوابع هذه اللحوم، أطعمت البقر طحين لحم الجِيَف، علماً أن البقر مصمم ليكون غذاؤه نباتياً، فأطعموه طحين اللحم، فجنَّ البقر، هذا الجنون اسمه الاعتلال الإسفنجي الدماغي، اضطرهم هذا الجنون إلى حرق ثلاثة عشر مليون بقرة، ثمنها ثلاثة وثلاثون مليار جنيه إسترليني، حينما جنَّت لم تعد مذللة، ومرضها قد ينتقل إلى الإنسان، هذا شيء خطير جداً، توقفت كل هذه التجارة، فالأشياء مذللة وإذا ظنّ الإنسان أنه سخَّر الطبيعة، وسيطر عليها، واستغلَّها، وهي تعمل بإمرته، فإن هذا كلام فيه جهل كبير جداً، الشيء المذلل يستعصي بلحظة من اللحظات على أن يكون مذللاً لك، وهذا الشيء نراه كل يوم، إنسان يمشي، ولكنه يصبح مشلولاً بلحظة، يرى بلحظة يفقد بصره، يسمع بلحظة يفقد سمعه، يفكر بلحظة يفقد عقله، بلحظة يموت .
*كنَّا في تعزية البارحة، شابٌ في الثانية والثلاثين من العمر، في ريعان الشباب، حافظٌ لكتاب الله، متقنٌ للقراءات العشر، توفَّاه الله عزَّ وجل بسبب صغيرٍ جداً، أصابه سعال شديد، وارتفع ضغطه، فسبب له سكتة دماغية، وعمره اثنان وثلاثون سنة، من منَّا يضمن أن يعيش ثانيةً واحدة ؟ الله عزَّ وجل هو الذي خلق حياة الإنسان، وهو يخلق الموت، فهو:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) ﴾
( سورة الملك )
*ما بين الحياة والموت ينبغي أن يكون لله عزَّ وجل، القوس الأول للحياة، والقوس الثاني هو الموت، وأنت بين قوسين، وخالق الحياة هو الله، وخالق الموت هو الله، وهو معك دائماً فكيف تعصيه ؟ هذا شيء مستحيل.
مهما اعتنيت ببيتك القبر هو المثوى الأخير:
*اليوم درسنا أيها الأخوة:
﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ (28) ﴾
*استفهام تعجُّبي، استفهام إنكاري، استفهام توبيخي:
﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) ﴾
*والله أيها الأخوة الموت وحده أكبر درس، كل شيء تملكه تفقده بثانية، يكون للميت درج خاصّ فيه، بعض التحف، يُفتح هذا الدرج وتؤخذ مقتنياته يؤخذ مفتاح سيّارته، لا يوجد شيء في حياته حريص عليه إلا ويفقده بعد موته، يُصبح جثةً هامدةً، يكون معه مئات الملايين، الخام أسمر وليس مقصوراً لأنه يحرم استعمال المقصور، الكفن خام أسمر، والقبر ؛ لا يوجد قبر خمس نجوم، ولا نجمة، توجد نجوم الظهر، هذا هو القبر، فالقبر هو المثوى الأخير، مهما اعتنيت ببيتك القبر هو المثوى الأخير، وقد كان نقش خاتم عمر " كفى بالموت واعظاً يا عمر"، هذا الحدث الذي لا بدَّ منه، العاقل، والذكي، والموفَّق الذي يُعِد لهذه الساعة التي لا بدَّ منها، هذا الحدث ـ حدث الموت ـ ينبغي أن لا تفاجأ به، ينبغي أن تسعى ليلاً نهاراً إعداداً له، لأن القبر سيكون روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران ؛ فآل فرعون:
﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً (46)﴾
( سورة غافر: آية " 46 " )
*منذ ستة آلاف سنة:
﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)﴾
( سورة غافر: آية " 46 " )
من نعم الله علينا نعمة التنفس الآلي:
*هذا القبر، والقبر مصير كل حيّ، فنحن في هذا المسجد كم أخ كان معنا ثم فقدناه ؟ والله مئات، كان ملء السمع والبصر توفاه الله عزَّ وجل وأصبح رهين عمله، وكلنا على هذا الطريق سائرون، والموت مصير كل حيّ:
﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ (28) ﴾
*كنا في طور العدم أحيانا الله، ثم أماتنا، ثم يحينا للحساب والجزاء، وكل ما في الكون خُلِق لنا، خُلِق لنا تكريماً، وخلق لنا تعريفاً، خلق لنا تكريماً وتعريفاً، ويمكن أن تنتفع بهذه الأشياء دون أن تعلم عنها شيئاً.
*نعمة واحدة، إنسان ينام ويتنفَّس طوال الليل، يوجد مركز في البصلة السيسائية مسؤول عن تنبيه الرئة النومي، لو تعطَّل هذا المركز تصبح حياة الإنسان جحيماً، ينام فيموت، إنه يحتاج إلى التنفُّس الإرادي، يُقَلِّص ويضغط، هذا المرض يصيب بعض الأشخاص، طبعاً من يصابون به يموتون على الفور، لأن الذي ينام يموت، حيث أن مركز التنفس المركز معطَّل، يتوقف التنفس فيموت الإنسان، وجد له دواء الآن، ولكنه غالٍ جداً، ويجب أن تأخذه كل ساعة بالليل، يضع المريض عدة منبهات، فهل تعرفون نعمة التنفُّس الآلي ؟ نعمة الهضم الآلي، يحتاج الطعام خمس ساعات ليُهضم، وبآلية معقدة جداً ؛ حمض كلور الماء، والبنكرياس، والصفراء، والكبد، أنت كل وامشِ فقط، كل واذهب إلى النوم.
فضل الله علينا ونعمه لا تعد ولا تحصى:
*لو كان الهضم بأيدينا ؛ عندي هضم لا أقدر !! لا أقدر أن أذهب عندي هضم، الهضم كل وارتح، يعمل القلب آلياً، لو كان القلب بيدك، فالانتحار وشيك، فكلْ وارتح، ليس القلب بيدك، والرئتان كذلك، ملايين النعم نعيشها ولا نعرف عنها شيئاً، أنت تمشي متوازناً على قدمين، لو اختل جهاز التوازن.
﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) ﴾
*هذا من فضل الله علينا، ما علينا إلا أن نطيعه، وأن نحبَّه، وأن نعظَِّمه، وأن نخافه، وأن نُخلص إليه، وأن نشتاق إليه، وأن نقول: إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي، قل: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
12-03-2012, 03:08 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (17- 95):تفسيرالآية 30 ، الإنسان خليفة الله في الأرض
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-10-16


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السابع عشر من سورة البقرة.
المعرفة الحسية والمعرفة العقلية:
*مع الآية الثلاثين، وهي قوله تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾
*أيها الأخوة الكرام، بادئ ذي بدء هناك معرفة حسية تتم عن طريق الحواس، الأشياء المادية تعرفها عن طريق الحواس، وهناك معرفةٌ عقلية تحتاج إلى آثارٍ مادية يستنبط العقل منها حقائق هذه الأشياء، هذه هي المعرفةٌ العقلية، فالشيء إذا ظهرت عينه، وظهرت آثاره سبيل معرفته الحواسُّ الخمس هذا هو اليقين الحسي، أما إذا غابت عينه، ذاته، وبقيت آثاره سبيل معرفته العقل، وهذا هو البصير العقلي، أما إذا كان الشيء مغيَّباً عنا أصلاً، ولا آثار له فالحواسُّ لا يمكن أن تعرفه ؛ لعدم وجود آثار له، ولا يمكن أن يعرفه العقل، لأنه ليس له آثار، هذا هو اليقين الإخباري، هذا التمييز دقيق، الأشياء التي تجسَّدت لها جُرْم، لها وزن، لها شكل، لها لون، لها رائحة، لها مَلْمَس، لها حَيِّز، لها طول، لها عرض، لها ارتفاع، هذه أشياء حسية، سبيل معرفتها الحواسُّ الخمس، أما جدار وراءه دخان، والعقل يقول: لا دخان بلا نار، فالعقل رأى آثار النار وهو الدُخان فحكم بوجود النار من آثار النار فقال: لا دخان بلا نار.
*إذاً وراء هذا الجدار نار، الكهرباء لا تُرى بالعين لكن تألُّق المصابيح، تكبير الصوت، حركة المراوح تبيِّن أن هناك قوة كهربائية موجودة، فهذه المعرفة معرفة عقلية، والمعرفة العقلية لا بدَّ من أن تعتمد على حِسِّيات، على آثار حِسِّية، أما إذا لم تكن هناك آثار حسية فلا توجد معرفة عقلية، لأن العقل يعتمد على الأثر ويحكم منه على المؤثِّر، أي أنه يرى النظام فيكتشف المنظِّم، يرى التسيير فيعرف المسَيِّر، يرى الحكمة فيعرف الحكيم، يرى آثار العلم فيعرف العليم، يرى آثار القُدرة فيعرف القدير، هذا هو العقل.
المعرفة الإخبارية هي النوع الثالث من أنواع المعارف:
*لو تخيَّلت شيئاً غابت عنا ذاته وغابت عنا آثاره، لا يستطيع العقل أن يعرفه إطلاقاً، نقول: هذه الأشياء التي غابت عنا ذاتاً وآثاراً لا سبيل إلى معرفتها إلا بالخبر الصادق، الآن ما الموضوعات التي يمكن أن تكون من المرتبة الثالثة ؟ الماضي السحيق، قصة خلق الإنسان، قصة خلق العالم، المستقبل البعيد، ماذا بعد الموت ؟ الجنة، النار، الحوض، الصراط كلها خبر صادق، المستقبل، الماضي السحيق خبر صادق، كائنات ليس لها آثار ؛ الجن خبر صادق، الملائكة خبر صادق، هذا هو المنهج الإسلامي، المعرفة حسية أو عقلية أو إخبارية، قصة خلق الإنسان من النوع الثالث، لا تستطيع الحواس أن تعرفها، ولا يستطيع العقل أن يثبتها، الحواس معطلة والعقل معطَّل، ليس عندنا إلا الخبر الصادق، وقيمة هذا الخبر من قيمة قائله، فالصادق خبره صادق.
﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87) ﴾
( سورة النساء )
*دقق في هذه الآية:
﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ (13) ﴾
( سورة الكهف )
*هناك معنى مخالف يستنبط من الآية من يكشفه ؟
﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ (13) ﴾
( سورة الكهف )
*معنى ذلك أن كل قصة وردت مخالفة لبيان القرآن وردَت بالباطل.
الموضوع الإخباري سبيل معرفته الخبر الصادق:
*الذين يقولون: " إن الإنسان أصله قِرْد "، هم يقصّون نبأ الإنسان الأول بالباطل لماذا ؟ لشيءٍ بديهي لأن الله عزَّ وجل يقول:
﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (51) ﴾
( سورة الكهف )
*أي إذا جلس إنسان عمره ثمانون سنة في مجلس مع مجموعة من التُجَّار وقال: أنا أخذت محلاً من زمن بعيد بسوق الحميدية وكلَّفني خمسة آلاف ليرة، فقال له ابنه الذي كان عمره آنذاك اثنتي عشرة سنة: يا أبي هذا الكلام غلط، فنظر إليه ـ القصة من أربعين سنة ـ قال له: هل كنت وقتها ؟ هل كان لك وجود وقتها عندما أخذت المحل بخمسة آلاف ؟
﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (51) ﴾
*من منا شهد بداية العالم ؟ من منا شهد خلق آدم ؟ هذا موضوع إخباري، لا سبيل إلى معرفته إلا بالخبر الصادق فقط، وإذا كان الخبر من عند الله عزَّ وجل، من عند خالق السماوات والأرض، فأنت تَرْكلُ بقدمك مليون قصة وتؤمن بما قاله الله عزَّ وجل، هناك نظريات لا تُعَدُّ ولا تحصى عن بداية العالم وعن أصل الإنسان، بعضهم يقول: كان مخلوقاً وحيد الخلية، ثم تعقَّدت حياته إلى أن صار إنساناً سوياً، بعضهم يقول: أصله قرد، و ارتفع القرد درجة فدرجة فصار إنساناً، العبرة أن هذا الموضوع إخباري، سبيل معرفته الخبر الصادق.
﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87) ﴾
( سورة النساء )
قصص الله عزَّ وجل لها أهداف كبيرة جداً:
*إذاً دقق:
﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ (13) ﴾
( سورة الكهف )
*إذاً هناك من يَقُصُّ عليك نبأهم بالباطل، هناك من يقدِّم لك رواية عن بداية العالم بالباطل، تكهُّنات ما أنزل الله بها من سلطان، ليس لها دليل، تكهُّن، تخيُّل، توهُّم، لكن لا يوجد دليل حسي لأن الشيء غائبٌ عن حواسنا، ولا يوجد دليل عقلي لأنه ليس له آثار، ليس له ذات نكشفها بحواسنا، وليس له آثار نكشفها بعقولنا، إذاً قصة بداية العالم، قصة خلق الإنسان لا نأخُذها إلا من الواحد الديان، وأية روايةٍ، وأي عرضٍ، وأي تحليلٍ، وأي تصورٍ لخلق الإنسان إن خالف القرآن اركله بالأقدام، وانتهى الأمر، هذه النقطة الأولى.
*الآن لماذا يقص الله علينا القَصَص ؟ الإنسان من عادته أن يقرأ القصة ليمضي الوقت بها، ليستمتع بها، يقول لك: لأقتل الوقت بها، إذا كان مسافراً، جالساً بمفرده في فندق يأخذ معه قصة ليقرأها، كل قصص بني آدم لعلها من هذا القبيل، إلا أن قصص الله عزَّ وجل لها أهداف كبيرة جداً، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾
( سورة يوسف: آية " 111 " )
*القصة لها دور تربوي خطير، يقول الله عزَّ وجل في آية ثانية:
﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) ﴾
( سورة هود )
*معنى ذلك أن الله عزَّ وجل حينما يَقُصُّ على النبي صلى الله عليه وسلم قصةً ليُثَبِّتَ فؤاده، لكن من هو أولى بالتثبيت النبي أم نحن ؟ نحن أولى، لأن يكون التثبيت على قدر الإيمان، وأعلى إيمان هو إيمان النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك:
﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ (120) ﴾
( سورة هود )
*نحن من باب أولى، معنى ذلك أن القصة لها هدف تربوي كبير.
قصة سيدنا يونس قصة وقعت والله تعالى جعلها قانوناً حينما عَقَّب عليها:
*إذا قرأ الإنسان قوله تعالى عن سيدنا يونس:
﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) ﴾
( سورة الأنبياء )
*هل هناك واحد بالمليار أمل لنجاة إنسان وجد نفسه في بطن الحوت، وفي أعماق البحر ؟ وفي الليل ؟ كم نسبة الأمل في النجاة ؟ صفر، إنسان وجد نفسه في بطن حوت في الليل في أعماق البحر، سيدنا يونس نادى:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
*نجيناه هو:
﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ (88) ﴾
*قصة وقعت، أما حينما عَقَّب الله عليها جعلها قانوناً، قال:
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
*أي أنت أيها المؤمن في أي زمان، في أي مكان، في أي ظرف صعب، مهما بدا لك الظرف حرجاً، مستحيلاً، ضيِّقاً، لا تخف لأن الله عزَّ وجل يتدخل وينقذك، مهما كان المرض عضالاً، مهما كان الفقر مدقعاً، مهما كان العدو شرساً.
القصص في القرآن الكريم هادفة لتثبيت المؤمنين ولإحداث أثر عميق جداً في نفس المؤمن :
*أيها الأخوة الكرام، هناك في القرآن الكريم تطمينات من قبل الله لكن الناس لا ينتبهون إليها.
﴿ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18) ﴾
( سورة الأنفال )
*أي أن كيدهم يضعِفُهُ الله عزَّ وجل إن كنتم أنتم مؤمنين، إن كنتم مؤمنين فالله سبحانه وتعالى موهن كيد الكافرين.
*الشيء الثاني: هذه القصص، قصة تبيِّن لك أهل الكهف مثلاً، هؤلاء الفتية الذي فَرّوا بدينهم إلى الكهف، هذا نموذج متكرر، ذو القرنين الذي مَكَّنَهُ الله في الأرض فأقام العدل، هذا نموذج متكرر يجب أن يحتذى، السيدة مريم حينما أُشيع عنها أنها زانية لكن الله برَّأها هذه قصة، سيدنا نوح حينما دعا قومه ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً، هذا النفس الطويل في الدعوة، كل نبي يمثِّل نموذجاً بشرياً، سيدنا إبراهيم عانى من أبيه، والسيدة آسيا عانت من زوجها، وسيدنا لوط عانى من زوجته، وسيدنا نوح عانى من ابنه، وسيدنا يوسف دخل السجن ظلماً، فكل نبي له قصة يحتاجها كل مسلم، إذاً القصص في القرآن الكريم هادفة، هادفة لتثبيت النبي، وتثبيت المؤمنين، وهادفة إلى إحداث أثر عميق جداً في نفس المؤمن.
﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى (111) ﴾
( سورة يوسف: آية " 111 " )
رؤية لقصة سيدنا موسى من عدة زوايا:
*أضع بين أيديكم قصة سيدنا موسى، وهذه القصة وردت في القرآن الكريم سبع عشرة مرة، هذه القصة من بعض عُروضها:
﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ (7) ﴾
( سورة القصص: آية " 7 " )
*أمران:
﴿أَرْضِعِيهِ﴾
* وإذا خفت علي
﴿فَأَلْقِيهِ﴾
*في اليم، ونهيان:
﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي (7) ﴾
( سورة القصص: آية " 7 " )
*وبشارتان:
﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) ﴾
( سورة القصص: آية " 7 " )
*يتوهم الإنسان أن القصة مكررة، ففي آية ثانية:
﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ (39)﴾
( سورة طه )
*اليم مأمور من قبل الله عزَّ وجل أن يأخذه إلى الساحل، وعدو الله، وعدو موسى مجبور على أن يلتقط هذا الغلام:
﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ (39) ﴾
( سورة طه: آية " 39 " )
*وألقى الله عزَّ وجل على سيدنا موسى محبَّةً:
﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)﴾
*رأته امرأة فرعون فأحبَّته حباً كثيراً:
﴿ وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾
( سورة القصص )
*الآية الثانية ليست تكراراً، لكنها إغناء لتفصيلات لم ترد في الآية الأولى، الآية الثالثة:
﴿ فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً (8) ﴾
( سورة القصص: آية " 8 " )
*النتيجة: آية أعطت البدايات، آية أعطت التفصيلات، آية أعطت النتائج، فلا يوجد تكرار، لكن من عدة زوايا ! يمكن أن تأتي إلى دمشق من طريق درعا، جبل قاسيون له منظر فأخذنا له صورة، يمكن أن تأتي دمشق من طريق بيروت جبل قاسيون له منظر أخذنا صورة أخرى له، يمكن أن تأتي إلى دمشق من طريق حلب جبل قاسيون له زاوية منظر التقطنا صورة، لو جمعنا هذه الصور الثلاث من الزوايا الثلاث لظهر معنا مجسَّم لقاسيون، هذه الزوايا إذا تعاونت وتكاملت تعطي شكلاً كاملاً ومجسماً بأبعاده الثلاث.
معنى الأمانة:
*أيها الأخوة، الله عزَّ وجل يقول:
﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ (30) ﴾
*الملائكة مخلوقاتٌ كُلِّفوا أن يكونوا رسلاً بين الله وخلقه، هناك فعل باللغة اسمه لأَكَ، أي أرسل، لأك يألكُ، أرسل يرسل، ومنه المَلَك، فالملائكة مخلوقات ليست مكلَّفة لأنها اختارت القرب من الله عزَّ وجل، يسبِّحون الله لا يفترون، هؤلاء لهم مهمَّات كثيرة من أول مهمَّاتهم أنهم رسلٌ بين الله وخلقه.
﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾
*أي أن الله عزَّ وجل خلق الخلق في عالم الذَر، وعالم الذَر قبل عالم الصوَر، لم يكن هناك صور للمخلوقات، مجرَّد مخلوق، هذا المخلوق صار جبلاً، هذا المخلوق صار زهرةً، هذا المخلوق صار حصاناً، هذا المخلوق صار أَفعى، هذا المخلوق صار إنساناً، خلق الخلق في عالم الذَرْ، وعرض عليهم الأمانة:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ (72) ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 72 " )
*الأمانة أن يَمْلِكوا أنفسهم ويزَكُّوها، فإن زكوها استحقوا نعيماً أبدياً لا حدود له.
قَبِلَ الإنسان حمل الأمانة فصار المخلوق الأول:
*قال تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72) ﴾
*أي عرضنا على إنسان أن يقود قطاراً براتب محدود جداً، وعرضنا عليه أن يقود سيارة كبيرة لنقل الركاب براتب أعلى، لأن القطار ليس عنده أخطار، ولا حوادث، فهناك سكةٌ يمشي عليها، وعرضنا على إنسان أن يكون طياراً، هو يحتاج إلى علم عالٍ جداً ويحتاج إلى خبرة عالية جداً، وإلى صفات نفسية عالية جداً، وليس له راتب، معه شيك مفتوح مثلاً، هناك وظيفة محدودة المسؤولية سهلة العمل لكن دخلها محدود، ووظيفة أعلى، ووظيفة أعلى، فربنا عزَّ وجل عرض عرضاً مغرياً جداً، عرض على المخلوقات أن يحملوا أمانة أنفسهم فيزَكّوها، ومعنى يزكوها أي أن هناك نوازع، وشهواتٍ، وأهواءً، وحرية اختيار، وعقلاً، وفطرة، وكَوْناً، ومنهجاً، ورُسُلاً، القضية معقدة.
*قال أب لولده: تعال إلى المحل واعمل بطعامك وبمصروفك، وعرض على ابن آخر: أتحب أن تحمل أعلى شهادة في العالم ؟ أعطيك نصف أملاكي، هناك بالطبع سفر، وهناك لغة، وهناك أخطار، وهناك جامعات صعبة جداً، وهناك جهد ثلاثين سنة، ولكنه إذا قبل هذا العرض، ونجح فيه فله مكانة عليّة في المجتمع، هذه الأمثلة تقرِّب معنى الآية:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72) ﴾
*قَبِلَ الإنسان حمل الأمانة فصار المخلوق الأول:
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70) ﴾
( سورة الإسراء )
الإنسان حينما قَبِل حمل الأمانة سخَّرَ الله له الكون كله ومنحه قوةً إدراكية وهي العقل*:
*هذا الإنسان الذي قبل حمل الأمانة، لأنه قبل حملها:
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)﴾
( سورة الجاثية )
*هذا قرآن:
﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ (13) ﴾
( سورة الجاثية )
*اطلعت اليوم على موسوعة علمية مترجمة تحوي العدد التقريبي للمجرات، يحوي العالم اليوم مئة ألف مليون مجرة، مجرتنا درب التبانة مجرة متوسِّطة فيها مئة ألف مليون كوكب ونجم، طول هذه المجرة المتوسطة المتواضعة مئة ألف سنة ضوئية، ما المسافة التي يقطعها الضوء في الثانية ؟ عرض هذه المجرة خمسة وعشرون ألف سنة ضوئية، إذا مثَّلناها على شكل عضلة أو مغزل، وجئت بقلم ناشف ووضعت نقطة على هذا المغزل، هذه النقطة هي المجوعة الشمسية، طول المجموعة الشمسية ثلاث عشرة ساعة، ولكن طول المجرة مئة ألف سنة ضوئية، المسافة بين الشمس والأرض ثمانية دقائق، وبين الأرض والقمر ثانية واحدة، لكي تعرف، أرض قمر ثانية، أرض شمس ثمانية دقائق، المجموعة الشمسية كلها ثلاث عشرة ساعة، طول مجرتنا مئة ألف سنة ضوئية وهي مجرة معتدلة صغيرة وهناك مئة ألف مليون مجرة، يقول تعالى:
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ (13) ﴾
( سورة الجاثية )
*لأنك أيها الإنسان قَبِلْتَ حمل الأمانة سخَّرَ الله لك الكون كله، هذه واحدة، حينما قبل الإنسان حمل الأمانة كرَّمه الله، وسخَّر له الكون، منحه قوةً إدراكية وهي العقل الذي يعد أعقد شيءٍ في الكون.
العقل خُلق لتعرف الله به لكن البعض أساء استخدامه:
*مرة قرأت كلمة أنه لو أردنا أن نصنع حاسوباً أو كمبيوتراً يؤدّي وظائف العقل البشري لاحتجنا إلى أضخم شارع في نيويورك، وكل الأبنية على طرفي الشارع ناطحات سحاب، تحوي جميع هذه الأبنية مكثِّفات من الداخل ومن الخارج، حتى يؤدِّي هذا الشارع الضخم بكل أبنيته الشاهقة مهام العقل البشري، الذي هو أعقد آلة في الكون، وهذا العقل البشري خُلِقَ لتعرف الله به فاستخدمه الناس لجني المال الحرام، للسرقة، لارتكاب الجرائم، للسيطرة على العالم، لإيقاع الفتن بين الشعوب، لجمع الثروات بالباطل، الكفار أذكياء جداً، يضعون الخطط المدهشة من أجل استعباد الشعوب، من أجل نهب ثرواتهم، يقومون بتمثيليات مذهلة، كل شيء يفعلونه تمثيلاً من أجل جر الثروات إليهم، مستخدمين العقل البشري، مع أن العقل خلق لتعرف الله به.
*يمكن أن تستعمل آلة تصوير ملونة لتزوِّر بها العملة ويكون المصير إلى السجن، ولك أن تستخدمها استخداماً إيجابياً فتصبح غنياً جداً من خلالها، الآلة واحدة، إن استخدمتها لغير ما صنعت له بالتزوير فالمصير إلى السجن، وإن استخدمتها في تصميم الأغلفة، والتقاويم، والبطاقات تعش من ورائها حياة كريمة جداً، والآلة واحدة.
معان متعددة لكلمة (خليفة):
*أيها الأخوة، جعل الله عزَّ وجل هذا الإنسان المخلوق الأول، جعله خليفةً له، معانٍ كثيرة جداً.
1ـ المعنى الأول لكلمة (خليفة) أي يأتي بعضهم وراء بعض ليتعظوا:
*أول معنى من معاني خليفة:
﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾
*أي أن سيدنا آدم حينما كان في الجنة لم يخرج منها بسبب أنه أكل التفاحة، لا، فسيدنا آدم مخلوق في الأصل للأرض، والدليل هذه الآية، لكن الله جعل هذا الدرس البليغ له ولذريته من بعده، فليس التصميم أنه مخلوق للجنة، فلما أخطأ نقل للأرض، لا فالإنسان في الأصل مخلوق للأرض.
﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾
*لكن الله شاءت حكمته أن يعطي سيدنا آدم درساً بليغاً في عداوة الشيطان، أما مصير الإنسان فهو إلى الأرض، هذه النقطة الأولى.
*النقطة الثانية، جعله خليفة أي قوماً يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن، جيلاً بعد جيل، كما قال الله تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ (165) ﴾
( سورة الأنعام: آية " 165 " )
*وقال:
﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) ﴾
( سورة الزخرف )
*وقال:
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ (59) ﴾
( سورة الأعراف: آية " 169 " )
*توضح هذه الآيات معنى كلمة الخليفة، وهو الله عزَّ وجل شاءت حكمته أن يأتي الناس إلى الدنيا تِباعاً، وأن يغادروها تباعاً ليتَّعظ بعضهم ببعض، هذا معنى من معاني:
﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾
2ـ المعنى الثاني لكلمة (خليفة) أي لكرامة الإنسان عند الله أعطاه بعض صفاته:
*المعنى الثاني: أن الله لكرامة الإنسان عنده أعطاه بعض صفاته، الله عزَّ وجل فرد، وجعل الإنسان فرداً، ليس في الأرض كلها إنسان يشبهُك، أنت فرد نسيج وحدك، بلازما الدم تنفرد بها، رائحة الجلد تنفرد بها، قزحية العين تنفرد بها، الزمرة النسيجية تنفرد بها، نبرة الصوت تنفرد بها، بصمة اليد تنفرد بها، لكرامتك عنده جعلك فرداً لا مثيل لك، ولا مشابه لك، هكذا شاءت حكمة الله، لكرامتك عنده سمح لك أن تُشَرِّع، أعطاك نصوصاً ظنية الدلالة، ولك أن تجتهد، لكرامتك عنده سمح لك أن تُبْدِع عن طريق المورِّثات والتهجين، فالإنسان الآن يبدع في النباتات، وفي الحيوانات، وفي الزراعة، لكرامتك عنده سمح لك أن تحكم، جعلك خليفةً في الأرض لتقيم العدل، وتردع الظالم، وتكافئ المحسن، مَكَّنَك في الأرض، في الشخص القوي بيده مصير الأشخاص الآخرين، هذا خليفة الله في الأرض.
﴿ يَا داود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ (26) ﴾
(سورة ص)
*الأنبياء والأولياء والعُلماء والدعاة هؤلاء خلفاء الله في أرضه ليقيموا أمر الدين، والملوك والأقوياء خلفاء الله في أرضه ليقيموا أمر الدنيا، فالله عزَّ وجل أعطى الإنسان قوة، الإنسان لديه قدرة أن يحرك جيشاً، يعلن حرباً، يفجِّر قنبلة مثلاً، سمح الله للإنسان أن يكون قوياً، فكلمة جعله خليفته في الأرض، المعنى الأول: يأتي بعضهم وراء بعض، والمعنى الثاني: لكرامة الإنسان عند الله أعطاه بعض صفاته، وهناك حديث يحتاج إلى شرح طويل:
(( خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ على صُورَتِهِ ))
[ رواه حيى بن جعفر عن أبي هريرة ]
*لكرامة الإنسان عند الله عزَّ وجل.
3ـ المعنى الثالث لكلمة (خليفة) أي أن الإنسان مُمَكَّن أمره نافذ ومعه سلطة:
*إذا كان لك أولاد، أنت تزوّجت أمهم وأنجبت هؤلاء، جعل أمرهم بيدك، طعامهم وشرابهم بيدك، تربيتهم بيدك، مستقبلهم بيدك، توجيهَهُم بيدك، أنت خليفة الله في أسرتك، أنت معلِّم أنت خليفة الله في صَفَّك، مدير مدرسة أنت خليفة الله في هذه المدرسة، أنت مدير تربية فأنت خليفة الله في هذه المحافظة، وزير تربية في القطر، كل إنسان ممكَّن؛ هذا بالتربية، هذا بالصحة، هذا بالاقتصاد، هذا بالأوقاف، فالإنسان مُمَكَّن معه صلاحية، أمره نافذ، معه سلطة، هذا معنى ثالث.
*المعنى الأول: الخليفة أي نأتي إلى الدنيا تباعاً ونغادرها تباعاً.
*المعنى الثاني: لكرامتك عند الله منحك شيئاً من صفاته، أنت فرد، فرد في أشياء كثيرة، صُنِعت أقفال الآن لا تُفتح إلا على قزحية العين لأنه لا يوجد إنسان في الأرض يشبهك في قزحية العين فهذا القفل لن يُفتَح إلا من قِبَل صاحبه، رائحة الجلد، نبرة الصوت، بلازما الدم، الزُمرة النسيجية، بصمة اليد، جعلك فرداً، جعلك مُشَرِّعاً، جعلك مبدعاً، جعلك مريداً أعطاك حرِّية الاختيار، جعلك حاكماً تقيم العدل وتقمع الظلم.
الإنسان شيء كبير جداً يمكن أن يقوم بأعمال لا تفعلها الجبال:
*قال تعالى:
﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾
*من الممكن أن يجعل الله على يدك هداية مليون شخص أو مليار كالنبي عليه الصلاة والسلام، المسلمون مليار ومئتي مليون في صحيفة واحد، ويمكن والعياذ بالله أن يكون خمسون مليون قتيل في الحرب العالمية الثانية بسبب شخص واحد كهتلر، الإنسان شيء كبير جداً يمكن أن يقوم بأعمال لا تفعلها الجبال، ويمكن أن يقوم بجرائم لا تفعلها أشرس الوحوش في الأرض ؛ هذا الذي ألقى قنبلة على هيروشيما أباد ثلاثمئة ألف إنسان في ثلاث ثوان، توجد الآن حروب ؛ حروب كيماوية، حروب غازية، حروب جرثومية، توجد أسلحة فتَّاكة، توجد قنابل حارقة على بعد دائرة قطرها مئتي متر يصبح فحماً، النابالم أعطى للإنسان قدرات سمح له أن يخترع البارود، القنابل، أن يطير في أعماق السحاب، أن يغوص في أعماق البحار، أن يصل إلى القمر، أعطاه إمكانات مذهلة، الإنسان معه إمكانات بشكل غير معقول.
قمَّة الكمال البشري النبوّة وحضيض السقوط البشري الإجرام:
*يقول لك: الإنسان أصله قرد، ماذا فعل القرود ؟ اخترعوا طيارة ؟ أنت تركب طيارة ستمئة وستين راكباً كلَّها طعام وشراب، وقهوة وشاي، ومقاعد مريحة على ارتفاع أربعين ألف قدم، هل نقلوا الصورة والصوت ؟ ما هو موضوع الفاكس ؟ موضوع الأجهزة، الإنترنت، شيء لا يُصدق، هذا كلَّه من إنجاز الإنسان، جعله خليفته في الأرض، المشكلة أن هذه الإمكانات الضخمة التي أعطاها الله للإنسان استخدمها في الشر، هذه الأجهزة المعقَّدة جداً المذهلة جعلها لإفساد الأخلاق، ماذا في المحطَّات الفضائية ؟ إفساد، ماذا في هذه الأجهزة المعقَّدة جداً لنقل الصورة ؟ إفساد عقائد، وإفساد أخلاق، وإفساد بيئة، الإنسان لأنه مخيَّر كل شيء فيه حيادي، قمَّة الكمال البشري النبوّة، وحضيض السقوط البشري الإجرام، هناك أشخاص يتلذَّذون بشقاء الآخرين، يمكن لشعب متقدم عند الناس مزدهر حسب مقاييس البشر وفي عصر العلم أن يقيم رفاهيته على أنقاض شعوب، ماذا يفعل أعداء الإنسانية ؟ يخلقون مشكلات في العالّم ويبيعون أسلحة، ويعيشون على أنقاض الشعوب، هذا الذي يحدث بؤر متوترة في العالم ؛ في آسيا بؤرة، في الصين بؤرة، في السودان بؤرة، في إفريقيا بؤرة، بؤر متوترة تحتاج إلى أسلحة، يبيعون أسلحة بعقود إذعان وبأسعار خيالية ويعيشون على أنقاضنا جميعاً، لغير ما صُنِع له، أما العقل فهو يجعلك أكبر مؤمن، يجعلك أكبر مُصْلِح، يجعلك أكبر إنسان، استُخدِم العقل البشري لغير ما صُنِع له، فلذلك:
﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾
*خليفة يخلفني، أي إنسان رحيم والله رحيم، إنسان عليم، إنسان عادل، إنسان لطيف، إنسان قوي.
أسماء الله عزَّ وجل كلَّها حسنى وصفاته فُضلى:
*قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) ﴾
( سورة الشورى )
*إنسان عَفو ـ اذهبوا فأنتم الطلقاء ـ كأن الله عزَّ وجل أراد أن نتخلَّق بكماليات الله عزَّ وجل ؛ بالرحمة، بالشفقة، بالإنصاف، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وأيم اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))
[ البخاري عن عائشة ]
*عدل، رحمة، عفو، حلم ـ اذهبوا فأنتم الطلقاء ـ لمن هذا الوادي ؟ هو لك. ما معنى خليفته في الأرض ؟ أي إنه اقْتَبَس من كماليات الله، أسماء الله عزَّ وجل كلَّها حسنى وصفاته فُضلى، خليفته في الأرض اقتبس منه الرحمة، والعدل، والقوة، والحرص، والإنصاف، هذا كلَّه مُقتبس من الله، هذا معنى:
﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾
*قالت الملائكة:
﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾
خلق الله تعالى الجن قبل الإنس وعليه قاست الملائكة أن الإنسان سيفسُد ويسفك الدماء:
*طبعاً تردد هذا السؤال مرَّات عديدة، كيف عرفت الملائكة أن الإنسان سيفسُد وسيسفك الدماء ؟ تجيب الآية عن ذلك:
﴿ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ (27) ﴾
*أي من قبل الإنسان:
﴿ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) ﴾
( سورة الحجر: آية " 27 " )
*عالم الجن ارتكبوا الموبقات، وسفكوا الدماء، وفسدوا في الأرض، فالملائكة قاسوا على الجن، لأن الله عزَّ وجل أعطى الأمانة للإنس والجن معاً:
﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ (33) ﴾
( سورة الأنعام: آية " 130 " )
*وقال:
﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) ﴾
( سورة الرحمن )
*وقال:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾
( سورة الذاريات )
الكمال في خلق الإنسان أن تأتي الآخرة متوافقة مع الدنيا فقط:
*لصنفان اللذان قَبِلا حَملَ الأمانة هما صنف البشر وصنف الجن، وهما مكلَّفان، وكل جنس له طبيعة خاصَّة، فالبشر من طين والجان من نار، لذلك قالت الملائكة:
﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾
*أي إذا أنشأنا جامعة ضخمة جداً، وقسم من طلابها وليكن ربع الجامعة لم يدرسوا، ولم يتعلموا، وأهملوا واجباتهم هل نلغي الجامعة ؟ لا، لأنه يوجد طلاب في المقابل نالوا شهادات عُليا، وقدَّموا لأمتهم خدمات كبيرة جداً، فلو فرضنا أنه يوجد قسم فاسد هل نلغي الجامعة ؟ إننا لا نلغيها:
﴿ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾
*سيكون هناك أنبياء كبار، وأولياء، ومؤمنون، ومجاهدون، ومجتمعات راقية جداً:
﴿ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾
*هل الكمال في الجامعة أساساً أن ينجح جميع الطلاَّب كلَّهم بتفوق ؟ لا، الكمال في الجامعة أن تأتي النتائج وَفْق المقدِّمات، عندما ينجح المجتهد ويرسب الكسول هذا كمال في الجامعة، الكمال في خلق الإنسان أن تأتي الآخرة متوافقة مع الدنيا فقط.
آيات من الذكر الحكيم تبين أن الله لا يتدخَّل لأن الإنسان مخير*:
*قال تعالى:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا (46) ﴾
( سورة فصلت: آية " 46 " )
*الله لا يتدخَّل لأن الإنسان مخير:
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) ﴾
( سورة الكهف: آية " 29 " )
*وقال:
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3) ﴾
( سورة الإنسان )
*وقال:
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148) ﴾
( سورة البقرة: آية " 148 " )
ليس الكمال أن يكون الناس كلهم مؤمنين بل الكمال أن يُعطى كل ذي حقٍ حقه:
*الإنسان مخير، ولذلك ليس الكمال أن يكون الناس كلهم مؤمنين، لا، الكمال أن يُعطى كل ذي حقٍ حقه، الكمال:
﴿ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) ﴾
( سورة طه )
*هذا هو الكمال، افعل ما تشاء كما قال الله عزَّ وجل:
﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ (40) ﴾
( سورة فصلت: آية " 40 " )
*افعل ما تشاء ولكن لكل شيء ثمن:
(( ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف له ذلك من نيته إلا جعلت الأرض تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه ))
[ رواه ابن عساكر عن كعب بن مالك ]
*الكمال أن تأتي النتائج مطابقةً للمقدِّمات فقط، قال الله عزَّ وجل:
﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ (40) ﴾
( سورة فصلت: آية " 40 " )
(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))
[ أخرجه الشيرازي والبيهقي عن سهل بن سعد البيهقي عن جابر ]
الإنسان وحده هو المسؤول ولن يحاسَب أحد عن أحد:
*تصبح الآية:
﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾
*أنا سأخلق مخلوقات، أعطيها حرية الاختيار، أعطيها عقلاً، أسخِّر لها الكون تسخير تعريفٍ وتكريم، أعطيها شهوات، أعطيها منهجاً:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا (46) ﴾
( سورة فصلت: آية " 46 " )
*أنت مسؤول، هذا الدرس مصيري يحدد مصير الإنسان، افعل ما تشاء، الله عزَّ وجل ينبِّهك، يُسمِعُك الحق، يضيِّق عليك لكنك في النهاية مخير، وعملك بسبب اختيارك، وأنت وحدك المسؤول، ولن يُحاسب إنسان عن إنسان:
﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ (84) ﴾
( سورة الإسراء)
*وقال:
﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (164) ﴾
( سورة الأنعام: آية " 164 " )
*هذه الآية تبين أنك المخلوق الأول، والمكرَّم، والمكلَّف، وأنت خليفة الله في الأرض، خليفته على مستوى أب، خليفته على مستوى معلِّم، خليفته على مستوى طبيب، خليفته على مستوى مهندس، خليفته على مستوى مدير دائرة ، أنت خليفته في الأرض.
العبرة أن تأتي النتائج وَفْقَ المقدمات فقط:
*جاء في بعض التفاسير:
﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾
*أي أن الله تعالى يقول:
(( إنني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف ما لا تعلمون مع كل المفاسد التي ذكرتموها، سأجعل فيهم الأنبياء، أُرسِل فيهم الرُسل سيكون فيهم الصدّيقون، والشهداء، والصالحون، والعبَّاد، والزهَّاد، والأولياء، والأبرار، والمقرَّبون، والعلماء العاملون، والخاشعون، والمحبَّون لي، والمتبعّون لرسلي، وقد ثبت في الصحيح: أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده يسألهم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون آتيناهم وهم يصلّون.. فقد ورد عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: " يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ))
[ البخاري عن أبي هريرة ]
*هؤلاء في المسجد هنا، لماذا أنتم هنا ؟ لا يوجد طعام ولا يوجد شراب، ولا تكريم ولا رواتب آخر الشهر، أنتم أتيتم لمعرفة الله، أتيتم لوجه الله، إذاً:
﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾
*يوجد عباد مؤمنون، صادقون، مخلصون، محبِّون، ورعون، مقبلون، محسنون، متفوِّقون، العبرة أن تأتي النتائج وَفْقَ المقدمات فقط:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) ﴾
( سورة الجاثية )
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
12-03-2012, 03:12 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (18- 95):تفسير الآيات 31-33 ، كرَّم الله الإنسان بالعلم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-10-23


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثامن عشر من سورة البقرة.
فضل علم النبي على علم أعلم علماء الأرض كفضل الله على خلقه:
*مع الآية الواحدة والثلاثين وهي قوله تعالى:
﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) ﴾
*أيها الأخوة الكرام، محور هذه الآيات أن آدم عليه السلام وذُرِّيّته مخلوقاتٌ متميِّزة قبلت حمل الأمانة، وحينما قبلت حمل الأمانة فُتِحت لها أبواب المعارف، فسيدنا آدم علَّمه الله، وحينما يعلّم الله الإنسان فإن هذا الشيء يصعب تصوره، الله عزَّ وجل علَّم النبي قال تعالى:
﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ﴾
( سورة النجم )
*فضل علم النبي على علم أعلم علماء الأرض كفضل الله على خلقه، يتباهى الطالب أحياناً أنَّه تلميذ فلان، علَّمني فلان، علَّمني هذا الأستاذ الكبير، فكلَّما كان قدر المُعَلِّم كبيراً كان افتخار الطالب بمعلِّمه أكثر، فإذا كان المعلّم هو الله، فهذا الشيء يكاد لا يُصدَّق، لأن الله يعلّم الإنسان بطريقةٍ تعطيه كل شيء في أقلّ زمن، الطالب الآن يأتي ببعض الأحاديث الشريفة، يضبطها، ويشرحها، ويستنبط منها بعض الأحكام، ويقدِّم هذا البحث رسالة دكتوراه، تُناقش هذه الرسالة ويُعطى لقب دكتور، لماذا ؟ لأنه فهم بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين مقام النبي عليه الصلاة والسلام ؟
يا أيها الأمي حسبك رتبةٌ* في العلم أن دانت لك العلماء
***
سبب جعل النبي عليه الصلاة والسلام أمياً:
*أقف عند كلمة:
﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ (31) ﴾
*كما أن الله علَّم آدم الأسماء علَّم النبي عليه الصلاة والسلام كل شيء، لماذا جعله أُمِّياً ؟ لأنه لو استقى من ثقافات عصره ثم جاءه وحيّ السماء لتداخلَ علم الأرض مع علم السماء، ولو كان الأمر كذلك لسأله أصحابه كل دقيقة، هل هذا الكلام من ثقافتك أم من وحي السماء ؟ فالله سبحانه وتعالى جعل وعاء النبي خالياً من كل ثقافةٍ أرضية، وجعله:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) ﴾
( سورة النجم )
*علّم الله آدم عليه السلام، كما أن الله تعالى علَّم نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام.
﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ (31) ﴾
*اختلف العلماء في هذه الكلمة، أولاً اختلفوا في آدم، لمَ سمِّي آدمُ آدماً ؟ قال: لأنه أُخِذَ من أديم الأرض ـ من تراب الأرض ـ وصنعه الله بيده، ونَفَخَ فيه من روحه، فهو المخلوق الأول.
الإنسان مركّب من عقلٍ وشهوة:
*قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70) ﴾
( سورة الإسراء )
*الإنسان كما تعلمون رُكِّب من عقلٍ وشهوة، فيه قبضةٌ من تراب الأرض، وفيه نفخةٌ من روح الله، فإذا سَمَتْ نفخة الروح على تراب الأرض كان فوق الملائكة، وإذا سَمَتْ قبضة التراب على نفخة الله عزَّ وجل كان دون الحيوان، هو وحده يتذبذب بين أن يكون فوق الملائكة:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) ﴾
( سورة البينة )
*وبين أن يكون شَرَّ البرية:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) ﴾
( سورة البينة )
الأنبياء يتعلَّمون بالوحيّ لكن المؤمنين يتعلَّمون بالقراءة والكتابة:
*وضع الإنسان يتذبذب بين أن يكون فوق الملائكة المقرَّبين، وبين أن يكون في أسفل سافلين، فيه قبضةٌ من تراب الأرض ؛ يأكل ويشرب، ويشتهي النساء، ويشتهي أن يستريح، وأن يستمْتِع، هذا الخلود إلى الأرض، ويتمنى أن يعرف الله، وأن يكون مستقيماً على أمره، وأن يكون محبَّاً له، وأن ينشر الخير بين الخلائق، هذه نفخة الروح التي في كيانه، فيه نفخةٌ من روح الله، وفيه قبضةٌ من تراب الأرض، لذلك حينما قبِل الإنسان حمل الأمانة كان المخلوق الأول.
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ (72) ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 72 " )
*هو المخلوق الأول لمجرد أنه قبِل حمل الأمانة، لأنه المخلوق الأول سُخِّرت له السماوات والأرض جميعاً، في هذه الآيات إشاراتٌ لطيفة إلى أن مقام آدم هو المقام الأول، عرَّفه الله عزَّ وجل، إذاً آدم من أديم الأرض:
﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ (31) ﴾
*تعليم الله عزَّ وجل متميّزٌ عن تعليم البشر، فحينما يعلّمك الله عزَّ وجل تغدو أعلم علماء الأرض، علَّم الله أنبياءه، علَّمهم بالوحيّ، أو كلَّمهم، أو قرَّبهم إليه، أما بنو البشر فيتعلَّمون من علم الأنبياء، نحن الأمية فينا صفة نقصٍ، لأنه لا سبيل لنا للتعلُّم إلا عن طريق علم الأنبياء، لا بدًّ أن نقرأ أحاديث رسول الله، لا بدَّ أن نقرأ القرآن الكريم، لا بدَّ أن نفهم تفسيره، فنحن نتعلَّم بالتعلُّم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إنما العلم بالتعلُّم ))
[الطبراني عن أبي الدرداء]
*الأنبياء يتعلَّمون بالوحيّ، لكن المؤمنين يتعلَّمون بالقراءة والكتابة، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
(( إنما العلم بالتعلُّم، وإنما الحِلم بالتحلّم ))
[الطبراني عن أبي الدرداء]
بعض التأويلات المحتملة للآية التالية:
*قال تعالى:
﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا (31) ﴾
*وقال:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ﴾
*أما الأسماء التي وردت في هذه الآية فهناك اختلافٌ كبير بين المفسرين، يوجد عندنا اسم ومسمَّى، هذا منديل، فإن هذا مسمَّى، ومنديل اسم، ولا اسم بلا مسمّى، قال بعض المفسرين: " حينما خلق الله عز وجل المسميات كلَّها علَّم آدم أسماءها "، وكأن الله أراد من هذه الآية أن يبين أن لآدم طريقاً إلى الله يعلِّمه كلّ شيء، والإنسان ـ وهو ابن آدم ـ حينما يصدق في طلب شيء فالله عزَّ وجل يعطيه إيَّاه:
﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا (31) ﴾
*وبعضهم قال: " علَّمه أسماء ذرِّيته جميعاً لأن كل ذرِّيته في ظهره " . وبعضهم قال: " علَّمه أسماء الملائكة ". وبعضهم قال: " علَّمه أسماء الله الحُسنى " ، فلك أن تختار من بين هذه التفسيرات ، إما أنه علَّمه أسماءه الحسنى وصفاته الفُضلى، أو علَّمه أسماء الملائكة، أو علَّمه أسماء ذرٍّيته جميعاً، أو علًّمه حقائق الكون، علَّمه المُسَمَّيات وأسماءها، هذه التأويلات المحتملة لهذه الكلمة:
﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا (31) ﴾
الله سبحانه وتعالى كرَّم الإنسان وجعله المخلوق الأول :
*الملائكة مما أشفقوا ولم يحملوا الأمانة ؟
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ (72) ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 72 " )
*الملائكة مخلوقاتٌ عابدةٌ، منيبةٌ، متَّصلةٌ بالله عزَّ وجل، تُسبِّح الله دائماً، ولكنّها ليست مُكَلَّفة ـ ليس عندها تكليف ـ ليس عندها نجاح أو رسوب، فلاح أو سقوط، جنَّةٌ أو نار، مستقبلها مضمون لأنها لم تخاطر، لكن الإنسان قال: أنا لها، وحملها الإنسان، فالذي قَبِلَ المغامرة يفوق الذي أَشْفَقَ من هذه المغامرة فيما لو نجح، لذلك يتّضح من خلال هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى كرَّم الإنسان وجعله المخلوق الأول، وفضَّله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً، بل إن العلماء يقولون: " المؤمن إذا عرف الله عزَّ وجل وأدَّى الأمانة التي أُنيطت به، وحقق الهدف الذي من أجله خُلِق فهو فوق الملائكة المقرَّبين ".
*عند بعض العلماء بعض المقولات، الرسل من بني البشر أعظم من رسل الملائكة، والأولياء من بني البشر أعظم من أولياء الملائكة، ولكن إذا وازنَّا الملَك بمخلوقٍ شاردٍ عن الله عزَّ وجل فإن ذرَّةً من هذا المَلَك أفضل من مليار إنسان عاصٍ، أما حينما يرشد الإنسان، ويتَّصل بالله عزَّ وجل فهو فوق الملائكة المقرَّبين:
﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا (31) ﴾
مقام الإنسان يتذبذب بين أن يسبق الملائكة وبين أن يكون من أَحَط المخلوقات:
*ماذا قالت الملائكة ؟
﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾
*إنَّ هذا المخلوق البشري إذا عرف الله وصل إلى مرتبةٍ لا تصل الملائكة إليها، مقامه يتذبذب بين أن يسبق الملائكة، وبين أن يكون من أَحَط المخلوقات، رجل خان جاره في زوجته أثناء سفره في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فبلغ النبي ذلك، وقد قتله كلبٌ، فقال عليه الصلاة والسلام: " خان صاحبه، وقتله الكلب، والكلب خيرٌ منه ".
*شيء دقيق، أنت حينما تعرف الله، وتستقيم على أمره، وتسمو إليه فأنت في المرتبة الأولى من مخلوقات الأرض ؛ وحينما تخلد إلى الأرض وتتبع هواك وتُغلب فأنت دون كل المخلوقات، فهذه المرتبة تتلوّن وتتذبذب بين قمَّة المجد وبين حضيض السقوط، هكذا الإنسان إما أنه خير البرية، وإما أنه شَرُّ البرية، ومتاحٌ لك أن تكون من خير البرية، لأن هذه الشهوات التي غُلِبت بها رُسِمت لها قنواتٌ نظيفة تسري خلالها، فليس في الإسلام حِرْمان، ولكن في الإسلام انضباط، عملية ضبط، فأية شهوةٍ أودعها الله في الإنسان جعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها، بل إنني أقول لكم: إن استمتاع المؤمن بالحلال فيه متعةٌ وطمأنينةٌ وسعادةٌ تفوق بكثير متعة المنحرف العاصي بالحرام، شَتَّان بين الزواج والزنا، وشتَّان بين كسب المال الحلال وبين كسب المال الحرام، وشتَّان بين أن تعلو في الأرض بعملٍ صالح، أو بجريمةٍ فظيعة.
الإنسان مخير ولأنه مخير فالنتائج متباينة:
*أيها الأخوة الكرام، نحن أمام خيار مصيري، إما أن تكون المخلوق الأول، وإما أن يهبط الإنسان فيكون في أسفل سافلين، في الدرجة الدنيا:
﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ (31) ﴾
*أنتم يا ملائكتي الذين قلتم في أنفسكم: لعل هذا المخلوق يُفسِد، ويسفِكُ الدماء، ونحن نسبح الله عزَّ وجل، فقال الله عزَّ وجل:
﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾
*ذكرت لكم في الدرس الماضي أن الكمال في الجامعة لا أن ينجح كل الطُلاَّب، بل أن تأتي النتائج وفق المقدِّمات، حيث ينجح المتفوِّق، ويرسب الكسول، وهكذا الإنسان مخيّر، فإما أن تختار الحقيقة، وإما أن تختار الشهوة، إما أن تختار المصلحة، وإما أن تختار المبدأ، إما أن تختار الآخرة، وإما أن تختار الدنيا، أنت مخيّر، ولأنك مخيّر فالنتائج متباينة، إذا أَعْطَينا للطلاب حرية الاختيار في الدراسة أو عدمها ورسب مجموعة من الطلاب هذا لا يعني أن نغلق الجامعة، بل بالعكس نتابع افتتاح الجامعات ونقول: كلٌ يلقى نتائج عمله، فالطالب المجتهد يلقى نتائج عمله، والطالب الكسول يلقى نتائج عمله، أعطى الله عزَّ وجل الملائكة درساً لا يُنسَى، أنتم الذين قلتم:
﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾
*هذا آدم، وقد ورد عن الرسول الكريم قوله:
(( آدم ومن دونه تحت لوائي ولا فخر.))
[ابن مردويه عن أنس]
*آدم ومن دونه تحت لواء محمد عليه الصلاة والسلام يوم القيامة، استنبط بعض العلماء من هذا الحديث أن هذا النبي الكريم ـ أبو البشر ـ يأتي في مقامه بعد مقام محمدٍ عليه الصلاة والسلام ؛ آدم ومن دونه.
الإنسان لتميّزه بقبول حمل الأمانة استحق أن يُكشَف له الغطاء فيعلم من الله ما لم يعلم غيره من الله:
*قال تعالى:
﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ (31) ﴾
*ذكرت قبل قليل أنه لك أن تفهم الأسماء أنها أسماء ذريّته جميعاً، أو أسماء الملائكة كلَّهم، أو أسماء المُسميات جميعاً، إما أنه علَّمه حقائق الوجود، أو علَّمه أسماء الملائكة، أو علَّمه أسماء ذريّته، أو علَّمه أسماءه الحسنى، على كلٍ هذا الإنسان لتميّزه بقبول حمل الأمانة استحق أن يُكشَف له الغطاء، فيعلم من الله ما لم يعلم غيره من الله:
﴿ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ (31) ﴾
*هذا الذي خلقته وجعلته خليفتي في الأرض هل عندكم شيء من علمه ؟
﴿ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ (31) ﴾
*ماذا تعرفون من هذه الأسماء ؟ وهذا ينقلنا إلى موضوعٍ دقيق، الله عزَّ وجل قد يعطي الأدنى ما يفوق الأعلى، سيدنا موسى نبيٌّ كريم سئِل: مـن أعلم من في الأرض ؟ فقال: أنا، فلفـت ربنا عزَّ وجل نظره إلى شيءٍ لم يكن في الحُسبان، أعطى الله سيدنا الخضِر سرَّ الأمر التكليفي، فلمَّا ترافق سيدنا موسى مع سيدنا الخضر اعترض عليه، وإذا بالخضر عليه السلام يعطيه حقائق الأمور ويعطيه حِكَم أفعال الله عزَّ وجل، فإذا كان الله تعالى قد خصَّ موسى بالأمر التكليفي فقد خصَّ الخضر عليه السلام بالأمر التكويني، بسرِّ الأمر التكويني.
الله عزَّ وجل طليق الإرادة يعطي من هو أدنى منك شيئاً يفوقك به:
*يعطي الله عزَّ وجل الأدنى ما يفوق به الأعلى، وكلفت نظرٍ قال هدهد سيدنا سليمان:
﴿ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ (22) ﴾
( سورة النمل: آية " 22 " )
*سيدنا سليمان الذي آتاه الله مُلكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده، سيدنا سليمان الذي سخَّر الله له الريح، سيدنا سليمان الذي علَّمه الله لغة الطير:
﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً (19) ﴾
( سورة النمل )
*قال له الهدهد:
﴿ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) ﴾
*هذا درس، فلا تقل: أنا أعلم من في الأرض، لا تقل: أنا متفوق في كذا، الله يغيِّر في لحظة، الله عزَّ وجل طليق الإرادة، يعطي من هو أدنى منك شيئاً يفوقك به، قيل: إن الإمام أبا حنيفة رأى مرة طفلاً يمشي في الطريق وأمامه حفرة فقال له: احذر يا غلام أن تسقط، فقال له الغلام: بل احذر أنت يا إمام أن تسقط، إني إن سقطت سقطتُ وحدي، وإنك إن سقطت سقط معك العالم.
*كان سيدنا عبد الله بن الزبير في المدينة مع بعض الغلمان فمرَّ سيدنا عمر، تفرَّق الأولاد إلا عبد الله بن الزبير بقي واقفاً في مكانه، فقال له سيدنا عمر: يا غلام لمَ لمْ تهرب مع من هرب ؟ فقال له: " أيها الأمير لستَ ظالماً فأخشى ظلمك، ولستُ مذنباً فأخشى عقابك والطريق يسعني ويسعك " ، فدائماً لا تقل: أنا، هناك دروس بليغة جداً في الحياة.
حجم علم الإنسان بحجم صدقه في طلب الحقيقة:
*أيها الأخوة:
﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ (32) ﴾
*أي أنَّ هذا الذي اعترضتم عليه، ظننتم أنكم أفضل منه، هذا الذي توهَّمتم أنه سيسفك الدماء، ويُفسِد في الأرض علمه أعلى من علمكم، لكن هناك سؤال: إنك أنت الذي علَّمته، فأنت الذي ميزته علينا ؟ الجواب: أن علم الإنسان بحسب صدقه، فكلَّما كان أكثر صدقاً في طلب الحقيقة كان علمه من الله عزَّ وجل أعمق وأشمل، فحجم علم الإنسان بحجم صدقه في طلب الحقيقة، لذلك يُعَدُّ النبي عليه الصلاة والسلام أعلمنا بالله عزَّ وجل، قال عن نفسه صلى الله عليه وسلَّم:
(( إني أعلَمكم بالله وأشَدُّكم له خشية ))
[متفق عليه عن عائشة]
*أي أن العلم متعلق بالصدق، فكلَّما كنت أكثر صدقاً في طلب الحقيقة، كلَّما كنت أكثر صدقاً في معرفة الله كلَّما كنت أكثر علماً، فيبدو أن هذا النبي الكريم أبو البشر ـ سيدنا آدم ـ كان طلبه للمعرفة عالياً جداً، فعلَّمه الله ما لم يعلِّم الملائكة.
كلمة (لا أدري) نصف العلم:
*حينما نفهم الآية فهماً ساذجاً أن الله علَّمه، ثم قال:
﴿ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ (31) ﴾
*لا تعلمون، إذاً هو أفضل منكم، هذا الشيء بهذا الشكل غير مقبول، أما علمه الذي فاق به الملائكة بسبب محبَّته لله، وصدقه في طلب الحقيقة، وإقباله على الله، فهناك شيء منه، تجد أخّوين، أحدهما تابع دراسته حتى الدكتوراه، والآخر قنع بابتدائية، أو بإعدادية، والأب واحد، والأم واحدة، هذا اختيار، فيبدو أن هذا النبي العظيم أبو الأنبياء أراد أن يكون في أعلى مرتبة منحه الله إياها، فلمَّا اعترضت الملائكة قال:
﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا(32)﴾
*لنا هنا وقفة متأنّية، أخواننا الكرام كما قال الإمام الشافعي: " كلّما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي " ، والإنسان المتعلّم أو طالب العلم الشرعي يجب أن يكون متواضعاً جداً وأن يُجْري على لسانه كلمة لا أدري، لا أدري نصف العلم، جاء وفد من المغرب إلى المشرق معهم أسئلة عديدة جداً، فالتقوا الإمام مالك ـ إمام دار الهجرة ـ عرضوا عليه مجموعة أسئلة فأجاب عن ثلثها، وأما الأسئلة الباقية فقال عنها: لا أدري، قالوا: يا الله الإمام مالك إمام دار الهجرة لا يدري ؟! قال لهم: قولوا لأهل المغرب الإمام مالك لا يدري.
*عوّد نفسك أن تقول عن شيء لا تعلمه: واللهِ لا أعلم، إن قلت: لا أعلم فأنت عالم، أما هذا الذي يعلم كل شيء فهو لا يعلم شيئاً إنه كذَّاب، عَوِّد تلاميذك، عود أخوانك كلمة لا أعلم طبيعية جداً، وأنت في مكانك العلي لا تستحي أن تقول: لا أعلم، لأنك إذا قلت ما لا تعلم فقد اقترفت إثماً مبيناً، وردت المعاصي في كتاب الله بشكل تصاعدي ؛ الفحشاء، والمنكر، والإثم، والعدوان، والشرك، والكفر، وأعلى معصية هي:
﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)﴾
( سورة البقرة )
النبي عليه الصلاة والسلام على علوّ قدره وعِظَم شأنه لا يعلم إلا أن يُعلِّمه الله:
*يقول الإمام الغزالي: " العوام لأن يرتكبوا الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون ". وَطِّن نفسك إذا سئلت عن آية ما معناها أن تقول: والله لا أدري أراجعها إن شاء الله، ما معنى هذا الحديث ؟ والله لا أدري أراجعه إن شاء الله، فأنت عالم، هذه الموضوعية، وهذا التواضع العلمي، أما أن تجيب عن كل شيء بسرعة، وبلا تريّث، وبلا تَرَوّي فهذا من الجهل، ومن القول على الله ما لا تعلم !
﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا (32) ﴾
*نحن لا نعلم يا رب إلا أن تعلّمنا، توجد في السيرة النبوية أشياء مخيفة، فالنبي عليه الصلاة والسلام على علوّ قدره، وعِظَم شأنه، وقربه من الله، واستنارة قلبه، والوحيّ يتنزَّل عليه، جاءه أناسٌ من إحدى القبائل وطلبوا منه قُرَّاء للقرآن الكريم كي يعلّموا قومهم، أرسل معهم سبعين قارئاً فذبحوهم في الطريق، لِمَ لم يعلم ؟ معنى ذلك أن النبي لا يعلم إلا أن يُعلِّمَه الله، أي مخلوقٍ لا يعلم بذاته أبداً إلا أن يُعلِّمك الله عزَّ وجل، مع أن الوحي جاءه في موضوعاتٍ كثيرةٍ جداً وهي أقل شأناً من هذا، ولكن هذا درس، هو لا يعلم على علوّ قدره إلا أن يُعلِّمه الله، فقد يلقي الله في قلبك العلم وقد لا يُلقي فلا تعلم، فهذا الموقف الأديب:
﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا (32) ﴾
*كن طبيعياً، سؤال فقهي، والله سأُراجعه، فتوى، دعني أُفكِّر فيها، هل تعلم ما معنى هذه الآية ؟ لا والله لا أعلم، لا أعلم أنت عالم، أما كلَّما سئِلت أجبت إجابة طائشة، فمعنى ذلك أنك لا تعلم، عوّد نفسك أن تقول:
﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا (32) ﴾
(( أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي البلاد شر ؟ فقال: لا أدري، فلما أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا جبريل، أي البلاد شر ؟ قال: لا أدري حتى أسأل ربي تبارك وتعالى، فانطلق جبريل، فمكث ما شاء الله ثم جاء، فقال: يا محمد، إنك سألتني أي البلاد شر، قلت: لا أدري، وإني سألت ربي تبارك وتعالى، فقلت: أي البلاد شر ؟ فقال: أسواقها.))
[الحارث بن أبي أسامة وأبو يعلى والإمام أحمد عن جبير بن مطعم]
*خيرها مساجدها، ففيها علم، ومعرفة، ووجهة إلى الله عزَّ وجل، وشرُّها أسواقها.
الهامش الاجتهادي تُرِك للنبي ليكون هناك فرقٌ بين مقام الألوهية ومقام النبوّة:
*النبي سيد الخلق وُضِع في ظروف يقول: لا أعلم، تُرِك له هامش اجتهادي طفيف جداً، فإذا أصاب فالوحي يؤيِّدُهُ، وإذا أخطأ يأتي الوحي ويصوِّب له، هذا الهامش الاجتهادي ليكون هناك فرقٌ بين مقام الألوهية ومقام النبوّة:
﴿ قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) ﴾
*علم الله مطلق، وحكمته مطلقة، وعدلـه مطلق، ورحمته مطلقة، وإرادته مطلقة، فالاعتراض أو التساؤل في أفعال الله وفي علمه يحتاج إلى معالجة، وها قد عُولِج الملائكة بهذه القصَّة.
*يمكن أن نستنبط من هذه الآيات الثلاث أن علم الإنسان بقدر صدقه في معرفة الحقيقة، ومن زادك في العلم زادك في القُرب، والعلم المقصود هو الذي أراده الله عزَّ وجل وليس العلم المُطْلَق.
*ذكرت لكم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في المسجد، فرأى رجلاً تحلَّق الناس حوله، فسأل سؤال العارف: من هذا ؟ قالوا: هذا نسَّابة.
*اللهمَّ إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، العلم الذي أراده الله هو العلم بالله، والعلم بأسمائه الحسنى، والعلم بصفاته الفضلى، والعلم بأمره ونهيه، حجم الإنسان من العلم بالله بحجم صدقه في طلب الحقيقة، لذلك فاق سيدنا آدم الملائكة ؛ والدليل أن الله عزَّ وجل قال:
﴿ قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) ﴾
النقاط الأساسية في هذا الدرس:
*أيها الأخوة، العلم هو الذي يرفعك عند الله، والدليل:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (9) ﴾
( سورة الزمر: آية " 9 " )
1ـ النقطة الأولى أن الذي يرفعك عند الله هو العلم:
*تطبيقاً لهذا الدرس الذي يرفعك عند الله هو العلم، الآية الأولى:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (9) ﴾
( سورة الزمر: آية " 9 " )
*هذا استفهام إنكاري، أي لا يستوون، فالناس رجلان ؛ يعلم ولا يعلم، وشتَّان بين من يعلم وبين من لا يعلم:
(( الناس رجلان عالمٌ ومتعلم ولا خير فيما سواهما.))
[الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود]
*يقول سيدنا علي: " الناس ثلاثة ؛ عالمٌ ربَّاني، ومتعلمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع، أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركنه الوثيق فاحذر يا كميل أن تكون منهم" ، ويقول سيدنا علي: " العلم خيرٌ من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق ".
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (9) ﴾
( سورة الزمر: آية " 9 " )
2ـ إن كنت طموحاً فاطلب العلم لا تطلب المال ولا الجاه:
*إذا كنت طموحاً فاقرأ هذه الآية:
﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114) ﴾
( سورة طه )
*لم يقل: زدني مالاً، لم يقل: زدني جاهاً:
﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114) ﴾

( سورة طه )
3ـ النقطة الثالثة يتفاوت العلماء في علمهم:
** الشيء الثالث: يتفاوت العلماء في علمهم:
﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) ﴾
( سورة المجادلة )
4ـ النقطة الرابعة من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة:
*الشيء الرابع:
(( من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له طريقا إلى الجنة.))
[الترمذي عن أبي هريرة]
*حينما يأتي الإنسان من بيته ليتعلَّم كتاب الله، ليفهم تفسير آيات الله، هذا الطريق من بيتك إلى المسجد هو الطريق إلى الجنة، وطالب العلم يؤْثِر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً، " والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً "، و" يظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهِل "، وحينما تتعلم اقرأ قوله تعالى:
﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) ﴾
( سورة يوسف )
*حينما تتوسَّع في معرفة اختصاصٍ ما فاقرأ قوله تعالى:
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85) ﴾
( سورة الإسراء: آية " 85 " )
العالم الحقيقي متواضع لأنه كلَّما ازداد علماً ازداد شعوراً بعظمة الله فتضاءل في نفسه:
*أبيّن من حين لآخر عظمة الله عزَّ وجل من خلال خلقه، أقول: طول لسان لهيب الشمس ستمئة ألف كيلو متر إلى مليون، مليون كيلو متر لسان اللهب ؟ ثم اطلعت على بحثٍ في الفلك فإذا هناك شمسٌ تزيد بحجمها عن شمسنا اثنين واثنين بالعشرة بليون مرَّة، ولسان لهبها مئة وخمسون سنة ضوئية:
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85) ﴾
( سورة الإسراء: آية " 85 " )
*اجتمع الناس حول عالم شاب مرة وانتفعوا بعلمه، فجاء رجل ليُصَغِّرَهُ، قال له: يا هذا هَذا الذي تقوله ما سمعناه، فقال له: وهل حصَّلت العلم كلَّه ؟ فأسقط في يده، قال له: لا، قال له: كم حصَّلت منه ؟ قال: بعض العلم، قال: هذا من الشطر الذي لا تعرفه.
*" كلَّما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي "، العالم الحقيقي متواضع، لأنه كلَّما ازداد علماً ازداد شعوراً بعظمة الله عزَّ وجل، فتضاءل في نفسه.
*أيها الأخوة، هذا درس لنا:
﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) ﴾
*وفي درسٍ قادم إن شاء الله ننتقل إلى قوله تعالى:
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) ﴾
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
12-03-2012, 03:15 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (19- 95):تفسير الآيات 34-36 ، تجربة آدم مع الشيطان
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-10-30


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع عشر من سورة البقرة.
تنفيذُ أمر الله سجودٌ لله:
*مع الآية الرابعة والثلاثين وهي قوله تعالى:
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ (34) ﴾
*الحقيقة أن السجود لله وحده، ولكن تنفيذُ أمر الله سجودٌ لله، لو أن آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له لما أمكن أن ينفَّذ هذا الأمر، ولكن لأن الله عزَّ وجل أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم، فَهُمْ حينما سجدوا فقد نَفَّذوا أمر الله عزَّ وجل، ألا ترى أن الله يأمرك في الحج أن تُقَبِّلَ الحجر الأسود، ويأمرك أن ترجُم حجراً آخر يمثِّل إبليس، فأنت حينما تُقَبِّل هذا الحجر وتعظمه إنما تنفذ أمر الله، وحينما أمرك أن ترجم هذا الحجر وتحقِّره إنما نفذت أمر الله عزَّ وجل، وكل أمرٍ لله عزَّ وجل يقتضي الوجوب، ولله حكمةٌ ما بعدها حكمة، وعدل ما بعده عدل، ورحمةٌ ما بعدها رحمة، وعندما تقول: إنك مؤمن، أي أنك مؤمن بحكمة الله المطلقة، مؤمنٌ بعلمه المُطلق، مؤمنٌ برحمته المطلقة، فالسجود لله عزَّ وجل، ولكن سجود الملائكة لآدم سجود اعتراف بالفضل، حينما سجد أخوة يوسف:
﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) ﴾
( سورة يوسف )
*قال: هذا السجود سجود الخضوع، فهذا الطفل الذي ائتمر عليه إخوته سيكون عند الله في مكانٍ عَلِيّ، فرأى في المنام أن هؤلاء الذين حوله خاضعون له، وقال في نهاية القصة:
﴿ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً (100) ﴾
( سورة يوسف)
*السجود سجود الخضوع.
سجود الملائكة لآدم هو سجود الاعتراف بالفضل:
*حينما قال عليه الصلاة والسلام:
(( لَوْ كُنْتُ آمِراً أَحَداً أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا ))
[أحمد عن عبد الرحمن بن عوف]
*هو سجود الخضوع، والقبول، وتلَقِّي الأمر:
(( إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ ))
[مسند أحمد عن عبد الرحمن بن عوف ]
*الزوجية نظام، مركبة لا بد لها من قائدٍ واحد، لا يصلح الأمر عندما يكون قائدان لمركبة واحدة عندئذٍ تفسد، قال تعالى:
﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (228) ﴾
( سورة البقرة: آية " 228 " )
*درجة القيادة، فزوجته شريكته، لكن لهذه الأسرة قائدٌ واحد، مسؤولٌ واحد في الأمور الحاسمة، صاحب القرار واحد وهكذا، فالسجود سجود الخضوع، أما سجود الملائكة لآدم فهو سجود الاعتراف بالفضل، قالوا:
﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾
( سورة البقرة )
*عَلَّمَهُ الأسماء، علمه تفسير الأسماء، علمه شيئاً ما عرفته الملائكة، وهذا العلم متعلقٌ بالصدق في طلب الحقيقة، فكان مقام آدم عليه السلام في معرفته بالله وطلبه للحقيقة أعلى من مقام الملائكة، فأمرهم أن يسجدوا له أي أن يخضعوا له.
المؤمن مُلْزَم بطاعة رسول الله دون النظر إلى مقياسٍ آخر :
*أنت حينما يأمرك الله أمراً إنما تطيع أمر الله، قال لك: قَبِّل الحجر الأسود ـ حجر لا ينفع ولا يضر ـ تقبله تنفيذاً لأمر الله، قال لك: ارجم هذا الحجر، ترجمه تنفيذاً لأمر الله، ولكن لو قال لك أبوك: أطع الله، صلِّ يا بني وصليت، هل تنفذ أمر أبيك ؟ لا أبداً إنك تنفذ أمر الله عزَّ وجل، أي إنسان يدعو إلى الله لا يُنَفَّذُ أمره الشخصي، إنما يُنَفَّذ أمر الله الذي نقله لك عن كلام الله، وعن سنة رسول الله، وحينما قال الله عزَّ وجل:
﴿ أطيعوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (59) ﴾
( سورة النساء )
*أولو الأمر هم العلماء والأمراء، العلماء يعلِّمون الأمر، والأمراء ينفِّذون الأمر، واحد يعلِّم وآخر لديه سلطة فينفِّذ، لكن الله عزَّ وجل قال:
﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا (59) ﴾
( سورة النساء )
*أعاد كلمة أطيعوا:
﴿ الرَّسُولَ (59) ﴾
( سورة النساء )
*أي أنت مُلْزَم أن تطيع رسول الله من دون نظرٍ لمقياسٍ آخر، كأن يقول لك: يا أخي أنا أطيع الحديث بعد أن أتحقق وأجد له أصلاً في القرآن، لا، ليس لك هذا، أنت مكلفٌ أن تطيع رسول الله استقلالاً، بنص أمر الله عزَّ وجل:
﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (7) ﴾
(سورة الحشر: آية " 7 " )
*لأنَّه معصوم ولأنه لا ينطق عن الهوى.
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق:
*لكن الله إذا أمرك أن تطيع أولي الأمر ـ العلماء والأمراء ـ فإن طاعة أولي الأمر بالقياس إلى أمر الله، قال:
﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (59) ﴾
( سورة النساء )
*لا يوجد وأطيعوا أولي الأمر منكم، وأولو الأمر منكم مرتبطون بطاعة رسول الله، فلو أمرَكَ عالم بقطيعة رحم فلا ينفَّذ أمره لأنه يتناقض مع أمر النبي بصلة الرحم، ولو أمرك إنسان أقوى منك بشرب الخمر لا يُطاع أمره لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فيجب أن تدقق بين:
﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ (59) ﴾
( سورة النساء )
*أطيعوا فعل كُرِّر، أي عليك أن تطيعه استقلالاً، دون أن ترجع إلى أي شيءٍ آخر، لأنه معصوم، ولأنه لا ينطق عن الهوى، إلا أنه إذا أمرك عالمٌ أو أميرٌ بخلاف أمر الله عزَّ وجل فلا أمر ولا طاعة له إلا في طاعة الله.
*إنك حينما تِّنفذ أمر أبيك أو أمر داعيةٍ يقول لك: يا بني غض بصرك، يا بني أقم الصلاة، يا بني اتلُ القرآن، إنك لا تطيع هذا الداعية إنما تطيع الله، هو نقل لك هذا الأمر عن الله فقط، ناقل نقل لك هذا الأمر عن الله، نقل لك هذا الأمر عن رسول الله، هذا كله حول قوله تعالى:
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ (34) ﴾
عِلَّةُ أي أمرٍ أنه أمر:
*قال العلماء: " عِلَّةُ أي أمرٍ أنه أمر " ، مثلاً عندك لا سمح الله آلام بالمعدة، ودخلت إلى أفضل طبيب في البلد، معه أعلى شهادة، ومعه أعلى خبرة، إذا قال لك: دع الحوامض، لا يخطر في بالك لحظة أن تفكر بأمره، لأنك تثق بعلمه، تنفذ لأنه أمرك، أنا مرة قلت عن عالم من علماء هذه البلدة الطيبة كان بأمريكا ودخل بنقاش مع عالم كبير حديث العهد بالإسلام ـ عالم بالفيزياء أو الكيمياء ـ طُرِح موضوع لحم الخنزير، بدأ هذا العالم يتحدث عن مضار الخنزير، وعن الدودة الشريطية، وعن تأثر طباع الإنسان بلحم الخنزير وطباع الخنزير، وعن أن هذه الدودة لا تتأثر بالحرارة، وتكلم كلاماً طيباً جداً سبحان الله، فأجابه هذا المسلم الأمريكي قال له: يا أستاذ كان يكفيك أن تقول لي: إن الله حرمه، فهذا يكفي، يكفي إذا قال لك خالق الكون: لا تفعل هذا الشيء، لذلك قال العلماء: علة أي أمرٍ أنه أمر.
*تكلم النبي بالإسلام، وجاء بآيات بينات، وحدث الناس، ثم فاجأهم عندما حدّثهم أنه في ليلةٍ واحدة ذهب إلى القدس، ورجع منها، وعرج إلى السماء، لم يكن أهل مكة يصدقون رسول الله أساساً ـ ومن دون هذا الخبر ـ فوجدوا شيئاً يتاجرون به، فجاؤوا إلى الصديق وقالوا: تعالَ اسمع ماذا يقول صاحبك ؟ إنه قال: إنه ذهب إلى بيت المقدس، وعاد منه، قال لهم: إن قال هذا فقد صدق، إذا قال فقد صدق، لأنه عندي صادق، إذا كانت ثقة سيدنا أبي بكر برسول الله دعته ألا يفكر فيما قال، لأنه قال فإنه صادق، فكيف ثقتك بالله عزَّ وجل ؟!! لذلك علة أي أمر أنه أمر.
كلما اختفت حكمة الأمر الإلهي ارتفع فيه عنصر العبودية لله عزَّ وجل والعكس صحيح :
*بالمناسبة أيها الأخوة، تتضح أحياناً حكمة الأمر الإلهي بشكلٍ جلي، وأحياناً تختفي حكمته، كلما اتضحت حكمة الأمر الإلهي ضعف فيه عنصر العبودية لله عزَّ وجل، فإذا قال لك الله عزَّ وجل: تزوج:
﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ (32) ﴾
( سورة النور: آية " 32 " )
*هذا أمر، وأنت تزوجت، لكنك إنسان تعيش في بيت أهلك، وأهلك متقدمون في السن، والبيت ضيِّق، والمعيشة خشنة، والظروف صعبة، وأكلك غير مؤمَّن، وثيابك غير منظَّفة، فإذا أقبلت على أمر الله هذا إقبالاً غير معقول، تريد بيتاً مستقلاً وزوجة، وطبخاً، وهيئة حسنة، وراحة، فأنت مقبل على هذا الأمر، فائدته لك واضحة جداً، وأنت بأمس الحاجة إلى هذا الشيء، ولذا يضعف عنصر العبودية في تطبيق هذا الأمر، لكن حكمة الأمر تختفي كلياً:
﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ (102)﴾
( سورة الصافات: آية " 102 " )
*هو لا يذبح مجرماً !! بل نبياً:
﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ (102)﴾
( سورة الصافات: 102 )
*ابنه:
﴿ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) ﴾
( سورة الصافات: 102)
*هذا الأمر غير واضح على الإطلاق، صعب فهمه، تذبح ابنك النبي، فكلما اختفت حكمة الأمر ارتفع فيه عنصر العبودية لله عزَّ وجل، فلو قال أب لابنه: يا بني نظف أسنانك، أسنانك ثمينة جداً، لو أهملت تنظيفها تحدث معك متاعب لا تنتهي، قلع الأسنان، وتركيب أسنان صناعية، شيء صعب جداً، فالابن قال له: يا أبتِ كلامك طيب، وأنا سأفعل هذا، الحكمة واضحة، أما إذا وضع الأب طعاماً، والطعام نفيس، وابنه مستقيم، ومطيع له، وبار، قال له: يا بني لا تأكل، لِمَ يا أبتِ ؟ قال له: هكذا بلا سبب، الأمر غير واضح، فإذا قال الابن: سمعاً وطاعةً يا أبتِ، هنا نفذ الأمر عبوديةً، نفَّذه طاعةً لأبيه من دون أن يفهمه.
كل الكون يشهد بعظمة الله عزَّ وجل ولذا لا يُسأل عما يفعل:
*الله عزَّ وجل يمتحننا، يعطينا أوامر واضحة جداً، وهناك أوامر غير واضحة، تجد شاباً مستقيماً دخله قليل، وله صديق متفلِّت، غارق بالملذات، معه أموال لا تأكلها النيران، هل تثق بحكمة الله ؟ يأتي مرض وأنت في أعلى درجات القرب من الله، هذه امتحانات العبودية لله عزَّ وجل، ماذا تقول وأنت مستقيم، وأنت مطيع، وهناك شيء أزعجك ؟! من هنا قال الإمام علي كرم الله وجهه: " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين "، فالنقطة الدقيقة:
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ (34) ﴾
*مادام الله أمر، انتهى الأمر، علة أي أمرٍ أنه أمر.
*يحدث أحياناً أن إنساناً تغلق أمامه كل الطرق المشروعة، يفتح له باب واسع، لكن فيه شبهة، الكسب غير مشروع، هذا امتحان صعب، فحينما تقول: أنا لا أعصِ الله وليكن ما يكن، امتحنك الله ونجحت، يخضعك الآن لقانون العناية الإلهية المباشرة، فيكسبك شيئين ؛ يكسبك أجر العابدين، ثم يكشف لك عن الحكمة فتكون من العلماء، تجمع بين العبودية والعلم، إذا كشف لك حكمة الأمر قبل أن تفعله ضعف فيه عنصر العبودية لله، أما إذا أقبلت عليه دون أن تفهم حكمته طاعةً لله عزَّ وجل، فلما أقبلت عليه ونفذته، كافأك الله فكشف حكمة هذا الأمر، إذا كشف لك الحكمة بعد التنفيذ جمعت بين الشيئين ؛ بين العبودية لله، وبين علم العلماء، صرت عابداً عالماً بآن واحد، لكن ضعوا في أذهانكم هذه الحقيقة، علة أي أمرٍ أنه أمر، قال له: كان يكفيك يا أستاذ أن تقول لي إن الله حرمه.
*لكن من هو الآمر ؟ أنت حينما ترى الكون، حينما ترى المجرَّات، حينما ترى الأرض، حينما ترى البحار، حينما ترى النبات، حينما ترى الأسماك، حينما تـرى الأطيار، حينما ترى الخلية بالمجهر، حينما ترى الذرة، حينما ترى المجرة، حينما ترى العلم المطلق، والحكمة المطلقة، والرحمة المطلقة، والعدل المطلق، بعد أن يطوف فكرك في الكون وتعود من هذا الطواف معظماً لله عزَّ وجل عندئذٍ تعظم قيمة أمر الله عندك، يكفي أن يقول الله لك: افعل فتفعل، يكفي أن يقول لك: لا تفعل فلا تفعل، كل الكون يشهد بعظمة الله عزَّ وجل ولذا لا يُسأل عما يفعل، أمرك أن تفعل تنفذ أمر الله، قال لك بالحج: قبِّل هذا الحجر، هو يميني في الأرض، سمعاً وطاعةً، تقبله وتبكي، قال لك: ارجم هذا الحجر هو إبليس ترجمه، وأنت مطيع لله عزَّ وجل، فأنت عبد، العبد عبدٌ والرب رب.
لا يوجد بين المخلوقات كلها إلا نوعان مخيَّران الإنس والجن+:
*قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا (34) ﴾
*ليس متاحاً للملائكة أن يعصوا، الملائكة غير مكلفين، المَلَك غير مكلف، المَلَك مسيَّر، اسجد يسجد، لا يوجد بين المخلوقات كلها إلا نوعان مخيَّران+ ؛ الإنس والجن، الإنس يتلقَّى الأمر، يطيع، أو يعصي، أو يرد، ثلاثة مواقف، إذا أطاع فهو طائع، إن لم يطع فهو عاصٍ، إن احتقر الأمر ورده فهو كافر، مطيع، عاصٍ، كافر، قال لك: صلِّ، الذي صلى مطيع، والذي لم يصلِّ تهاوناً وتكاسلاً ـ الله يتوب علينا، والله أنا مقصر، إن شاء الله سوف أصلي ـ هذا عاصٍ، أما لماذا الصلاة ؟ فهذا كافر، فرقٌ بين أن تطيع الله، وبين أن تعصيه، و بين أن ترد أمره، هذا متاحٌ فقط للإنس والجن، أن تطيع أو أن تعصي ـ لا سمح الله ـ أو أن تكفر، هذا متاحٌ للإنس والجن فقط بينما الملائكة وبقية المخلوقات:
﴿ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)﴾
(سورة فصلت)
*بقية المخلوقات مسيَّرة ليس لها خيار إطلاقاً في عدم الطاعة.
إبليس لم يعص فقط بل جمع المعصية مع الكفر:
*قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ (34) ﴾
*ما الذي مَكَّنه أن لا يسجد ؟ لأنه مخير، لأنه من الجن قال تعالى:
﴿ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ (50) ﴾
( سورة الكهف: آية " 50 " )
*مكنه أن لا يطيع أنه كان من الجن، إبليس لم يعص فقط، بل جمع مع المعصية الكفر، قال:
﴿ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (61) ﴾
( سورة الإسراء )
*وقال:
﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ (76) ﴾
( سورة ص: آية " 76 " )
*أضاف إبليس إلى المعصية الكفر.
﴿ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ (34) ﴾
*قد يقول قائل: الملائكة سجدوا، وإبليس مستثنى منهم، هل المعنى أنه مَلَك ؟ لا الاستثناء نوعان ؛ هناك استثناء متصل، واستثناء منقطع، إذا قلنا: دَخَلَ الطلاب إلا خالداً، هذا استثناء متصل، خالد طالب، أما إذا قلنا: دخل الطلاب إلا المدرس، هذا استثناء منقطع المدرس ليس من جنس الطُلاَّب، لكن دخول الصف يشمل الجميع، الطلاب والمدرس، فهذا الاستثناء لا يعني أن إبليس مَلَك، لا أبداً ‍! إبليس كان من الجن، ولو كان مَلَكَاً لما عصى أبداً، لما عصى، لأنه مسيّر لا يستطيع أن يعصي.
﴿ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ (34) ﴾
الاستكبار في الطاعة من أكبر المعاصي :
*هناك ألف معصية سببها الغَلَبَة، يُغلَب الإنسان، وفي معصية سببها الكبر، معصية الكبر عند الله كبيرةٌ جداً:
﴿ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) ﴾
( سورة النساء )
*الاستكبار في الطاعة مشكلة، لذلك ما الكبر ؟ قال:
(( الكبر بطر الحق وغمط الناس.))
[مسلم عن عبد الله بن مسعود]
*الكبر أن ترفض الحق، ألا تقبله، ألا تعبأ بالصلاة، ألا تعبأ بالزكاة، ألا تعبأ بالحج، أن ترى نفسك فوق الشرع، مرة كان عندنا أستاذ في الجامعة متمكن من العلم تمكُّناً كبيراً جداً، لا يغيب ولا طالب عن محاضرة له، رأيته مرة في رمضان يفطر، وكأنه يشعر أن مرتبته، وعلمه، ومكانته، وسمعته في الشرق الأوسط، ومؤلَّفاته، أكبر من أن يصوم رمضان، معصية الاستكبار كبيرة جداً، إبليس استكبر.
﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ (76) ﴾
( سورة ص: آية " 76 " )
*لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل:
((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))
[أحمد عن أبي هريرة]
للإنسان حالتان ؛ حالة الافتقار وحالة الاعتداد :
*أنت عبد وكلما ازددت تواضعاً لله زادك الله عزاً، كلما مرغت وجهك في أعتاب الله زادك الله رفعةً، كلما عزوت الأمر إلى الله زادك الله قوةً، كلما عزوت علمك إلى الله زادك الله علماً، كلما افتقرت إلى الله زادك الله غنىً، لذلك عندنا حالتان ؛ حالة الافتقار، وحالة الاعتداد، الافتقار أن تقول: الله، الاعتداد أن تقول: أنا، هناك تولّي مع الافتقار، هناك تخلّي مع الاعتداد، مع كل مؤمن، تقول: أنا خبرات متراكمة، أنا معي أعلى شهادة، أنا متكلِّم، أنا مُتَعَمِّق، حينما تعزو ما عندك إلى ذاتك هذا كلام فيه جهل، يؤدبك الله عزَّ وجل بأن يتخلى عنك.
*خطبة رائعة جداً، نزل لكي يصلي فقال: الله أكبر، وبدأ بالآية رأساً، ونسي الفاتحة كلّها، صار عنده إعجاب، دائماً تواضع لله، دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة مطأطئ الرأس، حتى كادت ذُؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عزَّ وجل، إن أتيت الله من باب الانكسار رفعك، ببدر:
﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) ﴾
( سورة آل عمران )
*في حنين:
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ﴾
( سورة التوبة )
ذنوب الَغَلَبة يسهل التوبة منها أما ذنوب الكبر فيصعب التوبة منها:
*اعتقد اعتقاداً جازماً أن عندك يومياً عشرات الدروس من بدر وحنين، في كل قضية تعزو هذا الفضل إليك هذه حنين ـ تخلي ـ تعزو هذا الفضل إلى الله هذه بدر ـ تولي ـ أنت بين التخلي والتولي، وإذا كان أصحاب النبي وهم على ما هم عليه من رفعة الشأن، تخلى الله عنهم في حنين ـ مؤقتاً طبعاً ـ تأديباً لهم، فمن نحن ؟ إذاً:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) ﴾
*ذنوب الَغَلَبة يسهل التوبة منها، أما ذنوب الكبر يصعب التوبة منها، المعاصي بسبب الكبر يصعب التوبة منها، المعاصي بسبب الغَلَبَة والضعف يسهل التوبة منها، انتهت العملية، العملية أنه صار هناك اعتراض من الملائكة، فربنا عزَّ وجل بين لهم أن الله يعلم، والملائكة لا يعلمون:
﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ (33) ﴾
*بيَّن للملائكة أن علم آدم بسبب صدقه، بسبب رفعة قدره، والملائكة لا يعلمون، إذاً: اسجدوا لآدم، اخضعوا له، هو سيد المخلوقات وانتهى الأمر.
*الآن: هذا علم نظري، أي أن آدم يقع في الدرجة الأولى، مخلوق أودعت فيه الشهوات، منح الاختيار، سُخِّرَ له الكون، الآن آدم وذريته بحاجة إلى تطبيق عملي، لأن آدم لم يتلقَ تربية من والديه، آدم أبو البشرية.
أدلة من القرآن الكريم تُظهر أن (الجنة) في الآية التالية ليست جنة الآخرة:
*هناك الآن تجربة عملية:
﴿ وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (35) ﴾
*الأرجح، والأقوى، والأكثر رجحاً أن هذه الجنة ليست جنة الآخرة، لأن جنة الآخرة:
﴿ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) ﴾
( سورة الحجر )
*في آياتٍ كثيرة سَمَّى الله البساتين جنة:
﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ (17)﴾
( سورة القلم: آية " 17 " )
*وقال:
﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ (35) ﴾
( سورة الكهف: آية " 35 " )
*آيات ثلاثة في القرآن وصفت جنات الأرض بالجنة، فالله هَيَّأ له مكاناً فيه كل حاجاته، فيه كل متطلباته.
﴿ وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ (35) ﴾
*قال الله عزَّ وجل: اسكن، وهذا فعل أمر، لم يقل: اسكني، علماً أن المقصود أنت وزوجك وذلك حسب التغليب لأن كل أمر موجهٌ إلى الذكور هو حكماً موجهٌ إلى الإناث.
آدم مخلوق في الأصل للأرض وهذا درس عملي:
*قال تعالى:
﴿ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (35) ﴾
*هذه جنةٌ في الأرض جُعلت لآدم عليه السلام ولزوجته، ليكون الدرس العملي فيها، قد يقول قائل: لولا أن آدم أكل من هذه التفاحة لما خرجنا من الجنة، كلا، والدليل قوله تعالى:
﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾
( سورة البقرة: آية " 30 " )
*آدم مخلوق في الأصل للأرض هذا درس عملي، تَعْرِض على الإنسان أحياناً قضية نظرية يقبلها، فإذا جاء التطبيق العملي لم يتحملها، ولذا يجب أن يحاول الإنسان أن يجرب كل شيء قبل أن يوافق عليه، قد تفتقر الموافقة النظرية إلى الخبرة العملية، فأروع شيء أن هناك موافقة نظرية وهناك خبرة عملية، الآن درس عملي من الله عزَّ وجل:
﴿ وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (35) ﴾
*كل حاجاته فيها ؛ الطعام، والشراب، والمأوى، كل شيء يتمنَّاه أمامه، هناك إشارات، هو الآن في الجنة في طور التكليف، ما هو التكليف ؟ قال:
﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا (35) ﴾
*مسموح أن يأكل مليار نوع.
من لوازم التكليف الأمر والنهي:
*قال تعالى:
﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ (35) ﴾
*لا يوجد تكليف من دون نهي، لم يعد تكليفاً، أي قرار لا يوجد فيه منع لم يعد هذا قراراً، قانون السير: ممنوع أن تقف في المكان الفلاني، ممنوع أن تقود مركبة من دون شهادة، لولا المنع لما كان تكليف، ولما كان هناك أمر، ولم يعد للأمر أي معنى، فمن لوازم التكليف الأمر والنهي، لكن من رحمة الله:
﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا (35) ﴾
*عُدَّ لي كم شراباً يمكنك شربه ؟ يمكن أن يبلغوا ألفاً، كم فاكهة تستطيع أن تأكلها؟ كم طعاماً مسموح لك أن تأكل ؟ الخمر والخنزير محرمان فقط، المباح والحلال يفوق المنهي عنه بآلاف، بل بمئات ألوف المرات:
﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ (35) ﴾
*من لوازم العبودية لله، من لوازم التكليف، من لوازم حَمْل الأمانة أن يكون هناك أمرٌ، وهناك نهيٌ، ولكن رحمة الله تقتضي أن الأشياء المباحة لا تعدُّ ولا تُحصى، وأن يكون الشيء المحرم قليلاً جداً.
﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) ﴾
*من لوازم العبودية وجود أمر ونهي لديك، وأنت مخير، قال:
﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا (36) ﴾
*الشيطان كذب طبعاً على آدم، قال له:
﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى(120) ﴾
( سورة طه )
*علّم الله عزَّ وجل آدم وذريته من بعده درساً لا ينسى.
بعض مهام الشيطان:
*قال تعالى:
﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً (6) ﴾
( سورة فاطر: آية " 6 " )
*هو يكذب، يخوِّف أولياءَه، يوقع بين المرء وزوجته، يعدكم الفقر، فالشيطان يخوفك بهذا الدين، إياك إياَّك، ستنتهي إذا عملت هذا العمل، يخوفك، إيَّاك أن تنفق مالك وإلا ستصبح شحاذاً، أمسك يدك، يمنعك أن تنفق، يمنعك أن تحضر مجلس علم، يمنعك أن تلتزم في جامع، يمنعك أن تظهر بمظهر ديني، ويفرِّق بين المرء وأهله، هذه مهمته:
﴿ وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا (36) ﴾
*هو درس عملي، الشيطان لم يفعل شيئاً لم يرده الله، لكن ربنا عزَّ وجل علَّم آدم من بعده درساً لا ينسى.
تحليل بسيط للآية التالية :
*قال تعالى:
﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ (36) ﴾
*هناك تحليل بسيط يبدو أن جنة آدم كانت مريحة جداً، له فيها ما يشاء، فلما أكل من هذه الشجرة انعكست الآية، كانت نفسه محيطة بجسمه، فالنفس طليقة، إذا نظر الشخص إلى شجرة تفَّاح يمكن أن يأكل مليون تفاحة، إذا كانت قضية اتصال فهو يأكل هذه التفاحات ويستمتع بطعمها الطيب دون أن تدخل جوفه، أما إذا كان دخول للجوف فتكفيك واحدة، لا تستطيع أن تكمل، الآن هناك أغنياء معهم ألوف الملايين، إذا أراد أحدهم أن يأكل هل يستطيع أن يأكل جملاً وحده ؟ مهما كان غنياً لا يستطيع أن يأكل أكثر من أوقية لحمة، أو أوقيتين، لأنها ستدخل للبطن، أما إذا كانت قضية نظر فكلما ألقى نظرة على تفاحة أخذ كل طعمها، وأساساً كيف يكون الإحساس بطعم الفاكهة ؟ يلامس اللسان سقف الحلق في أثناء البلع، يدفع هذا الطعام، أعصاب الحس، إذا أكل الواحد أفخر طعام والثاني أكل أخشن طعام فالأمر سواء بعد دخول الطعام إلى الجوف، الفرق في الطعام أثناء البلع والاتصال فقط، فإذا سمح الله عزَّ وجل لنا بالجنة أن نتصل بكل شيء، ونأخذ كل ما فيه من لذة دون أن يدخل جوفنا، لم يعد هناك أمراض ولا تعب، لم يعد هناك كبر بالسن، يوجد هناك استمتاع فقط، فيبدو أن جنة آدم كانت من هذا القبيل فلما أكل التفاحة انعكست هذه الآية، صار هناك جهاز هضم، صار هناك تُخمة، وصار جهاز طرح للفضلات، صار هناك تعب ونوم، صار هناك سعي وعمل وكدح:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6) ﴾
( سورة الانشقاق )
بداية فعل الشيطان بعد أن يلتزم الإنسان مع الله:
*أيها الأخوة، هناك فكرة تأتي إتماماً للفائدة، قال الشيطان في آياتٍ أخرى:
﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ﴾
( سورة الأعراف )
*ما دام المرء بالمعاصي والآثام ترك الصلاة، ما دام ماله حراماً، ما دام يرتاد الملاهي، تجده مرتاحاً ولا يوجد عنده مشكلة، عندما يلتزم بجامع يقول له الشيطان أول شيء: من خلق الله ؟ أو: قد يكون هذا القرآن ليس من عند الله، بل هو كلام محمد ؟ متى بدأ الشيطان يوسوس لهذا الإنسان ؟ بعد أن التزم، وطريق الفجور لا يوجد فيه شيطان، الطريق سالك ونازل، وبعد أن التزم المرء قعد الشيطان على طريق الصلاح:
﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ﴾
( سورة الأعراف )
*شيء طبيعي جداً إذا تاب الإنسان إلى الله واصطلح معه، شيء طبيعي جداً أن تأتيه الوساوس من الشيطان، لأنه حسب الآية متى يبدأ الشيطان فعله ؟ بعد أن يلتزم هذا الإنسان مع الله.
﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ (17) ﴾
( سورة الأعراف )
*ألا يوجد عندك صحن فضائي ؟ هذه حضارة ورُقي، يعيش مع العالم كله.
﴿ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ (17) ﴾
( سورة الأعراف )
*تقدم، علم، أجهزة، المرأة نصف المجتمع، أحضر للعمل في مؤسستك الموظفات، أكثر راحة، وأمتع، ومعاشهن أقل، تقدُّم، جِدّة، حداثة.
﴿ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ (17) ﴾
( سورة الأعراف )
*هذه تقاليد يا أخي، وعادات، وتراث، إذا كان الضلال يأتي من الماضي يحضر لك الماضي، يتجاوزون الإسلام إلى الجاهلية، فنعتز بالماضي المنحرف، أو نبحث عما في المستقبل من ضلالات. أما إذا كان المؤمن واعي.
سلوك الشيطان مع المؤمن:
*أما إذا كان المؤمن واعي:
﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ (17) ﴾
( سورة الأعراف )
*لم تضبط صلاتك، تحوي الفاتحة أربع عشرة شدة، تركت منهم واحدة، الصلاة كلها باطلة، مثلاً، يدخله في الوسوسة، لا تتعب نفسك لأن الله كتب عليك من الأزل أنك شقي، يأتيه من القضاء والقدر، يأتيه من العقيدة، يأتيه من النبوة، يأتيه من الوسوسة، إذا كان صادقاً لم تصح، لماذا تصلي ؟ هذه ليست صلاة، معنى ذلك أنك لا تصلي، أتى وقت الدرس، فيقول له: أنت معكَّر، الدرس لشخص صافٍ، ليس لك، ابق جالساً في البيت.
﴿ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ (17) ﴾
( سورة الأعراف )
*يهيئ له المعصية، والزنا، والخمر.
﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) ﴾
( سورة الأعراف )
*تكون ساكناً في بيت وعندك طعامك وشرابك وكل شيء يقول لك سوق مسموم، لا يوجد شغل، الحياة متعذرة في هذا البلد، أنت ماذا ينقصك ؟ ما هذا الذي ينقصك قل لي ؟ دائماً يشكي، الشكوى والتذمُّر، ينسى كل الإيجابيات، ويبحث عن السلبيات، يكبرها، فهذا هو سلوك الشيطان.
﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ﴾
الله عزَّ وجل بدأ حياة سيدنا آدم بتجربة عملية غير التجربة النظرية :
*عندما يلتزم الإنسان يأتي الشيطان ! فالأهل في بعض الأيام يأتي ابنهم الساعة الثانية ليلاً، له خمسون صديقة، مكالمات إلى البيت، ممتاز، عندما تاب والتزم بمسجد أكثروا له التأنيب والتوبيخ ‍! مرة قال لي أحد الشباب: كنت أحضر معي إلى البيت نساء فلا يتكلم والدي ووالدتي معي شيئاً، بعد أن تبت والتزمت بمسجد اختلف الأمر !! صرت محاسباً على الحركة وعلى السكنة، هل يعقل هذا ؟!! هذا سلوك شيطاني، عندما كان غير منضبط كنت أنت ساكتاً عنه، بعد أن التزم صرت تدقق عليه، ألا تريد أن ترحمه بواحدة ؟ إذا لم تعمل هكذا لا أعطيك ؟ إذا لم تفعل هذا العمل لن أزوجك، إذا لم تفعل هذا لن أسكنك بيتي، إذا لم تكشف زوجتك لكل أخواتك فلن أسمح لك، لماذا تفعل هذا ؟ كنت راضياً عنه عندما كان متفلتاً وعندمّا التزم لم تعد راضياً عنه ؟ هذا سلوك شيطاني.
﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) ﴾
*هذا فعل الشيطان والله عزَّ وجل بدأ حياة سيدنا آدم بتجربة عملية غير النظرية، طبعاً مع الملائكة نظرية، أما مع إبليس عملية:
﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) ﴾
( سورة فاطر )
*مهمة الشيطان الأولى أنه يكرهك بزوجتك، ويكرهها بزوجها، المهمة الثانية يخوفك من الفقر، لا تنفق، الثالثة يخوفك من أي جهة قوية، إياك أن تصلي، إياك أن تدخل الجامع، كله كلام الشيطان، من فضل الله علينا المساجد عامرة بهذه البلدة، والأمور مستقرة والحمد لله فلا توجد مشكلة أبداً، كله مرخص، فهذا الشيطان يخوِّفك زيادة، يخوفك، ويعدك بالفقر، ويأمرك بالفحشاء، ويفرق بينك وبين أهلك هذه مهمته، بعد ذلك يكفرك:
﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) ﴾
هذا الدرس متعلِّق بتجربة آدم مع الشيطان:
*هذا الدرس أيها الأخوة، درس متعلِّق بتجربة آدم مع الشيطان، قال تعالى عن سيدنا آدم:
﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) ﴾
( سورة طه )
*على المعصية:
﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ (36) ﴾
( سورة البقرة )
*أي لا بد أن يخرجا:
﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)﴾
*هذه كلمة
﴿إلى حين﴾
*إذا فهمها الإنسان ترتعد مفاصِلُه،
﴿إلى حين﴾
*عدة سنوات، اعمل ما شئت لا بد من الموت، إذا شيَّع الواحد جنازة، ووقف على القبر، وضع هذا الميت في القبر، هذه الحادثة الرهيبة كلنا سوف نصل إليها، كلنا، مهما كان حجمك المالي، مهما كان بيتك فخماً، مهما كان لك هيمنة على الناس، مهما كان لك أذواق رفيعة جداً في الاستمتاع، مهما كنت أنيقاً عندك أذواق عالية، مهما كان رصيدك كبيراً، هذه اللحظة لا بد منها، لذلك العاقل هو الذي يعد لهذه اللحظة التي لا بد منها عدتها، اعملوا ما شئتم:
(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))
[رواه أبو داود الطيالسي عن جابر]
*هذه الساعة من يضحك أخيراً يضحك كثيراً.
البطولة من يضحك في الآخرة هذا ملخص الملخص:
*قال تعالى:
﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) ﴾
( سورة المؤمنون )
*إذاً ضحكوا أولاً وليس آخراً، في آية ثانية:
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) ﴾
( سورة المطففين )
*من الذي ضحك أخيراً ؟ المؤمنون، ما داموا ضحكوا أخيراً فقد ضحكوا كثيراً إلى الأبد، والذي ضحك أولاً بكى كثيراً، والإنسان يولد كل من حوله يضحك وهو يبكي وحده، فإذا جاء الأجل كل من حوله يبكي، فإذا كان بطلاً يضحك وحده، هذا ملخص الملخص.
الدنيا سعي و عمل و الآخرة أخذ و جزاء:
*قال تعالى:
﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا (36) ﴾
*اهبطوا من هذه الحالة العالية، إذا كان الشخص مرتاحاً لا يوجد عنده ولا مشكلة اطلب تعطى:
﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ (31) ﴾
( سورة النحل: آية " 31 " )
*هكذا الجنة، نزل إلى مستوى متعب، هناك كدح وسعي، الآن الواحد منا إذا أراد أن يعمل صحناً من السلطة يحتاج ساعة، يقول لك: بعد ثلاثين سنة سكنت في بيت مساحته مئة متر تحت الأرض في القبو، ما هذه الحياة ؟ تعمل عملاً يهد الجبال، لتشتري بيتاً صغيراً، إلى أن يتزوج ويكون له زوجة يقول لك: أصبح عمري أربعين سنة ولم أتمكن من الزواج بعد، هكذا الحياة، الحياة مبنية على الكدح.
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ (6) ﴾
( سورة الانشقاق: آية " 6 " )
*الجنة ليست هكذا لأنها على الطلب، اطلب تُعطَ، تقول: أعطوني وأنت ماكث ؟ كله جاهز.
﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ (31) ﴾
( سورة النحل: آية " 31 " )
*في الدنيا سعي، في الدنيا عمل، وفي الآخرة أخذٌ.
الجنة بالعمل فاعملوا واشتغلوا:
*قال تعالى:
﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا (36) ﴾
*انتهت الآن الحالة المريحة، انتهى الدرس، اهبطوا، مثل تقريبي: عندك طلاب أريتهم مزرعة جميلة، تجعلهم يسبحون، تطعمهم أكلاً لذيذاً، تجدهم يحبونها، الآن الذهاب إلى المزرعة للعمل والاجتهاد، أول مرة يهمك أن تجعلهم يطمعون، تريهم ما هي الجنة، فهذه يسمونها تربية عالية جداً، هذه الجنة، وأنتم مخلوقون لهذه الجنة، الآن اهبطوا منها، الآن الجنة بالعمل فاعملوا واشتغلوا، أعطاك نموذجاً عالياً جداً.
﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا (35) ﴾
*الآن:
﴿ اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً (38) ﴾
*الآن اشتغلوا.
﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) ﴾
الإنسان بضعة أيام وكلما انقضى يوم انقضى بضع منه:
*إنها عدة أيام، كل إنسان له أيام معدودة، كل مجتمع له عشرة أيام، انتهت العشرة أيام، تجد أحياناً رفاهاً مذهلاً بعد ذلك تجد الأسعار غالية وانتهى الرفاه، أصبح هناك تعب شديد، فلك في الدنيا مستقر ومتاعٌ إلى حين، فقر، فقر إلى حين، امشِ في الطريق تجد خمسين نعوة تقريباً، يجب أن تعلم علم اليقين أن هناك يوماً سوف يقرأ الناس نعيَك، وأنا معكم، وكل واحد منا، لن تجد بعد مئة سنة ولا واحداً بالمسجد إما بمقابر الجبل وإما بمقابر الباب الصغير.
﴿ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) ﴾
*هذه جملة:
﴿ إِلَى حِينٍ (36) ﴾
*تخوف الإنسان، أي أنك بضعة أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك، هذا الإنسان، ما من يومٍ ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلقٌ جديد وعلى عملك شهيد، فتزوَّد مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
*إن شاء الله في الدرس القادم نتابع تفسيرَ هذه الآيات.
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
12-03-2012, 03:19 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (20- 95):تفسير الآيات 37-39 ،آدم بين الجنة والدنيا
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-11-12


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة الكرام، مع الدرس العشرين من سورة البقرة.
الله سبحانه وتعالى أراد من الذي حصل لآدم أن يكون درساً بليغاً له ولذرِّيَتِه من بعده :
*مع الآية السابعة والثلاثين وهي قوله تعالى:
﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) ﴾
*أيها الأخوة، فرقٌ كبير بين معصية إبليس وبين معصية آدم، معصية إبليس ردٌ لأمر الله، معصية إبليس استكبارٌ عن طاعة الله، معصية إبليس تنطلق من الكِبر، وهذه في سُلَّمِ المعاصي تقع في أعلى درجة، فأشد المعاصي إثماً وعقاباً وبعداً أن يَسْتَنْكِفَ الإنسان أن يطيع الله كبراً، أما الذي يعصيه غَلَبَةً فهذا توبته سريعة، إلا أن العلماء يقولون: إن الأنبياء معصومون، ومعصية آدم ليست معصيةً بالمعنى الدقيق، لأن الله سبحانه وتعالى أراد من الذي حصل لآدم أن يكون درساً بليغاً له ولذرِّيَتِه من بعده، وآدم حينما أكل من الشجرة أغراه إبليس فقال:
﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ (120) ﴾
( سورة طه: الآية " 120 " )
*أي أن تبقى في الجنة إلى أبد الآبدين ؟ ولم يكن سيدنا آدم يعرف الكذب لأنه أول إنسان، ولذا ظن ما قيل له صدقاً، يؤكِّد هذا المعنى قول الله عزَّ وجل:
﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) ﴾
( سورة طه )
*عزماً على المعصية:
(( تجاوز الله عن أمَّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.))
[ابن حبان والحاكم عن ابن عباس]
*الأنبياء معصومون ولم يكن هناك تكليفٌ من قبل، هذا في الجنة، ليس في الجنة تكليف، هناك أمر إرشادي ونهي إرشادي.
أكبر مشكلة تتأتَّى للإنسان في الدنيا من الشيطان:
*لم يكن الكذب معروفاً، وقد فسَّر بعضهم آية معصية آدم: كما لو أن أماً كلما دخلت إلى البيت هَرَعَ إليها ابنها من شدة شوقه إليها فنهته كثيراً عن أن يركض حينما تلقاه، خالف أمرها وأسرع لاستقبالها من شدة محبته لها، هناك إذاً تفسيراتٌ كثيرة تبين أن هذه المعصية ليست معصيةً بالمعنى الدقيق، فالأنبياء معصومون عن أن يعصوا الله عزَّ وجل، ولكن جعل الله هذه القصة وهذا الحدث لسيدنا آدم في الجنة درساً بليغاً له ولذريته من بعده، أي:
﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً (6) ﴾
( سورة فاطر: الآية " 6 " )
*أكبر مشكلة تتأتَّى للإنسان في الدنيا من الشيطان، لأن الشيطان كما قلت في درسٍ سابق قال:
﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ﴾
( سورة الأعراف )
*لا تجد عند الإنسان قبل أن يصطلح مع الله أي خاطر سَيِّء، هو غارق في المعاصي، ولا يوجد عنده أي مشكلة، حينما يصطلح مع الله ويعزم على السير في طريق الإيمان تبدأ الخواطر، تبدأ الوساوس، تبدأ الأسئلة المُحَيِّرة، ما تفسير ذلك ؟ تفسير ذلك أن الشيطان يَقْعُدُ للإنسان سبيله المستقيم:
﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) ﴾
( سورة الأعراف )
يزين الشيطان كل شيء جديد يتناقض مع الدين:
*قال:
﴿ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ (17) ﴾
*كل ما يقال عن العصر، وعن العلمانية، وعن التقدَّم، وعن الحضارة، وعن حقوق الإنسان من هذا الباب، أي أن:
قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٍ لا تغتفر
وقتـل شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر
***
*تُرفع كلمات برَّاقة، شِعارات برَّاقة، دعوة إلى الاختلاط، دعوة إلى إزالة الفروق بين الجنسين، والدعوات الآن بالمؤتمرات التي تعقد للسكان، دعوة إلى اعتماد ثلاث هياكل أسرية، رجل وامرأة، ورجلٌ ورجل، وامرأةٌ وامرأة:
﴿ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ (17) ﴾
*يزين الشيطان كل شيء جديد يتناقض مع الدين، يزين سفور المرأة، يزين الاختلاط، يزين أن تنهمك المرأة في عمل الرجال، يزين كل معصيةٍ نهى عنها الشرع، استثمار الأموال بالبنوك:
﴿ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ (17) ﴾
*إقامة الملاهي، إقامة دور القمار، هذا الذي يجري في العالم، أنواع الفساد في كسب المال، وفي المُتَع الرخيصة.
غرق الناس في خلافاتٍ في الدين ما عرفها الصحابة ولا طرحوها ولا فكَّروا فيها:
*قال تعالى:
﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ (17) ﴾
*يزين كل التقاليد والعادات الموروثة التي تتعارض مع الدين، هناك من يفتخر بعصر الجاهلية قبل الإسلام، يفتخر بما فعله العرب قبل أن يأتيهم الإسلام ويعدون ذلك مفخرةً، والله عزَّ وجل سمَّى حياتَهُم قبل الإسلام جاهلية، على كلٍ هناك من يزين، الشيطان يزين ما في الحداثة من معاصٍ، وما في التقاليد والعادات من معاصٍ.
﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ (17) ﴾
*قد يغرق الناس في خلافاتٍ في الدين، قد يغرقون في طرح مشكلاتٍ ما عرفها الصحابة ولا طرحوها ولا فكَّروا فيها، كانوا كما يقال اليوم: عمليين، أحبوا الله وأقبلوا عليه، وجعلوا همَّهم إرضاءه وخدمة عباده، وأقبلوا عليه، واستناروا بنوره، أما أن ينقسم الناس إلى فريقين حول ما إذا كان كلام الله قديماً أو مخلوقاً، هذا الشيء ما بحثه النبي، ولا ذكره في أحاديثه، ولا سأل عنه الصحابة الكرام، وهناك آلاف القضايا الجُزْئِيَّة التي تثار حول الإسلام، وينقسم الناس فريقين ويتناقشون، ويتراشقون التُهَم، ويقولون، ويُدْلون، وتفرَّغ القيم من مضمونها، ويستنفذون جهدهم في خلافاتٍ داخلية، ويَنْسَوْنَ المهمة الكبرى التي أنيطت بهم.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (159) ﴾
( سورة الأنعام: الآية " 159 " )
مهمة الشيطان إضلال بني آدم:
*الشيطان أساس كل قضية لا تخدم مجموع المؤمنين، الشيطان أساس كل قضية تفرِّقُنا، تجعلنا فريقين، توسِّع الهوة بين المسلمين، تجعلهم طوائف متعددة، يقتتلون على لا شيء، وهذا الذي يجري في بعض البلاد الإسلامية، استطاعوا أن ينتزعوا الاستقلال من أعلى دولة، ثم وقعوا بعدئذٍ في حروبٍ داخلية، كل طاقاتهم ضد بعضهم بعضاً، هذا من الشيطان، لأن التحريش بين المؤمنين والاقتتال بين المؤمنين دعوة شيطانية، فمهمة الشيطان إضلال بني آدم.
*لكن قد يقول أحدكم: كيف سمح الله له أن يفعل ؟ لم يجعل الله عزَّ وجل للشيطان على الإنسان سلطاناً، سمح له أن يوسوس، وحينما يوسوس فقط فالذي يستجيب له يكون قد تطابق معه، تجد في الصف طالباً منحرفاً من يُفْسِد ؟ لا يفسد إلا من يرغب بالفساد، لأن معظم الطلاب يمتنعون عن أن يستجيبوا له، من يستجيب له ؟ الراغب في الفساد، فالشيطان يوسوس والملَك يُلْهِم وأنت مخير، وليس لأحدٍ عليك من سلطان لا مَلَك ولا شيطان، على كلٍ هي عملية تحريك، الشيطان يحرِّك والملك يحرِّك، وهما متوازيان، وأنت مخير:
﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ (42) ﴾
( سورة الإسراء: الآية " 65 " )
*وقال:
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ (22) ﴾
( سورة إبراهيم: الآية " 22 " )
*هذه حقيقة دقيقة جداً لا سلطان لأحدٍ عليك إنك مخير، ولكن الشيطان يوسوس، آدم عليه السلام هو أول الأنبياء:
(( آدم ومن دونه تحت لوائي ولا فخر.))
[ابن مردويه عن أنس]
الشيطان هو الجهة الوحيدة التي يمكن أن تصرفك عن الهدف الذي خُلِقْتَ من أجله:
*تلقى آدم درساً بليغاً جداً في الجنة، فالجنة شيء ممتع، مريح جداً، حكمة الله عزَّ وجل أنه بيَّن للإنسان لماذا خلقه ؟ خلقه للجنة، خلقه لهذه السعادة الأبدية، خلقه لهذا العطاء الذي لا ينتهي، خلقه لراحةٍ ما بعدها راحة، لسرورٍ ما بعده سرور، خلقه لينظر إلى وجه الله الكريم، خلقه ليقبل عليه، خلقه ليَنْعُمَ بقربه، ثم حذَّره: الذي يحول بينك يا آدم وبين هذه السعادة هو الشيطان، فهذا درسٌ لك ولذرِّيتك، فحكمة ما بعدها حكمة أن يبدأ الله خلق الإنسان بهذا الدرس البليغ، هناك جهة واحدة يمكن أن تصرفك عن الهدف الذي خُلِقْتَ من أجله ؛ إنه الشيطان، إنه عدوٌ مضلٌ مبين، إنه يسعى لشقِّ صفوف المؤمنين، يسعى للتفريق بين المرء وزوجه، فكل علاقة طيِّبة بين الزوجين هذه من الرحمن، والعلاقة السيِّئة من الشيطان، البغضاء من الشيطان، الكلام الذي يقوله الزوج أو تقوله الزوجة، والذي يُباعد بين الزوجين من وسوسة الشيطان، كل عملٍ سيِّء بوسوسةٍ من الشيطان، لذلك التفريق بين المؤمنين، بين الزوجين، التخويف من العمل الصالح:
﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ (175)﴾
( سورة آل عمران: الآية " 175 " )
*وقال:
﴿ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ (268)﴾
( سورة البقرة: الآية " 268 " )
*الشيطان يأمرك بكل شيء يبعدك عن الله ويحذرك من كل شيء يقرِّبك من الله، مع أنه لا يملك شيئاً إلا أن يقول، وأقوى آية بهذا الموضوع قوله تعالى:
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ (22) ﴾
( سورة إبراهيم: الآية " 22 " )
نوايا الشيطان الخبيثة جداً توظَّف في صالح الإنسان لأنه لا يوجد عند الله عزَّ وجل شر مطلق :
*لذلك أي إنسان يتذرَّع، يحتج بأن هذا من عمل الشيطان نقول له: أنت الملوم، لأن الشيطان ليس له عليك سلطان، هل يستطيع أحد أن يدَّعي أمام شرطي أو أمام مخفر شرطة أن فلاناً فعل به ما فعل ؟ يقال لك: دفعك إلى هذه الحفرة ؟ يقول له: لا، يقال لك: وضعك فيها بيده ؟ تقول له: لا، يقال لك: شهر عليك سلاحاً وقال: انزل فيها ؟ تقول له: لا، لماذا تشتكي عليه ؟ تقول: لأنه قال لي: انزل فنزلت، هذا كلام مضحك غير مقبول.
*حتى لا يسترسل الإنسان ويعزو أخطاءه للشيطان ويستريح، الإنسان مسؤول ومحاسب، ولا يعفى من أية مسؤولية أن الشيطان يوسوس، الشيطان محرِّك، الشيطان كاشف، الشيطان مهِمَّته الكشف، يكشف الضَعف، نحن أحياناً كثيرة بحاجة إلى كشف نقاط الضعف، هناك الآن أجهزة حديثة جداً تكشف ما في الحديد من ضعف، حتى لا يحدث خلل والطائرة في الجو صار هناك جهاز يكشف ضعف المعدن، فإذا كانت هناك نقطة ضعف يكشف قبل أن ينشطر المعدن، فالشيطان كاشف يكشف الإنسان، الإنسان لا يعرف نفسه لولا الشيطان، يتوهم نفسه مؤمناً، يكشف له الشيطان حقيقته تماماً، يُحَجِّمُهُ، يغريه فيستجيب فيقع، هذا أنت، هذا هو حجمك الحقيقي في الإيمان، هذه هي خشيتك، هذا هو ورعك، كل ما تقوله ادعاء، هذا هو الحق.
*أقول لكم شيئاً آخر: نوايا الشيطان الخبيثة جداً توظَّف في صالح الإنسان، لأنه لا يوجد عند الله عزَّ وجل شر مطلق، عنده شر نسبي، الشر المطلق لا وجود له في الكون وهو يتناقض مع وجود الله، فلو كان هناك شر فإنه يوظف للخير، وأنا أعرف قصة ذكرتها لكم سابقاً، رغبت إنسانة متفلِّتة أن تكون موظفة في مكان ما، طُلِب منها شهادة صحية، ذهبت إلى المستشفى، الموظَّف مقصر، مهمل، أعطى لأخيها تقريراً يخص غيرها، أنها مصابة بمرض السُل، حينما علمت بهذا المرض الخطير بكت أشد البكاء، تألَّمت أشد الألم، طبعاً قاطعها أهلها، ابتعدوا عنها، أعطوها أدوات خاصة لها، لم يأكلوا معها، تعقدت وبكت بكاءً مراً، ثم تابت إلى الله، وصلَّت واصطلحت معه، وكان أخوها في المستشفى بعد أسبوعين، فإذا بالنتيجة لم تكن لها بل لغيرها، وظّف الله هذا الخطأ الذي ارتكبه الموظَّف وهذا الإهمال للخير المطلق، فهي حينما توهَّمَتْ أنها مريضة بهذا المرض تابت إلى الله عزَّ وجل، دائماً يوظّف الله عزَّ وجل الشر للخير المطلق.
الإنسان حينما تُكْشَفُ حقيقته هذه خطوة أولى نحو التوبة ونحو صلاح نفسه:
*حتى الشيطان موظف أن يكشف للإنسان أبعاده، يكشف نقاط ضعفه، يكشفها ليتوب منها، لو كان هناك خطأ كامن في النفس ولم يظهر إلا عند الموت لاستحق صاحبه النار، أما إذا كان عنده ضعف جاء الشيطان كشف هذا الضعف، فهو في الظاهر أغواه، ولكنه في الحقيقة أخرج ما عنده من شر، وبعد ذلك جاء عقاب الله عزَّ وجل وانتهى بالتوبة، لذلك في النهاية عندما يتوب الإنسان من ذنبٍ ارتكبه بفعل وسوسة الشيطان، فما الذي يكون قد حصل ؟ الشيطان كشف وسارع من دون أن يشعر، من دون أن يريد بتقريب هذا الإنسان من الله عزَّ وجل، وإلا من سمح للشيطان أن يفعل فعله في الأرض ؟ الله جلَّ جلاله، والله عزَّ وجل كل فعله خير، حتى الذي يقوله الشيطان للإنسان موظفٌ للخير المطلق، إنها عملية كشف.
*لو كان عندك مثلاً مجموعة أشخاص لا تعرف عنهم شيئاً، وأنت مضطر أن تُقَيِّمَهُم تقييماً جيداً، أو يجب أن تعلمهم بحقيقتهم، لا بد من طريقة كشف ؟ فالإنسان حينما تُكْشَفُ حقيقته، هذه خطوة أولى نحو التوبة، ونحو صلاح نفسه، هذا كلام يحتاج إلى دروس أطول، فالشيطان شرِّير هدفه إغواء الإنسان، هدفه حمله على المعصية، هدفه أن يبعده عن الله عزَّ وجل هذا الذي يريده الشيطان، ولكن الله يريد أن يتوب علينا، فأحياناً يزيِّن الشيطان للإنسان عمله ليخرج ما في نفسه من شهواتٍ مستحكمة، وبعدئذٍ يأتي عقاب الله عزَّ وجل ليطهر هذا الإنسان من كل شهوةٍ عَلقَتْ به.
﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ (37) ﴾
*هناك ذنبٌ بينك وبين الله، وهناك ذنبٌ بينك وبين العباد، فالذنب الأول يغفر والثاني لا يترك، أما الذنب الذي لا يُغْفَر هو الشرك بالله عزَّ وجل، الشرك بالله ذنبٌ لا يغفر وما كان بينك وبين العباد ذنبٌ يغفر بشرط الأداء والمسامحة، وما كان بينك وبين الله يُغفر بطلب المغفرة، ذنبٌ يغفر، ذنبٌ لا يترك، ذنبٌ لا يغفر.
التوبة تكون من الذنب الكبير ومن الذنوب الكثيرة لأن الله توَّاب:
*قال تعالى:
﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) ﴾
*الله عزَّ وجل توَّاب، ومعنى توَّاب صيغة مبالغة، وصِيَغ المبالغة مع أسماء الله الحسنى تعني أنه يتوب على الإنسان من أكبر ذنبٍ اقترفه، ويتوب عليه من آلاف الذنوب، فهنا مبالغة كَماً ونوعاً، مهما كان الذنب في نظرك كبيراً يتوب الله عزَّ وجل عليك منه، أي ذنبٍ مهما بدا لك كبيراً:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (53) ﴾
( سورة الزمر: الآية " 53 " )
*وفي الحديث القدسي:
(( لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي ))
[ حديث قدسي ]
*وقال:
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) ﴾
( سورة الحجر )
*التوبة تكون من الذنب الكبير ومن الذنوب الكثيرة لأن الله توَّاب.
ملخص الدين كله معرفةٌ واستقامةٌ وسعادة في الدنيا والآخرة:
*بل إن الله عزَّ وجل:
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) ﴾
( سورة النساء )
*هذه إرادة الله عزَّ وجل، بل إن الله عزَّ وجل يحمل الإنسان على التوبة، قال الله تعالى:
﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ (187) ﴾
( سورة البقرة: الآية " 187" )
*أي قبل توبتهم، تابوا فتاب الله عليهم، أما:
﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا (118) ﴾
( سورة التوبة: الآية " 118 " )
*أي ساق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة، علمنا الله عزَّ وجل من هذا الدرس أن الإنسان خلق للجنة، ولكن لهذه الجنة ثمنٌ، ثمنها طاعة الله في الدنيا، وطاعة الله عزَّ وجل لا تقع إلا إذا عرف الإنسان الله عزَّ وجل، وحينما يعرفه ويطيعه يسعده في الدنيا والآخرة هذا ملخص الدين كله، أي معرفةٌ واستقامةٌ وسعادة في الدنيا والآخرة.
في الدنيا جنةٌ من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة إنها القرب من الله عزَّ وجل:
*ثم إن الله عزَّ وجل وقد خلقنا للجنة لا بد من نماذج، قال:
﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾
( سورة محمد )
*يذيقهم في الدنيا بعض القرب، في الدنيا جنةٌ من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إنها القرب من الله عزَّ وجل، حتى الأشياء الجليلة في الدنيا لها هدف تربوي، لأن كل كلمات الجنة لا معنى لها من دون مكان جميل في الدنيا، فلا بد من مرتكزات لهذه الكلمات، إذا قال الله عزَّ وجل:
﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ (8) ﴾
( سورة التحريم: الآية " 8" )
*لا بد من أمكنةٍ جميلةٍ، مـن غابات، من بساتين، من أنهار، من جبال خضراء، من سواحل جميلة، هذه مرتكزات لكلمات الجنة، من أجل أن تفهم على الله ماذا تعني الجنة، لذلك يذيق الله عزَّ وجل المؤمن نوعاً من أنواع القرب، هذا الذي قاله بعض العلماء: " في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة "، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾
( سورة محمد )
الإنسان مخلوق للجنة:
*الله عزَّ وجل عرفنا من خلال هذا الدرس أن الإنسان مخلوقٌ للجنة، وأن:
(( في الجنة ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر.))
[مسلم عن أبي هريرة]
*أن من في الجنة ما هم منها بمخرجين، وأن ثمن هذه الجنة طاعة الله في الدنيا، وأن العدو الأول الذي يحول بين الإنسان وبين الجنة هو إبليس، وأن إبليس مهمته أن يزين الدنيا للإنسان، يزين المعصية، يزين كسب المال الحرام، يزين الشهوة المحرمة، يزين كل شيء محرَّم، هذا من عمل الشيطان، وأن الله عزَّ وجل توَّابٌ رحيم، توابٌ شديد التوبة على عباده، توابٌ من أكبر ذنب، يتوب الله على المؤمن من أكبر ذنب، ويتوب عليه لعددٍ من الذنوب لا يعد ولا يحصى وما على الإنسان إلا أن يتوب، وإذا قال العبد: يا رب إني تبت إليك، قال: عبدي وأنا قد قبلت.
*الكلمات التي تلقاها الله عزَّ وجل من آدم الاستغفار، أعلن آدم توبته، وقَبِل الله عزَّ وجل هذه التوبة، وهذه حقيقة أساسية، أضرب لكم مثلاً موضِّحاً: لو أن ابناً نال صفراً في الرياضيات، وكان أبوه يطمح أن يكون ابنه عالماً كبيراً، ويحمل أعلى الشهادات، فلما جاء بهذه العلامة المخزية غضب الأب غضباً شديداً وأزمع أن يؤدِّب ابنه تأديباً لا حدود له، لو رأى الأب ابنه قد اصفر لونه، وترك الطعام والشراب، وركبه همٌّ لا يحتمل، وبحث عن طريقةٍ ليتلافى تقصيره، هذا السلوك من الابن ؛ الندم والاستغفار والبحث عن إصلاح الوضع هذا يؤخِّر عقاب الأب، وهذا شيء دقيق جداً.
الإنسان في مأمنين من عذاب الله حينما يستقيم على أمر الله وحينما يستغفر:
*ما الذي يمنع عن الإنسان عقاب الله عزَّ وجل ؟ أن تكون مستقيماً على أمره، وما الذي يمنع عنك عقاب الله إذا خالفت الأمر ؟ أن تستغفر الله عزَّ وجل، فأنت بين بحبوحتين، بحبوحة الطاعة، وبحبوحة الاستغفار، لأن الله عزَّ وجل يقول:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) ﴾
( سورة الأنفال )
*هذه حقيقة مهمة جداً أيها الأخوة، أنت في مأمنين ؛ مأمنٍ من عذابٍ الله حينما تستقيم على أمره، لأن الله عزَّ وجل يقول:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ (147)﴾
( سورة النساء: الآية " 147 " )
*وأنت في مأمنٍ آخر من عذاب الله، حينما تستغفر:
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12) ﴾
( سورة نوح )
*استغفره آدم:
﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً (38)﴾
*الآن جاء الخروج من الجنة، تحوي الجنة فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، أما في الدنيا كل شيء محدود، هذا البيت، وهذه الزوجة، وهؤلاء الأولاد، وهذا الدخل.
نظام الجنة شيء ونظام الدنيا شيء آخر:
*الجنة فيها نعيم مطلق، بينما سعادة الدنيا محدودة، الجنة مبنيةٌ على الإكرام:
﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) ﴾
( سورة ق )
*والدنيا مبنيةٌ على السعي والكَد:
﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) ﴾
( سورة النجم )
*كان بحالة مريحة جداً، كان يتلقى الإكرام فصار عليه أن يعمل وأن يكدح وأن يجتهد، اختلف النظام، نظام الجنة شيء ونظام الدنيا شيء آخر، نظام الجنة يأتي عقب استقامةٍ على أمر الله وعملٍ صالحٍ، بينما الجنة التي كان فيها آدم توضيحية، أن أيها المخلوق الأول أنت لهذا خلقت، خلقت للجنة، والذي يحول بينك وبينها هو إبليس، فتحصَّن منه وأطع ربك تصل إلى هذه الجنة مرة ثانية، هناك أسلوب تربوي، يجب أن تُعَرِّف الطفل بما ينتظره من جزاء حسن لو اجتهد، تذيقه بعضاً من هذا الجزاء، ثم تدعوه إلى السعي والكَد، فالإظهار الأولي هدفه تربوي، فربنا عزَّ وجل أراد من هذا الدرس أن يُطْلِعَ آدم على ما في الجنة من نعيمٍ مقيم، وأن الخطر الأول هو إبليس، وأن ثمن هذه الجنة هو العمل الصالح.
الفرق بين حالة آدم في الجنة وحالته في الدنيا :
*قال تعالى:
﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً (38) ﴾
*الهبوط نزول مستوى، كان الإنسان بحالة راقية صار بحالة متعبة، تجد الإنسان يصل إلى ثلاثين سنة حتى يتزوج، هذا يكون سبَّاقاً إلى الزواج، حتى يستقر إلى أن يجد له بيتاً، مأوى، زوجة، أولاداً، ثلاثين عاماً فما بعد، يحتاج إلى سنوات وسنوات حتى يستطيع أن يتحرك حركة معقولة، فهؤلاء الذين كسبوا المال حصَّلوه بجهدٍ جهيد، فلمَّا حصَّلوه ما بقي لهم كثير ولا قليل حتى يغادروا الدنيا، فالدنيا دار تعب، إن هذه الدنيا كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( إن هذه الدنيا دار التواء وليست بدار استواء، إنها منزل ترحٍ لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.))
[ من كنز العمال عن ابن عمر ]
*صار هناك هبوط، يجب أن يسعى ويكد لتحصيل الطعام، بعد أن كان مبذولاً بأعداد لا تنتهي، بإمكانك أن تأكل مليون تفَّاحة، مليار، كلَّما توجَّهت أشعَّةٌ من نفسك إلى هذه التفَّاحة أخذت كل ما فيها من طعمٍ طيّب، دون أن تدخلها إلى جوفك فتتعبك، أما في الدنيا يوجد طريق ثاني، لا بد من أن تأكلها، فإذا أكلتها أصبحت عبئاً عليك، الذي يؤثر الطعام الطيّب يحتاج إلى جهود جبَّارة كي يُخَفِّض وزنه، فالدنيا متعبة، كل شيء يحتاج إلى سعي وإلى كد، فكسب المال صعب، إن كسبه حراماً سقط من عين الله، وإن أراد أن يكسبه حلالاً بذل جهداً كبيراً جداً، فهبط المستوى، كان للإكرام صار للعمل والسعي والكد، كان لهم ما يشاؤون صار ليس لهم إلا ما يفعلون، كان في إكرام صار في جهد، كان في مسامحة صار في محاسبة، أي أن الوضع في الدنيا اختلف اختلافاً كبيراً، لذلك المؤمن حينما يأتيه ملك الموت ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرَحِم إلى سعة الدنيا.
*على كلٍ الحالة التي كان بها آدم حالة مريحة جداً ومثالية جداً، ليس فيها نصب، ولا تعب، ولا خوف، ولا قلق، ولا مرض، ولا هم، ولا حَزَن، ولا زوجة دون الوسط تزعج زوجها، لا يوجد قلق مخيف من مرض، من آلام، من أمراض وبيلة، عُضالة، لا يوجد فقر، ولا سجن، لا يوجد شيء مزعج إطلاقاً ؛ أما في الدنيا فهناك مسؤوليَّة، وهناك كسب للمال، وهناك جوع، والجوع وراء كل عمل الإنسان، إنه مفتقرٌ إلى الطعام كي يستمر وجوده، وتحصيل الطعام مفتقر إلى عملٍ يكسب به ثمن الطعام، لذلك الأنبياء قال الله عنهم:
﴿ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ (20) ﴾
( سورة الفرقان: الآية " 20 " )
*أي أنهم مفتقرون مرَّتين ؛ مرَّةً إلى تناول الطعام لبقاء وجودهم، ومرَّةً إلى كسب المال لشراء الطعام، هذا معنى:
﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً (38) ﴾
الحياة متعبة وفيها ابتلاء وامتحان لكن المطيع لله عزَّ وجل في أمنٍ وراحة:
*على كلٍ الإنسان حينما يأتيه هدىً من الله عزَّ وجل ويتِّبع هذا الهدى:
﴿ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾
*لا يحزنون أبداً، صحيح أن الحياة متعبة وفيها ابتلاء، وفيها امتحان، لكن المطيع لله عزَّ وجل في أمنٍ وراحة ؛ إن الله يعطي الصحَّة، والذكاء، والمال، والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنَّه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين، صحيح أن الحياة متعبة، لكن طاعة الله مُسْعِدَة، الحياة شاقَّة، لكنها مع طاعة الله تبدو مريحة، الحياة مقلقة، ولكنها مع الالتجاء إلى الله تبدو آمنة، أي أن هناك وضعاً خطراً قائماً ومعك طريق النجاة منه، فالذي بحث عن طريق النجاة هو في أمنٍ وبحبوحة:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) ﴾
*هكذا خلقه الله:
﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) ﴾
( سورة المعارج )
*المصلي المتصل نجا من الهَلَعْ ومن الجَزَعْ، نجا من شدَّة الجَزَع، ونجا من شدَّة الحِرْص لأنه اتصل بالله عزَّ وجل:
﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾
العبرة ليست في الشباب ولكن في الشيخوخة فالعبرة في خريف العمر :
*لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفتنا جميعاً:
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ (38) ﴾
*في المستقبل:
﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾
*على الماضي، أحياناً إنسان لا يعرف الله، وليس له أمل في الجنَّة، عندما يجد نفسه قد تجاوز الستين، وتغيَّرت ملامح وجهه، وبدأت العلل تتسرَّب إلى جسمه، وصار على هامش الحياة الأسريَّة، أي أن أولاده انصرفوا إلى زوجاتهم، وبناته إلى أزواجهن، وزوجته منزعجة من وجوده، فهي تغادر البيت، وكل يوم في زيارات متعددة، فعندما يصل الرجل إلى هذا المستوى يشعر بالقلق وبالوحشة لأنه ما عرف الله في شبابه، من لم تكن له بدايةٌ محرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة:
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾
*العبرة ليست في الشباب ولكن في الشيخوخة، العبرة في خريف العمر، هذه المرحلة من العمر متعلِّقة بالشباب، أحد الصالحين هنا في الشام عَلَّم الطلاَّب ثمانين سنة، بدأ بالتعليم في الثمانية عشر وتوفي في الثمانية والتسعين وهو قائم على التعليم ؛ التعليم الديني، وكان يقول للطالب: يا بني أنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدَّك تلميذي، أي أنه علَّم ثلاثة أجيال، وخرَّج آلافاً مؤلَّفة من أعلام هذه البلدة، وكان في الثمانية والتسعين منتصب القامة، حاد البصر، مُرْهَف السمع، أسنانه في فمه، متَّعه الله بقوَّته، فكان إذا سُئل: يا سيدي ما هذه الصحَّة التي أكرمك الله بها ؟! يقول: " يا بني حفظناها في الصِغَرْ فحفظها الله علينا في الكِبَرْ، من عاش تقياً عاش قويَّاً "، لذلك خريف العمر متعلِّق بالشباب، كيف تُمْضي الشباب يكون خريف العمر كذلك:
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾
*مرَّة زرت والد صديق لي قال: أنا عمري ستة وتسعون عاماً، عملنا تحاليل من يومين فكانت التحاليل كلها طبيعية، قال لي: والله لم آكل قرشاً من الحرام في حياتي ولا أعرف الحرام، كلمتان، لم يأكل قرشاً حراماً ؛ شهوة المال، ولا يعرف الحرام ؛ شهوة النساء، بهذه العفَّة وبهذا الورع متَّعه الله بقوَّته إلى السادسة والتسعين من عمره، من عاش تقيّاً عاش قويَّاً.
الأمن من أهم حاجات الإنسان:
*قال تعالى:
﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾
*الحقيقة قضيَّة الأمن دقيقة جداً، الأمن أكبر حاجة للإنسان، قال تعالى:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾
( سورة الأنعام )
*أنت من خوف الفقر في فقر، أنت من خوف المرض في مرض، توقُّع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها، بل إن نوعاً من أمراض القلب سببه الخَوْفُ من أمراض القلب، فالقلق يأكل كَبِدَ الإنسان، بالإيمان والتوحيد تنجو من هذا المرض:
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا (51) ﴾
( سورة التوبة: الآية " 51 " )
*وقال:
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾
*هذا الأمن الذي يتمتَّع به المؤمن لو وُزِّعَ على أهل بلدةٍ لكفاهم، هناك في قلب المؤمن من الأمن ما لا يوصف بسبب طاعته لله عزَّ وجل، قال له:
(( يَا مُعَاذُ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))
[ متفق عليه عن معاذ ]
*أنشأ الله عزَّ وجل لك حقَّاً عليه ألاّ يعذِّبك ما دمت في عبادته وطاعته، ما دمت في ظل شرعه، ما دمت في أمره ونهيه، ما دمت تتلو كتابه، تقيم أمره، وتقيم حلاله، وتمتنع عن حرامه، ما دام هناك التزام أنت في بحبوحة.
خط بيان المؤمن خطٌّ صاعد وما الموت إلا نقطة على هذا الخط:
*قال تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ (33) ﴾
( سورة الأنفال: الآية " 33 " )
*هذه النعمة التي يملكها الإنسان المؤمن ؛ نعمة الأمن، الطمأنينة، الشعور أن الله يحبُّه، وأن الله قد أعدَّ له جنَّةً، الشعور أنه قد تتصل نعم الدنيا بنعم الآخرة، قد تتصل اتصالاً مستمراً، هو يعيش في الدنيا في سلام مع نفسه، ومع الناس، ومع ربّه، في بحبوحة، في صحَّة، في سمعة طيّبة لأنه مقيم على أمر الله، يموت فينتقل إلى الجنَّة، اتصلت نعم الدنيا بنِعَم الآخرة، وكأن خط بيان المؤمن خطٌّ صاعد، وما الموت إلا نقطة على هذا الخط، بينما حياة الكافرين مُفْعَمَةٌ بالقلق، بالخوف من المجهول، بالخوف من المستقبل، لأنهم حينما أشركوا بالله قذف الله في قلوبهم الرعب:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) ﴾
( سورة الشعراء )
*على كلٍ هذه الآية:
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾
*أضيفُ لها آيةً ثانية:
﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) ﴾
( سورة طه )
*اجمع الآيتين ؛ من يتبع هدى الله عزَّ وجل لا يضلُّ عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ماذا بقي من السعادة في الدنيا ؟ لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت.
إذا عَمَّر الإنسان الآخرة سهُل عليه أن ينتقل إليها:
*قال تعالى:
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾
*لا خوفٌ عليهم من المستقبل، يضمن الله لهم مستقبلاً مريحاً، ولا يحزنون على ما مضى لأنهم قادمون إلى الجنَّة، إنسان يسكن في حيّ فقير، في حي متواضع جداً، وفي بيت صغير تحت الأرض، مساحته ثمانون متراً، عنده ثمانية أولاد، فإذا انتقل إلى بيت مساحته أربعمئة متر له إطلالة جميلة جداً، هل هناك ألم في أثناء نقل الأثاث ؟ هل هناك انقباض ؟ هل هناك ضيق ؟ بالعكس هناك فرح، وسرور، واستبشار، الانتقال إلى الأحسن مسعد للنفس، إذا عَمَّر الإنسان الآخرة سهُل عليه أن ينتقل إليها، لماذا يخاف الناس الموت ؟ لأنهم عمَّروا الدنيا وخَرَّبوا الآخرة، وهذا الطريق ممر إجباري لا بد منه، فالموت قضيَّة كبيرة جداً، وكلَّما حسَّنت حياتك وأنت ـ لا سمح الله ـ على معصية صعُبَ عليك الموت، توجد بلاٌد فيها من الرفاه ما يفوق حد الخيال، شيء يحيّر العقول، الموت هناك صعب جداً، لأنه يترك جنَّةً في الدنيا إلى القبر، والانتقال من جنَّة في الدنيا إلى القبر شيء صعب جداً، على كلٍ المؤمن في أمن، يشعر أنه لا خوفٌ عليه في الدنيا ولا هو يحزن على فراقها، "وا كربتاه يا أبت " ، قال: " لا كرب على أبيك بعد اليوم، غداً نلقى الأحبَّة محمَّداً وصحبه ".
تعجب الله عز وجل من صبر الكفار على النار وهم لا يحتملون عقابها:
*قال تعالى:
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) ﴾
*كفر أي: كذَّب، وأعرض، وانغمس في شهواته، هؤلاء:
﴿ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) ﴾
*يقول الله عزَّ وجل وهو أصدق القائلين:
﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ﴾
( سورة البقرة )
*كأن الله عزَّ وجل يعجب من صبرهم على النار، كيف تقترف هذه المعصية وأنت لا تحتمل عقابها ؟
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) ﴾
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
15-03-2012, 11:47 AM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (21- 95):تفسير الآية 40 ، المؤمن مع المنعم والكافر مع النعمة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-12-18


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الواحد والعشرين من دروس سورة البقرة.
الحكمة من إيراد قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم مرات عديدة:
*مع الآية الأربعين وهي قوله تعالى :
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) ﴾
*أيها الأخوة الكرام، بادئَ ذي بدء، ما الحكمة أن تَرِد قصَّة بني إسرائيل في القرآن الكريم مرَّاتٍ عديدة، مع أن القرآن للمسلمين ؟ هناك من تَلَمَّسَ الحكمة في ذلك فقال: " الخطاب المُباشر أقلُّ تأثيراً من الخطاب غير المباشر "، فأنت إذا أردت أن تنصح إنساناً، وأن تُلْقِي عليه بعض الحقائق ربما دافع عن نفسه، أو ربما رأى ذلك انتقاصاً من قدره، فهناك خطوط دفاعٍ عند كل إنسان تمنع أن تدخل إلى أعماقه، أما إذا كان المُخَاطَبُ ليس معنياً في الموضوع، إنما المعنيٌّ جهةٌ ثالثة، فهذه الطريقة في الخطاب أكثر فاعليَّةً، وأكثر تأثيراً.
*لو أن ابنك مثلاً مبتلى بشيءٍ لا يُرْضي الله، ربما لا يستجيب إذا ألقيت عليه نصائح ومواعظ وخطابات، أما إذا حدّثته عن شابٍ وقع في شيءٍ مشابهٍ لما وقع فيه الابن ودفع الثمن باهظاً فلعلَّ تأثير هذا الكلام يكون أكبر، لذلك دائماً وأبداً الطريقة المباشرة أقلُّ فاعليَّةً من الطريقة غير المباشرة، فمن الأمراض التي يمكن أن نقع بها، والنفاق الذي يمكن أن نقع فيه، والتقصير الذي يمكن أن نقع فيه، هذا كلُّه عُولِجَ في قصص بني إسرائيل، فصار الحديث عن بني إسرائيل حديثاً غير مباشر عن قضايانا، هذه بعض الحكم التي تلمَّسها بعض العلماء من كثرة إيراد قصَّة بني إسرائيل في القرآن الكريم لأن الأمراض التي يمكن أن نقع فيها وقعوا فيها، نقاط الضعف التي يمكن أن نعانيها وقعوا فيها، فمعالجتها معالجةٌ لنا.
قصص بني إسرائيل فيها أسلوبٌ تربويٌّ فعَّالٌ لنا:
*مثلاً قال تعالى:
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾
( سورة المائدة: آية " 66 " )
*قياساً على ذلك لو أننا أقمنا القرآن الكريم لأكلنا من فوقنا ومن تحتنا، ولجاءت الخيرات كثيرةً:
﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً(16)لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾
( سورة الجن)
*وقال:
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾
( سورة الأعراف: آية " 96 " )
*أول نقطة في هذا الموضوع أن قصص بني إسرائيل فيها أسلوبٌ تربويٌّ فعَّالٌ لنا لأن القرآن الكريم لا يخاطب المسلمين بشكلٍ مباشر بل يحدِّثهم عن أممٍ انحرفت فدفعت ثمن انحرافها باهظاً، يكون عند الواحد منا تقصير من جهة، فإذا رأى إنساناً قصَّر التقصير نفسه ودفع الثمن باهظاً يبادر إلى تلافي الأمر.
أصل تسمية بني إسرائيل بهذا الاسم:
*الشيء الآخر: إذا أراد الله جلَّ جلاله أن يخاطب الناس جميعاً قال:
﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾
( سورة الأعراف: آية " 31 " )
*الخطاب هنا لبني إسرائيل، من هو إسرائيل ؟ هو سيدنا يعقوب عليه السلام، وما معنى هذا الاسم ؟ قال بعض العلماء: " في العبرية (إسِرا) تعني عبد و(إيل) تعني إله، هو عبد الله، أو صفي الله، هذا أصل التسمية في اللغة العبرية، فربنا عزَّ وجل يقول:
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (40) ﴾
*أي أنتم انحدرتم من إسرائيل وهو صفي الله عزَّ وجل، فَلِمَ أنتم كذلك ؟ تماماً كما لو تثير نخوةَ شاب، أنت ابن فلان، وأبوك إنسانٌ كبير، وإنسانٌ عالِم، وإنسانٌ كريم، وإنسانٌ محترم فَلِمَ أنت تفعل ذلك ؟ هذه هي العلَّة في قوله تعالى:
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (40) ﴾
*أي أنتم من نسل يعقوب، ويعقوب من نسل إبراهيم، وإبراهيم هو أبو الأنبياء عليهم السلام، إذاً :
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (40) ﴾
*يوجد شيءٌ ثالث: إذا كان الأنبياء الذين جاؤوا إلى بني إسرائيل كُثراً فهذا لا يعني أنَّهم أمةٌ مختارة، أي إذا كان الأساتذة الذين يعلِّمون طالباً كثيرين جداً فهذا دليل على كسله، وليس معنى ذلك أنه متفوِّق، أكثر الشعوب معصيةً وتمرُّداً على الله عزَّ وجل هم بنو إسرائيل.
لو تدبَّرت*أصل الفساد في العالم لوجدته من صنع بني إسرائيل:
*قال تعالى:
﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ﴾
(سورة البقرة: آية " 61 " )
*منهجهم الآن إفسـاد شعوب الأرض، أصل الفساد في الأرض يتأتَّى الآن من بني إسرائيل، أي هم إن ضبطوا أنفسهم هذا وصمةُ عارٍ بحقِّهم، هم ينضبطون ولكنهم يُفْسدون الشعوب كلَّها، لو تدبَّرت أصل الفساد في العالم لوجدته من صنع بني إسرائيل، فلذلك ليست كثرة أنبيائهم دليل تفضيلهم، بل هو دليل انحرافهم الشديد، هذه بعض الحقائق المتعلِّقة بقوله تعالى:
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (40) ﴾
*الآن الخطاب يعنينا:
﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾
*هناك أيها الأخوة نعمةٌ وهناك مُنْعِم، الكافر مع النعمة، أما المؤمن مع المُنعم، وما لم تنتقل من النعمة إلى المنعم فلست مؤمناً، الكفَّار في كل مكان يستمتعون بنعم الله أَيَّما استمتاع، بل إن الكفَّار أكثر من المؤمنين استمتاعاً بالنعم لأنها نصيبهم الوحيد من الله عزَّ وجل، بلادهم جميلة، وأموالهم طائلة، وقوَّتهم مسيطرة ومع ذلك هم غارقون في المعاصي والآثام:
(( لو كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ))
[ الترمذي عن سهل بن سعد ]
آيات من الذكر الحكيم تبين أن عقاب الله آت ولو بعد حين والعاقبة للمتقين:
*أيها الأخوة الكرام، القرآن شفاء لما في الصدور، ذلك لأن الإنسان أحياناً يختل توازنه، فإذا قرأ القرآن استعاد توازنه، فقد يجد الإنسـان كافراً غنيَّاً، وقد يجده قـويَّاً، ومسيطراً، ومستمتعاً، ومتغطرساً وهو غارقٌ في المعاصي والآثام، وهناك مدينةٌ في بعض بلاد الغرب ثلاثة أرباع سكَّانها شاذُّون، خمسة وسبعون بالمئة، وهي من أجمل المدن وكلهم شاذُّون، وهذا عند الله انحرافٌ خطير عاقبته القضاء المبرم قال تعالى :
﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ(198) ﴾
( سورة آل عمران)
*وقال تعالى:
﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ(195) ﴾
(سورة آل عمران)
*ويقول أيضاً:
﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ(42) ﴾
( سورة إبراهيم )

*ويقول أيضاً :
﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12) ﴾
( سورة آل عمران )
*ويقول أيضا ً:
﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) ﴾
(سورة الأعراف)
*ويقول تعالى:
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ(34) ﴾
( سورة المطففين )
النصر يحتاج إلى شرطين اثنين ؛ الإيمان والعُدَّة:
*دققوا في هذا الكلام أيها الأخوة: العبرة في من يضحك آخراً، لأنه من يضحك أخيراً يضحك كثيراً، ومن يضحك أولاً يبكي كثيراً، فالعبرة أن تكون على منهج الله، والعبرة أن تكون مطيعاً لله، والعبرة أن تأتمر بما أمر الله وأن تنتهي عما نهى الله عنه، هذه هي العبرة، وكفاك على عدوِّك نصراً أنه في معصية الله، فلو كان عدوُّك أقوى منك، ولو كان أغنى منك، ولو كان أذكى منك، ولو كان أكثر منك سيطرةً العبرة أن تكون مطيعاً لله، ولكن من طاعة الله أن تُعِدَّ لهم:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾
( سورة الأنفال: آية " 60 " )
*ذكرت اليوم أن النصر يحتاج إلى شرطين اثنين كلٌ منهما شرطٌ لازمٌ غير كافٍ ؛ يحتاج إلى الإيمان، ويحتاج إلى العُدَّة، أن تُعِدَّ العُدَّة المتاحة، وليست العدة المكافئة، وهذا من رحمة الله بنا:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾
( سورة الأنفال: آية " 60 " )
*بقدر استطاعتكم، حينما أمرنا الله أن نُعِدَّ لعدوِّنا العُدَّة المُتاحة رحمنا بهذا وعلى الله الباقي، وعلى الله ترميم الفارق بين العُدَّة المتاحة والعُدَّة المكافئة ولكن لا بد من الإيمان، وخطر المعصية على قوَّتنا أكثر من خطر عدوِّنا على قوّتنا، لذلك المؤمن مع المنعم، والكافر مع النعمة، ولا خلاف حول النعمة.
الفرق بين أن تكون عبداً للنعمة وبين أن تكون عبداً للمنعم:
*في الفاتحة
﴿ الْحَمْدُ﴾
*لا خلاف على النعم التي بين أيدينا ولكن من هو المنعم ؟
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2) ﴾
(سورة الفاتحة)
*هم يرون الحمد لهم فهم الذين اكتشفوا هذه الثروات، الذين صنَّعوها واستغلُّوها، وهم يرون أنفسهم آلهة الأرض، ولكن المؤمن يرى الله عزَّ وجل، إذاً الخلاف بين أن تكون عبداً للنعمة، وبين أن تكون عبداً للمنعم، بين أن تشكر ما آتاك الله من قدراتٍ على استغلال النِعَمْ، وبين أن تشكر الله عزَّ وجل الذي منحك هذه النعم، الذي يمدحك يمدح الذي منحك ولا يمدحك أنت:
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ (40) ﴾
*قال بعض المفسِّرين، وهي لفتةٌ طريفة: " حينما خاطب الله عزَّ وجل المؤمنين قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ (40) ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 41 " )
*أما حينما خاطب بني إسرائيل قال :
﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ (40) ﴾
*لأنهم ماديُّون فمفتاحُهُم النعمة ".
المؤمن بالذَّات يحب الله على كماله:
*نرجو من الله عزَّ وجل أن نكون نحن أرقى منهم، ونكون مع المُنْعِمْ:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ (40) ﴾
*أما هم :
﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾
*قد يُحبّ الإنسان الله على نعمه، ولكن المؤمن بالذَّات يحب الله على كماله، فلو أعطاه أو منعه حبُّه هوَ هو:
والله وإن فتَّتوا في حبهم كبدي * باقٍ على حبهم راضٍ بما فعلوا
***
*أساساً لا يُمْتَحَنُ المؤمن إلا في الشدَّة، قد يُنعم الله عليه في الدنيا فإذا ربط محبَّته لله بهذه النِعَم فهو عبد النِعْمَة، أما إذا كانت محبَّته لله خالصةً ولا علاقة لها بالنعم فهذه مرتبةٌ أعلى، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا الأدب مع الله عزَّ وجل، قال في الطائف:
(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))
[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر، وفي سنده ضعف ]
إن أردت أن تعد النعم فلن تحصيها:
*أيها الأخوة، استنباطاً من هذه الآية الكريمة :
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾
*قال تعالى:
﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا (40) ﴾
(سورة إبراهيم: آية " 34 " )
*توجد في الآية لفتة لطيفة: هل يمكن أن أعطيك ليرةً واحدة وأقول لك: عدَّها ؟ الواحد لا يُعَد، أما لو أعطيتك مجموعة من الليرات فيمكن أن أقول لك: عُدَّها، أما ليرة واحدة وأقول لك: عُدَّها، إنها لا تُعَدْ، فهذا معنى قوله تعالى :
﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا (40) ﴾
(سورة إبراهيم: آية "34 " )
*قال العلماء: " بركات النعمة الواحدة لا تُعَدُّ ولا تحصى "، نعمة البصر، ونعمة السمع، ونعمة الحركة، ونعمة النوم وغير ذلك من النعم.
*أخٌ كريم شفاه الله عزَّ وجل، كان مصاباً بمرض عدم النوم، والله الذي لا إله إلا هو أنا أتصوَّر لو طالبته بمئة ألف ليرة يملكها لدفعها لك مقابل أن ينام ليلةً واحدة، نعمـة النوم، نعمة الصحَّة، كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول:
((الحمد لله الذي عافاني في جسدي و رد على روحي و أذن لي بذكره))
[السيوطي عن أبي هريرة]
*إن أردت أن تعد النعم فلن تحصى، بل إنك إن أردت أن تعد بركات نعمةٍ واحدة لن تحصيها.
بعض من نعم الله الدالة على عظمته :
*نعمة الأمن :
﴿ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(4) ﴾
(سورة قريش)
*أحد أسباب الأمن ثبات خصائص المواد، أنت عمَّرت بيتاً الإسمنت يبقى إسمنتاً، والحديد يبقى حديداً، لو أن خصائص المواد تتبدَّل إنك لا تنام الليل، لعلَّ هذا الحديد أصبح ماءً فانهار البيت، ثبات خصائص الأشياء هذه من نعم الله العُظمَى، استقرار الأرض:
﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً ﴾
( سورة النمل: آية " 61 " )
*لو أنها تهتزُّ دائماً، أرقى طائرة تهتز في أثناء طيرانها، لا توجد أرض، ولا يوجد احتكاك ومع ذلك تهتز دائماً، لو أن الأرض تهتز قليلاً لما رأيت بناءً قائماً على وجه الأرض، نعمة قرار الأرض، ونعمة الجاذبيَّة
﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً ﴾
*من جعل هذه الأشياء مرتبطة بالأرض ؟ رائد الفضاء في منطقة انعدام الجاذبيَّة يفقد الوزن، يستيقظ فإذا هو في سقف المَرْكَبَة، ليس له وزن، يُمسك الحاجة بيده فإذا هي تتفلَّت منه، أصبحت في السقف، أما نحن فنضع هذا الكأس على الطاولة ويبقى على الطاولة لأن له وزناً، نعمة الجاذبيَّة قد لا ننتبه إليها، ونعمة الاستقرار قد لا ننتبه إليها، ونعمة ثبات خصائص الأشياء لا ننتبه إليها، هناك في الجسم نِعَمٌ لا تعدُّ ولا تُحصى، إذا حمل الإنسان ابنه يجد فيه صنعة متقنة، الأربطة التي تربط اليد بالجسم تتحمَّل وزن الطفل، وتتحمَّل ضعف وزنه، لو كان الأب غاضباً وأمسك ابنه بعُنف وحمله، لو كانت الأربطة متناسبة مع وزن الجسم فقط لَخُلِعَت يده، لكن هناك دقَّة بالغة.
*نعمة أن هذا الشَعر بلا أعصاب حس، لو كان في كل شعرة عصب حسّي، يوجد في كل شعر عصب ولكنه عصب محرِّك، لكل شعرةٌ وريدٌ، وشريانٌ، وعضلةٌ، وعصبٌ، وغدَّةٌ دهنيَّةٌ، وغدَّةٌ صبغيَّة، ولكن العصب محرّك وليس عصباً حسيَّاً، لو كان هناك عصب حسي لاحتجت إلى عمليةٍ جراحيَّةٍ عند كل حلاقة، عملية تخدير لأن الآلام لا تُحْتَمَل.
جسم الإنسان بما فيه من نعم الله الدالة على عظمته:
*نعمة المثانة نعمة كبيرة جداً، لولا أن فيها عضلات لما كان هناك طريقة أخرى لإفراغ البول إلا بأنبوب من أجل الضغط، أنبوب تنفيس، نعمة الإفراغ السريع بالعضلات، نعمة وجود المثانة، لو أنه لا توجد مثانة، أي من الكليتين إلى الخروج مباشرةً لكان هناك في كل عشرين ثانية نقطة بول، من كل كلية نقطة، فصارت نقطتين، فما هو الحل ؟ فوط الرجل السعيد.
*نعمة الهضم، الإنسان يأكل، ويتولَّى الله عنه عمليَّة الهضم، وهي عمليَّة معقَّدة تتم في ثلاث ساعات، لو أن الله عزَّ وجل أوكل الهضم إلينا، يأكل، ومعه أربع ساعات هضم، والله مشغول، لأنني أهضم الطعام، أما كلْ وكلُّ شيء على الله، البنكرياس، والمرارة، وحركة الأمعاء، وامتصاص الطعام، وانتقال الطعام إلى مواد سكَّريَّة تخزَّن في الكبد وفي العضلات، وتحويل الطعام إلى مواد مختلفة وإلى مواد شحميَّة تُخَزَّن في مكانٍ آخر، هذا كلَّه يتولاه الله عنك.
*نعمة أن التنفّس يتمُّ آلياً في الليل، لولا هذه النعمة لما أمكنك أن تنام، لو كان التنفس إرادياً، لو أن الله عزَّ وجل جعل التنفس إراديَّاً ينام فيموت، هناك مركز في البصلة السيسائية اسمه مركز التنبيه الآلي للرئتين، لو تعطَّل لأصبحت حياة الإنسان جحيماً، بمجرَّد أن ينام يموت، اخترع قبل سنوات عدَّة دواء غالٍ جداً يجب أن تأخذه كل ساعةٍ في الليل من أجل أن تبقى حيَّاً، الساعة التاسعة حبَّة، العاشرة، الحادية عشر، الثانية عشر، الواحدة، الثانية، الثالثة، الرابعة، الخامسة وهكذا، تصوَّر نفسك أنك مكلَّف أن تستيقظ كل ساعة لتأخذ الحبَّة وتنام، ما الذي يحدث ؟ هناك شخص أعرفه أُصيب بهذا المرض أصبحت حياته جحيماً لا يُطاق، كان يضع أربع منبِّهات لكي يستيقظ ويأخذ الحبَّة، له ابن مسافر عاد من سفره فسهر معه سهرة طويلة، الأربع منبِّهات نبِّهت ولم يستيقظ فوجدوه ميتاً في الصباح، فنعمة أن التنفُّس عمليّةٌ آليَّة هذه نعمةٌ لا تُقَدَّر بثمن.
*نعمة أن الدماغ ضمن صندوق، والصندوق له مفاصل متحرِّكة، يمكن أن يسمع الواحد صوت رأس ابنه يرتطم على الأرض مرات عديدة جداً، تسمع صوتاً قوياً، لماذا لم ينكسر رأسه ؟ لأن الجمجمة فيها مفاصل متحركة، فهذه الضربة الشديدة تمتصُّها الفراغات بين المفاصل، ثم إن الدماغ محاط بسائل، هذا السائل يوزِّع، فأي ضربة على الرأس تتوزع على كل الدماغ فتغدو بسيطة جداً، فالدماغ في الجمجمة، والنخاع الشوكي في العمود الفقري، والعينان بالمحجرين، والرحِم بالحوض، وأخطر معمل في الإنسان معامل كريات الدم الحمراء في نقي العظام، الأجهزة النبيلة الخطيرة جداً ضمن صناديق، ضمن حصون، هذه من نعم الله الكُبرى، لو كانت عين الإنسان على جبينه، كم إنسان يسلم له بصره ؟! لا تجد سوى عشرة بالمئة فقط، لأنه أي وقوع على الأرض لفقئت عينه وانتهت، لو فكر الإنسان بجسمه، لو أنه لا يوجد مفصل في يده كيف يأكل ؟ مثل الهرَّة ينبطح، ويلحس الطعام بلسانه، لا توجد طريقة ثانية، لو أنه لا يوجد مفصل فإن اليد لا تصل إلى الفم، ولكن بهذا المفصل صار شيئاً آخر.
الأرض وما فيها من بحار ونباتات وصحارى من آيات الله الدالة على عظمته :
*قال تعالى:
﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾
*دورة الأرض وحجم الأرض جعل وزنك ستين كيلو غراماً، لو كان حجمها أقل لكان وزنك خمسة كيلو غرامات، وزن الإنسان على القمر ستة كيلو غرامات، الحياة لا تُطاق، حجم الأرض جعل لك وزناً مناسباً، الآن سرعة الأرض حول نفسها جعلت لك نهاراً مناسباً، اثنتي عشرة ساعة، ثماني ساعات للعمل، وساعة للأكل، وساعتين أو ثلاثاً مع أهلك صار وقت النوم، لو كان النهار مئة ساعة، هذا يعمل، وهذا نائم، لا أحداً يرتاح، أما النوم فموحَّد، والنهار موحَّد .
*لولا أن محور الأرض مائل لما وجدت فصولاً أربعة أبداً، إمّا صيف أبدي، أو شتاء أبدي، ربيع أبدي، خريف أبدي، مع ميل المحور صار هناك تبدُّل فصول، لو أن الأرض تدور على محور موازٍ لمستوى دورانها حول الشمس لكانت درجة الحرارة هنا ثلاثمئة وخمسين فوق الصفر، وفي الطرف الآخر مئتين وسبعين تحت الصفر، ولانتهت الحياة، كم نعمة نحن محاطون بها ؟
الآن النباتات لو أنه لا توجد بذور، وجدنا مثلاً مليار طن من القمح، وبعد أن انتهت هذه الكمية فإننا نموت من الجوع، ولكن الله عزَّ وجل خلق لك نظام البذور، يوجد مع كل إنتاج نباتي وسائل استمراره بالبذور، نظام النبات وحده من الأنظمة الصارخة في الإشارة إلى عظمة الله عزَّ وجل.
*لو كانت البحار بقدر اليابسة لما وجدنا أمطاراً، اسكب كأس الماء هذا على أرض الغرفة تجده قد جف بعد ساعتين، أما لو أبقيته في الكأس فلا يتبخَّر ولا بسنتين، إنه ينقص سانتي واحد فقط، فكلَّما كان السطح ضيقاً يكون التبخُّر قليلاً، وجعل الله أربع أخماس الأرض مسطَّحات مائيَّة من أجل أن يكون التبخُّر كافياً لأمطار اليابسة .
*لو لم تكن هناك صحارى، ولم تكن هناك مناطق حارَّة لم يعد هناك رياح، هواء المنطقة الحارَّة مخلخل، هواء المنطقة الباردة مضغوط كثيف، ينشأ من تباين الضغطين حركة رياح، حركة الرياح تسوق السحاب، هذه رؤوس موضوعات.
بعضٌ من نعم الله علينا:
*قال تعالى:
﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾
*لك طفل، وهذا الطفل صفاته صفات محبَّبة، لو كانت صفات الطفل صفات غير محبَّبة من يربي ابنه ؟ الطفل بريء ذاتي لا يحقد أبداً، سريع الرضا، لو كان بطيء الرضا لاستحالت تربيته، تكلم الكبير مثلاً كلمة يخاصمك سنتين، إذا غلطت معه غلطة يخاصمك سنتين، لو كل واحد ربَّى ابنه فخاصمه سنتين فلن تستمر الحياة أساساً، لكن الله صمَّم الطفل بريئاً، فهذه نعمة الطفل، هناك أشياء دقيقة جداً في الحياة.
*المواد ؛ جعل الله لك معادن وأشباه معادن، معادن ثمينة جداً ومعادن رخيصة، معادن قاسية ومعادن خفيفة، معادن تنصهر بسهولة، الرصاص ينصهر بالدرجة مئة، أما الحديد فبالألف وخمسمئة، لو كان الحديد ينصهر بالمئة درجة لانتهى، ولانتهت كل فوائده، تحاول أن تطبخ بوعاء من حديد ينصهر مع الطعام، انتهى، أما الحديد فيصمد للألف وخمسمئة درجة، فالطعام ينضج داخل الوعاء، توجد أشياء دقيقة جداً، يتبخر الماء عند أربع عشرة درجة ، لو تبخَّر بدرجة مئة انتهى، لانتهت وظيفة الماء، الماء لا ينضغط، الماء يتمدَّد، لولا تمدُّد الماء مع التبريد فلا توجد حياة على وجه الأرض .ماذا أقول لكم ؟!!
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾
*نعمة الذكر والأنثى:
﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى(45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46) ﴾
( سورة النجم )
*يوجد في مبيض المرأة عدد من البويضات ينتهي في سن اليأس، في الخامسة والأربعين، ثمانية وأربعين، اثنين وأربعين، لو كانت كالرجل مهيأة للولادة بشكل دائم، تصور واحدة تلد وهي في التسعين، شيء لا يُحتمل، فالبويضات تنتهي لدى المرأة في سن معيَّن، أما الرجل فيبقى قادراً على الإنجاب في التسعين، هناك تصميم إلهي رائع، الرجل قد يفقد شَعْرَه كلَّه لكن المرأة لا تفقد شعرها كله وهذه نعمةٌ كُبرى من نِعَمْ الله عليها.
ملخص الملخص المؤمن مع المنعم والكافر مع النعمة:
*نِعَم الصحة، ونِعَم الأمن، أنت من خوف الفقر في فقر، وأنت من خوف المرض في مرض، وتوقُّع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها، ونعمة الفراغ، فالإنسان الذي لا يملك وقت فراغ ليس إنساناً، هذا الذي يعمل ليلاً نهاراً هذا إنسان انتهى، انتهى عند الله وعند الناس، لأن وقته استهلكه، عمله استهلكه، أما هذا الذي يجد وقتاً لسماع درس علم، وللجلوس مع أخ وللقاء مثمر، هذا يحيا حياته الإنسانية، فالمؤمن على كلٍ مع المنعم دائماً.
*كان عليه الصلاة والسلام تعظم عنده النعمة مهما دقَّت، أي كأس ماء شربته معنى ذلك الطريق سالك، لو كان الطريق غير سالك ـ لا سمح الله ولا قدر ـ هؤلاء الذين يعانون الفشل الكلوي، قال لي أخ كريم: له قريب ذهب لغسيل الكليتين، قالت له الممرضة بقسوةٍ بالغة: هذه الجمعة لا تشرب ماء كثيراً لأن الجهاز معطل، أنت عندما تعطش تشرب بدون تقييد، فلا توجد لديك مشكلة إطلاقاً، تصور إذا شرب الإنسان ليس لديه جهاز يخرج هذا الماء ، ماذا يفعل ؟ " يا أمير المؤمنين بكم تشتري هذا الكأس إذا مُنِعَ عنك ؟ " قال: " بنصف ملكي " ، قال: " فإذا منع إخراجه " ؟ قال: " بنصف ملكي الآخر " ، بكم تشتري أن تنام الليل مطمئناً ؟ بكم تشتري إيواءك في بيت ؟ كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته يقول: " الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له "، وكان إذا خرج من الخلاء يقول:
(( الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني.))
[ابن أبي شيبة والدار قطني عن طاوس مرسلاً]
*نعمٌ لا تنتهي، نعمة الصحة، ونعمة الأمن، ونعمة الفراغ، ونعمة الكفاية، هذا الذي يملك قوت يومه من نعم الله الكبرى، قوت يومه فقط، هذه نعمةٌ كبيرة .
*ملخص الملخص المؤمن مع المنعم والكافر مع النعمة، ومهما تفنن في النعمة يأتي الموت فينهي كل شيء، هذه النعمة التي تنعم بها هناك شيء لا بد منه، فإما أن تتركها وإما أن تتركك، نعمة البصر، يموت الإنسان انتهى البصر، أو يفقد بصره قبل أن يموت، ونعمة المال يموت انتهى كل ماله، أو يصبح فقيراً قبل أن يموت، فإما أن تتحول عنك وإما أن تتحول أنت عنها، لذلك وبالشكر تدوم النعم، قيدوا النعم بالشكر، " يا عائشة أكرمي مجاورة نعم الله، فإن النعمة إذا نفرت قلما تعود "، النعمة تقيَّد بالشكر، ومن شكر الله على نعمه زاده الله منها.
للشكر مستويات ثلاثة:
*الآن كيف نشكر ؟ قال العلماء: للشكر مستوياتٌ ثلاثة.
1ـ أن تعزو النعمة إلى الله و هذا أحد أنواع شكره:
*المستوى الأول لمجرد أن تعزو النعمة إلى الله فهذا أحد أنواع شكره، إذا قلت: الله وفَّقني، الله أعطاني هذا البيت، والله هيَّأ لي هذه الزوجة، الله رزقني هؤلاء الأولاد، والله أعانني على نيل هذه الشهادة العليا، والله أعانني على طلب العلم، والله يَسَّر لي المجيء إلى المسجد، والله أعانني على تطبيق الإسلام في بيتي، والله أكرمني بزوجة مؤمنة، والله أكرمني بأولاد أطهار صالحين أبرار، حينما تقول هذا فهذا أحد أنواع الشكر، حينما تعزو النعمة إلى الله فهذا نوعٌ من شكرها.
2ـ أن يمتلئ قلبك امتناناً لله عزَّ وجل:
*المستوى الثاني: حينما يمتلئ قلبك امتناناً لله عزَّ وجل فهذا مستوى أعلى.
3ـ أن تتحرك لخدمة الخلق معرفةً بهذه النعمة:
*المستوى الثالث حينما تتحرك لخدمة الخلق معرفةً بهذه النعمة فهذا أعلى المستويات، قال تعالى:
﴿ اعْمَلُوا آلَ داو ود شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(30) ﴾
(سورة سبأ)
*يحبك الله عزَّ وجل أن تكون شاكراً.
علينا أن نسجد شكراً لله عند كل نعمة يمنحنا الله إياها:
*عود نفسك إذا منحك الله عزَّ وجل نعمة أن تقابلها بالسجود لله عزَّ وجل، كان عليه الصلاة والسلام يسجد سجود الشكر لله عزَّ وجل، تلقيت نبأً ساراً، رزقك الله مولوداً كاملاً بدون أي مشكلة، فلو لم ينفلق ثقب بوتان لاحتجت إلى مئتين وخمسين ألف ليرة عملية قلب مفتوح لإغلاق ثقب بوتان، وهو كما قال الأطباء: ثقب مفتوح بين الأذينين، ولكن عند الولادة ـ هكذا قالوا ـ تأتي جلطة فتغلق هذا الثقب، بيد من ؟ أية يدٍ تصل لداخل قلب الطفل لإغلاق هذا الثقب بين الأذينين ؟ الله جلَّ جلاله، فأي غلطة بالجسم تحتاج إلى ملايين الملايين.
*اجمع الأجهزة التي تنعم بها ثمنها ألف مليون، عملية زرع الكبد بفرنسا تكلف سبعة ملايين ـ لو تشمع الكبد ـ ونجاحها ثلاثون بالمئة، فالكبد سبعة ملايين، والكلية أصبح ثمنها الآن مليونين، وتبديل صمام، قال لي واحد: والله بدلت صماماً، لكن لا أنام الليل، لماذا ؟ قال لي: اسمع طول الليل طرقاً، أنت عندك صمام لا يوجد له صوت، أليست هذه نعمة ؟ صمام له صوت لا تنام الليل، قال لي: لا أحس بالنهار لوجود الضجيج، ولا أنام بالليل من صوت الصمَّام، توفي رحمه الله، هذه نعمة الصمام، صمام عدم رجوع، هل هذه نعمة قليلة ؟
*نعمة الأوردة، لها وريقات، دسَّامات، نعمة أن الشريان داخلي والوريد خارجي لو الآية بالعكس، إذا جرح إنسان يموت على الفور، لأن القلب مع الشريان، قال لي طبيب جراح: إذا أطلقت شرياناً ـ فنبض القلب للدم بالشريان يحرِّك الدم اثني عشرة متراً ـ يصل الدم أحياناً إلى السقف من نبضة قلب واحدة، جعل الله الشرايين داخلية، والأوردة خارجية، الحركة بطيئة بالوريد وغير خطرة، أما الشرايين كلها داخلية، في حرز حريز، هذه نعمٌ كبرى، فلذلك أخواننا الكرام المؤمن مع المُنْعِم، والكافر مع النعمة.
للنعمة مهمتان كبيرتان ؛ أن تشكر الله عليها في الدنيا وأن تعرف الله من خلالها:
*الآن آخر فكرة بالدرس، أية نعمةٍ لله عزَّ وجل في الإنسان لها وظيفتان كبيرتان لها وظيفة تعريفية إرشادية، ولها وظيفة نفعية في الدنيا، الغرب بأكمله انتبه للوظيفة النفعية أما الوظيفة الإرشادية فهي أخطر وظيفة للنعمة، أن تعرف الله من خلالها، هناك نعمة سوف أقولها لكم وقد لا تصدق أنه لولاها لما وجدت على وجه الأرض إنساناً واحداً، هذه النعمة اسمها آلية المَص، يولد الطفل الآن لتوه يضع فمه على ثدي أمه ويحكم الإغلاق ويسحب، هذه عملية معقدة، لو أن هذه الآلية غير موجودة، تفضل علمه إياها، هل يستطيع أب مهما كان ذكياً، لو كان معه دكتوراه بعلم التربية أن يعلم ابنه الذي وُلِد لتوه: يا بابا الله يرضى عليك، ضع فمك على ثدي أمك، وإيَّاك أن تنفس الهواء، وإلا لن يخرج لك الحليب، لا يفهم عليك شيئاً، انتهى كل شيء، فلولا نعمة آلية المص لما كان على وجه الأرض إنسان، هذه نعمة أيضاً.
*أيها الأخوة، النعمة لها مهمتان كبيرتان ؛ أن تشكر الله عليها في الدنيا، وأن تعرف الله من خلالها، فمن لم يحقق معرفة الله من خلال النعمة عَطَّل أكبر مهمةٍ للنعمة، وكنت أضرب مثلاً دقيقاً عند أحدهم كتاب عن النحل والعسل، قرأه فتأثر تأثراً بالغاً، وفاضت عيناه بالدموع تعظيماً لله عزَّ وجل على هذه الإبداع في الخلق، لكن دخله بسيط جداً لا يسمح له بشراء العسل أبداً، ما ذاقه، لكنه عرف الله من خلاله، فهذا الإنسان الذي لم يذق طعم العسل، لكنه عرف الله من خلاله هذا الإنسان حقق الأكبر من خلق النحل والعسل، أما الذي جعل العسل غذاءه وهدفه الأساسي، ولم يفكر في خالق العسل هذا عطل الهدف الأكبر من خلق العسل، لذلك النبي الكريم عليه الصلاة والسلام حينما رأى الهلال قال:
(( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ))
[ رواه أبو داود عن قتادة ]
*ينفعنا في الدنيا ويرشدنا إلى ربنا فالمؤمن مع المنعم ؛ والكافر مع النعمة:
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾
*في الدرس القادم إن شاء الله :
﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) ﴾
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
15-03-2012, 11:50 AM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (22- 95):تفسيرالآية 40 ، الانسجام بين القول والفعل
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-12-25


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني والعشرين من دروس سورة البقرة.
هذه الآيات تعطيك في مضمونها ومحورها ثمن الجنة إن وفَّيت بعهد الله تعالى:
*مع الآية الأربعين وهي قوله تعالى :
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) ﴾
*وقال:
﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) ﴾
*هذا جواب الطلب:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾

( سورة البقرة)
*وقال:
﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾
( سورة محمد: الآية " 7 " )
*مثل هذه الآيات تعطيك في مضمونها ومحورها ثمن الجنة إن وفَّيت بعهد الله عز وجل. أي إذا ضحيت ببعض حريتك ؛ سمح لك أن تأكل، وأن تشرب، وأن تتزوج، وأن تفعل كل شيء وفق منهج، وفق قنوات نظيفة.
إذا ضحى المؤمن ببعض حريته لزمن محدود ينعم بالجنة إلى الأبد فهي عملية تجارية :
*الكافر متفلِّت يفعل ما يشاء، المؤمن منضبط، الكافر يأكل ما يشاء، يشرب ما يشاء، يلتقي مع من يشاء، ويجلس مع من يشاء، المؤمن عنده حدود، إذاً بماذا يضحي الإنسان عندما يستقيم ؟ يضحي ببعض حريته، يضحي ببعض حريته لزمنٍ محدود لينعم بجنةٍ عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين، فهي عملية تجارية، رأسمالك صغير جداً والربح كبير جداً، الرأسمال أن تنضبط لبضعة سنوات والسعادة إلى الأبد، قال تعالى:
﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي (40) ﴾
*في طاعتي:
﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) ﴾
*بالجنة:
﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾
( سورة محمد: الآية " 7 " )
*في الدنيا والآخرة:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾
( سورة البقرة)
لو حَكَّمَ الإنسان عقله يجد الثمن قليلاً جداً والمبيع كبيراً جداً:
*كأن الله عزَّ وجل يريد أن نربح عليه:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) ﴾
( سورة الصف)
*تجارة ؛ لك رأس مال، ولك ثمن مبيع، والفرق كبير جداً، رأسمالك:
﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(11)يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(12) ﴾
( سورة الصف)
*أي لو حَكَّمَ الإنسان عقله يجد الثمن قليلاً جداً والمبيع كبيراً جداً، فالله عزَّ وجل يقول :
﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) ﴾
*أما ترضى أن تعيش في الدنيا منضبطاً بعض الشيء ؟ الحرام حرام، والحلال حلال، لا يوجد شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة، وفق منهج واضح، الكافر يفعل كل شيء، لأنه متفلت أساساً، أما المؤمن فهو إنسان منضبط، الإيمان قيده ؛ هذه حرام، هذه تجوز، وهذه لا تجوز، قال لك:
﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) ﴾
في التعامل مع الله سبحانه لا يتناسب العطاء مع الثمن لأن الربح مع الله مضاعف:
*ادفع ثمن الجنة وادخل إلى الجنة متنعماً إلى أبد الآبدين، طبعاً لو ذكرنا الآيات المشابهة:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾
( سورة البقرة)
*وقال:
﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) ﴾
*وقال:
﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾
( سورة محمد: الآية " 7 " )
*لا يتناسب العطاء مع الثمن إطلاقاً، بون كبير، الإنسان في العادة يربح بالمئة عشرة، عشرين، ثلاثين، أو أربعين، أما بالمئة مئة يقول لك: هذه هي التجارة، إذا بالمئة مليار، إذا بالمئة ألف مليار، إذا بالمئة مليار مِليار مليار إلى أن ينقطع النفس، هكذا الربح مع الله عزَّ وجل.
الله عزَّ وجل هيَّأَ لك جنة يسعدك فيها لا بقدر طاقاتك بل بقدر قدرة الله عزَّ وجل:
*أيها الأخوة، أرى أن أذكى الأذكياء وأعقل العقلاء هو الذي يتاجر مع الله، من هو أغبى الأغبياء بالمقابل ؟ الذي يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، بالعكس باع الآخرة من أجل المال، مهما كان هذا المال سينتهي عند الموت، كسب مالاً حراماً وضيَّع آخرته، فمن أجل امرأة ضيَّع آخرته، ومن أجل مكانة مؤقتة لا تدوم ضيع آخرته، أحمق الحمقى، وأغبى الأغبياء، وأخسر الخاسرين، هؤلاء الذين يبيعون الأبد بدنيا محدودة، بدنيا قليلة، الله عزَّ وجل يقول:
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
( سورة النساء: آية " 77 ")
*دقق في كلام الله
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
*أي مهما كنت متنعماً فيها، يتنعم الإنسان في الدنيا بحسب قدراته، لو معك ألفْ ألف مليون، وأردت أن تأكل، ماذا تستطيع أن تأكل ؟ أوقية لحمة، أوقيتين، أكثر لا تستطيع، مهما كنت غنياً الاستمتاع بالحياة محدود بقدر طاقاتك، لكن الله عزَّ وجل هيَّأَ لك جنة يسعدك فيها لا بقدر طاقاتك بل بقدر قدرة الله عزَّ وجل، فهذه فكرة دقيقة كثيراً، أنت بالدنيا وجدت تفاحاً جيداً، أكلت تفاحة كبيرة، أكمل والله لا أقدر، طيبين، والله لا أقدر، طعمتهم طيبة، والله اكتفيت، ولا أقدر أن أزيد، فعندك سقف بكل شيء، بكل شيء من دون استثناء ؛ الزواج، الأكل، الشرب، السفر، حتى بالثياب تلبس بذلة واحدة، وتستعمل سريراً واحداً، تأكل وجبة واحدة، هناك سقف، ولك حدود، تستمتع في الدنيا بقدر طاقاتك المحدودة، لكن ما قولك بالآخرة:
﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى ﴾
( سورة النحل: آية "60" )
*من باب التمثيل، تأكل مليار تفاحة، تأخذ طعمها، تستمتع بطعمها على طول دون أن تدخل إلى جوفك، فلكل الشهوات حد لا تستطيع أن تكمل بعده، ولكنك بالآخرة وفي الجنة تستمتع لا بقدر قدراتك المحدودة في الدنيا بل بقدر قدرات الله في الآخرة، فالله عزَّ وجل خلقك لجنةٍ عرضها السماوات والأرض.
لا يزهد في الجنة إلا أحمق ولا يسعى إليها إلا عاقل:
*والله أيها الأخوة، لا يزهد في الجنة إلا أحمق ولا يسعى إليها إلا عاقل، والإنسان طموح، من هو الزاهد ؟ الزاهد هو الذي زهد في الآخرة، المؤمن في الدنيا طموح جداً لأنه يسعى إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض فيها مالا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فهذه الآيات:
﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) ﴾
*وقال:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾
( سورة البقرة)
*إذا ذكرك الله، فهل نال إنسان في الأرض عزاً كرسول الله ؟ ليس هناك على الإطلاق، اذهب إلى المدينة، قف أمام قبره في أيام الحج تجد ملايين كثيرة من شتى بقاع الأرض يقفون أمامه ويبكون، وقد مضى على وفاته ألفٌ وخمسمئة عام تقريباً، ماذا ترك ؟ الله تعالى قال:
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
( سورة الشرح )
*إذا الله رفع ذكرك:
((يا ابن آدم! إن ذكرتني في نفسك؛ ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ؛ ذكرتك في ملأ من الملائكة (أو قال: في ملأ خير منه) ))
[البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
المؤمن محسوب على الله أما غير المؤمن محسوب على بشر:
*بصراحة يا أخواننا الكرام، لا يليق بالمؤمن إلا أن يتعامل مع الله، ولا يليق بك أن تبيع نفسك لغير الله، ولا يليق بك أن تُجَيَّرَ لغير الله، ولا يليق بك أن تكون محسوباً على غير الله، هناك عالم توفي رحمه الله أجرى عملية جراحية بلندن، فلما سألوه بالإذاعة البريطانية: ما هذه المكانة الكبيرة التي حباك الله بها ؟ فلم يجب إجابة دقيقة، فلما ألحوا عليه بالسؤال، قال: " لأنني محسوبٌ على الله ". المؤمن محسوب على الله، أما غير المؤمن محسوب على بشر، فكل إنسان يكون لغير الله فقد احتقر نفسه، لم يعرف قدره، أنت لله، فالمؤمن لا ينافق، ولا يزوِّر، ولا يتكلم كلاماً لا يقتنع به، المؤمن رجل حق وصدق، إذاً:
﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) ﴾
*وقال:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾
( سورة البقرة)
*وقال:
﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾
( سورة محمد: الآية " 7 " )
*ينتظر الله منك هذه المبادرة، أن تقترب، وأن تتحرك، وأن تعمل شيئاً لكي يعطيك كل شيء، الثمن دائماً يتناسب مع المبيع إلا مع الله لا يتناسب، سنوات معدودة ؛ تأكل، وتشرب، وتتزوج، وتعمل، وتنام، وتستريح، لكنك تصلي خمس صلوات، تغض بصرك، وتنفق جزءاً من مالك، بالمئة اثنين ونصف للزكاة، وتعمل أعمالاً ضمن حركتك المحدودة جداً، هذه الأعمال المحدودة هي ثمن الجنة، ثمن جنة عرضها السماوات والأرض.
﴿ قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) ﴾
( سورة يس)
*لذلك قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً ))
[أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ]
الدنيا دار من*لا دار له ولها يسعى من لا عقل له:
*سلطان العارفين إبراهيم بن الأدهم كان ملكاً، وترك المُلك زهداً به، وصار عارفاً بالله، قال كلمة ـ هو وحده يصدق لأنه كان ملكاً ـ قال: " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف "، لأنه كان ملكاً وصار عارفاً بالله وحده مصدق، لو قالها غيره لقيل له: هل صرت ملكاً لكي تتكلم بهذا الكلام ؟ أما هو كان ملكاً، قال: " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف ".
*يا أيها الأخوة الكرام، الدنيا لا قيمة لها ؛ تغر وتضر وتمر، الدنيا دار من لا دار له، ولها يسعى من لا عقل له، ولو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، من يضحك أخيراً يضحك كثيراً.
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) ﴾
( سورة المطففين)
*الآن الكفار أقوياء، متغطرسون، عندهم عجب، عندهم كبر، وعندهم شعور بالتفوق، وأن العالم كله تحت سيطرتهم، وأنهم يحطمون ويضربون أي مكان:
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) ﴾
( سورة المطففين)
*وقال:
﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) ﴾
*وقال:
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) ﴾
( سورة المطففين)
المؤمن هو من يخاف بعقله:
*أخواننا الكرام، لا يمكن لإنسان يخاف الله أن يخيفه الله من عبد أبداً، إذا كنت تخاف الله أَمَّنَكَ، أما إذا لم تخف الله أخافك من أضعف خلقه:
﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) ﴾
*يملك الإنسان بالدنيا حرية اختياره، ما معنى مخيَّر ؟ أي لك أن تفعل كل شيء، لك أن ترتكب المعاصي كلها إلى أمد منظور دون أن يصيبك شيء، هذا الاختيار، فيمكنك أن لا تصلي، وألا تصوم، وأن تفعل كل الموبقات من غير أن يحدث لك شيء ؛ القلب منتظم، والضغط منتظم، وكل الأجهزة تامة، وأنت في كل المعاصي والآثام هذا الاختيار، اعملوا ما شئتم، كل شيء بحسابه، أما هذا الذي يخشى الله بالغيب فهو المؤمن، طبعاً كل إنسان يخاف بعينه، وإذا خاف الإنسان بعينه هبط إلى مستوى الحيوان، أما الإنسان الراقي فيخاف بعقله، الذي يخاف بعقله هو المؤمن، الدنيا ليس فيها أية فوارق، تجد الكافر هذه الأيام مثل المؤمن، مثل الفاسق، مثل الفاجر، كلهم في البيوت يأكلون ويشربون، لكن المؤمن خائف من يوم القيامة فتجده مستقيماً، الكافر يعيش لحظته، وهذا الأحمق يعيش لحظته فقط لا يفكر في المستقبل، قال لهم:
﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ (41) ﴾
كل شيء ثمين يجب أن تعرف قيمته كآيات الله سبحانه:
*صار أحد اليهود صحابياً جليلاً اسمه عبد الله بن سلاَّم يقول: والله حينما رأيت رسول الله عرفته كما أعرف ابني، بالمناسبة أوضح معرفـة، وأقوى معرفة، وأسرع معرفة، أوضح، وأقوى، وأسرع هي معرفة ابنك، لا يوجد أب بالأرض إذا رأى ابنه يقول له: أنت ما اسمك ؟ هذا مستحيل، هذه ليست واردة على الإطلاق، ابنه، قال الله:
﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾
( سورة البقرة: آية " 146 " )
*لأن أوصاف النبي جاءت في التوراة والإنجيل دقيقة يقول: " والله إني لأعرفه أنه رسول الله كما أعرف ابني " ، هذا ابن سلام قد آمن برسول الله، قال الله تعالى:
﴿ وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) ﴾
*هذه الآية في الحقيقة مخيفة، مرة اقتنيت كتاباً فوجدت فيه أربعة أدعية، لما قرأت هذه الأدعية والله اقشعر جلدي، أول دعاء: " اللهم إنـي أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني منِّي ".
*إنسان يتاجر بالدين ؟! يجعل الدين تجارة ؟ هو ليس ملتزماً، ولا مطبقاً، ولا منضبطاً، ولا طائعاً ؛ ويدعو الناس إلى الطاعة، والالتزام، والتطبيق، هذا أشقى إنسان، هذا اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً. حتى أوضِّح لكم الأمر تماماً: هل من الممكن أن يشتري أحد ما سبيكة ذهب وزنها كيلو غرام يعملها مجرفة بالبيت ؟ هل من المعقول أن تجعل هذه المادة الثمينة الغالية أداة رخيصة بالبيت ؟ هل من الممكن أن تشتري كمبيوتراً غالياً جداً فتعمله طاولة ؟ أنت اشتريت به ثمناً قليلاً، هل من الممكن أن تستخدم لإشعال المدفئة ورقة من فئة الألف ليرة مثلاً ؟ أهذا معقول ؟ فكل شيء ثمين يجب أن تعرف قيمته.
الدين هو منهج الإنسان للوصول إلى الجنة وعلى الإنسان ألا يتاجر به:
*هذا الدين منهج الإنسان للوصول إلى الجنة، هل من الممكن أن أتاجر فيه ؟ قال الإمام الشافعي: " والله لأن أرتزق بالرقص أهون من أن أرتزق بالدين" ، دع الدين بالعلياء، دعه صافياً، دعه بعيداً عن وحل الأرض، إذا أردت الدنيا فللدنيا أسبابها، أما الدين فلا تجعله في الوحل أبقه في السماء، هذه الآية دقيقة جداً:
﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) ﴾
*يمكن للإنسان أن يتاجر بالدين، يمكن أن يستخدم القرآن لمصالحه، ويمكن أن يستخدم العلوم الدينية لمصالحه، ولكن هذا الإنسان هو أشقى الناس .
*بالمناسبة: إذا لعب الإنسان بدين الله يفرمه الله فرماً، فهذا الدين دين الله عزَّ وجل لا تقربه بسوء، فإذا أراد الإنسان أن يتاجر به، أو أن يُضِل الناس، فالله كبير وعقابه أليم وشديد.
*ادعى شخص من الباكستان النبوَّة، وقال: " خاتم الأنبياء ليس معناه أنه آخر الأنبياء، أي أن كلامه يصدِّق من يأتي بعده "، وادَّعى أنه نبي، وكانت هناك جائحة كبيرة جداً من مرض الكوليرا بالباكستان، وزعم أنه لن يُصَاب بالكوليرا لأنه نبي، فالذي حدث أنه أُصيب بالكوليرا ومات داخل المرحاض، أي أن الله عزَّ وجل فضحه:
﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ(44)لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45)ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ(46)فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ(47) ﴾
( سورة الحاقة )
*لمجرَّد أن يتاجر الإنسان بالدين يفضحه الله، ويذلَّه، ويكشفه للناس، فإيَّاك أن تقترب من هذا الدين العظيم بسوء، هذا اتركه لله، هذا اخدمه ولا تحاول أن تعيش على أنقاضه، ولا تطعن بأهل الحق، سبحان الله الناس لا يحلو لهم شيء إلا الطعن بأهل الحق، لأنه نوع من عدم التوازن، معه عدم توازن، فأنت من الممكن إذا لم يكن لديك توازن أن تستعيد توازنك بطاعة الله، أن تستعيد توازنك بالإقبال على الله، أما أن تستعيد توازنك بتحطيم المؤمنين !! فهذا عمل قذر ولا يليق بالإنسان أن يفعله.
لا بدَّ من أن يمتحن الله عزَّ وجل الإنسان والمؤمن هو الذي ينجح في الامتحان:
*قال تعالى:
﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً (41) ﴾
*أي أن أحدهم باع نفسه لله لسنوات محدودة فكان الثمن الجنة، الآن بالعكس، باع الجنَّة واشترى بها الدنيا.
*بالمناسبة: لا بدَّ من أن يمتحن الله عزَّ وجل الإنسان، يضعه أحياناً أمام خيار صعب ؛ إما الآخرة أو الدنيا، إما أن ترضي الله، وإما أن تأتيك المصالح تماماً، فالإنسان قلَّما ينجو من امتحان صعب، قلَّما ينجو من ابتلاء، قلَّما ينجو من خيار صعب، إنه أمام مفترق طرق، فالمؤمن هو الذي ينجح في الامتحان، معاذ الله، سأضرب لكم أوضح مثل: طبيب ناشئ، أي عنده مشوار طويل، لا يوجد معه شيء ؛ لا بيت، ولا عيادة، ولا شيء، يعمل طبيباً في قرية، قُتِل إنسان وكانت الجريمة مُحْكَمَة، وقالوا له: خذ عشرة ملايين واكتب وفاة طبيعيَّة، إنه يحِل كل مشاكله بهذه الملايين، هذا المقتول معه مئتا مليون ضحَّى القاتل بعشرة ملايين، فإذا كتب الطبيب وفاة طبيعيَّة ماذا فعل ؟ اشترى بدينه ثمناً قليلاً، هناك أشخاص لو وضعت له مال قارون لا يخالف قناعاته إطلاقاً، هذا هو المؤمن إنه رجل مبدأ.
*سمعت قصَّة منذ يومين من أخ كريم وحكيتها بعد صلاة الفجر وهي: أن هناك أسرة على وشك الموت من الجوع، الأب مُقعَد، والأم تخدمه، والأولاد صغار، وليس لديهم أي دخل، والجوع شديد جداً، ذهب أحد الأولاد إلى الفرن ليشتري خبزاً فرأى شخصاً يحمل كميَّة كبيرة من اللحم، تقارب خمسة كيلو، فقال للفران: أريد صفيحة، ولما سأله: متى أحضر لأخذهم ؟ قال له: تعال الساعة الواحدة والنصف، خطر في بال هذا الولد أن يحضر الساعة الواحدة والربع ويأخذ الصفيحة لأهله، قال له: أعطنا الصفيحة، لم ينتبه الفرَّان إليه، وأعطاهم له، دخل إلى البيت فقالت له أمه: يا ماما هذا لا يجوز، هذا الطعام ليس لنا، لبست وأخذت ابنها واعتذرت من الفرَّان، وقالت له: جاؤونا خطأً، وأرجعتهم، الله عزَّ وجل كافأهم، فصاحب الطعام عرف بالقصَّة وجاء إلى هذا البيت ولم يترك شيئاً ينقصه أبداً، أكمله تماماً، القضية قضية قِيَمْ، قضية أن تعرف الله، أن تخشى الله.
أخطر إنسان هو الذي يُفتي بخلاف ما يعلم:
*هنا المؤمن يظهر في الدنيا:
﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)﴾
*هناك طُرْفَة، أحد سماسرة البيوت دخل وصلَّى العشاء باتجاه الشمال، ليوهمهم أن هذا البيت اتجاهه قبلي، فمن أجل أن يبيع البيت باع دينه، من أجل أن يبيع هذا البيت باع دينه كلَّه، وهذا يحدث كل يوم، طبعاً هذا مثل حاد، يمكن لإنسان أن يحلف يمين كذب، أو أن يشهد شهادة زور، ممكن لمصلحة مُعَيَّنة أن يستعصي في بيت قد استأجره، ويقول لك: أنا القانون معي، أي أنه باع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، هذا معنى:
﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً (41) ﴾
*بالمناسبة: أحياناً يفتي الإنسان فتوى فيأخذ ثمنها باهظاً، ولكنها فتوى باطلة، لذلك أخطر إنسان هو الذي يُفتي بخلاف ما يعلم، الذي يُفتي وهو لا يعلم مُحاسَب، أما الذي يُفتي بخلاف ما يعلم هذا اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً، أنت تفاجأ أن لكل معصية فتوى، الآن في العالَم الإسلامي أيّ معصية لها فتوى كاملة، فلا توجد مشكلة، ولكن لم يبق شيء في الدين، إذا كان الربا مسموحاً، فتوى رسميَّة ، إذا كان هذا مسموحاً، وهذا مسموح، فما الذي بقى محرَّماً ؟!
وجود كتب كثيرة همّها تشويه الدين:
*قال تعالى:
﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)﴾
*العمليَّة عمليَّة تزوير، الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمورٌ مشتبهات، يأتي المنافق ويجمع شيئاً من الحق وشيئاً من الباطل كيف ؟ يقول لك: يا أخي الله عزَّ وجل قال:
﴿ لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً ﴾
( سورة آل عمران: آية " 130" )
*معنى هذا ـ حسب مفهومه ـ إذا أخذ الإنسان أضعافاً قليلة فهو ليس مؤاخذاً، دخل من الباب:
﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ(99) ﴾
( سورة الحجر)
*أنا تيقَّنت والحمد لله، إذاً انتهت العبادة، فيُحضر آيات، ويُحضر أحاديث، توجد كتب كثيرة همها تشويه الدين، الآن قراءة معاصرة للقرآن الكريم، السلوك الإباحي مغطَّى بكل آيات القرآن الكريم ، إذا قرأ الواحد الكتاب لا يوجد فيه شيء حرام أبداً، يمكن للفتاة أن يراها أبواها كما خلقها الله، بنص الكتاب، هذه قراءة معاصرة !! ألم ينتبه العلماء القُدامى إلى هذه النقطة ؟! فهناك من يستخدم القرآن، ومن يستخدم السُنَّة، ومن يستخدم الدين لأهداف معيَّنة:
﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) ﴾
الازدواجيَّة أخطر شيء يصيب أهل الدين:
*هذا الذي يُفتي بخلاف ما يعلم، هذا الذي يسكت عن الحق إرضاءً لجهةٍ ما، لذلك قال الله عزَّ وجل :
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلا اللَّهَ ﴾
(سورة الأحزاب: آية "39 ")
*ذكر الله عزَّ وجل بهذه الآية صفة واحدة، وهذه الصفة جامعة مانعة، هذا الذي يدعو إلى الله إذا خشي غير الله فتكلَّم بالباطل إرضاءً له، وإذا خشي غير الله سكت عن الحق إرضاءً له، سكت عن الحق ونطق بالباطل ماذا بقي من دعوته ؟ انتهت دعوته، هذه أخطر صفة للداعية أن لا يخشى إلا الله:
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (44) ﴾
*هذا أخطر شيء بالدعوة، وأخطر شيء يصيب أهل الدين الازدواجيَّة، أي هناك نصوص وهناك طقوس وعبادات، أما المعاملة فهي شيءٌ آخر، عندما تنفصل المعاملة عن العبادة انتهى الدين، يوجد في الدين عبادة تعامليَّة، وعبادة شعائريَّة، وهما متكاملتان، والعبادة الشعائريَّة لا قيمة لها إلا بالتعامليَّة، فإذا ألغينا التعامليَّة ألغينا الدين كلَّه، هنا:
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾
المُثُل العُليا تشدُّ الناس إلى الدين أما الكلام فلا يؤثِّر:
*لو سألتني لماذا تألَّقت دعوة هؤلاء الأنبياء العِظام ؟ ولماذا سارت دعوتهم في الآفاق ؟ لأنهم طبَّقوا. كان هناك عهد لسيدنا رسول الله مع اليهود أن يأخذ نصف تمرهم في خيبر، فكلَّف سيدنا ابن رواحة ليقدِّر التمر، فذهب إليهم، خطر في بالهم أنهم إذا أعطوه هديَّةً ثمينةً قد يخفَّض التقييم، فجمعوا له من حلي نسائهم حلياً كثيراً وقدَّموها له، أن ارْأف بنا أي التمسنا، فقال: " والله جئتكم من عند أحبِّ الخلق إليَّ، ولأنتم أبغض خلق الله إليَّ "، وهناك رواية: " لأنتم كالقردة والخنازير عندي ومع ذلك ما كنت لأحيف عليكم، وهذا الذي تعطونني إياه هو سُحتٌ، ونحن لا نأكل السُحت "، فقال اليهود: " بهذا قامت السماوات والأرض، وبهذا غلبتمونا "، أي إذا بقي الدين صلاة وصوماً فقط وكل شيء مُباح انتهى الدين، ولكن يجب أن تجد الدين في التعامل اليومي، عاهد أحد الصحابة الكفار في أثناء الهجرة ألا يقاتلهم، وعندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فرح به، بعد حين سار رسول الله في غزوة فنسي هذا الصحابي وأحب أن يخرج مع الصحابة للغزوة عليهم رضوان الله، فقال له صلى الله عليه وسلم: " ارجع أنت ألم تعاهدهم ؟ ":

﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾
*لذلك يتعلم الناس بعيونهم لا بآذانهم، ولغة العمل أبلغ من لغة القول، والذي يشدُّ الناس إلى الدين المُثُل العُليا، أما الكلام فلا يؤثِّر، الكلام لا يُحرِّك ساكناً، جاء الأنبياء بالكلمة فقط، ولكن بالكلمة التي يؤكِّدها الواقع، فلو سألتني: ما سر نجاح دعوة الأنبياء، وإخفاق دعوة الدعاة في أيامنا ؟ لأنه لا توجد عند النبي ازدواجيَّة أبداً، فالذي قاله فعله، والذي فعله قاله، فالانسجام تام بين أقواله وأفعاله، ينبغي على المؤمن أن تكون سريرته كعلانيَّته، وظاهره كباطنه، وما في قلبه على لسانه، وخلوته كجلوته، لا توجد عند المؤمن ازدواجيَّة، هذا الانسجام يجعل الدعوة تنتشر في الآفاق، وهذا الدين الآن إن أردنا له النجاح لا بدَّ من أن نطبِّقه، وأن نعقلنه، وأن نُبَسِّطه، يجب أن يُبَسَّط، ويجب أن يُعَقلن أي يتوافق مع العقل، ويجب أن يُطبَّق، طبِّق وكن عاقلاً، عقلنه، وطبِّقه، وبَسِّطه ينتشر الدين.
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
15-03-2012, 11:53 AM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (23- 95):تفسير الأيات 43-46 ، الإيمان بالآخرة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-01-01


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثالث والعشرين من دروس سورة البقرة.
يمكن أن نجمع الدين كله بكلمتين ؛ اتصال بالخالق، وإحسان للمخلوق :
*مع الآية الثالثة والأربعين :
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ﴾
*الإنسان له علاقتان ؛ علاقةٌ مع الخلق، وعلاقةٌ مع الحق، العلاقة مع الحق الاتصال به عن طريق الاستقامة على أمره، وعلاقته مع الخلق الإحسان إليهم، فإذا أردت أن تجمع الدين كلَّه ففي كلمتين: اتصالٌ بالخالق وإحسانٌ إلى المخلوق، وإن أردت أن تبحث عن علاقةٍ بينهما، فهناك علاقة ترابطيَّة بينهما، فكل اتصالٍ بالخالق يعينك على أن تُحْسِنْ إلى المخلوق، إنك بهذا الاتصال تشتقُّ من كمال الله، وكل إحسانٍ إلى المخلوق يعينك على الاتصال بالخالق، أي أن كلاً من الاتصال بالخالق والإحسان إلى المخلوق سبب ونتيجة، يُعَبَّر عن هذا بالعلاقة الترابطيَّة، كلٌ منهما سبب ونتيجة، فالإحسان يجعلك تثق برضاء الله عنك فتُقْبِلُ عليه، والاتصال يجعلك تصطبغ بصبغة الكمال فتُحسن إلى المخلوقات، فإذا أردنا أن نضغط الدين كلَّه في كلمتين نقول: اتصال بالخالق، وإحسان للمخلوق.
*أما الكفر فهو إعراض عن الخالق، وإساءة إلى المخلوق، إن أردت أيضاً وصفين جامعين مانعين لأهل الكفر، إعراضٌ عن الله وإساءةٌ إلى الخلق، فالمؤمن يبني حياته على العطاء والكافر يبنيها على الأخذ، المؤمن بالإحسان والكافر بالإساءة، المؤمن بالاستقامة والكافر بالانحراف، المؤمن بالصدق والكافر بالكذب، المؤمن بالإنصاف والكافر بالجحود، هوية المؤمن مجموعة قيم أخلاقيَّة وهوية الكافر مجموعة نقائص أخلاقيَّة، والكافر على نوعين ؛ كافر ذكي وكافر غبي، الكافر الذكي يخفي نقائصه ويضع أقنعة مزيَّفة على وجهه، هو يغُشُّك، يغريك أنه على حق، وهو كافر منحرف، والكافر الغبي يُظْهِر نقائصه صراحةً، على كلٍ كلمة.
المؤمن بين خيارين صَعبين إما الدنيا وإما الآخرة:
*قال تعالى:
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ (43) ﴾
*هي الدين كلُّه، أي أحسنوا إلى المخلوقات واتصلوا بي، أو اتصلوا بي كي تُحْسِنوا إلى المخلوقات، والإحسان إلى الخلق ثمن الجنَّة وهي السعادة الأبديَّة، نحن مخلوقون لدار إكرام ثمنها الإحسان للخلق، فلذلك حينما تؤمن بالآخرة لك ميزان آخر، ميزان آخر بخلاف موازين الدنيا، مثلاً إذا أُتيح لك مغنم كبير ولم تأخذه يتهمك أهل الدنيا بالجنون، أما أهل الإيمان فيضعون الدنيا تحت أقدامهم ابتغاء مرضاة ربِّهم، ولله حكمةٌ بالغة حينما يضع المؤمن بين خيارين صَعبين، إما الدنيا وإما الآخرة، إما مصالحه الماديَّة وإما طاعة ربِّه، أما أن تتوافق مصالحك الماديَّة توافقاً تامَّاً مع طاعة الله هذا شيء لا تحلم به أبداً، مستحيل، مستحيل أن تجد أن كل مصالحك وكل رغباتك موفَّرةٌ في طريق الجنَّة، لا بد أن تضحِّي، لا بد من أن توضع في خيارٍ صعب إما الدين وإما الدنيا، إما طاعة الله وإما مكاسب الدنيا، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ (43) ﴾
*أمَّا معنى:
﴿ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ﴾
*أي أنك ينبغي أن تكون ضمن جماعة، لأن الجماعة رحمة والفرقة عذاب:
(( عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ إِنَمَا يَأْكُلُ الذِئبُ القَاصيَّةَ ))
[ النسائي عن أبي داود]
النبي معصومٌ بمفرده بينما أمَّته معصومةٌ بمجموعها :
*هناك منافسة ضمن الجماعة، وهناك تصحيح مسار دائماً ضمن الجماعة، وهناك رغبة بالتفوُّق، هل سمعت بكل حياتك مسابقة بلا جماعة، هل يمكن لإنسان أن يركض وحده ويقول لك: أنا كنت الأول، على من فزت بالأول ؟ المسابقة فيها مجموع، هناك فريق، فلمَّا قال الله تعالى:
﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ ﴾
(سورة الحديد: من آية " 21 ")
*معنى هذا أنك ضمن جماعة، كلمة مسابقة تعني أنك ضمن جماعة:
﴿ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ﴾
*الجماعة رحمة، والنبي عليه الصلاة والسلام طمأننا :
(( إِنَّ أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلالَةٍ ))
[ ابن ماجة عن ابن مالك ]
*النبي معصومٌ بمفرده بينما أمَّته معصومةٌ بمجموعها:
(( إِنَّ أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلالَةٍ ))
[ ابن ماجة عن ابن مالك ]
*إذا تكلَّم الإنسان وفق الحق والكل ساكتون هذا اسمه إجماع سكوتي ، الآن كتاب يُطْرَح في الأسواق صحيح، أدلَّته قويَّة، وفق منهج الله، وفيه روح الدين الإسلامي، تحقَّقت فيه مقاصد الشريعة، لا تجد أحداً يحكي عليه، ولكنهم يثنون عليه، الثناء على هذا الكتاب دليل أن الناس تلقَّوْه بالقبول، أما لو كان فيه انحراف عقائدي لهاجمه الناس، فسكوت الناس عن شيء صحيح هذا اسمه إجماع ولكنَّه سكوتي، إجماع سلبي، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إِنَّ أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلالَةٍ ))
[ ابن ماجة عن ابن مالك ]
على المؤمن أن يكون مع جمهور المؤمنين لا مع مطلق الجمهور:
*قال تعالى:
﴿ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ﴾
*أي أن صومكم يوم تصومون، لا يوجد انفراد، فطركم يوم تفطرون، كن مع المجموع، حتى إذا قرأت في الكتب كن مع الجمهور لا مع الآراء الشاذَّة النادرة القليلة، هناك آراء شاذة، لها أدلَّة ضعيفة، كن مع الجمهور ؛ مع جمهور العلماء، لأن الجمهور رحمة، طبعاً جمهور العلماء وليس الجمهور العادي:
﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
(سورة الأنعام: من آية " 116 " )
*كن مع جمهور المؤمنين لا مع مطلق الجمهور:
(( لا تكونوا إمَّعة ))
[الترمذي عن حذيفة]
*من هو الإمَّعة، قال: " إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت "، هذا ليس صحيحاً، يجب أن تكون لك استقامتك، ويجب أن لا تعبأ بقول الناس إذا كانوا على انحرافٍ لا يرضي الله عزَّ وجل:
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ﴾
*يتوهم الإنسان بالعُزلة أوهاماً مضحكة، يبني قصوراً من الأوهام، ولكنه يتحجم عندما يقيم مع الآخرين، وهذا التحجيم صحِّي، قد تتوهِّم أنك أكبر مؤمن، فعندما تجلس مع مؤمن أكبر منك ترى أن عملك لا شيء أمام عمله، إخلاصك أقل من إخلاصه، طموحك أقل من طموحه، تتحجَّم، فهذا التحجيم ضروري جداً للإنسان، هذا التحجيم منطلق العطاء، منطلق التفوّق، أما لو أنك توهَّمت أنك في مستوى رفيع جداً، وأنت بعيد عن المجتمع هذا الوهم غير صحيح، هذا يُقْعِدُكَ عن طلب العُلا.
من فوائد الجماعة :
*من فوائد الجماعة أنها رحمة ؛ أولاً تصحِّح لك المسار، ثانياً تحفزك على التفوُّق، ثالثاً تأخذ بيدك إذا تعثَّرت، إذا كان للإنسان أخوان كرام يأخذون بيده إن أخطأ، ويعيدونه إلى الصواب إن شرد، يجتهد اجتهاداً مغلوطاً فيصحِّحون له اجتهاده، ولذلك صلاة الجماعة تعدل صلاة الفرد بسبعٍ وعشرين ضعفاً، السبب ؟ الصلاة هي الصلاة، السبب هو الاجتماع، وكم من أخ يأتي إلى بيتٍ من بيوت الله فينزل على قلبه من السّكينة والراحة النفسية والطمأنينة، يلتقي بأخوانه، ينسى همومه، هذه ساعات النفحات الإلهيَّة ؛ نفحات تعين على مصاعب الحياة:
﴿ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ﴾
*كن مع المجموع، اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، الورع لا يتَّسع، النقطة الدقيقة جداً:
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾
*أي أن العلم في الإسلام وسيلة وليس هدفاً، سهل جداً أن تتكلَّم عن الأخلاق، وسهل جداً أن تتحدَّث عن العبادات، ومن السهل جداً أن تجلس والناس يتحلَّقون حولك وتحدِّثهم، لكن البطولة أن تكون إماماً لهم، فيجب أن يكون الإمام أمام المؤْتَمّين لا وراءهم، يجب أن يكون الإمام في الأمام قدوة:
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ (44) ﴾
*أن تأمر الناس بالبر قضيَّة لا تكلِّف شيئاً، وسهلة جداً، لاحظ الناس إذا أصيب إنسان بمصيبة كل من حوله يقولون له: بسيطة، لا توجد مشكلة، طوِّل بالك، سهل عليك أن تُصَبِّره، ولكن لو وقعت معك هذه المصيبة قد تفعل أكثر مما فعل، فالتصبير سهل، والكلام سهل، أما أن تكون في مستوى كلامك هذا الشيء الذي يجعلك بطلاً.
الكلمة الطيّبة بضاعة الأنبياء والكلمة الخبيثة تنتشر لكنَّ ما لها من قرار :
*عظمة الأنبياء أن الذي قالوه فعلوه، وأنهم ما أمروا بأمرٍ إلا كانوا سبَّاقين إليه، ولا نهوا عن شيءٍ إلا كانوا أبعد الناس عنه، لم يكن في حياتهم ازدواجيَّة أبداً، لا تجد في حياتهم تناقضاً بين أقوالهم وأفعالهم، حينما ينطلق الإنسان من مصداقيَّة يعيد للكلمة تألُّقها، وقد ذكرت في درسٍ سابق: بماذا جاء الأنبياء ؟ بالكلمة، جاؤوا بكلمة صادقة غيَّرت مفاهيم الحياة، نشروا الحق في العالَم، الأنبياء بمصداقيّتهم أعطوا الكلمة قدسيَّتها، كلمة، أما الطُغاة فجاؤوا بأسلحة فتَّاكة، جاؤوا بأجهزة دقيقة جداً، بطائرات فتَّاكة، جاؤوا بمخترعات مذهلة، لكنَّهم مع كل هذه الإنجازات ما قدَّموا للإنسان السعادة، بل قدَّموا له الشقاء، فالأنبياء أعطوا كل شيء من خلال كلمةٍ صادقة، لذلك قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ(24)تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(25)﴾
( سورة إبراهيم )
*الكلمة الطيّبة هي بضاعة الأنبياء، والكلمة الخبيثة تنتشر لكنَّ ما لها من قرار، ما لها أساس علمي ، ما لها أساس واقعي:
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ (44) ﴾
(( أوحى الله إلى عيسى "عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني ".))
[أحمد عن مالك بن دينار]
حينما يُطَبِّق الإنسان ما يقول يجعل الله لكلامه قوَّةً تأثيريَّةً عجيبة:
*إنها وقاحةً بالإنسان أن ينصح بشيءٍ لا يفعله، فدعوة الغني المُتْرَف إلى التَقَشُّف دعوةٌ مضحكة، ودعوة المنحرف إلى الاستقامة دعوة مخجلة، ودعوة الإنسان اللاأخلاقي إلى الخُلق دعوة ساخرة، وهذا ما جعل الناس ينفرون من الدين، إن صحَّ التعبير :
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1)وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً(2)فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً(3) ﴾
(سورة النصر)
*حينما تنشأ مسافة كبيرة جداً بين أقوالهم وأفعالهم يخرج الناس من دين الله أفواجاً، وحينما لا يرون المصداقيَّة في الدعاة يخرج الناس من دين الله أفواجاً، وحينما لا يرون في الداعية المَثَل الأعلى يخرج الناس من دين الله أفواجاً:
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾
يا أيها الرجل المُعَلِّم غيره * هلا لنفسك كان ذا التعليم
ابدأ بنفسك فانهها عن غَيِّها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
***
*يجب أن يكون الإنسان صادقاً مع نفسه، وحينما يُطَبِّق ما يقول يجعل الله لكلامه قوَّةً تأثيريَّةً عجيبة حينما ينطلق من واقع يفعل فعل السحر في كلماته، تجد الدعاة إلى الله في التاريخ لهم أعمال كالجبال.
الصفة الجامعة المانعة في مَنْ يدعو إلى الله عزَّ وجل ألا تأخذه في الله لومة لائم :
*يروى أن عالِماً جليلاً كان له تلميذ، وهذا التلميذ له عبد، هذا العبد عندما رأى سيِّده يحترم شيخه احتراماً لا حدود له رجاه أن يعطي إشارةً لتلميذه أن يُعْتِقه، فقال له الشيخ: " إن شاء الله أفعل هذا "، مضى شهر، وشهران، وثلاثة أشهر ولا توجد هناك أي حركة، من شدَّة ما رأى محبّة هذا التلميذ لشيخه، اعتقد العبد أن الشيخ لو أعطاه إشارة أن أعتق هذا العبد يعتقه على الفور، والشيخ وعده لكن لم يحصل شيء، ثم زاره مرَّةً ثانية وذكَّره فقال له الشيخ: " إن شاء الله أفعل هذا " ، ولم يحدث شيء خلال أشهر، ثم زاره مرَّةً ثالثة، وقد مضى على طلبه سنة، فقال له: " أفعل هذا إن شاء الله " ، بعد أيَّام استدعاه سيِده وأعتقه تنفيذاً لتوجيه شيخه، فلمَّا التقى العبد بالشيخ قال له: " يا سيدي كلمةٌ منك تدعو سيدي إلى إعتاقي فلماذا تأخَّرت كل هذه المدَّة ؟ " قال له: " يا بني حمَّلتنا فوق ما نطيق، لقد وفَّرت من مصروف البيت مالاً أعتقت به عبداً، ثم أمرت سيدك أن يعتقك "، أي أنا ما أمرته أن يعتقك إلا بعد أن كنت قدوةًُ له.
*لو أن الدعاة لا يتكلَّمون كلمة واحدة إلا وطبَّقوها لكنَّا في حالٍ آخر غير هذا الحال. قلت لكم في الدرس الماضي قوله تعالى :
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً(39) ﴾
(سورة الأحزاب)
*أي أن هذا الذي يبلِّغُ رسالات الله ينبغي أن يخشى الله وحده، فإذا خشي غير الله فسكت عن الحق إرضاءً لمن خشيه ونطق بالباطل إرضاءً لمن خشيه، ماذا بقي من دعوته ؟ انتهت دعوته، لذلك الصفة الجامعة المانعة في مَنْ يدعو إلى الله عزَّ وجل ألا تأخذه في الله لومة لائم.
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾
أكبر وسيلة فعَّالة في التربية أن تأمر ابنك بما تفعله لا بما لا تفعله:
*ذكرت لكم من قبل: كيف أن الله عزَّ وجل استخدم الأسلوب التربوي الفَعَّال في الحديث عن أمراض بني إسرائيل، مع أن هذه الأمراض في مُجْمَلِها قد تلبَّسنا بها، فنحن مُعَرَّضون أن نصاب بأمراضهم تماماً، حدَّثني شخص كطرفة، قال لي: في أحد المعاهد الشرعية رجل له باع طويل في إلقاء الدروس، ألقى درساً عن التواضع ببيان رائع ووصف دقيق جداً، ولكنه بعد ما خرج من الدرس كان جالساً بغرفة المدرِّسين بدرجة من الاستعلاء لا تُحْتَمَل !!! هو أتقن درس التواضع لكنَّه لم يتواضع، الناس يتعلَّمون بعيونهم لا بآذانهم، ماذا يرى ؟ يجب أن ترى التواضع، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال:
((... وعليّ جمع الحطب ـ سيد الخلق ـ قالوا له: نكفيك ذلك، قال: أعلم أنكم تكفونني، ولكنَّ الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ))
[ ورد في الأثر ]
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾
*هذا الكلام موجَّه للآباء في الدرجة الأولى، أكبر وسيلة فعَّالة في التربية أن تكون أنت قدوته، أكبر وسيلة فعَّالة في التربية أن تأمر ابنك بما تفعله لا بما لا تفعله، فبالتعليم إذا ضُبِطَ طالب يدخِّن يُعَاقب عقاباً شديداً، وأستاذه يدخِّن أمامه، وإذا دخَّن الطالب يعاقبه، وهو المثل الأعلى، أخطر شيء يفعله الآباء أنهم لا يطبِّقون توجيهاتهم، إذاً سقطت الكلمة كقيمة، الأنبياء جاءوا بالكلمة، فإن لم تُطَبَّق سقطت هذه الكلمة، وعندئذٍ لا جدوى منها، والدليل يقولون لك: كلام بكلام، وإذا تلاسن اثنان يقول لك: بلا فلسفة، لأن الكلمة سقطت، ولم يعد لها قيمة، يمكن أن تتكلَّم كلاماً ليس له معنى، وتتكلَّم كلاماً كلَّه كذب، وتتكلّم كلاماً غير واقعي، وتتكلَّم كلاماً لا تفعله أنت، وتتكلَّم كلاماً أنت بعيدٌ عنه بعد الأرض عن السماء، فالكلام حينما يبتعد عن الواقع وعن التطبيق لم يكن له قيمة، لذلك الآن أزمَّة المسلمين في العالَم أن العالَم لا يقنع بالكلام، أعطه مجتمعاً إسلامياً طُبِقَ فيه الإسلام وقُطِفَت ثماره كلها لكي يسلم، يأتي الذين أسلموا من الكتب إلى الشرق الأوسط فيرون العكس، يحمدون الله على أنهم أسلموا قبل أن يأتوا إلى هنا، الإسلام بالكتب سهل، كلام جميل ودقيق، يأتي إلى هنا يجد أن هناك كذباً، وانحرافاً، وتقصيراً، وازدواجيَّة، و نِفاقاً.
حينما يتصل الإنسان بالله تصطبغ نفسه بالكمال :
*قال تعالى:
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ (44) ﴾
*المنهج بين أيديكم، الكتاب بين أيديكم، افعل ولا تفعل بين يديك في متناول كل إنسان، الأمر والنهي سهل جداً:
﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ (45) ﴾
*الآية دقيقة جداً، حينما يتصل الإنسان بالله تصطبغ نفسه بالكمال، يضعف الجهد في حمل النفس على طاعة الله، صارت الاستقامة سهلة، شخص نظيف جداً لا يحتاج إلى معاكسة لنفسه من أجل تنظيف جسمه، هو نظيف، يمارس النظافة مع راحةٍ نفسيَّة، أما إذا كان بعيداً عن النظافة، ويوجد عليه ضغط من أبيه أن غسِّل، واعتنِ بنفسك، صار عليه عبء شديد، فالإنسان قبل أن يصل إلى الله عزَّ وجل، أو قبل أن يصطبغ بصبغة الكمال يحتاج إلى صبر، يحتاج إلى مجاهدة، هناك مثل أوضح من ذلك:
*إذا كان الإنسان قبل أن يتوب متعلِّقاً ببعض الأغنيات، ثم هو تاب إلى الله وامتنع عن سماع الغناء كلِّياً، لكن نفسه تتوق لهذه الأغنية، فلو سمعها في مركبةٍ عامَّة تجاوب معها تجاوباً عجيباً، هو لا يسمعها بقصد، ولكنه سمعها عَرَضَاً، لكن بعد حين، بعد سنوات، بعد أن تصطبغ نفسه بالكمال يحتقر هذه الأغنيات، ويشمئز منها، ويترفَّع عنها، هذا الإنسان مرَّ بمرحلة المجاهدة يوم كانت نفسه بعيدةً عن مثله الأعلى، ثم انتقل إلى مرحلة الانسجام يوم أصبح مصطبغاً بالكمال.
إذا كان بينك وبين الكمال مسافة استعن بالله والصبر إلى أن تصل إليها:
*ربنا عزَّ وجل قال:
﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ (45) ﴾
*الاتصال بالله يكسبك الكمال وعندها لا تحتاج إلى مجاهدة كبيرة، فالصادق الحليم فعلاً لا يحتاج إلى بذل جهد في الحلم، أما الذي يتحلَّم، " إنما العلم بالتعلُّم، وإنما الحلم بالتحلُّم "، يقول لك الذي يتصنَّع الحلم: كنت أغلي من داخلي كالمرجل ولكني ضبطت أعصابي، هذا يتحلَّم، وليس حليماً، إذاً يوجد جهد كبير بالضبط، ومعنى هذا هناك مسافة بينك وبين الكمال، ولكنه أمر جيد على كل حال، جيد جداً أن تحمل نفسك على الكمال عن طريق التصنُّع، لكن بعد حين عندما تتصل بالله عزَّ وجل وتصطبغ النفس بالكمال صار الحلم عندك سهلاً جداً، صار جزءاً من طبيعتك، صار جزءاً من جبلَّتك، فأنت حليم بحكم سجيَّتك الطيّبة الطاهرة، الآية دقيقة، فإذا كان بينك وبين الكمال مسافة استعن بالله والصبر إلى أن تصل إليها، فإذا وصلت إليها يعينك اتصالك بالله عزَّ وجل المحكم على تطبيق هذا المنهج الكامل:
﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ (45) ﴾
*الصلاة كبيرة، كبيرة على المنافق :
﴿ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى ﴾
( سورة التوبة: من آية " 54" )
*كبيرة عليه، يصعب عليه أن يصلي، قد يمضي ساعات طويلة في كلام فارغ أما أن يصلي التراويح فهي صعبة عليه، لا يحتمل، أنا والله أعرف أناساً في التراويح كأنهم في جنَّة، في جنَّة من جنَّات القُرب، واقف يستمع إلى القرآن الكريم وكأن الله يحدِّثنا، قال: " إن أردت أن تحدِّث الله فادعه، وإن أردت أن يحدِّثك الله فاقرأ القرآن "، أنت حينما تقرأ القرآن أو تستمع إليه تشعر وكأن الله يحَدِّثك، فالتراويح فيها راحة للنفس، والفرق بين صلاة المنافق وصلاة المؤمن أن صلاة المنافق أرحنا منها، والمؤمن أرحنا بها، هذا هو الفرق بين (من) وبين (الباء)، المنافق يقول: أرحنا منها، والمؤمن يقول: أرحنا بها.
الصلاة كبيرة إلا على الخاشعين:
*قال تعالى:
﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) ﴾
*الإنسان المتفلِّت يُطلق بصره في الحرام، ماله حرام، عمله سيِّئ، فإذا وقف ليصلي تجد أنه محجوب عن الله عزَّ وجل، فصلاته حركات ليس لها معنى بالنسبة له، أحياناً تجد صلاة سريعة جداً غير معقولة إطلاقاً، فالصلاة السريعة أو الصلاة التي لا يوجد فيها خشوع سببها الحجاب، فإذا صلى الإنسان ولم يشعر بشيء، قرأ القرآن ولـم يشعر بشيء، ذكر الله ولم يشعر بشيء، فعنده مشكلة كبيرة جداً، إذا انقطع عند مريض خروج البول هذه ليست مشكلة عرضيَّة ولكنها علامة كبيرة جداً، هذا عنده مشكلة، عنده فشل كلوي وسيعاني معاناة كبيرة، يوجد في الجسم أعراض يمكن أن يقول الناس: ليس فيها شيء، مع أنها خطيرة جداً، وتوجد أعراض مؤلمة ولكنَّها غير خطيرة، فإذا صلى الإنسان ولم يشعر بقربه من الله عز وجل، وقرأ القرآن لم يشعر أيضاً، وذكر الله وما شعر بشيء، فمشكلته كبيرة جداً، أي أن الطريق مقطوع، وهو واقع بحجاب شديد.
*هذه الصلاة كبيرة إلا على الخاشعين، إذا تحرّى الإنسان الحلال فوجهه أبيض، وخدم الخلق وأحسن إليهم وأنصفهم، وما أكل مالاً حراماً، وما ابتزَّ أموال الناس، وما استغلَّ جهلهم فوجهه يبقى دائماً أبيضاً، هناك نقطة لا ينتبه إليها أحد، قد تكون شاطراً، وقد تحقِّق نجاحاً كبيراً جداً في الحياة بأساليب غير أخلاقيَّة، وعندما يسلك الإنسان طريقاً غير أخلاقي يحدث عنده انهيار داخلي، فتجد ردود فعله عنيفة جداً وغير متوازنة، لأنه عندما خالف فطرته عذَّبته فصار عنده انهيار داخلي، الذي يراعي راحة نفسه الأخلاقيَّة، يراعي أنه منسجم تماماً مع نفسه هذا مؤمن، فهذه الصلاة كبيرة إلا على الخاشعين، من هم هؤلاء الخاشعون ؟
المفتاح الدقيق للآيـة أن تؤمن بالآخرة :
*قال:
﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ (46) ﴾
*كل عمل يعمله يتصوَّر أنه واقفٌ بين يدي الله عزَّ وجل، لماذا فعلت كذا ؟ لماذا أعطيت ظلماً ؟ لماذا منعت ؟ لماذا طلَّقت ؟ لماذا غدرت ؟ لماذا كذبت ؟ لماذا احتلت ؟ لماذا اغتصبت هذا البيت ؟ لماذا لم تنصح فلاناً ؟ أما إذا كان كل يومه أخطاء ومعاصي وآثاماً فأي صلاة هذه ؟! نقول له : صل، ولكن استقم من أجل أن تتصل بالله عزَّ وجل:
﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾
*المفتاح الدقيق للآية أن تؤمن بالآخرة، أن تؤمن أنه لا بد أن تقف بين يدي الله عزَّ وجل ليسألك: لـماذا فعلت هذا ؟ دخلت زوجة سـيدنا عمر بن عبد العزيز عليه وهو يبكي في مصلاَّه، فقالت له: " ما يبكيك ؟ قال لها: " دعيني وشأني "، ألحَّت عليه ما يبكيك؟ فلمَّا ألحَّت عليه قال: " يا فلانة إني نـظرت إلى الفقير البائس، والشيخ الكبير، وذي العـيال الكثير، وابن الـسبيل، والمرأة الأرملة، والشيخ الفاني ـ ذكَّر أصنافاً من المعذَّبين في الأرض ـ كل هؤلاء سيسألني الله عنهم جميعاً."
*إذا تعثرت بغلة في العراق قال: " لو تعثَّرت بغلةٌ في العراق لحاسبني الله عنها: " لمَ لمْ تُصْلِح لها الطريق يا عمر ؟ " ، عمر حاسب نفسه على بغلة تعثَّرت في العراق، لِمَ لمْ يصلح لها الطريق.
عندما تدخل الآخرة بحساباتك اليوميَّة تنعكس كل موازينك:
*عندما يؤمن الإنسان بالآخرة يتصوَّر أنه سوف يُسأل عن كل عمل، هذا الإنسان إذا صلَّى فصلاته مقبولة، وصلاته مجدية، وصلاته طيّبة، وصلاته مسعدة لأن وجهه أبيض، سأحضر مثالين واضحين: رجل في الحي محترم جداً، يحتل أعلى منصب في الجيش فرضاً، قائد فرقة، وله ابن، وعنده جندي غر التحق بالخدمة قبل يومين، هذا الجندي الغر لا يستطيع أن يقابل لواء ولا في المنام، توجد عنده مئة رتبة يقابلها قبله ؛ لو وجد هذا الجندي ابن هذا اللواء يغرق في مسبح وأنقذه، وفي اليوم الثاني يدخل ويقابله بكل جرأة بلا استئذان، يقول للحاجب: قل له فلان ويدخل على الفور لأنه عمل عملاً طيّباً، العمل الطيب يلغي الروتين كلَّه، يلغي طريق التسلسل المقابلات. أما لو كان ابنه معه باللعب وضربه ضرباً مبرِّحاً، وعطبه، وهو لا يعرف أنه ابن معلِّمه، وعرف في اليوم التالي أنه ابن معلِّمه وقال له: تعال عندي، كيف يدخل عنده في المكتب ؟ لا يستطيع أن يدخل عنده.
*هذه القصَّة كلها، قصة كل الخلق وعباد الله عزَّ وجل، غشّهم ولكن الله حجبك عنه، قد تبتز مالهم بأسلوب ذكي، هناك ألف أسلوب ذكي لابتزاز الأموال، ولكن الله كاشفك وأنت كاشف نفسك:
﴿ بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15) ﴾
( سورة القيامة)
*قد تصبح غنياً كبيراً بالكذب والاحتيال، قد تبيع بيعة سيِّئة جداً بأعلى سعر، قد تستغل جهل إنسان، وقد تأكل مالاً بالحرام، أعطى أحدهم لإنسان عشرين مليوناً ومات بحادث على الفور، ولا أحد يعلم، ولا توجد ورقة، بعد حين سمع هذا الأخ الذي معه المبلغ درساً من الدروس في جامع العثمان عن الأمانة، أرسل لي ورقة كتب فيها: والله رددت عشرين مليوناً لورثة صديق لي، وهم لا يعلمون عنها شيئاً، خاف من الله، عندما تدخل الآخرة بحساباتك تنعكس كل موازينك، عندما تدخل الآخرة بحساباتك اليوميَّة تنعكس كل موازينك، أما إن لم تدخل الآخرة في حساباتك تعد نفسك ذكياً لو أكلت مالاً حراماً، توجد ألف قصَّة، مليون قصَّة، إنسان اغتصب شركة، واغتصب بيتاً، يرى نفسه أنه ذكي، وكِّل محامياً قوياً، قدَّم وثيقة مزوَّرة، ويعد نفسه بطلاً، لأنه استطاع أن يغتصب، ولكنه أمام الله عزَّ وجل محتقر، لماذا يتصل المؤمن بالله ؟ لأنه لم يعمل شيئاً أبداً، ينام على فراش وثير من استقامته، أما المنافق ينام على شوك من ذنوبه وأخطائه.
البطل الذي يحل مشكلته مع الله وليس مع عبد الله:
*يوجد فندق في ألمانيا ذكرت عنه كثيراً مكتوب على السرير: " إذا لم تستطع النوم فالعلَّة ليست في فراشنا بل في ذنوبك " ، العلَّة بالذنوب، إذا عمل الإنسان عملاً سيِّئاً، كسب مالاً حراماً، أخطأ مع فتاة ـ فرضاً ـ باع بيعة سيئة جداً بسعر عالٍ جداً، إنه حلَّ مشكلته الماديَّة ولكن مشكلته مع الله لم تُحَل، هو في انهيار.
*قال له: " بعني هذه الشاة وخذ ثمنها " ، قال: " ليست لي "، قال له: " خذ ثمنها " ، قال: " والله إني لفي أشدِّ الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني، فإني عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله ؟!! "
توجد حالات كثيرة لاسيما عند أصحاب المصالح، قد يحفر عشرة أمتار ويقول لك: حفرت أربعين متراً، يضع القمصان أثناء غيابك ويعطيك حساباً عالياً، هو حلَّ مشكلته الماديَّة ولكنه لم يحلَّها مع الله ؟ البطل الذي يحل مشكلته مع الله وليس مع عبد الله، هنا:
﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) ﴾
*إنك لن تستقيم إلا إذا آمنت باليوم الآخر، إن أردت كلاماً دقيقاً، واضحاً، جلياً، بسيطاً، علمياً، واقعيَّاً عن أسباب الاستقامة الحقيقية فهو إيمانك أن الله سيحاسبك تقول لي: ضمير، هذا كلام فارغ، وحينما تؤمن أن هناك حساباً لن تعصي الله أبداً، وحينما تؤمن أن هناك حساباً وأن الله لا تخفى عليه خافية، وأن الله سيسأل الناس جميعاً:
﴿ فَو َرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾
(سورة الحجر)
*انتهى الأمر، قضية إيمان بالآخرة، إيمان بأنك لا بد من أن تقف بين يدي الله عزَّ وجل، ولا يخفى على الله شيء، وسيعرض الله عليك كل أعمالك مصوَّرة، المخالفة مع صورتها، والصورة مسكتة، تجاوز شخص القوانين فبعثوا له المخالفة فقال: أنا لم أكن في المكان الفلاني، فعندما رأى الصورة ـ صورة سيَّارته ـ والتاريخ، والسرعة، الصورة مسكتة، لذلك في الآخرة توجد صور المخالفات، شريط:
﴿ مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً(49) ﴾
(سورة الكهف)
*لماذا اتصلوا بالله ؟
﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) ﴾
*وفي درسٍ آخر إن شاء الله نتابع هذا الموضوع.
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
15-03-2012, 11:57 AM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (24- 95):تفسير الآية 47 ، إن لم نتناهَ عن منكرٍ فعلناه وقعنا في أمراض بني إسرائيل
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-01-08


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الرابع والعشرين من سورة البقرة.
انطلاق الأسلوب الحكيم في هذا القرآن الكريم من التنبيه غير المباشر للمسلمين:
*مع الآية السابعة والأربعين وهي قوله تعالى :
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) ﴾
*أيها الأخوة الكرام، بادئ ذي بدء ينطلق الأسلوب الحكيم في هذا القرآن الكريم من التنبيه غير المباشر للمسلمين، فالمسلمون وقد جاءهم كتابٌ من عند الله معرَّضون لأمراضٍ كأمراض بني إسرائيل، فالمقصود من الحديث عن بني إسرائيل في القرآن الكريم هو المسلمون لأنهم أهل كتابٍ مثل بني إسرائيل، ولأن الأمراض المُهلكة التي حلَّت ببني إسرائيل يمكن أن تَحُلَّ بهم تماماً، وهذا الشيء واضح جداً:
﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) ﴾
*يعتقد المسلمون بشفاعة النبي، افعل ما شئت، ما دمت من أمة محمدٍ فالنبي الكريم يشفع لك، يفهمون الشفاعة فهماً ساذجاً، ويقعدون عن العمل، وكأنَّ هذه الشفاعة حلَّت لهم كل مشكلة، لو تتبعت الأمراض الوبيلة المُهلكة التي ألمَّت ببني إسرائيل لوجدت المسلمون قد تلبسوا بمعظمها، إذاً هذا أسلوبٌ حكيم، أسلوبٌ أشدُّ تأثيراً، يمكن لأمراضهم أن تنتقل إليكم، هم انحرفوا فهلكوا، وأنتم إذا انحرفتم هلكتم مثلهم، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ))
[البخاري عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِي اللَّه عَنْها]
إن لم نتناهَ عن منكرٍ فعلناه وقعنا في أمراض بني إسرائيل:
*لكن ما الذي سبَّب هلاك بني إسرائيل ؟ قال: كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه، بربكم أليس هذا المرض الذي كان سبب هلاكهم واقعاً بنا جميعاً ؟ كلٌ يجامل أخاه، لا أحد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يجامله، يمدحه مع أنه يعلم أنه على باطل، يُثني عليه، ويثني على ذكائه وحكمته، يعلم أنه لا يصلي، مع أنه يعلم أنه لا يصلي أحياناً مجاملات بالاحتفالات، بعقود القِران، والمتكلِّم يعلم علم اليقين أن هذه الأسرة متفلِّتة، وغير منضبطة بمنهج الله عزَّ وجل، فإذا لم نتناه عن منكرٍ فعلناه وقعنا في مرض بني إسرائيل ؛ الأمل هذا مرضٌ مهلكِ:
﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) ﴾
( سورة الجمعة)
*طول الأمل أيضاً وضعف اليقين مرضان مهلكان أهلكا المسلمين، متأمِّل في الدنيا فقط ولم يُدْخِل الآخرة في حساباته إطلاقاً، هذا مرَض أيضاً.
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18) ﴾
(سورة المائدة: من آية " 18 ")
*نحن كذلك ندَّعي أننا أمَّة مختارة، ندعي أننا خير أمةٍ أُخرجت للناس، والله يعذِّبنا كل يوم، ما مرَّ بتاريخ المسلمين وقت أشدُّ إيلاماً من هذه الفترة، إذاً المرض نفسه، الأمراض نفسها.
ذكر الله أمراض بني إسرائيل لتكون واعظاً لنا :
*يا أيُّها الأخوة الكرام، ما ذكر الله أمراض بني إسرائيل في هذا القرآن الكريم إلا لتكون واعظاً لنا من أن تزل أقدامنا فنقع في أمراضٍ قد وقعوا هم بها أيضاً، وكما قال الله عزَّ وجل :
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾
*قال بعض العلماء: " النعمة أن أوصاف نبينا عليه الصلاة والسلام جاءت في كتبهم ليؤمنوا به، وهذه نعمة "، أي أنه أعانهم على أنفسهم بأن جاءت في كتبهم أوصاف النبي التفصيليّة، والدليل ؛ الآن أنا أسألكم: ما هي المعرفة الفطريَّة، البديهيَّة، السريعة، التي لا تحتاج إلى برهان، ولا إلى دليل، ولا إلا تَذَكُّر ؟ إنها معرفة الأب بابنه، هل يوجد أب في الأرض يدخل إلى البيت ويقول لابنه: ما اسمك يا بني ؟ لا تجد إنساناً يفعل ذلك، إنه يعرفه من صوته، من مشيته، من ظهره، قال الله عزَّ جل :
﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ (146)﴾
( سورة البقرة: من آية " 146 " )
*مع ذلك كفروا به، لماذا كفروا به ؟ بغياً، وعلواً، واستعلاءً، لذلك أخطر شيء في الحياة أن تعصي الله كِبراً، كم من إنسان يعلم أن هذه الجهة على حق وتأبى نفسه أن يكون منها، يرى نفسه أكبر من ذلك، المؤمن يخضع للحق .
تولَّى المسلمون اليوم عن تطبيق منهج الله كما فعل بنو إسرائيل من قبل:
*الشيء الثاني :
﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) ﴾
*هذا التفضيل لا يعني أنهم متفوِّقون، أحياناً يفضِّل الأب ابنه المقصِّر بعشرة مدرِّسين خاصين، هو فضَّله على بقية أولاده المتفوِّقين، فهذا التفضيل تفضيل تقصير، هم قتلوا الأنبياء، ماذا فعلوا ؟ قال :
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ (83) ﴾
( سورة البقرة: من آية " 83 ")
*لَمْ تفعلوا كل ذلك:
﴿ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ(83) ﴾
( سورة البقرة: من آية " 83 ")
*تولوا عن تطبيق منهج الله كما تولَّى المسلمون عن تطبيق منهج الله الآن، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث من دلائل نبوَّة النبي:
(( يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))
[ سنن أبي داود عن ثوبان ]
*كأن النبي عليه الصلاة والسلام بيننا، هذا الذي حدث، جاءت ثلاثون دولة لتحارب بلاد المسلمين، وتنهب ثرواتهم وأموالهم، وتدمِّر أسلحتهم، وتضعفهم، وتكسر شوكتهم، وتحتلَّ أرضهم، وتستبيح المُحَرَّمات.
معنى كلمة (فضلتكم):
*أيها الأخوة الكرام:
﴿ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) ﴾
*أي خصصتكم بأنبياء كثيرين ليعلِّموكم، شيءٌ آخر :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) ﴾
(سورة البقرة)
*هذه آية ثانية، تولَّوا لم يقاتلوا:
﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) ﴾
(سورة المائدة)
*قتلوا أنبياءهم، إذاً هم مفضَّلون لتقصيرهم، مفضَّلون لانحرافهم، مفضلون لمعاصيهم، فقد يقول الأب لابنه: يا بني أخوتك درسوا بلا أساتذة خاصين، إنني فضَّلتك على كل أخوتك بعشرة مدرِّسين ولم تنجح !! بالضبط هذا هو المعنى.
من أسباب هلاك بني إسرائيل :
*قال تعالى:
﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ داود وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) ﴾
(سورة المائدة)
*حينما تدخَّل أحد أصحاب النبي ـ وهو حِبُّ رسول الله سيدنا أسامة بن زيد وكان النبي يحبُّه حبَّاً شديداً ـ في شأن المخزوميَّة التي سرقت ليشفع لها كي لا تُقْطَع يدها، غضب النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشدَّ الغضب، وقَال:
(( أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟ ثُمَّ قَامَ فَخْطَبَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وأيم اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))
[ البخاري عن عائشة رضي الله عنها ]
*هذا أحد أسباب هلاك بني إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.
عشرات المعجزات رآها بنو إسرائيل بأعينهم ومع ذلك كفروا:
*قال تعالى:
﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) ﴾
( سورة الأعراف )
*ما فكَّروا، ما عقلوا، ما وحَّدوا، كل هذه المعجزات ؛ شُقَّ البحر لهم، أراهم العصا وقد أصبحت ثعباناً مبيناً، أراهم يده وقد جعلها الله بيضاء للناظرين، عشرات المعجزات رأوها بأعينهم ومع ذلك كفروا:
﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) ﴾
( سورة الأعراف )
*وقال:
﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4)﴾
( سورة الإسراء)
*ترون بأعينكم كيف أنهم يتآمرون على أقوى قوَّة في العالم، ويمرّغون من يقبع على سدَّة الحكم فيها في الوحل، خلقوا له مشكلةً لا تزال آثارها حتى الآن لأنه أخذ موقفاً شبه منصف:
﴿ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا(4) ﴾
( سورة الإسراء)
*هذا في القرآن.
تجمُّع اليهود في فلسطين ورد في القرآن الكريم:
*قال تعالى:
﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) ﴾
( سورة الإسراء)
*تجمُّع اليهود في فلسطين ورد في هذه الآية
﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ ﴾
*أي وعد الآخرة ؟ قال تعالى :
﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ﴾
(سورة الإسراء)
*هذا غزو بختنصَّر لليهود واستباحة أموالهم ونسائهم، وكان هذا قد وقع:
﴿ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا(5)ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا(6) ﴾
*يقال الآن أن الإعلام في العالَم بيدهم، وأكثر الأموال بيدهم، والبنوك بأيديهم، والاقتصاد بأيديهم، والجامعات أكثرها بأيديهم.
بالنصوص القطعية الثبوت والدلالة في القرآن والسنَّة سوف ينتصر المسلمون على اليهود:
*قال تعالى:
﴿ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا(5)ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا(6)إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُم لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ (7) ﴾
*الوعد الثاني:
﴿ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾
*المسلمون:
﴿ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ (7) ﴾
*المسجد الآن بأيديهم:
﴿ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا(7) ﴾
( سورة الإسراء)
*بالنصوص القطعية الثبوت والدلالة في القرآن والسنَّة سوف ينتصر المسلمون عليهم إن شاء الله، ونرجو الله أن نرى ذلك قبل أن نموت، وسوف يُجمَّع اليهود في هذه البلاد المقدَّسة لتكون إن شاء الله نهايتهم، فهم قد تجاوزوا كل حدٍ معقول في عدوانهم وغطرستهم واستهتارهم بالقِيَم.
تسوى الحقوق يوم القيامة ويؤخذ للمظلوم من الظالم:
*قال تعالى:
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) ﴾
*يوم القيامة يُحل مليار مشكلة، ويجيب عن كل سؤال يظهر أمامك، هناك معلومات يصعب على العقل أن يصدِّقها، مثلاً هل من المعقول أن يموت خمسمئة ألف طفل كل سنة من شعب واحد وهو العراق وبالمقابل هناك في بلاد الغرب تجرى عمليَّات زرع دَسَّام وزرع شريان وقلوب للكلاب وزرع مفاصل ؟!! وهناك طبيب نفسي لمعالجة الكآبة عند الكلاب، وطبيب أسنان لزرع الأسنان لديهم، ومقبرة للكلاب، ويأكلون من اللحم ما يأكله الشعب الهنديُّ بأكمله ـ الذي يعد تسعمئة مليون ـ هذا ظلم شديد، هم يعيشون كذلك وملايين مملينة يموتون من الجوع.
*ذكرت لكم من قبل أنه أُطْلِقَ النار على عشرين مليون رأس من الغنم ودُفِنت تحت الأرض للحفاظ على أسعار اللحم في العالَم مرتفعةً، تتلف محاصيل الحمضيات في أمريكا للحفاظ على أسعارها المرتفعة، وعندما بدأ الزنوج يتسلَّلون إلى أماكن إتلافها ليأكلوها سمَّموا هذا المحصول في العام القادم لئلا يأكل منه أحد، حجم مشتقات الحليب التي تُتلَف كحجم أهرامات مصر من أجل الحفاظ على الأسعار مرتفعة، وترون وتسمعون المجاعات في الصومال، وفي بنجلاديش، وفي السودان، وفي جنوب السودان، هم كالوحوش، فلذلك تسوى الحقوق يوم القيامة ويؤخذ للمظلوم من الظالم، يقول الله عزَّ وجل:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾
( سورة إبراهيم )
أمثلة من الواقع عن استهزاء الغرب بالدول النامية:
*معامل أدوية ضخمة جداً إذا فسدت طبخة دواء بيعت إلى الدول النامية، دواء فاقد الفعالية، يشتريه الناس الفقراء بأعلى سعر علماً أنه غير صالح لأن صانعيه لا يتلفونه، الدخَّان الذي يصدِّروه لنا أسوأ أنواع الدخان، يحوي أعلى نسبة نيكوتين ويباع بأعلى سعر، ونحن نُقْبِلُ على بضاعتهم، هذا شيء مخيف جداً .
*مرَّة خُصص في بلدنا أسبوع لمكافحة التدخين، وذكر وزير الصحَّة في برنامج أذيع في ذلك الأسبوع فقال: اتصل بي صديق من أمريكا وأعلمني أن كل الدُخان المصدَّر إلى الشرق الأوسط هو من أسوأ أنواع الدخان في العالَم، ونسب النيكوتين فيه عالية جداً، هكذا يبيعونك .
*شيءٌ آخر أيضاً، هناك بعض الشركات الأجنبية تزور كل المنتجات الغذائيَّة التي انتهى مفعولها وتُبَاع تهريباً لدول المنطقة، فانتبهوا أيها الأخوة، لا تفرح بالتهريب، هذا كلام علمي ودقيق، البضاعة النظامية خاضعة للتحليل ـ تحليل دقيق جداً ـ هذا أعرفه معرفةً تامَّة، هناك تحليل دقيق جداً، البضاعة المهرَّبة قد تكون منتهية المفعول، هناك معامل في بعض البلاد التي لا تعرف الله عزَّ وجل تقلِّد البطاقات النظاميَّة بشكل مذهل فكل بضاعة انتهى مفعولها ؛ من أجبان، ألبان، معلَّبات، وكل شيء انتهي مفعوله يزوِّر المعمل هذا المعمل ؛ تاريخ انتهاء المفعول، وتأتيك البضاعة بشكل غير نظامي وأنت فرح بها، وتقول: أخذناه أقل بمئة، ما هذا والله ؟ أنت هل تعرف أن هذه البضاعة منتهية المفعول، فلذلك يوم القيامة هذا تسوى فيه الحقوق .
﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) ﴾
العبرة أن تكون عند الله مقبولاً ومستقيماً ومحسناً يوم الحساب:
*ذكرت مرَّة أنه وصل إلى مصر بعض الحلويات من إسرائيل تهريباً، فإذا فيها مادَّة تثير الجنس، تمت ثلاث عشرة حادثة زنا في جامعة واحدة، في ليلة واحدة، بسبب علكة تم توزيعها، وهذا الشيء ذُكِر في صحفنا، أنا أذكر شيئاً مذكوراً بالصحف، يصدِّرون موادَّ تصيب الرجال بالعُقم أحياناً، إذا كانت بضاعة مهرَّبة قد تأتي من محلات مشبوهة، قد يكون فيها مواد مؤذية جداً، مواد تجعل الإنسان عقيماً فيصبح بلا نسل، مواد تثير الجنس، أو مواد قد انتهى مفعولها، فالإنسان عليه أن يكون دقيقاً فيما يدخل إلى جوفه، المؤمن دقيق جداً فيما يُدخل إلى فمه وفيما يخرج من فمه، كلامي دقيق، فيما يدخل وفيما يخرج، فتظل صناعاتنا المحليَّة ـ ولو كانت أقل اتقاناً ـ ولكنها خالية من الغش، فالأمر معقول جداً قمح، وسكَّر، وزبدة من إنتاج بلدنا، أما شيء لا نعرف كيف وصل لعندنا، وبأي طريقة وصل، وغير خاضع للتحليل هذا شيء مخيف جداً.
*على كلٍ هذا الذي يبني مجده على أنقاض الآخرين، هذا الذي يبني غناه على إفقارهم، يبني صحَّته على مرضهم:
﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) ﴾
*تُحَل بعض المشكلات في الدنيا بطريقةٍ أو بأخرى، أما في الآخرة عند قيّوم السماوات والأرض لا يمكن أن تُحَلَّ مشكلة إلا بشكلها الصحيح، هو يوم العدل، يوم الإنصاف، يوم الدينونة، يوم الجزاء، يوم الحساب الدقيق، يوم تنال فيه حقَّك الكامل، فالعبرة أن تكون عند الله مقبولاً، والعبرة أن تكون عند الله مستقيماً، والعبرة أن تكون عند الله محسناً:
﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا (48) ﴾
الله عزَّ وجل كامل كمالاً مطلقاً لا يقرِّب إلا الإنسان الكامل:
(( يا فاطمة بنت محمد ـ كلُّكم آباء أو أكثركم آباء، والبنت غالية جداً ـ أنقذي نفسكِ من النار أنا لا أغني عنك من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))
[أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي عن أبي هريرة ]
*عم سيدنا رسول الله أبو لهب:
﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) ﴾
( سورة المسد )
*توجد نقطة في هذا الموضوع دقيقة جداً، الله عزَّ وجل كامل كمالاً مطلقاً، لا يقرِّب إلا الإنسان الكامل، بخلاف الأقوياء، الأقوياء يقرِّبون من يعلن ولاءه لهم فقط، وقد يكون أسوأ إنسان، قد يكون مسيئاً للمجتمع، يقربونه ما دام أعلن ولاءه، أما الله عزَّ وجل لا يقرِّب مخلوقاً إلا إذا كان كاملاً:
*" يا رسول الله مثِّل بهم كما مثَّلوا بعمِّك حمزة "، قال عليه الصلاة والسلام: "لا أمثِّل بهم فيمثِّل الله بي ولو كنت نبيَّاً ".
*عظمة الدين أنه لا يمكن أن يقرِّبك الله، ولا أن يتجلَّى على قلبك، ولا أن ينظر لك بالعطف والرحمة إن لم تكن محسناً، لذلك عندما فتح الفرنجة القدس ذبحوا سبعين ألف إنسان مسلم في ليلة واحدة، أما عندما فتحها صلاح الدين رحمه الله تعالى فما سفك دماً حراماً أبداً، أمَّنهم وسمح لهم أن يبيعوا متاعهم وأن يقبضوا ثمنه، وأن يخرجوا بما تحمله دوابُّهم من متاع، ولم يؤذهم، وحتى الآن يأتي الفرنجة إلى دمشق، ويقفون أمام قبره محترمين، فقد كان إنساناً عظيماً، كان بإمكانه أن يكيل لهم الصاع بعشرة، سبعون ألف إنسان تمَّ ذبحهم في ليلة واحدة، حسبما تروي كتب التاريخ حينما فتح الفرنجة القدس، أما عندما فتحها صلاح الدين فقد كان رحيماً.
أدلة من القرآن والسُّنة أن الإنسان يوم القيامة يُحاسَب عن كل شيء:
*تعرفون القصَّة الشهيرة أن أماً ضاع ابنها، فوقف سيدنا صلاح الدين وقال: " لا أجلس حتى يعود ابنها إليها "، وهي من أهل الكتاب، المسلم رحيم، المسلم يرجو رحمة الله عز وجل، المسلم مُقَيَّد بألف قيد :
(( الإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ لا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ ))
[ سنن أبي داود عن أبي هريرة ]
*المؤمن مقيَّد، الإنسان بنيان الله وملعونٌ من هدم بنيان الله، هذا الذي يخوِّف الإنسان ويبتز ماله يصيبه بمرض، هل تصدِّقون أن مساعدات غذائيَّة جاءت من أمريكا إلى الصومال، ونصف الباخرة نفايات ذريَّة أُلقيت في سواحل الصومال، هل تصدِّقون ذلك ؟ طريقة من طرق التخلُّص من النفايات الذريَّة، نرسل باخرة مساعدات غذائيَّة نصفها غذاء، ونصفها نفايات ذريَّة ذات إشعاع تُلْقَى في سواحل الدول المتخلِّفة، فلذلك يوم القيامة يُحاسب الإنسان عن كل شيء:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾
( سورة إبراهيم )
*وقال:
﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) ﴾
*لا تُحل مشكلة هناك:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾
( سورة الحجر )
*ورد في الحديث الصحيح أن النبي يقول يوم القيامة:
(( أَلا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلا هَلُمَّ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحقًا ))
[ أحمد عن أبي هريرة ]
صلاتك يجب أن تتوج استقامتك وأخلاقك العالية:
*يا أخواننا الكرام، صدِّقوني والله إني لكم ناصحٌ أمين، وأنا أنصح نفسي قبلكم، الدين ليس أن تصلي فقط، الصلاة أقل ما في الدين، الصيام أقل ما في الدين، الدين أن تكون صادقاً، أن تكون أميناً، أن تكون عفيفاً، أن تكون ورعاً، أن تؤدِّي الحقوق، أن تعطي كل ذي حقٍ حقَّه، الدين أن تبيع بيعاً شرعياً، الدين أن لا تبيع بضاعةً فاسدة، هل يمكن لإنسان أن يحك تاريخ انتهاء مفعول دواء ليبيعه لمريض ؟! والله أنا كل حياتي كنت أظن أن الدواء المنتهي مفعوله لا ينفع، ثم ثبت لي بشيء مخيف أنه يؤذي، لأن هذه المواد الكيماوية إذا فكِّكت قد تصبح مواد سامَّة، لو كان لا ينفع خسر ثمن الدواء فقط ولم يشف، أما حينما يؤذي !عندما يبيح الإنسان لنفسه أن يغيِّر تاريخ انتهاء مفعول دواء، أو يبيح لنفسه أن يبتز مال إنساناً، يوهم إنساناً، يخدع إنساناً، يغش إنساناً، هذا ولو صلَّى:
﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ (142) ﴾
( سورة النساء: من آية " 142 " )
*يخادعون الله بالصلاة، اعتبر أن صلاتك يجب أن تتوج استقامتك، أن تتوِّج أخلاقك العالية، أن تتوِّج صدقك وأمانتك، إحسانك للخلق، لو فهم المسلمون الدين فهماً عميقاً والله لكنَّا في حال غير هذا الحال:
(( خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مئة وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ ))
[أبي داود عن ابن عبَّاس]
الصلاة وحدها لا تكفي بل يجب أن تكون رادعاً لك عن الفحشاء والمنكر:
*انتبهوا أيُّها الأخوة، ليست القضية أن تصلي فقط، أكثر الناس يقول لك: فلان صاحب دين، فما الدليل ؟ إنه يصلي، لا، لا تكفي، طبعاً :
﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) ﴾
( سورة العنكبوت: من آية " 45 " )
*وقال:
﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) ﴾
*كان البلاء كبيراً جداً والله عزَّ وجل نجَّاهم من فرعون ودمَّر ما كان يصنع فرعون وجنوده، وكتب لهم السلامة والحياة بعد أن ساهم فرعون في إضلالهم، وتذبيح أبنائهم، واستحياء نسائهم.
ماذا نستفيد من الآيات التالية ؟
*قال تعالى:
﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) ﴾
*ماذا نستفيد من هذه الآيات ؟ ليفتح الواحد منا دفتراً ويسجِّل، قال:
﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾
( سورة إبراهيم: من آية " 5 " )
*يوم نجَّاك الله عزَّ وجل من مرض عويص، يوم نجاك من حادث، يوم أنجحك في الجامعة، يوم سمح لك أن تسكن في بيت لوحدك، يوم زوَّجك، يوم أعطاك حرفة جيدة، هذه كلها من نعم الله العُظمى، علَّمنا الله من خلال هذه الآيات: واذكروا:
﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ (49) ﴾
*وقال:
﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ (50) ﴾
*وقال:
﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى (51) ﴾
*وقال:
﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ (52) ﴾
*الإنسان من حينٍ لآخر يجب أن يذكر نعم الله المتتالية عليه، هذه النعم تجعله يحبُّ الله عزَّ وجل:
((أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي.))
[الترمذي والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما]
علو الإنسان في الأرض لا يعني أن الله راضٍ عنه:
*أيها الأخوة، كما قلت قبل قليل لا زلنا في موضوع بني إسرائيل والأمراض التي أهلكتهم، وعلو الإنسان في الأرض لا يعني أن الله راضٍ عنه، نقطة مهمَّة، طبعاً:
﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) ﴾
( سورة الإسراء)
*أصواتهم مرتفعة، والإعلام بيدهم، هذا معنى:
﴿ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾
*ومع ذلك علوِّك في الأرض لا يعني أن الله يحبُّك إطلاقاً، الله أعطى الملك لفرعون وهو لا يحبُّه، قال فرعون:
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) ﴾
( سورة النازعات )
*قال :
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38) ﴾
( سورة القصص: من آية " 38 ")
*أعطى المال لقارون، وهو لا يحبه، فالإنسان لا يفرح أو لا يعظِّم أصحاب الأموال وأصحاب القوَّة والسلطان، لأن هذا لا يعني أن الله يحبُّهم، فذلك قد يعني العكس، أعطى الله المُلك لمن يحب وأعطاه لمن لا يحب، أعطاه لسيدنا سليمان أيضاً، وأعطى المال لسيدنا ابن عوف وسيدنا عثمان، فلا المُلك مقياس ولا المال مقياس المقياس طاعة الرحمن، فإذا كنت في طاعة الله فأنت أسعد الناس، وانتظر من الله كل خير، وتفاءل، وكن مع الله عزَّ وجل بالشكر لهذه النِعَم الجزيلة، وإن شاء الله في درسٍ قادم نتابع هذه الآيات .
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
15-03-2012, 12:02 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (25- 95):تفسير الآيات 48-54، ساعة الموت هي ساعة الفصل
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-01-29


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة الكِرام، مع الدرس الخامس والعشرين من دروس سورة البقرة.
إذا انحرف المؤمن عن منهج الله تقتضي رحمة الله أن يسوق له بعض الشدائد كي يعيده إليه :
*مع الآية الواحدة والخمسين وهي قوله تعالى :
﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ﴾
*وقبل هذه الآية :
﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) ﴾
*أيها الأخوة، بشكلٍ مختصرٍ مُرَكَّز خلق الله الإنسان ليسعده في الدنيا والآخرة، فإذا انحرف عن منهج الله تقتضي رحمة الله أن يسوق له بعض الشدائد كي يعيده إليه، هذا كل ما في الأمر:
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) ﴾
( سورة السجدة )
*وقال:
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) ﴾
(سورة الشورى )
من أشد أنواع القهر أن تُساق المصيبة على يد إنسانٍ مثلك يقهرك:
*لذلك العِلاجات التي يسوقها الله عزَّ وجل لعباده مُنَوَّعةٌ وكثيرةٌ، وعلى درجات، وعلى مستويات، لعلَّ من أشدِّها أن يبتليهم الله عزَّ وجل بظالمٍ يُذَبِّح أبناءهم ويستحي نساءهم يؤكِّد هذا المعنى قوله تعالى:
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ (65) ﴾
( سورة الأنعام: من آية " 65 " )
*الصواعق، والصواريخ:
﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾
( سورة الأنعام: من آية " 65 " )
*الزلازل، والألغام:
﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
( سورة الأنعام: من آية " 65 " )
*لعلَّ من أشدِّ المصائب أن يَقَهَرَ إنسانٌ إنساناً، إذا أتت المصيبة من الله مباشرةً فهي تُقبَل بشكلٍ أو بآخر، أما أن تُساق المصيبة على يد إنسانٍ مثلك يقهرك، فذاك أشد أنواع القهر، ولذلك استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام بالله من:
((أعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.))
[أبو داود عن أبي سعيد]
*وقد ورد عن سيدنا علي: " واللهِ والله مرَّتين لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز في يومٍ عاصفٍ بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتَّى يصيرا أبيضين، أهون عليَّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين "، قيل: " ما الذُل ؟ "، قال: " أن يقف الكريم بباب اللئيم ثمَّ يردُّه ".
*تيمورلنك سُئل مرَّة: " من أنت ؟ " فأجاب إجابة رائعة قال: " أنا غضب الرَّب".
الأقوياء في الأرض عصيٌّ بيدِ الله ينتقم بهم ثم ينتقم منهم :
*حينما يغضب الإنسان يصيح، ويشتم، ويضرب، وينفعل، ويرتجف، ولكن ماذا يفعل الله جلَّ جلاله حينما يغضب ؟ يسوق تيمورلنك، يسوق فرعون:
﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) ﴾
(( أنا مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع أكفكم ملوككم )).
[ أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
*الأقوياء في الأرض عصيٌّ بيدِ الله ينتقم بهم ثم ينتقم منهم:
﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) ﴾
(سورة الأنعام )
*الظالم قهراً يُسلَّطُ على ظالم نفسه كي يقومه.
من أشدِ أنواع البلاء أن يُؤَمَّر المترفون ويُمَكَّن الطغاة والظالمون:
*قال تعالى:
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) ﴾
(سورة القصص )
*إذا عصاني من يعرفني سَلَّطت عليه من لا يعرفني:
﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا (16) ﴾
( سورة الإسراء: من آية " 16 " )
*وفي قراءة:
﴿ مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا (16) ﴾
*لعلَّ من أشدِ أنواع البلاء أن يُؤَمَّر المترفون، أن يُمَكَّن الطغاة والظالمون، هذا علاجٌ إلهي وهو من أقسى أنواع العلاج، الطبيب مثلاً يعطي المريض دواء عيار خمسة عشر، فيقول له: والله لم أستفد، يقول له: ارفع العيار، في خمسمئة، في ألف، في نصف مليون، في مليون، هذا العذاب الصُعُد، يعطى المستوى الأعلى والعيار الأشد إذا لم يؤثر المستوى الأقل.
استحق اليهود غضب الله وعقابه لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه :
*أيُّها الأخوة الكرام، يقول الله عزَّ وجل وهو يخاطب بنو إسرائيل وقلت لكم كثيراً في مطلع هذه السورة: نحن مُرَشَّحون أن نقع بالأمراض التي وقع بها بنو إسرائيل، وقد يقال: وقعنا بها، استحق اليهود غضب الله وعقابه لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه، ما قولكم ؟ لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه، قال عليه الصلاة والسلام:
(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟ قالوا : يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال : نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر، ونهيُتم عن المعروف ؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأَشدُّ، كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً )).
[أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب ]
*هذا مَرَضٌ خطير يوجب الهلاك، وقد يقع به بعض المسلمين، يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف .
*والله الذي لا إله إلا هو من خلال هذه الدعوة المتواضعة لعشرين أو ثلاثين عام تقريباً، والله سمعت آلاف القصص، يأمر بنته أن تُسْفِر وأن تختلط، ينهاها عن أن تصلي، في بيوتات المسلمين يرفض أن يحجِّب زوجة ابنه، لا بد من أن يسير الابن على سير أبيه في التفلُّت، وفي الاختلاط، وفي كسب المال الحرام.
*من أمراض اليهود الذين استحقّوا عليها الهلاك أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.
*امرأةٌ سرقت فجاء حِبُّ رسول الله يشفع لها عند رسول الله، فغضب النبي أشدَّ الغضب وقال: " يا أسامة أتشفع في حدٍّ من حدود الله ؟ " قال: " اغفر لي ذلك يا رسول الله"، فقال عليه الصلاة والسلام:
((إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وأيم اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا )).
[مسلم عن عائشة ]
*إذاً هذه الأمراض التي ذكرها الله في سورة البقرة والتي تلبَّس بها بنو إسرائيل، هذه الأمراض من المحتمل جداً أن نقع بها، وقد وقعنا بها، لذلك يبيِّن الله لنا أمراض من سبقونا في أسلوبٌ تربويٌ رائع، وأنتم أيها المؤمنون يمكن أن تقعوا في هذه الأمراض.
الناس رجلان قويٌّ ونبي فالقوي يملك الرقاب بقوَّته والنبي يملك القلوب بكماله:
*قال تعالى:
﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ (49) ﴾
*آل فرعون أي من كان على منهج فرعون، من كان على شاكلة فرعون، ليس معنى آل فرعون أقرباءه، فآل النبي من سار على منهجه، فهل يُعَدُّ أبو لهب من آل النبي ؟ لا، هل يعدُّ أبو جهل من آل النبي ؟ لا، ولكن يُعَدُّ سلمان الفارسي من آل بيت النبي، ويعدُّ صُهَيْبُ الرومي من آل بيت النبي، ويعد بلال الحبشي من آل بيت النبي، كل من آمن بالنبي وسار على نهجه واتبع سنَّته القوليَّة والعمليَّة فهو من آله، وكل من شاكل إنساناً وسار على نهجه فهو من آله .
*كما قلت لكم من قبل: الناس رجلان قويٌّ ونبي، فالقوي يملك الرقاب بقوَّته، والنبي يملك القلوب بكماله، وكل الناس تبعٌ إما لقوي أو لنبي، فالموظَّف مثلاً مهما تكن وظيفته متواضعةً بإمكانه أن يفعل شيئاً يُزْعِجُكَ، إذاً هو استخدم قوَّته، فحينما تملك الرقاب بقوَّتك فأنت من أتباع القوي، وحينما تملك القلوب بكمالك فأنت من أتباع النبي.
﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ (49) ﴾
*لذلك:
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) ﴾
( سورة القصص )
*أنت لن تنجو من عذاب الله إذا فعلت أمراً لا يُرضي الله وقلت: أنا عبد مأمور، من قال لك ذلك ؟ من قال لك إنك عبدٌ مأمور ؟ العبد هو عبد الله فقط، ولا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، أن تقول: أنا عبد مأمور وتفعل في الناس ما تفعل هذا كلامٌ مردودٌ عليك، وله بحثٌ طويل في الفقه، لا مجال إلى تفصيلات جُزئياته في هذا الدرس، على كلٍ إن لم تكن قانعاً بهذا الذي تفعله اترك هذا العمل.
البطل هو الذي يهيِّئ جواباً لله عزَّ وجل لا لعبد الله:
*قد يقول موظَّف: أنا أعمل بالتموين ويجب عليَّ أن أكتب في اليوم عشرة مخالفات، لعلَّ هذا الإنسان مظلوم، لا يوجد عبد مأمور، افعل قناعتك وانتظر أن يحاسبك الله عزَّ وجل، البطل الذي يهيِّئ جواباً لله عزَّ وجل لا لعبد الله، بل لله:
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)﴾
( سورة التكوير )
*يقول: أنا عبد مأمور، لا لست بعبد مأمور، وهذه كذبة تكذبها أنت، الذين هم فوقك لا يرضيهم أن تفعل ما تفعل، لكن أنت تفعل ما تفعل لتبتز أموال الناس وتقول: أنا عبد مأمور، كلام فارغ أنت وحدك المسؤول، إذا لم يعجبك العمل فدعه، أما أن تؤذي الناس وتقول: أنا عبد مأمور، لأن الله عزَّ وجل يقول:
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) ﴾
(سورة القصص )
*وقال:
﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ (49) ﴾
*هناك إذلال، فليس هناك حالة ذل أشد من أن يُنْتَهَكَ عرض الإنسان أمامه، شيء فوق طاقة البشر.
إيَّاك أن تصل مع الله إلى طريق مسدود فيأتي العقاب الأليم :
*قال تعالى:
﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ (49) ﴾
*ما قال الله تعالى: ويستحيون فتياتكم، بل إنه قال: نساءَكم، من أجل المُتْعَة:
﴿ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) ﴾
*لذلك الدعاء القرآني :
﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (286) ﴾
(سورة البقرة: من آية " 286 ")
*والله أيُّها الأخوة هناك مصائب لا يحتملها الإنسان، فوق طاقته، لا تعمل عملاً تصل مع الله إلى طريقٍ مسدود، تصوَّر إنساناً وُضّع ليُشْنَقَ أمام مئة ألف إنسان، مجرم ارتكب جريمة قتل، أو ارتكب جريمة زنا وجريمة قتل فاستحقَّ أن يُعْدَم أمام الناس جميعاً، هو وصل لطريق مسدود قبل أن يُوضَع الحبل في رقبته ليُشْنَق، إذا أحب أن يصبر فليصبر أو لا يصبر، إذا أحب أن يتوسَّل فليتوسَّل، أحب أن يستعطف فليستعطف، أحب أن يبكي فليبكِ، أحب أن يضحك فليضحك، ولكن الطريق صار مسدوداً، إيَّاك أن تصل مع الله إلى طريق مسدود بأن ترتكب جرماً، أن تنتهك عرضاً، أن تأخذ مالاً حراماً فيأتي العقاب الأليم:
﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (286) ﴾
(سورة البقرة: من آية " 286 ")
*العقاب أنواع ؛ هناك أمراض مستعصية، أنا أقسم لكم لو أن إنساناً وصل إلى أعلى درجة في الدنيا وأصابه مرضٌ عضال، وعُرِضَ عليه أن يكون في أقل درجة وأن يعافى من هذا المرض، هل يتردَّد لحظة في قبول ذلك ؟ لو كان ملكاً وأصابه مرض عُضال وعرض عليه أن يكون موظَّفاً بسيطاً ضارب آلة كاتبة، هل يتردَّد في قبول هذه الوظيفة المتواضعة جداً على أن يشفى من مرضه ؟ إنه لا يتردَّد، فالذي عافاه الله في نعمةٍ كبرى، المعافى هو في نعمةٍ لا تقدَّر بثمن، قد يصل الإنسان إلى أعلى مرتبة في الحياة ومعه مرض عضال، ماذا يفعل ؟ أطبَّاء العالم كلِّهم تحت تصرُّفه وماذا يفعل ؟ هذا قهر الله عزَّ وجل.
الإنسان حينما يعرف الله في الوقت المناسب ويستقيم على أمره ويخافه يحفظه وينصره:
*أيُّها الأخوة الكرام:
﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (286) ﴾
(سورة البقرة: من آية " 286 ")
*هناك أشياء لا تُحتمل، والإنسان حينما يعرف الله في الوقت المناسب، ويستقيم على أمره، وحينما يخافه يرفع الله له ذكره، ويحفظه، وينصره، ويوفِّقه، ويقرِّبه، ويسلِّمه، ويسعده، ويعطيه عطاءً كبيراً:
﴿ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) ﴾
*هل تحتمل مرضاً عُضالاً ؟ هل تحتمل فقراً مُدقعاً يحملك على أن تُنَقِّب في الحاوية ؟ هل تحتمل أن تتخلَّى عنك زوجتك وأولادك وأن يلقوك في الطريق ؟ هل تحتمل ذلك ؟ هل تحتمل أن تكون في غيابة السجن سنوات وسنوات ؟ قل:
﴿ رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا (286) ﴾
(سورة البقرة: من آية " 286")
*إذا كنت لا تحتمل فاستقم على أمر الله، المستقيم له معاملة خاصَّة، والمستقيم له حفظ من الله، والمستقيم له توفيق من الله، والمستقيم له هداية من الله عزَّ وجل، والله جلَّ جلاله يَسْلُكُ به سبل السلام، سبل الأمان، سبل السعادة، سبل الرِفْعَة، سبل التوفيق.
إذا وجد الإيمان فإن المعركة بين الحق والباطل لا تطول لأن الله مع الحق:
*شاهد بنو إسرائيل بأعينهم كيف أن البحر انشقَّ طريقاً يبساً:
﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) ﴾
*مُعجزات مُدهشة، صار البحر طريقاً:
﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) ﴾
*الله يتدخل أحياناً، وإذا تدخَّل الله تنتهي كل مشاكلنا، ولكن أنت اطلب منه موجبات رحمته، إذا فعلت موجبات رحمته أوجب ذلك أن يتدخَّل الله لصالحك، وتوجد بعض الشواهد في حياتنا، شيء لا يُحتمل صرفه الله عزَّ وجل من عنده، أنا كنت دعوت في خطبة قبل أسابيع: " اللهمَّ انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك فنستحقَّ أن تنصرنا على عدوِّنا ".
*لأن المعركة بين حقَّين لا تكون، الحق لا يتعدَّد، وبين حقٍ وباطل لا تكون لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي لأن الله تخلَّى عن الطرفين، الأقوى هو الذي ينتصر، الأذكى ينتصر، ينتصر الذي عنده سلاح أكثر فاعليَّة، ينتصر الذي عنده معلومات أكثر، ينتصر الذي عنده أقمار، ينتصر الذي عنده رصد، ينتصر الذي عنده ليزر، اختلف الوضع، إذا ابتعد الفريقان عن الله عزَّ وجل يكون هناك ترتيب آخر، يكون الفوز نصيب الأقوى والأذكى والذي عنده سلاح أكثر جدوى، أما إذا وجد الإيمان فإن المعركة بين حقٍ وباطل لا تطول لأن الله مع الحق.
أغرق الله فرعون ولكنه نَجَّاه ببدنه إلى الشَاطئ لكي يجعله عبرة:
*قال تعالى:
﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) ﴾.
*أغرق الله فرعون، ولكنه نَجَّاه ببدنه إلى الشَاطئ، لأنه إذا أغرقه واستقرَّ في أعماق البحر لما صدَّق أحدٌ أنه غرق، لأنه عندهم الإله، قال :
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾.
(سورة النازعات )
*وقال:
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38) ﴾.
(سورة القصص: من آية " 38 " )
*ولكنَّ الله أراد أن يجعله عبرةً:
﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ (92)﴾.
(سورة يونس: من آية " 92 " )
*ما قال الله: لتكون آية أي لمن حولك، لكنه قال:
﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً (92) ﴾.
(سورة يونس: من آية " 92 " )
المُعجزات الحِسَّية وحدها لا تكفي ما لم يبحث الإنسان عن الحقيقة:
*هناك شخص يقرا القرآن في أمريكا، وهو حديث عهدٍ بالإسلام، يقرأ القرآن متفحِّصاً، فلمَّا وصل لهذه الآية قال: هنا خطأ، كيف يقول الله عزَّ وجل:
﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً ﴾
*فاتصل بعالم من علماء المسلمين في فرنسا، فأجابه أن: فرعون موسى موجود في متحف مصر، نفسه موجود، فرعون الذي غرق في عهد موسى مُحَنَّط، وقد أُخِذَ إلى فرنسا لترميم جثَّته، وعاد، وفي فمه آثار فطور بحريَّة، وفي فمه آثار ملوحة، وكل علامات الغَرَقَ بادية على جسمه، وهذا معنى الآية الكريمة:
﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً (92) ﴾.
(سورة يونس: من آية " 92 " )
*وقال:
﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (51) ﴾.
*وعد الله عزَّ وجل موسى مع النقباءِ وعلية القوم ليعطيهم المَنْهَج، ماذا فعل قومه في غيبته ؟ اتخذوا من الذهب الذي أخذوه من بيوت فرعون عِجْلاً جسداً، وعبدوه من دون الله، ماذا نستنتج ؟ هذا الذي رأى أن البحر أصبح طريقاً يبساً كيف يعبُدُ عجلاً من دون الله ؟ نستنبط من هذا أن المُعجزات الحِسَّية وحدها لا تكفي ما لم يبحث الإنسان عن الحقيقة، الكون بما هو عليه من دون خَرْقٍ للعادات يُعَدُّ معجزةً وأيَّةَ معجزة، أما هذا الذي يطلب خرقاً العادات، هذا الذي يطلب كرامة !!! هناك طُلاب عِلْم كثيرون يبحثون عـن كرامة، عن منام، عن شيء فيه خرق للعادات !! هذا النظام المستقر، الشمس والقمر، والليل والنهار، المجرَّات، الجبال، السهول، البحار، النباتات، الأطيار، الأسماك، أنواع الخضراوات، المحاصيل، نظام النبات، هذا كلُّه لم يلفت نظرك، خَلق الإنسان ! تبحث عن معجزة ! تبحث عن خرقٍ للعادات !!
أشد أنواع الظلم أن تشرك بالله:
*هؤلاء الذين رأوا البحر أصبح طريقاً يبساً، حينما نجَّاهم الله عزَّ وجل اتخذوا من الذهب عجلاً له خوارٌ وعبدوه من دون الله:
﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ﴾.
*إن أشدُّ أنواع الظُلْمِ أن تعبد غير الله، أشد أنواع الظلم أن تشرك بالله، أشد أنواع الظلم أن تعبد إلهاً صنعته بيدك، وهذا ما تجده في كثير من البلاد إلى الآن، تدخل إلى معبد في الهند تجد صنماً ارتفاعه ثلاثون متراً وأمامه أنواع منوَّعة من الفواكه، تسأل: لمن هذه الفواكه ؟ يجيبونك: هو يأكلها في الليل، والحقيقة أن الكُهَّان يأكلونها في الليل، هذا تراه الآن في عصر النور والحضارة كما يدَّعون.
*حينما يؤمن الإنسان بالله يكون قد احترم نفسه، الإنسان حينما يكون عاقلاً يوحِّد، يكون قد عرف قيمته كإنسان، يكون قد كرَّم نفسه، أما حينما يتخذ صنماً ليعبده طبعاً هذا هو الشرك الجَلِيّ، لكنَّ المسلمين والمؤمنين قد يقعون في شركٍ خفي، حينما يتوهَّمون أن المال يحلَّ كل مشكلة، لا، المال لا يحل المشكلات، فإذا اختل نمو الخلايا اختلت في النمو، المال لا يحل المشكلات، وأن تكون في أعلى درجة في الحياة لا تحل مشكلة، الله عزَّ وجل هو الفعَّال، هو القهَّار، هو واهب الحياة، هو المُحيي، هو المُميت، هو الحافظ، هو الناصر، هو الموفِّق، هو الرافع، هو الخافض، هو المعطي، هو المانع، هو الرازق، هو المعز، هو المذل.
*إن الشرك لظلمٌ عظيم، وحينما تتجه لغير الله أو تعتمد على غير الله فقد وقعت في ظلمٍ شديد.
من الشرك أن تعتمد على شيءٍ آخر غير الله عزَّ وجل :
*قال تعالى:
﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ﴾.
*تصوَّر إنساناً لديه قضيَّة خطيرة جداً، مثلاً لو أخذ الموافقة فهو يربح مئات الملايين، وهذه الدائرة فيها مدير عام الأمر مُناط به وحده، وفيها موظَّفون، وفيها حُجَّاب، وفيها حارس، فإذا وقف هذا الإنسان الذي معه المعاملة أمام الحارس أو الحاجب فترجَّاه، وتضعضع أمامه، وبذل ماء وجهه، وعلَّق عليه الآمال، ثم خاب ظنُّه به، هذا الشرك، هذا الذي تضعضعت أمامه عبدُ مثلك، هذا الذي بذلت ماء وجهك أمامه عبدٌ مثلك، هذا الذي توهَّمت أنه يحلُّ هذه المشكلة لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ضراً ولا يجلب نفعاً، فإذا كان الله يأمر سيد الخلق أن يقول لقومه:
﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً (21) ﴾
(سورة الجن )
*سيد الخلق، وفي آية أخرى :
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً (188) ﴾
(سورة الأعراف: من آية " 188 " )
(( يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسكِ من النار أنا لا أغني عنك من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه )).
[أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي عن أبي هريرة ]
*إذاً أشدِّ أنواع الظلم أن تعبد إلهاً آخر غير الله عزَّ وجل، أو أن تعتمد على شيءٍ آخر غير الله عزَّ وجل، ثمَّ يقول الله عزَّ وجل :
﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) ﴾
أهمية التوبة:
*أيها الأخوة الكرام، صعبٌ جداً أن تتصوَّروا ديناً من دون توبة، لأن أقل ذنب من دون توبة يقودك إلى أكبر ذنب ثم إلى النار، أما مع التوبة فأكبر ذنب يعفو الله عنك:
(( لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي ))
[ حديث قدسي ]
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) ﴾.
(سورة الزمر )
*وقال:
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) ﴾.
(سورة الحجر )
*هكذا:
﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ (52) ﴾.
*ماذا فعل هؤلاء ؟ فعلوا أشدَّ أنواع الذنوب، أشركوا بالله، عبدوا عجلاً من دون الله، صنعوه بأيديهم وعبدوه من دون الله ومع ذلك باب التوبة مفتوحٌ على مِصراعيه، تصوَّر لو لم يكن هناك توبة ليئس الإنسان من أقل ذنب، لو ارتكب الإنسان ذنباً بسيطاً ولا توجد توبة لسمح لنفسه أن يرتكب ذنباً أكبر، وهكذا إلى أن يفعل كل الذنوب والآثام، وينتهي إلى النار، لكنَّ رحمة الله كبيرة.
الله تعالى رَحِمَ أمَّة محمِّد فجعل توبة المؤمنين لا تقتضي أن يقتل بعضهم بعضاً إذا أذنبوا:
*قال تعالى:
﴿ وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) ﴾.
*ثمة توبة، وعفو، وكتاب، وسُنَّة، وعلماء، ودعاة، ومعالجة نفسيَّة، ومعالجة سلوكيَّة، وكل شيء من أجل أن تعرف الله، ومن أجل أن تتصل به، ومن أجل أن تطيعه:
﴿ وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) ﴾.
*أيها الأخوة، هذا مما حُمله بنو إسرائيل لأنهم عبدوا العجل من دون الله، وهذا معنى قول الله عزَّ وجل :
﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (286)﴾.
(سورة البقرة: من آية " 286 " )
*أي أن الله أمر الذين لم يعبدوا العجل أن يقتلوا من عبد العجل جزاء ارتكابهم أكبر ذنب في الدين، وهو أن تُشرك، لكن الله عزَّ وجل رَحِمَ أمَّة محمِّد صلى الله عليه وسلَّم فجعل توبة المؤمنين لا تقتضي هذا القتل، يكفي أن تقول: يا رب لقد تبت إليك، يقول لك: عبدي وأنا قد قبلت، هذه رحمةٌ كبيرة، ولكن بني إسرائيل كُلِّفوا أن يقتلوا أنفسهم، أن يقتل بعضهم بعضاً، أن يقتل الذين لم يعبدوا العجل الذين عبدوا العجل.
إيَّاك أن تعتمد على جهةٍ غير الله فيخيبُ ظنُّك بها وهذا من رحمة الله بالإنسان:
*قال تعالى:
﴿ وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ (54) ﴾
*ما الذي يحصل الآن ؟ إذا أشرك الإنسان ماذا يحصل له ؟ الله عزَّ وجل يخيِّب ظنَّه بهذا الذي عَبَدَهُ من دون الله، اعتمد على ماله، يسوق الله له مصيبةً لا يحلُّها المال، اعتمد على إنسان قريب قوي يلهم الله هذا القريب أن يتخلَّى عنه، يقف منه موقفاً لئيماً، هذه معالجة الله، اعتمد على زوجته وظنَّ أنها تسعده إلى أبد الآبدين، فإذا هي تعامله أسوأ معاملة، اعتمد على ابنه، يسافر ولا يرسل رسالة إلا مرَّة كل سنتين، وقد يتجنَّس ويتزوَّج وينسى أباه، إيَّاك أن تعتمد على جهةٍ غير الله فيخيبُ ظنُّك بها وهذا من رحمة الله بالإنسان، اعتمد على الله، لا على مال، ولا على جاه، ولا على أتباع، ولا على أهل، ولا على زوجة، طبِّق منهج الله واعتمد على الله ولا تعتمد على مخلوقٍ سوى الله فهذا نوعٌ من أنواع الشرك.
كل إنسان خاف الله فيما بينه وبين الله أمَّنه الله فيما بينه وبين الناس :
*قال تعالى:
﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) ﴾
*يقودنا هذا المعنى إلى معنى آخر وهو أن الله جلَّ جلاله يسوق لك أحياناً شدَّةً شديدةً من أجل أن ترمِّم خللاً خطيراً.
*أيُّها الأخوة، من نِعَمِ الله الُكبرى أن شرعنا الإسلامي لا يقتضي من أجل أن تتوب إلى الله أن تقتُل نفسك ولا أن تُقتَل، وهذه رحمةٌ بأمة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، ولكن المؤمن العاقل يبتعد عن ذنبٍ خطير، ففي الحياة الآن أمراض غير القتل، فيها أمراض عُضالة، وفيها عاهات، وحوادث سير، فيها فقر مدقع، وفيها تشتيت أسرة، هناك أحياناً ذُل، وأحياناً قَهر، أو فقد حُرِّية، فعند الله معالجات منوَّعة كثيرة جداً، فالمؤمن العاقل هو الذي يحتاط للأمور قبل وقوعها، ويخاف من الله فيما بينه وبين الله، وكل إنسان خاف الله فيما بينه وبين الله أمَّنه الله فيما بينه وبين الناس، هذه قاعدة ؛ مستحيل ثم مستحيل ثم مستحيل أن تخاف الله فيما بينك وبينه ثم يخيفك من أحد، ولكنه يطمئِنُك.

" أمنان وخوفان، لا يجتمع أمن الدنيا وأمن الآخرة، إن خِفت الله في الدنيا أَمَّنك يوم القيامة، وإن أمِنتَ عذاب الله في الدنيا أخافك يوم القيامة ".
*هذا كلام دقيق وخطير، كلام مصيري، وليس الأمر على مستوى أن تقول: والله الدرس ممتع، لا، لا، لا فالأمر أخطر من ذلك، الدرس خطير يتعلَّق بالمصير، المصير الأبدي، وساعة الموت هي ساعة الفصل، وهذه تنتظرنا جميعاً ولا أحد ينجو من هذه الساعة، فبقدر معرفته بالله، وبقدر طاعته، وبقدر إخلاصه، وبقدر عمله الصالح ينجيه الله عزَّ وجل من هذه الساعة العصيبة.
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
15-03-2012, 12:09 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (26- 95):تفسير الآيات55-61، نِعم الله على بني إسرائيل ، المصائب
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-02-05


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس السادس والعشرين من دروس سورة البقرة.
لا تحتمل طبيعة الإنسان أن ترى الله عز وجل في الدنيا:
*مع الآية الخامسة والخمسين، وهي قوله تعالى:
﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ﴾
*قال المفسِّرون: هؤلاء هم السبعون الذين اختارهم موسى معه في المناجاة، حينما رأوا بعض المعجزات طلبوا من موسى عليه السلام أن يروا الله جهرةً، والشيء الثابت هو أن الله سبحانه وتعالى هذه سُنَنَه لا تدركه الأبصار في الدنيا، في الدنيا لا يستطيع الإنسان أن يرى الله جهرةً، ما رآه لا رسولٌ، ولا نبي، ولا صدِّيقٌ، ولا ولي، لأن طاقة الإنسان لا تحتمل رؤية الله عزَّ وجل، عندما قال سيدنا موسى:
﴿ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً (143) ﴾
( سورة الأعراف: " 143 " )
*إذا كان تجلِّي الله عزَّ وجل للجبل جعله دكَّاً فهل يحتمل الإنسان ؟ لا تحتمل طبيعة الإنسان أن ترى الله، لكن في الآخرة:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) ﴾
( سورة القيامة )
(( كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا ))
[البخاري مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه ]
*هناك أحاديث كثيرة جداً عن أن الإنسان إذا رأى الله عزَّ وجل يوم القيامة وهو في الجنة يبقى في نشوة الرؤية خمسين ألف عام.
زيادة على الجنَّة يسمح الله تعالى للمؤمنين يوم القيامة أن يروا وجهه الكريم:
*رؤية وجه الله الكريم هي المعنيَّة بقوله تعالى :
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾
(سورة يونس: " 26 " )
*زيادة على الجنَّة يسمح الله لهم أن يروا وجهه الكريم، فعند أهل السُنَّة والجماعة لا يُرى الله جل جلاله في الدنيا ؛ ولكن النصوص الثابتة، وعلى رأسها القرآن، ومن بعدها السُّنة تؤكِّد أن المؤمن يرى ربَّه جهاراً وعياناً يوم القيامة كما يرى الإنسان البدر في الدنيا، والجزاء الذي ينتظر المؤمن يفوق حدَّ الخيال:
﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) ﴾
( سورة السجدة )
(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))
[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
*قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55)﴾
*يروي بعض المفسِّرين: أنَّهم صعقوا، ولكن الله امتنَّ عليهم أنه أحياهم من جديد بعد أن صعقوا ليتابعوا مسيرتهم مع سيدنا موسى.
الإنسان يرى في الدنيا آثار اسم الجَميل في مخلوقاته :
*قال تعالى:
﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)﴾
*لو أردنا أن نتوسَّع قليلاً، الاتصال بالله عزَّ وجل هو قمَّة السعادة في الدنيا، ولكنه اتصال على نحوٍ أراده الله، اتصال إقبال، اتصال توجُّه، اتصال مناجاة، اتصال استغفار، اتصال استعانة، اتصال إنابة، اتصال دعاء، هذا الاتصال المسموح في الدنيا، ولكن يوم القيامة هناك اتصال مباشر، هناك رؤية، فإذا كنت تستمتع أيها الأخ الكريم في الدنيا برؤية جبلٍ أخضر فيه مَسْحَةٌ من جمال الله، أو رؤية جنَّةٍ خضراء، أو رؤية بحرٍ ساكن بزرقةٍ تُحَيِّر الألباب، أو رؤية وجه طفلٍ صبوح فيه من الجاذبيَّة والتألُّق ما لا يوصَف، هذه كلُّها مخلوقاتٌ أخذت من جمال الله مسحات، فكيف لو أتيح للإنسان المؤمن يوم القيامة أن يرى أصل الجمال ؟ أنت ترى في الدنيا آثار اسم الجَميل في مخلوقاته، ألم تر في باقة وردٍ تناسب الألوان، الروائح الشذيَّة، الأزهار تمثِّل جانباً من جمال الله، المناظر الطبيعيَّة الخلاَّبة تمثِّل منظراً من جمال الله عزَّ وجل، الوجوه الصَبوحة تمثِّل مظهراً من جمال الله عزَّ وجل، هذا الجمال الذي أودعه الله في الدنيا لحكمةٍ تربويَّة، لأنه إذا حدَّثنا عن جمال الآخرة وعن الجنَّات التي تجري من تحتها الأنهار، وعن الحور العين، والأولاد المُخَلَّدين، وعن الطعام الطيِّب، وعن الفواكه التي بين أيديهم، وعن هذا اللقاء الطيِّب بين المؤمنين على سررٍ متقابلين، وعن رؤية وجه الله الكريم، إذا حدَّثنا ربنا عن هذا الجمال، وعن هذا الكمال، وعن هذا النعيم المُقيم في الجنَّة، فلولا هذه المرتكزات الجماليَّة في الدنيا لما فهم الإنسان معنى الجمال، ما فهم الإنسان معنى جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار ، فالجمال في الدنيا جمال ابتلاء، يعطي الله إنساناً جمالاً، وقد يعطيه جمالاً أقل، وقد يعطيه دمامة أحياناً، فالدنيا دار ابتلاء، قد تجد إنساناً في قمِّة الصلة بالله وليس له وجهٌ صَبوح، هذا شيء موجود، قد تجد إنساناً في أعلى درجة من الكمال وليس له شكلٌ يلفت النظر.
الجمال في الدنيا موزَّع توزيع ابتلاء :
*تروي كتب التاريخ عن أحد التابعين الكبار وهو الأحنف بن قيس أنه كان قصير القامة، أسمر اللون، غائر العَيْنَين، ناتئ الوجنتين، أحنف الرِجل، مائل الذقن، ليس شيءٌ من قبح المَنْظَر إلا هو آخذٌ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه، إذا غضبَ غضب لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيمَ غضب.
*الجمال في الدنيا موزَّع توزيع ابتلاء، قد تجد امرأةً صالحةً مؤمنةً تقيَّةً طاهرةً عفيفةً بوضع جمالي دون الوَسَط، وقد يكون هذه المرأة في الجنَّة في أعلى عليين، هذه نقطة مهمَّة جداً أن الله سبحانه وتعالى وزَّع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء ـ والدنيا مؤقَّتة ـ وسوف توزَّع هذه الحظوظ في الآخرة توزيع جزاء، دقِّق في قوله تعالى:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ (21) ﴾
( سورة الإسراء: "21" )
*إنسان يعمل أستاذ في الجامعة وإنسان يعمل أستاذاً في التعليم الابتدائي في قرية، مسافةٌ كبيرةٌ جداً بين الوظيفتين، إنسان يعمل رئيس أركان الجيش وجندي في خدمةٍ إلزاميَّةٍ في مكانٍ صعبٍ باردٍ موحش، طبيب جراَّح وممرِّض ناشئ مثلاً، مدير مؤسَّسة وحاجب، ورئيس غرفة تجارة وبائع متجوِّل:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ (21) ﴾
( سورة الإسراء: "21" )
*لكن:
﴿ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21) ﴾
( سورة الإسراء: "21" )
الحظوظ موزَّعة توزيع ابتلاء والعبرة أن تنجح في مادَّة امتحانك مع الله:
*قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55)﴾
(سورة الإسراء )
*مرتبة الدنيا لا تعني شيئاً وقد تعني العكس، لأن المترفين في ثماني آيات كُفَّار:
﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (33)﴾
(سورة المؤمنون: " 33 " )
*الدنيا لها وضع خاص، قد تجد:
((كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ))
[مسلم والترمذي عن أبي هريرة]
*وقال:
﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ (55) ﴾
(سورة التوبة: " 55 " )
*الدنيا دار ابتلاء وليست دار استقرار، ليست دار جزاء، الحظوظ موزَّعة توزيع ابتلاء، هناك غني وفقير، هناك جميل ودميم، وهناك ذكي وأقل ذكاء، هناك صحيح ومريض، هذه الحظوظ موزَّعة توزيع ابتلاء، العبرة أن تنجح في مادَّة امتحانك مع الله، هذه هي العبرة.
مادَّة امتحانك مع الله ما أنت فيه من إيجابيَّات ومن حظوظ مُنِحْتَ إيَّاها أو حُرِمْتَ منها:
*الفتاة التي وهبها الله مسحةً من الجمال، نجاحها في أن تكون لزوجها فقط، وأن تكون متواضعةً لزوجها، وأن تكون ذات تَبَعُلٍ جيدٍ لزوجها وأولادها، أما إذا مْنَحْت المرأة بعض الجمال وتطلعت إلى عملٍ في الحقل الفني كي يستمتع بجمالها كل الناس، هذه رسبت وتلك نجحت، وقد تكون امرأةٌ ذات جمالٍ متوسِّط، أو أقلَّ من وسط ؛ لكنَّها صائمةٌ مصليَّةٌ، تائبةٌ عابدةٌ، راكعةٌ ساجدةٌ، تحسن تبعُّل زوجها وأولادها، هذه نجحت في امتحان الجمال المتوسِّط، هذا من حيث الجمال .
*من حيث المال، الغني له امتحان مع الله والفقير له امتحان، القوي له امتحان والضعيف له امتحان، الصحيح له امتحان والمريض له امتحان، مادَّة امتحانك مع الله وما أنت فيه، مادَّة امتحانك مع الله ما أنت فيه من إيجابيَّات، من حظوظ مُنِحْتَ إيَّاها، وما حُرِمْتَ منه مادَّة امتحانك مع الله:
﴿ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) ﴾
(سورة الدخان )
*حقيقة الحياة الدنيا أن الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، الرخاء مؤقَّت والشقاء مؤقَّت، كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كلما دخل دار الخلافة يتلو دائماً آية من كتاب الله وكأنها [آية الشِعَار إن صحّ التعبير]، وهي قوله تعالى:
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) ﴾
(سورة الشعراء )
الغفلة وطول الأمل من أشدِّ الأمراض خطورةً على المؤمن:
*قد تملك، قد تصل إلى أعلى منصب في العالَم وتستمتع به أشدَّ الاستمتاع، الدنيا كلُّها بين يديك، كل مالها، ونسائها، وطعامها، وشرابها، وقصورها، ومُتَعِها بين يديك، ولكن قد تأتي ساعةٌ تخفق جميع العمليَّات ولا بد من لقاء الله عزَّ وجل، فبمَ تلقى الله عزَّ وجل ؟
(( يا بشير لا صدقة ولا جهاد فبم تدخل الجنة ؟ ))
[أحمد عن بشير بن الخصاصية]
*هذا الموت الذي قُهِرَ الإنسان به ـ سبحان من قهر عباده بالموت ـ كل مخلوقٍ يموت ؛ صحيح ومريض، قوي وضعيف، ملك ونبي، مُجرم، فقير وغني، كل مخلوقٍ يموت ولا يبقى إلا ذو العزَّة والجبروت، و:
الليل مهما طال فلا بدَّ من طلوع الفجر
والعمر مهما طال فلا بدَّ من نزول القبر
***
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلةٍ حدباء محمولُ
فإذا حملت إلى القبـور جنازةً فاعـلم بأنَّك بعدهـا محمولُ
***
*أيها الأخوة كلام دقيق، الإنسان حينما يُدْهَش، أو حينما يندم يكون قد استعمل عقله استعمالاً غير صحيح، هل الموت مفاجأة ؟ أبداً، الموت مصير كل حي، ما الفرق بين المؤمن وغير المؤمن ؟ المؤمن يستعدُّ له طوال حياته، طوال حياته يستعد له فإذا جاء الموت لا يُفاجأ، ولا يندم على ما فعل، يقول سيدنا علي : " والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي "، وصل إلى أعلى درجة، فأنت حينما تفاجأ بشيء، أو حينما تندم على شيء، معنى ذلك أن العقل لم يستعمل بشكل جيِّد، أهل الدنيا في غفلة، أكبر مرض يصيب الناس الغفلة عن الله، يعيش وقته، إذا مال الناس إلى الشهوات يميل معهم، مال الناس إلى متعٍ رخيصة يميل معهم، وضعوا الصحون يضعها، ألبسوا نساءهم هذه الأزياء يفعل كما يفعلون، هذا الإنسان الذي يعيش لحظته بلا تفكير ويغفل عن هذه الساعة التي لا بد منها ؛ ساعة المصير، هذا إنسانٌ أحمق، إنسان غافل:
﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) ﴾
(سورة الأعراف )
*الغفلة وطول الأمل من أشدِّ الأمراض خطورةً على المؤمن.
النعمة الأولى التي أنعم الله بها على بني إسرائيل أنه بعثهم من بعد موتهم :
*إذاً وصلنا في موضوع الحظوظ إلى أنها موزَّعةٌ في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزَّع في الآخرة توزيع جزاء.
﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) ﴾
*يعد الله عزَّ وجل لبني إسرائيل النِعَمَ التي أنعم بها عليهم ويذكرهم بها، من هذه النِعَم ؛ النعمة الأولى ـ في هذا الدرس طبعاً ـ أنه بعثهم من بعد موتهم، الله تعالى لا يدمِّر من أول خطأ ولا يُهلك من أول خطأ إنه يعفو.
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (53)﴾
(سورة الزمر: " 53" )
*الإنسان قد لا يغفر، قد يُخطئ الإنسان مع ملك فيقطع رأسه، هذا شأن ملوك الأرض، ولكن شأن ملك الملوك ليس كذلك:
﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ (52) ﴾
(سورة البقرة: " 52 " )
*وقال:
﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ (56) ﴾
*يُروى أن رجلاً سيق إلى سيدنا عمر متلبّساً بسرقة فقال: " والله يا أمير المؤمنين إنها أول مرَّةٍ أفعلها في حياتي " ، قال له: " كذبت إن الله لا يفضح من أول مرَّة "، فكانت المرَّة الثامنة، فالله عزَّ وجل يعطي مهلة، هناك خطأ، هناك معصية، هناك تقصير يعطي مهلة إلى أن يُصِر على ذنبه .
ربنا عزَّ وجل عفوٌ كريم يعفو ويسامح ولكن حينما يصرُّ العبد على خطئه يأتي الردُّ الإلهي:
*حدَّثني رجل فقال لي: لي أبٌ باعه طويل في تجارة المواشي والأغنام، والسمن والصوف، فلمَّا أراد أن يتقاعد من عمله باختياره وكَّلني أن أكون مكانه في هذا العمل، وكنت شاباً جاهلاً، ركبت السيارة، وذهبت إلى البادية لأشتري الصوف، ومعي ميزان ضخم، أردت أن أحتال على هذا الإنسان البدوي الساذج، كان كلَّما وزن جَرَّة أقول له رقماً فيه كسور، ثلاثة وعشرين كيلو وثمانمئة غرام، طرب هذا البدوي لهذا الوزن الدقيق علماً أنه حذف عشرة كيلو، طرب هذا البدوي لهذا الوزن الدقيق، لكنه شعر بِحِسِّه العام عندما انتهى الوزن أن هذه الكميَّة ثمنها خمسة وعشرين ألفاً، فوجد أن ثمنها أربعون ألفاً، فقال له باللغة البدوية: " ترى برقبتك إذا لعبت عليَّ "، قال لي: بعدما غادرت هذا المكان شعرت بخوف، بخطأ، هل أرجع لأطلب السماح منه، أمضي، ماذا أفعل ؟ قال لي: بقيت في صراع مع نفسي من مكان شراء الصوف إلى مكان بعد الضمير تقريباً، قال لي: خطر في نفسي، خاطر داخلي، بالتعبير الدارج: " حط بالخرج "، قال لي: ما أتممت هذا الخاطر إلا رأيت نفسي وسط بركةٍ من الدماء، انقلبت السيارة، وتناثرت البضاعة، وسال السمن من أوعيته، وأنا وسط الدماء ‍‍!! هذا معنى قوله تعالى:
﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾
(سورة الزخرف )
*ما دام الإنسان بين الخوف والرجاء، والاستغفار والتردُّد، فهناك بحبوحة، أما إذا اتخذ قراراً قطعياً يأتي الرد الإلهي .
*المعنى الذي نستنبطه من هذا أن ربنا عزَّ وجل عفوٌ كريم، يعفو ويسامح، ويعطي فرصة للاستغفار، ولكن حينما يصرُّ العبد على خطئه يأتي الردُّ الإلهي، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) ﴾
إذا قننّ الله لا عن عجز ولا عن تعذيب ولا عن بُخل ولكن عن تأديب فقط:
*من النِعَم التي امتنَّ الله بها على بني إسرائيل:
﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ (57) ﴾
*شمس الصحراء لا تُحتمل، كانت تسير معهم غيمة أينما ساروا، يقال أحياناً: "إذا أحبَّ الله قوماً أمطرهم ليلاً وأطلع عليهم الشمس نهاراً " ، تأتي أحياناً نسمات لطيفة في الصيف تلغي مكيِّفات ثمنها ألف مليون يقول: كم متراً غرفتك ؟ أنت تحسبها، أربعة بثلاثة باثنين ونصف، يقول لك: إذاً تحتاج لاثنين طن ليتم التكييف الجيد، ثمن الطن مئة ألف وهذه الغرفة لا يتم تكيفها بطن واحد، تأتي نسمات لطيفة من عند الله عزَّ وجل تلغي عمل المُكَيِّفات كلها، أحياناً نستورد أعلافاً بألوف الملايين، موسم مطير واحد يغني عن كل هذا الاستيراد، قد نستورد بألوف الملايين قمحاً لنأكله، موسم مطير واحد يُغني عن كل هذا الاستيراد، فالله إذا أعطى أدهش، وهو على كل شيء قدير.
*كلام دقيق جداً، إذا قننّ الله لا عن عجز، ولا عن تعذيب، ولا عن بُخل ؛ ولكن عن تأديب فقط، قرأت مرَّة بالأخبار أنه: في ليلة مطيرة واحدة نزل في رأس الخيمة مئتان وخمسة وعشرون ميليمتراً، أي تعادل أمطار دمشق طول العام، يوجد حتى الآن أربعون ميليمتراً من أصل مئة وعشرة في السنة الماضية، الموسم مئتان واثنا عشر، أربعون ميليمتراً، وإذا لم يكرمنا الله عزَّ وجل بأمطار قد تجد الينابيع كلُّها جافَّة ونضطر أن نشتري الماء شراء:
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30) ﴾
(سورة الملك )
*هو الله عزَّ وجل، هذا أول درس .
من نعم الله أن تجد الهواء تستنشقه والماء العذب الفرات تشربه :
*الدرس الثاني:
﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)﴾
*من نعم الله أن تجد الهواء تستنشقه، أن تجد الهواء غير الملوَّث تستنشقه، وأن تجد الماء العَذْبَ الفُرات تشربه، استوردت دولة مجاورة ماءً من العدو، فباعها ماء المجاري ـ الماء المالح ـ وحدثت تسمُّمات، وامتلأت المستشفيات بالمصابين، وبيعت قارورة الماء الصالح للشرب بمئةٍ وخمسين ليرة، فأنت حينما تفتح الصنبور في البيت، وتشرب كأس ماء صافٍ، هذه نعمةٌ لا تُقدَّر بثمن، لكن الإنسان لا يعبأ بالشيء المتوافر، استعاذ النبي من هذه الحالة، كان عليه الصلاة والسلام يقول: " يا رب أرني نعمك بكثرتها لا بزوالها ".
*تذكر نعمة الله حينما تفتح صنبور الماء، وتشرب ماءً عذباً فراتاً، سكنت في الحج في بيت في مكَّة المكرَّمة، وفي أثناء دخولي إلى البيت وجدت مستودعاً للمياه في مدخل البناء، لم يعجبني وضع الماء، قيل لي: هذا للاستعمال المنزلي فقط ولكن لا بد أن تشتري ماءً للشرب، ثمن القارورة ثلاثة ريالات، أي حوالي ثلاثين ليرة، يشربها العطشان مرَّة واحدة، إنك تفتح الصنبور، فتشرب أول كأس، وثاني كأس، وثالث كأس، ورابع كأس، يجب أن نعرف نعمة الله علينا، هذا الماء له ثمن باهظ وحينما تتعطَّل محطَّات التَحْلِيَة يُحْمَل الماء إلى البيوت حَمْلاً هذه من نعم الله العُظمى، هناك ماء وهواء وطعام ومعك قوت يومك.
نعمة الهدى والصحَّة والكفاية هذه نعمٌ إذا توافرت فقد حيزت لك الدنيا بحذافيرها :
*أخواننا الكرام، كلمةٌ من القلب: حينما يمتنُّ الله على الإنسان بالهدى، حينما يعبد الإنسان الله ويعرف أن هناك جنَّةً، وأن هناك ناراً، وأن هناك حساباً، وأنه هو المخلوق الأول، حينما يعرف ربَّه، ويعرف نفسه، ويعرف سرَّ وجوده، وغاية وجوده، ويمتِّعه الله بالصحَّة، هو في نعمة لا تقدر بثمن ، فلو أن إنساناً يملك البلاد كلها، وأصابه مرض عُضال تراه يتمنَّى أن يعود مواطناً عادياًِ بأجر زهيد على أن يعافى من المرض، أليس كذلك ؟ فكل إنسان معافى هذه نعمةٌ لا تقدَّر بثمن، فنعمة الهدى، ونعمة الصحَّة، ونعمة الكفاية، هذه نعمٌ إذا توافرت فقد حيزت لك الدنيا بحذافيرها.
*هناك قصَّة قلتها على المنبر اليوم وهي تروى عن سيدنا عمر بن عبد العزيز، وتروى لملكٍ آخر، ملك سأل وزيره: " من الملك ؟ "، قال له: " أنت "، قال له: " لا، الملك رجلٌ لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيتٌ يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزقٌ يكفيه، لأنه إن عرفنا جَهِدَ في استرضائنا، وإن عرفناه جهدنا في إحراجه "، فكل إنسان عنده قوت يومه، وله مأوى، وله بيت، وله زوجة، وهو راضٍ عن الله هو ملكٌ من ملوك الدنيا، وأسعد أهل الأرض، والله عزَّ وجل إذا أعطى أدهش، قد يعطيك سكينةً يتمنَّاها الملوك .
*هناك كلمة لا أنساها: ملك اسمه إبراهيم بن الأدهم، ترك الملك زُهداً به وصار عارفاً بالله، لأنه كان ملكاً وصار عارفاً بالله أنا أصدِّقه وَحْدَهُ، قال: " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف " ، لأنه يعرف ما هم عليه الملوك، كان ملكاً وصار عارفاً بالله، فأي إنسان مؤمن يعرف الله يعرف منهجه، يعرف أن الله قد وعده الجنَّة، يعرف ما يجب وما لا يجب، ما ينبغي وما لا ينبغي، ما يجوز وما لا يجوز، مُنضبط، وَقَّافٌ عند حدود الله، له عملٌ طيِّب، أجرى الله عزَّ وجل على يده عملاً طيباً، هذا الإنسان أسعد أهل الدنيا ؛ ولو كان في التعتيم، ولو كان في الظلال، ولو لم يعرفه أحد، إذا دخل إلى مجلس هؤلاء الأتقياء الأخفياء:
((إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا .))
[ابن ماجه عن معاذ]
*أتقياء أخفياء هم عند الله في أعلى مرتبة.
النعمة الثانية التي أنعم الله بها على بني إسرائيل أنه ظلّل عليهم الغمام:
*امتن الله عزَّ وجل على بني إسرائيل بأن ظلل عليهم الغمام:
﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)﴾
*المعنى: هذه النِعَم التي أنعم الله بها عليهم، المَن والسلوى طعام نفيس جداً، لا مجال للحديث عنه لأنه لا يوجد منه الآن، طعام نفيس امتنَّ الله به على بني إسرائيل، وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى:
﴿ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ (57) ﴾
*إذا استمتع الإنسان بهذه النعم دون أن يشكر الله عليها لا يُعدُّ ظالماً لله ولكنه يظلم نفسه، قس على ذلك، أي إنسان الله أعطاه، تمتَّع بهذا العطاء، تمتَّع بصحَّة، تمتَّع بمال، تمتَّع بزوجة، تمتَّع بأولاد، تمتَّع بكل شيء، وعدَّ نفسه شاطراً وذكياً أنه وصل إلى شيء نفيس في الحياة ونسي الله فهو أكبر ظالم لنفسه لأنه لم يشكر، النبي عليه الصلاة والسلام كانت تَعْظُم عنده النعمة مهما دقَّت، إذا شرب كأس ماء، تعظم عنده النعمة مهما دقَّت، إذا أفرغ هذا الكأس، الطرق كلها سالكة، والأجهزة تعمل بانتظام، هذه نعمةٌ لا تقدَّر بثمن، إذا أكل هذه نعمةٌ لا تقدر بثمن، إذا خرج هذا الطعام نعمةٌ لا تقدَّر بثمن، إذا كانت الأجهزة تعمل بانتظام نعمة لا تقدر بثمن:
﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) ﴾
لا يوجد في الدنيا حرمان ولكن يوجد تنظيم:
*لا زالت النِعَم تترا على بني إسرائيل:
﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً (58) ﴾
*متواضعين، باب بيت المَقْدِس:
﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ (58) ﴾
*أي يا رب اغفر لنا ذنوبنا، حُطَّ عنَّا خطايانا:
﴿ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ (58) ﴾
*للمذنبين:
﴿ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) ﴾
*إحساناً، فكل واشرب، وتزوَّج، وأسِّس عملاً، ونَل شهادة عُليا، وأنجب أولاداً وربِهِم، افعل ما تشاء من المباحات على شرط أن تعبد الله، أن تقف عند حدوده، أن تأتمر بأمره، أن تنتهي عما عنه نهى، أن تحبَّ الله ورسوله، لا يوجد في الدنيا حرمان ولكن يوجد تنظيم، كل الشهوات التي أودعها الله بالإنسان لها قنوات نظيفة، أية شهوةٍ أودِعَت في الإنسان لها قناةٌ نظيفةٌ تسري خلالها، فأنت حينما تعرف الله تفعل كل شيء لكن وَفْقَ منهجه.
المؤمن يتبع هوى نفسه وفق منهج الله أما الكافر فيتبع هوى نفسه بغير هدى من الله :
*ورد آية بهذا المعنى عن إتباع الهوى بغير هدىً من الله:
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) ﴾
( سورة القصص )
*الكافر يتبع هوى نفسه من غير هدىً من الله، أما المؤمن فهو يتبع هوى نفسه وفق منهج الله، فالشهوات التي أودعها الله في الإنسان لها قنوات نظيفة:
﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ (58) ﴾
*القرية هي بيت المقدس في أرجح الأقوال:
﴿ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً (58) ﴾
*خضوعاً لله، عندما فتح النبي الكريم مكَّة المكرَّمة دخلها خافض الرأس، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عزَّ وجل:
﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ (58) ﴾
*يا رب حُطَّ عنا ذنوبنا:
﴿ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ (58) ﴾
*للمذنبين:
﴿ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) ﴾
ما أكثر من يُبَدِّل في القرآن قولاً غير الذي قاله الله عزَّ وجل :
*قال تعالى:
﴿ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) ﴾
*عندما يصير الدين شكلاً، فُلكلوراً، تقليداً، ورقصاً، أو يصير الدين دوراناً ومع ارتداء ثوب كبير، أو غناء، أو طرباً، أو احتفالات، أو إلقاء كلمات، أو مؤتمرات دون أن يُطَبَّق المنهج الإلهي، إذا أصبح الدين كذلك فهذه أمَّةٌ تودِّعَ منها:
﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ (59)﴾
*أهكذا ذَكَرَ أصحاب رسول الله ربَّهم وهم يرقصون ؟ أهكذا كانت ثيابهم ؟ قد يبلغ قطر ثوبه ثلاثة أمتار، أفَعَلوا هذا تطبيقاً لمنهج الله عزَّ وجل ؟
﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ (59)﴾
*تكاد تجد أكثر المعاصي مُغَطَّاة بفتاوى، لم يبق شيء من الدين، بقي فقط فلكلوراً، تُراثاً، يقول لك: التراث الإسلامي، الدين أقواس، تيجان، زخرفة إسلاميَّة، لوحات إسلاميَّة، قرآن مُزَخرف، مسجد مزخرف، شكل بدون مضمون، لا يوجد منهج مُطبَّق، المنهج غربي، التقاليد والعادات كلها غربيَّة ؛ في الطعام والشراب، والاختلاط، والفنون، والغناء، والأفلام، كله غربي، ولا يوجد شيء إسلامي إلا المسجد والزخارف وبعض الثياب، هذا لا يجوز:
﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ (59)﴾
*ما أكثر من يُبَدِّل في القرآن قولاً غير الذي قاله الله عزَّ وجل، علماً أن الدين توقيفي والشرائع منتهية.
الدين لا يقبل الزيادة لأن أية زيادةٍ فيه تُعدّ اتهاماً له بالنقص:
*قال تعالى:
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً (3)﴾
(سورة المائدة: " 3 ")
*الدين لا يقبل الزيادة لأن أية زيادةٍ فيه تُعدّ اتهاماً له بالنقص، والدين لا يقبل الحذف فأيُّ حذفٍ منه اتهامٌ له بالزيادة، هو دين الله عزَّ وجل، كمال مُطْلَق:
﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا (60)﴾
*أقول لكم كلمة: والله الذي لا إله إلا هو لو خرج أهل بلدةٍ إلى مكانٍ فسيح متذلِّلين خاضعين، يسألون الله السُقْيَا، والله الذي لا إله إلا هو من الثابت أن الله يُمْطِرُهم مطراً يملأ آبارهم، ليعرّفهم ربُّهم أن الذي تدعونه بيده المطر، هذا الشيء يحصل في العالم الإسلامي، الاستسقاء عبادة، صلاة الاستسقاء عبادة ولكنها لا تنجح بشكل فردي إلا أن تكون جماعيَّةً، يجب أن يخلع الناس كِبْرَهُم، يخلعوا عنجهيَّتهم، أن يخضعوا لله عزَّ وجل، أن يسألوه السقيا، فإذا سألوه السقيا بتواضعٍ وتذلُّل وتَخَشُّع أمدَّهم الله بالأمطار الغزيرة التي تملأ آبارهم، وتحيي أراضيهم، وتنقذ نباتاتهم من الجفاف.
عندما يستهدف الإنسان الدنيا وليس له رسالة في الحياة يملُّ كل شيء :
*قال تعالى:
﴿ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)﴾
*كل واشرب من غير كِبْر، من غير غطرسة، من دون معاصي وآثام، تزوج من دون اختلاط، تزوج وحجِّب زوجتك، اجعل القرآن في بيتك، افعل الطاعات، الذي حصل:
﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ (61)﴾
*أفخر أنواع الطعام، توجد هنا لفتة دقيقة جداً، الإنسان إذا استهدف الدنيا يَمَلُّ منها، إذا استهدفها ونسي رسالته، لم يعد له هدف، يعيش ليأكل ويستمتع، يمل كل شيء، والدليل أن هؤلاء الشاردين في أوروبا وأمريكا ملّوا كل شيء، لذلك يوجد انحرافاتٌ خطيرة سببها المَلَل والسَأَم، ملوا المرأة فتوجَّهوا إلى الجنس المثلي، مُدن بأكملها، أكبر مدينة أو من المدن الجميلة جداً خمسة وسبعين بالمئة من بيوتها شاذُون، ذكور ذُكور، إناث إِناث، السبب هو الملل، أنت عندما تستهدف الدنيا وليس لك رسالة في الحياة تملُّ كل شيء، تبحث عن الجديد ولو كان قذراً، تبحث عن التجديد ولو كان انحطاطاً، تبحث عن التغيير ولو كان نحو الأسوأ، هذا شأن الإنسان.
صفات من ضُرِبَت عليهم الذِلَّة والمسكنة وباؤوا بغضبٍ من الله :
*لمؤمن هدفه الله عزَّ وجل لا يمل النعم التي بين يديه لأنها وسائل وليست غاية، النعم التي بين يديك تملُّها إن أصبحت غايات، وترتاح لها، وتستعين بها، ولا تَمَلُّها إذا جعلتها وسائل، فلذلك المَن والسلوى قال:
﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ (61) ﴾
*هؤلاء الذين ضُرِبَت عليهم الذِلَّة والمسكنة وباؤوا بغضبٍ من الله، كيف بهم إذا أصبحوا مستكبرين ؟ معنى ذلك أن هؤلاء الذين استكبروا عليهم أقل منهم، هؤلاء الذين ضُرِبَت عليهم الذلَّة والمسكنة وباؤوا بغضبٍ من الله يتجبَّرون على من هم أضعف منهم، هذا معنى مزعج جداً.
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) ﴾
*هذه صفاتهم ؛ يعصون الله، يعتدون على حقوق الآخرين، يقتلون الأنبياء بغير حق، طبعاً لا يوجد قتل بالحق، هذا ليس قيداً احترازياً بل هذا قيد وصفي، أي دائماً وأبداً الذين يقتلون الأنبياء بغير حق، لأن الأنبياء دعاة إلى الله عزَّ وجل، هذه صفاتهم التي أنبأنا الله بها في القرآن الكريم.
*في درسٍ آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) ﴾
و الحمد لله رب العالمين
* * * *
مصائب الكفَّارِ ردعٌ وقصمٌ لكن مصائب المؤمنين دفعٌ ورفعٌ:
*سؤال هام عن المصائب:
*سائل يقول: تذكر في أحاديثك أن هناك مرضاً عُضالاً يُعَدُّ عقوبةً من الله ؟
*الجواب:
*أيها الأخوة إن كلامي دقيق جداً، المرض نفسه، مرض عضال يصيب إنساناً غير مؤمن فيكون عقاباً، ويصيب إنساناً مؤمناً فيكون ترقيةً إلى الله عزَّ وجل، هذا الشي ثابت، المؤمنون لهم مصائب، والكفَّار لهم مصائب، مصائب الكفَّارِ ردعٌ وقصمٌ، لكن مصائب المؤمنين دفعٌ ورفعٌ.
*حدَّثنا أخ طبيب كان بمستشفى، جاء مريض مصاب بورم خبيث يُشهدُ الله أنه مؤمن، قال لي: شيء يحيِّر العقول، كلما دخل إنسان لعيادته الكلمة الأولى له: أشهد أنني راضٍ عن الله، يا ربِّ لك الحمد .
*أقسم هذا الطبيب وهو من أخواننا الكرام وهو حيٌ يرزق: أنك إذا دخلت إلى غرفته وجدت وجهه كالنور، روائح طيِّبة، إذا قرع الجرس، يتهافت كل من الأطبَّاء والممرضين على خدمته، وبعد أربعة أو خمسة أيام توفّي بأجمل حالة، بطيب ورضى، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة أرادها الله، عَقب هذا المريض جاء مريضٌ آخر مصاب بنفس المرض، لم يترك نبياً إلا وسبَّه، طباع شرسة، روائح نتنة، ثم مات .
*إذا قلت لكم: مرض، فإني أقصد إنساناً متفَلِّتاً، عاصياً، يبيح الزنا والخمر، أنا أقصد هذا المرض لهذا الإنسان عقاب، والله لا تجد ولا شخصاً منا وعنده ضمانة أن لا يصاب بهذا المرض، قد يصاب ويكون بأعلى درجة عند الله عزَّ وجل، لي صديق أصيب بنفس المرض، تقول زوجته عنه: سنتان ولم تسمع منه إلا كلمة " الحمد لله "، اشتهت أن تسمع كلمة أنين منه، فلعل هذا المرض يكون سبباً لدخول الجنة.
المصائب أنواع:
*المصائب أيها الأخوة أنواع ؛ مصيبة ردع، مصيبة قصم، هذا لغير المؤمن أما المؤمن رفع ودفع، فبعض الصحابة فقدوا أبصارهم، وبعض الصحابة جُرِحوا، النبي شُجَّت وجنته، كُسرت ثناياه، فإذا حكيت لكم عن مرض ـ والله هذا السؤال مهم جداً ـ فأنا ما قصدت أن المرض وحده مشكلة، لا، بل المشكلة أن يكون الإنسان شارداً عن الله، شارداً، غارقاً.
*تحدَّثت مرة عن إنسان يملك محلاً ضخماً جداً، يمارس الفحشاء فيه، ويعلق لافتة على باب المحل كتب فيها: نحن في الصلاة، احترق المحل، جدده، وعاد إلى معصيته ووقاحته، احترق مرة ثانية ؛ إذا احترق محل المؤمن فليست هناك أي مشكلة أبداً، فهناك حكمة بالغة من ذلك، هناك صحابي سُرِقَ ماله، فقال: " يا رب إن كان هذا الذي أخذه عن حاجة فبارك له فيه، وإن كان أخذه بطراً فاجعله آخر ذنوبه ".
*هل من الممكن أن يسرق مال المؤمن ويحترق محلّه ؟ ممكن، فهناك حكمة نحن لا نعرفها، يمرض مرضاً شديداً، والله هناك أمراض تصيب المؤمنين يرقون بها إلى أعلى عليين، أعرف أُناساً والله لا تؤثِّر فيه ولا مليون خطبة، أصابه مرض عضال وكان سبباً لعودته إلى الله عزَّ وجل، فأنا عندما أقول: مرض عضال، فلا أقصد أن كل واحد أصيب بمرض عضال معاقب، لا والله، فلا أحد منا يخلو من مرض، لا يوجد ضمانة عند إنسان أن لا يصاب بمرض، والمرض صار مشكلة كبيرة هذه الأيام، فأتمنى عليكم أن تنتبهوا للطعام، فهناك مواد بلاستيكيَّة، ومواد مسرطنة، ومبيدات، وأشياء كثيرة، فانتبه للطعام، نسبة المرض مرتفعة عشرين ضعفاً عن السابق، لا تمر جمعة إلا وأسمع عن عدة أشخاص ممن حولي أصيبوا بالأمراض.
*أنا لا أقصد أن كل إنسان أصيب بهذا المرض إذاً فهو معاقب، لا، فأنا أتحدَّث عن إنسان متفلِّت، ليس له منهج، يفعل الزنا جهاراً، يشرب الخمر، يتحدِّى الإله، هذا الإنسان مرضه بالطبع عقاب، أما إنسان مؤمن ؛ اسمعوا هذه الآية وهي خاصة بالمؤمنين :
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) ﴾
(سورة البقرة)
أشد الناس بلاءً الأنبياء :
*النبي سيد الخلق قال:
(( لقد أخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال.))
[حماد بن سلمة عن أنس]
*دائماً أيها الأخوة الكلام له سياق ولِحاق وسِباق، ذكرت مرة قصة عن امرأة اعتدت على أخيها، اشترى معها بيتاً بالتمام والكمال والتساوي، ودفع كامل المبلغ، وكانت قويةً جداً، فأخرجته من البيت ظلماً وعدواناً، ولديه من الأولاد أربعة عشر ولداً، نصفهم يبيتون في بيت جدهم، والنصف الآخر عند بيت جدتهم، قال لي ابن أخيها: أصيبت عمتي بمرض خبيث، فقلت: والله هذا عقاب إلهي، وتوفيت بعد شهر، وورثها أخوها الوحيد، وعاد إلى البيت مع أولاده.
*هناك حالات واضحة، فهذه الحالة عقاب إلهي مثل الشمس، فهل كل مؤمن صار معه مرض كان عقاباً ؟ أعوذ بالله أن أقول هذا الكلام، فلا يوجد إنسان خال من مشكلة في حياته، الحديث الشريف :
(( إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ))
[أحمد مسلم عن أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ عَنْ عَمَّتِهِ فَاطِمَةَ ]
*أنا حينما أذكر إنساناً يعصي الله جهاراً، ينتهك حرمات الله، يتحدَّى الإله ويأتيه مرضٌ عضال هذا المرض في الأعم الأغلب هو عقاب من الله، أما المؤمن له حساب آخر، وهذان المريضان اللذان دخلا المستشفى بنفس المرض، واحد ارتقى بمرضه إلى أن أصبح في أعلى عليين ؛ والثاني هوى به إلى أسفل السافلين، فالعبرة حالتك مع الله عزَّ وجل.
والحمد لله رب العالمين

الوجد
15-03-2012, 12:10 PM
جزاك الله خيرا

نووْور~
15-03-2012, 12:12 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (27- 95):تفسير الآية 62، الانتماء الشكلي لا قيمة له عند الله
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-02-12


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة الكرام لازلنا مع الدرس السابع والعشرين من سورة البقرة.
في القرآن الكريم آيتان تقتربان من الآية التالية:
*مع الآية الثانية والستين وهي قوله تعالى :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) ﴾
*هناك في القرآن الكريم آيتان تقتربان من هذه الآية ؛ الآية الثانيـة في سورة المائدة:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(69) ﴾
( سورة المائدة )
*هناك الآية الثالثة من سورة الحج وهي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(17)﴾
( سورة الحج )
الإنسان يجمع بين المتناقضين فيه نفخةٌ من روح الله وقبضةٌ من تراب الأرض:
*أيها الأخوة الكرام، كان الناس أمةً واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، سيدنا آدم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام تلا الحق على أولاده، وأولاده تلوا الحق على أحفادهم، وهكذا، لكن الذي حصل أن النفوس تنحرف، والشهوات تستعر، والمصالح تتضارب، فالإنسان مُركب من عقل ومن شهوة، لو كان مركباً من عقلٍ فقط لم تكن هناك أية مشكلة، لكنه ركب من عقلٍ وركب من شهوةٍ، في حين أن المَلَك ركب من عقلٍ فقط، هو يذكر الله دائماً، والحيوان ركب من شهوةٍ فقط وهو ليس مكلفاً، الإنسان نوعٌ عجيب، فيه نفخةٌ من روح الله، وفيه قبضةٌ من تراب الأرض، فيه حاجات عُليا، ونوازع عليا، وفيه شهوات سُفلى، هو المخلوق الأول، بطولته أنه يجمع بين المتناقضين، هناك شهوة تحرِّكه، وهناك قيمٌ يصبو إليها، فيه نفخةٌ من روح الله وقبضةٌ من تراب الأرض، تراب الأرض يشدُّه إلى الأرض:
﴿ وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 176 )
*والنفخة من روح الله تشده إلى الله وإلى القيَم، الذي ترونه جميعاً أن الإنسان يقلق إذا انغمس في شهوته، يبحث عن شيءٍ مفقود لو أعطى نفسه هواها، لو انغمس في إمتاع نفسه بالشهوات المادية إلى قمَّةِ رأسه يشعر أن هناك شيئاً يخالفه، يختل توازنه، ولا يستعيد توازنه إلا إذا عرف الله، فلذلك ربنا عزَّ وجل خلق الإنسان من نسل آدم، وأسكن سيدنا آدم في الجنة، وأعطاه درساً له ولذريته من بعده، أعطاه درساَ بليغاً، وبيَّن الله عزَّ وجل لسيدنا آدم ولذريته من بعده:
﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ(6) ﴾
( سورة فاطر )
*لكن الإنسان بعد أن تأتي رسالات الأنبياء قد ينسى وقد ينحرف، وقد يُفَرِّغ الرسالة من مضمونها.
حينما لا يطبق الدين تطبيقاً كاملاً لا تقطف ثماره:
*حينما جاء الدين الإسلامي أيها الأخوة، كان فيه زخم روحي شديد، مضمون كبير، قيَم رائعة، سلوك منضبط، إخلاص شديد، ولكن مع مُضي الزمن أصبح الدين شكلاً وفُرِّغَ من مضمونه شيئاً فشيئاً، لذلك ربنا عزَّ وجل يبعث على رأس كل مئة عام من يجدد لهذه الأمة دينها، يصبح الدين شكلاً، يصبح فلكلوراً، يصبح رقصاً، يصبح أناشيد، يصبح غناء، يصبح مظاهر فخمة، شهادات عُليا، ألقاباً علمية، مؤتمرات، مكتبة، ولا يوجد التزام، وحينما لا يطبق الدين تطبيقاً كاملاً لا تقطف ثماره، هذا شأن الإنسان حينما يميلُ إلى الشهوة على حساب القيم.
*الشيء المفروض أن الإيمان فطري، والله عزَّ وجل بدأ البشرية بنبيٍ عظيم هو سيدنا آدم، وينبغي أن يَسري الحق من جيلٍ إلى جيل، لكن الذي حصل أنه حدث انحراف، مع الانحراف يأتي الأنبياء والرُسُل العظام من قبل المولى جلَّ وعلا ليصححوا مسار البشرية فصار هناك يهود، سمي اليهود يهوداً لأنهم اتبعوا يهوذا أحد أولاد سيدنا يعقوب، أو لأنهم هادوا إلى الله أي تابوا إليه هذه أصل التسمية، علماً أن الواقع الحالي لا ينتمي لهذه التسمية، إما أنهم تابوا إلى الله أو أنهم اتبعوا يهوذا، والنصارى:
﴿ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾
( سورة آل عمران الآية: 52 )
*سمي الذي اتبعوا المسيح نصارى، والذي اتبعوا سيدنا موسى سموا يهوداً.
الإنسان حينما ينسى منهج الله يتولَّد في نفسه عداوةٌ وبغضاء:
*يقول الله عزَّ وجل :
﴿ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 156 )
*الآية دقيقة جداً ونحن في أمس الحاجة إلى معناها، فهذا الذي يملك إيماناً فطرياً بسيطاً، أو الذي آمن وانتمى إلى الإيمان شكلاً لا مضموناً، وهذا الذي انتمى إلى الدين اليهودي شكلاً لا مضموناً، وهذا الذي انتمى إلى الدين النصراني شكلاً لا مضموناً، تصور أربع محلات تجارية لا يوجد فيها بضاعة إطلاقاً، لكن توجد لافتات، لافتة كتب عليها مطرزات، لافتة كتب عليها أجواخ، لافتة كتب عليها ألبسة جاهزة، لافتة كتب عليها مواد غذائية، ليس في هذا المحل مواد غذائية، ولا ألبسة جاهزة، ولا مُطَرَّزات، ولا أجواخ، لا شيء فيها، ولكن توجد لافتات متباينة، وهناك صراع، وتعصُّب ديني، وحروب دينية، أما المضمون فارغ، النقطة الدقيقة جداً جِداً أن الإنسان حينما ينسى منهج الله يتولَّد في نفسه عداوةٌ وبغضاء، قال تعالى:
﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 14 )
*الآية تتحدث عن الذي ينتمي إلى الإيمان انتماءً شكلياً، ما الانتماء الشكلي ؟ حياته غربية، لا يوجد قيد في كسب المال، لا يوجد عنده انضباط، لا يوجد عنده منهج، إنفاق ماله بلا منهج وبلا ضابط، علاقاته مع النساء بلا منهج وبلا ضابط، يمضي وقت فراغه في أعمال سخيفة، ومتابعة أشياء لا تسمن ولا تغني من جوع، نمط حياته نمط غير إسلامي، لكنك تراه في المسجد يوم الجمعة، وقد علَّق في بيته آية الكرسي، وتراه يلبس الجديد في أيام العيد، ويهنِّئ ويبارك، البروتوكولات جيدة، الطقوس جيدة، الأعمال الاستعراضية جيِّدة، المظاهر جيدة، أما المضمون فهو غير إسلامي، فهذا الذي ينتمي إلى الدين انتماءً شكلياً، وهذا الذي ينتمي إلى اليهودية انتماءً شكلياً، وهذا الذي ينتمي إلى النصرانية انتماءً شكلياً.
الانتماء الشكلي إلى الدين مظاهر وطقوس وعبادات جوفاء لا معنى لها:
*قال الله عزَّ وجل:
﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ﴾
( سورة الحديد الآية: 27 )
*هكذا وُصِفَ أتباع سيدنا عيسى، كتبوا على عُملتهم ثقتنا بالله لكنهم ماذا يفعلون ؟ يرتكبون من الجرائم في العالم ما يندى له الجبين، يبنون ثروتهم على نهب ثروات الشعوب، يبنون قوتهم على تدمير أسلحة الشعوب، يبنون رخاءهم على إفقار الشعوب، فالانتماء شكلي والدليل أن أعمالهم بخلاف ما وصفوا به:
﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ﴾
( سورة الحديد الآية: 27 )
*إذاً الانتماء شكلي، مظاهر، طقوس، عبادات جوفاء لا معنى لها، وقد تكون العبادات غناء وموسيقى وما شاكل ذلك:
﴿ وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ(35)﴾
( سورة الأنفال )
*صار إحياء ليلة القدر برقص، أليس كذلك ؟ فهذا الدين قد فُرِّغَ من مضمونه.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ (62) ﴾
*الصابئون حَكَّموا عقلهم فرفضوا بعض النصوص، أو انتقلوا من دينٍ إلى دين، أو أصبحوا بلا دين، إنسان لا يتبع سيدنا محمداً عليه الصلاة والسلام، ولا السيد المسيح، ولا سيدنا موسى، يقول لك: أنا عقلاني، أو أنا علماني، والأصح جَهْلاني، ليس له علاقة بالأديان، عقله هو دينه، وعقله الحَكَم .
العقل لا قيمة له من دون وحيٍ يرشده:
*هناك نقطة مهمة جداً أيها الأخوة حتى أثبت لكم أن العقل وحده لا يكفي، يوجد عند طبيب العيون لوحة متدرجة في الدقة، فقبل آخر سطر إذا عرف اتجاه الـ (C) أو الـ (E) باللغة الإنكليزية، يكون نظره حاداً، يقول له الطبيب: يمين، يسار، فوق، تحت، إذا عرف قبل آخر سطر يأخذ عشرة على عشرة، إذا عرف آخر سطر يعطى اثنا عشر على عشرة، فأدق العيون هي التي تكشف اتجاه هذه الحروف في آخر سطر، لو أن إنساناً يملك عينين حادتين وهناك منظر جميل أمامه ولكن لا يوجد ضوء، ما قيمة العينين ؟ صفر، أَجلس في غرفة إنساناً أعمى وإنساناً له عينان حادتان، أطفئ المصباح ألا يستويان ؟ يستويان تماماً، معناها لا قيمة للعين من دون ضوءٍ يكون وسيطاً بينها وبين المرئي.
*قس على ذلك العقل، والعقل لا قيمة له من دون وحيٍ يرشده، من هو العالم الغربي ؟ عالم قائم على العقل فقط، العقل قدَّم إنجازات مادية مذهلة، ولكنه هبط هبوطاً اجتماعياً وأخلاقياً مُريعاً، وما يُعانون منه من مرض الإيدز، ومن الجريمة، ومن التفكك الأسري، وانحلال الأسرة، وشيوع المخدرات شيء لا يحتمل، إنسان يتحرَّك وفق عقله فقط لا وفق منهج الله عزَّ وجل، والعقل قد ينتهي بالإنسانية إلى الدمار، بسبب استخدام العقل وحده.
*أخواننا الكرام، الخلق هو سياج العقل، العقل قوة كبيرة، ما الذي يمنع صاحب العقل الكبير أن يصنع مادةً تؤذي الناس ؟ الآن العلماء الكبارُ الكبار يصنعون القنابل الجُرثومية، والقنابل الكيماوية، يبنون تفوَّقَهُم على تدمير البشرية، فما الذي يمنع العقل من أن يدمِّر العالم كله ؟ هو القيم الأخلاقية، ولا أخلاق بلا دين، معناها الدين أساس الأخلاق، والأخلاق أساس ضبط العقل، العقل يحتاج إلى وحي، والعقل مقياس غير صحيح من دون وحي، الآن الدليل، العقل مرتبط بواقع، لو أنهضنا إنساناً قبل مئة عام من قبره، وقلنا له: هذه الكتب ـ أربع جدران من الأرض إلى السقف كلها مجموعة بقرص ليزري واحد ـ لا يصدق كلامنا، أما الآن فهو شيء واقع، هناك الآن أقراص ليزرية فيها ألف كتاب بقرص ليزري واحد، العقل لا يصدق قبل مئة عام أنه من الممكن أن نبعث رسالة إلى أقصى قارة في العالم بثانية واحدة، الآن عن طريق الفاكس ترسل رسالة إلى أقصى مدينة في أمريكا، بغرب أمريكا على المحيط الهادي بثانية، لم يكن العقل يصدق أن يحدث شيء في مكان يراه العالم كله بالأقمار الصناعية، العقل لم يكن يصدق سابقاً، معناها العقل مرتبط بالواقع ولا يحق له أن يكون حكماً على النقل، النقل هو الحقيقة المطلقة التي من عند الله عزَّ وجل.
من هم الصابئون ؟
*من هم الصابئون ؟ هم الذين حَكَّموا عقولهم في النصوص فرفضوا ما لا يروق لهم وقبلوا ما راق لهم، صابئ أي أنه انسلخ من الدين، احتكم للعقل، أي علماني بالتعبير الحديث، العلماني هو إنسان صابئ انسلخ من الدين وصار له مقاييس أخرى.
*على كلٍ الآية مخيفة، هذا الذي ينتمي إلى الإسلام شكلاً، أو إلى الإيمان العامي الفطري شكلاً، وهذا الذي ينتمي إلى اليهودية شكلاً، وهذا الذي ينتمي إلى النصرانية شكلاً، وهذا الذي ينتمي إلى عقله ويحَكّم عقله في كل نقل، في المعنى الضمني لهذه الآية :
﴿ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ﴾
( سورة النحل الآية: 71 )
*وقال:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ (62) ﴾
*من هؤلاء جميعاً المقبول منهم:
﴿ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) ﴾
حقيقة الإيمان أن تؤمن بأن الله موجود:
*حقيقة الدين، جوهر الدين أن تؤمن بالله، يمكن لكل واحد أن يقول: أنا مؤمن بالله ؟ ولكن حقيقة الإيمان أن تؤمن بأن الله موجود، وأنه في السماء إلهٌ وفي الأرض إله، وأن هذا الذي تستمع إليه من أحداث من تدبير الله، ويد الله فوق أيديهم، ويد الله تعمل في الخفاء، وما من إلهٍ إلا الله.
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً(26) ﴾
( سورة الكهف )
*وقال:
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
( سورة الزمر )
*وقال:
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 54 )
*وقال:
﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِك فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2) ﴾
( سورة فاطر )
*وقال:
﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ ﴾
( سورة الرعد الآية: 11 )
حينما تؤمن بالله الواحد الأحد لا يمكن أن تُقْدِم على معصية ولو أعطوك ملء الأرض ذهباً :
*حينما تؤمن أن الله هو الفَعَّال، يقول لك: هناك في كل بلد رجل قوي، قد يكون ظاهراً وقد يكون غير ظاهر، من هو الرجل القوي في كل بلد ؟ لا يوجد إلا الله هو القوي، هو الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الباقي على الدوام، بيده الأمر، بيده مقاليد السماوات والأرض:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
*وقال:
﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ﴾
( سورة الحديد الآية: 3 )
*وقال:
﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة الحديد )
*لا يقع شيءٌ في الكون إلا بإذنه، هذا هو الإيمان، يبنى على هذا الإيمان أشياء كثيرة، حينما تؤمن أن الله وحده هو الفَعَّال لا تنافق لأحد، حينما تؤمن أن الله وحده هو الفعال لا تبتغي رزقاً بمعصية، مستحيل، حينما تؤمن بالله الواحد الأحد لا يمكن أن تُقْدِم على معصية ولو أعطوك ملء الأرض ذهباً لأنك تعلم أنك خاسر لا محالة، معنى تؤمن أي أن يتغلغل الإيمان إلى أعماق الإنسان فيغير كل صفاته، وكل مبادئه، وكل قيمه، وكل أهدافه، الإيمان يصنع إنساناً جديداً، يعد المؤمن الفوز بالعطاء لا بالأخذ، أكثر الناس يشعرون براحة حينما يأخذون، حينما يتملكون لا حينما يعملون عملاً صالحاً.
*الإيمان الحق يعكس موازين الإنسان، الإنسان له موازين مادية، لكن حينما يؤمن بالله تختلف موازينه.
الإنسان له موازين مادية لكن حينما يؤمن بالله تختلف موازينه:
*الإيمان الحق يعكس موازين الإنسان، الإنسان له موازين مادية، لكن حينما يؤمن بالله تختلف موازينه.
*مثل بسيط أضربه دائماً ؛ قال مَلِك لأستاذ: عَلِّم ابني دروساً وأنا أكرمك، إذا عرف هذا الأستاذ ما معنى مَلِك، وأن كل شيء بيده، وأقل عطاء له بيت وسيارة، المستحيل أن يطلب من الابن أجرة الدرس، يقول لتلميذه ابن الملك: لا، والدك يحاسبني، أما إذا لم يعرف من هو الملك، فطالب الابن بأتعابه، أعطاه على الدرس ألف ليرة مثلاً ولكنه أضاع على نفسه عطاءً كبيراً .
*أنت حينما تؤمن أن الأمر بيد الله وحده لا ترجو سواه، لا تتضعضع أمام غيره، ولا تعلق أملاً على إنسانٍ آخر، فالإيمان شيء يغيِّر نمط الإنسان، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :
(( لن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفاً مِنْ قِلَّةٍ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]
*أي اثنا عشر ألف مؤمن لن يغلبوا في الأرض، وإذا كان مليار ومئتا مليون مغلوبين، مغلوبين على أمرهم، ليس أمرهم بيدهم، ليست كلمتهم هي العُليا، أعداءهم يتحدَّونهم، لأنه:
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾
( سورة مريم )
*هذا هو الكلام الدقيق.
إذا لم تؤمن أن هناك يوماً هو يوم الجزاء والحساب لن تستقيم في سلوكك :
*قال تعالى :
﴿ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ (62) ﴾
*أركان الإيمان خمسة، لماذا في معظم الآيات الكريمة قرن ربنا الإيمان بالله بالإيمان باليوم الآخر ؟ أي أنَّك إذا لم تؤمن بأن هناك يوماً تسوى فيه الحسابات، تسترد فيه الحقوق، يُنْصَف المظلوم من الظالم، يؤخذ الحق من القوي إلى الضعيف، إذا لم تؤمن أن هناك يوماً، هو يوم الجزاء، يوم الدينونة، يوم الحساب، لن تستقيم في سلوكك:
﴿ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) ﴾
*هناك انتماءات شكلية للأديان، وهناك جوهر الدين الذي أراده الله عزَّ وجل، جوهر هذا الدين أن تؤمن بالله، وأن تثق به، وأن تعتمد عليه، وأن تتوكل عليه، وأن تعلِّق عليه الآمال، وأن تطيعه، وأن تحبه، وأن تُقبل عليه، وأن تعمل لليوم الآخر، هذا هو الدين، تجد المؤمن أمره عجيب يركض بلا أجر، لا يريد شيئاً، يشتغل أربعاً وعشرين ساعة، يعمل ليل نهار، يقدِّم ولا يأخذ، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، إنسان كل حياته عطاء، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يصلي الليل لا تتسع غرفته لصلاته ونوم زوجته، فكانت تنحرف يساراً كي يصلي، أنتم ترون هذه الأبهة الواسعة شيء يأخذ بالألباب، سيد هذه الأمة كان بيته صغيراً جداً لا يتسع لصلاته ونوم زوجته.
تخلَّى الله عن المسلمين لأنهم عصوه:
*الأنبياء العظام أعطوا ولم يأخذوا، وهناك من يأخذ ولا يعطي، والمؤمن بين بينَ يأخذ ويعطي، ولكن لا بد من أن تعطي، إذا آمنت بالآخرة لا بد من أن تعطي، ماذا قدمت؟
(( يا بشير لا صدقة ولا جهاد فبم إذن تدخل الجنة ؟ ))
[أحمد عن بشير بن الخصاصية]
*هذا السؤال الدقيق، ماذا قدمت للمسلمين ؟ أي عملٍ فعلته في سبيل الله ؟ أي عمل فعلته تقرُّباً إلى الله ؟ هذه نقطة دقيقة جداً، قد تلاحظ مسلماً غير منضبط، طعامه، شرابه، لقاءاته، سهراته، اختلاطه، كسب ماله، أين يمضي وقت الفراغ ؟ أجهزة اللهو في بيته، نساءه متبرجات كاسيات عاريات، وازن بين أسرة تنتمي للإسلام شكلاً، وأسرة تنتمي للنصرانية شكلاً، وأسرة تنتمي لليهودية شكلاً، وإنسان علماني تجدهم مثل بعضهم، هناك تشابه ولكن هناك تعصب، هناك تشابه، أما لو تمسك هؤلاء بالدين الحقيقي لالتقوا ولاجتمعوا لأن المنهج واحد والأصل يوحِّد، فلذلك لا يريد الله عزَّ وجل الانتماء الشكلي، لا يريد التعَصُّب.
*تجد أحياناً طالباً دفاتره أنيقة جداً ولكنه استحق بكل المواد أصفاراً، كل دفتر مغلف وفوقه نايلون، وبطاقة، ولوحة، ونشَّافة، وشريطة، ويأخذ صفراً بالمذاكرات، فهذه الأشياء الشكلية لا تقدِّم ولا تؤخر، لا تكفي العناية بالمساجد لوحدها فقط، دخلت مسجداً في الدار البيضاء في المغرب كلف تشييده ألف مليون دولار، شيء يفوق حد الخيال، بني فوق البحر، من يجلس في الحرم يرى البحر، استوحي هذا المسجد من قوله تعالى:
﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾
( سورة هود الآية: 7 )
*تجد البحر من تحته، نعتني بالمساجد لكن البيوت خَرِبَة، البيوت جحيم، العلاقات كلها علاقات ربوية، العلاقات بين الجنسين علاقات بغي وعدوان، يبدو في هذا الوضع كما لو أن الله تخلَّى عن المسلمين لأنهم عصوه:
(( إذا عصاني من يعرفني سلَّطت عليه من لا يعرفني.))
[ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض]
الإيمان المنجِّي هو الإيمان الذي يحملك على طاعة الله وعلى التخلُّق بالخلق الإسلامي:
*أيها الأخوة، هذه آية أساسية جداً :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا (62) ﴾
*الإيمان الشكلي:
﴿ وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى (62) ﴾
*والعلمانيون معهم:
﴿ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ (62) ﴾
*الإيمان المنجِّي، هو الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، هو الإيمان الذي يحملك على التخلُّق بالخلق الإسلامي:
﴿ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ (62) ﴾
*المؤمن يهيئ جواباً لله عن كل حركة، كل سكنة، كل عطاء، كل مَنع، كل وَصل، كل قطع، كل رضا، كل غضب، ماذا سيقول لله عزَّ وجل يوم القيامة لو سأله: لم طلَّقت ؟ لم غضبت ؟ لم أعطيت ؟ لم منعت ؟ لم فعلت ؟ لم تركت ؟
﴿ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً (62) ﴾
*آمن بالله وباليوم الآخر فاستقام وعمل صالحاً، قال: هؤلاء هم الذين وضعوا أيديهم على جوهر الدين، تصور إنساناً بدوياً لا يقرأ ولا يكتب، راعياً، قال له سيدنا عمر: " بعني هذه الشاة وخذ ثمنها " ، قال له: " ليست لي " ، قال له: " قل لصاحبها ماتت" ، قال له: " ليست لي "، قال له: " خذ ثمنها "، قال له: " والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله ؟ " .
الذين فرَّغوا الدين من مضمونه بقي لهم من الدين الانتماء الشكلي:
*أيها الأخوة، صدقوني لو وصل المسلمون لمستوى هذا الراعي الأُمي لكانوا في حالٍ غير هذه الحال، ليست القضية بالدراسات العُليا ولا بالألقاب العلمية القضية بالاستقامة، هذا الأعرابي وضع يده على جوهر الدين، والذين فرغوا الدين من مضمونه جعلوا الدين تقاليد، عادات، مظاهر، ألقاباً، افتخاراً، الذين فرَّغوا الدين من مضمونه بقي لهم من الدين الانتماء الشكلي، هذا الانتماء الشكلي لا قيمة له عند الله أبداً.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً (62) ﴾
*هؤلاء الذين يحبُّهم الله عزَّ وجل، إذاً هذه الآية دقيقة، أي إنسان ينتمي لهذه الأديان لو انسلخ من هذا الانتماء الشكلي و:
﴿ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) ﴾
*هذه الآية آية البقرة .
سبب رفع كلمة " الصابئون " في الآية التالية:
*الآية الثانية قال:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ ﴾
(سورة المائدة الآية: 69 )
*هنا مشكلة، " إنّ " حرف مشبَّه بالفعل تنصب الاسم وترفع الخبر.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
*الذين اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم إنّ .
﴿ والَّذِينَ هَادُوا ﴾
*معطوف، أما:
﴿ وَالصَّابِئُونَ ﴾
*وقال:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ ﴾
*للفت النظر ورد في الآية كلمة
﴿ الصَّابِئُونَ ﴾
*مرفوعة، أي أن هذا الذي احتكم لعقله ـ مع أنه عقله مربوط بالواقع وعقله يحتاج إلى وحي ـ فهذا وقع في ضلالٍ كبير.
جميع الاتجاهات الدينية في العالم الله وحده هو الذي سيفصل بينهم يوم القيامة:
*قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(69)﴾

( سورة المائدة )
*هذا التطمين الثاني، الأولى :
﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) ﴾
*هنا :
﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(69)﴾
(سورة المائدة )
*الآن لو أخذنا مجموع الاتجاهات الدينية في العالم ؛ هناك وثنيون، هناك بوذيون، وهناك سيخ، وهندوس، وعُبَّاد النار، وعُبَّاد الشمس، وعُبَّاد البَقَر، وعُبَّاد المَوج، وعُبَّاد الفَرج، و عُبَّاد لا نهاية لهم، قال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا (17) ﴾
( سورة الحج )
*من هو على الحق منهم ؟ قال:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(17) ﴾
( سورة الحج )
*كلٌ يدَّعي أنه على حق، وكل مِلَّة، وكل اتجاه، وكل مذهب، وكل دين، وكل طائفة، وكل جماعة تدعي أنها على الحق، لكن من هو الذي سيفصل بينهم ؟ هو الله عزَّ وجل، الله عزَّ وجل يعلم السر وأخفى.
صفات الضالين في العالم أربع:
*هناك اتجاهات كلها ضالة لكن بشكل أو بآخر صفات الضلال بالأرض أربع:
*أول صفة: تأليه الأشخاص، كثيراً ما تجد أدياناً كل شيء هو الذي يقوله رئيس الدين، لا يوجد منهج، قد يكون مثلاً رئيس مجوعة دينية، قد يكون ديناً أرضياً، الذي يقوله هو التشريع، لا يوجد تشريع بل تأليه للأشخاص.
*الثانية: اعتماد النصوص الموضوعة والضعيفة .
*الثالثة: تخفيف التكاليف .
*الرابعة: النزعة العدوانية.
*هذه صفات الضالين في العالم، أما نحن المبادئ عندنا أقوى من الأشخاص:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(17)﴾
(سورة الحج )
إذا أراد الإنسان أن يتبع الدين اتباعاً حقيقياً يجد الكثير من المبادئ والتعليمات يجب أن تُطبق:
*في الإسلام، النبي عليه الصلاة والسلام :
﴿ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي ﴾
(سورة الأعراف الآية:203 )
*سيدنا الصديق قال: " إنما أنا متبع ولست بمبتدع، إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوِّموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم."
*حتى في الدعوات الدينية إذا قال الشيخ فرضاً: " يا بني أنت ما دمت معنا فلا تخف "، فمن أنت ؟ ذُكِرت قصة في أحد الكتب أن أحدهم توفي وعندما جاءه الملكان ليسألاه عن دينه وعن ربه وعن نبيه، تلقيا ضربة أخرجتهم من القبر، قيل لهما: " هذا مريدي، أمِثل هذا يُسْأل !! " ، فهذا كلام مضحك، قال تعالى مخاطباً نبيَّه:
﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(15)﴾
(سورة الأنعام )
*سيد الخلق حبيب الحق:
﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(15)﴾
*يا رسول الله: " مَثِّل بهم " قال: " لا أمثل بهم فيمثِّل الله بي ولو كنت نبياً "، هناك خوف من الله، هناك انضباط، لذلك إذا أراد الإنسان أن يتبع الدين إتباعاً حقيقياً يجد عنده مئات الألوف من المبادئ والتعليمات، وافعل ولا تفعل، هذه كلها ينبغي أن تطبق.
الإيمان الذي لا يحمل صاحبه على طاعة الله لا قيمة له إطلاقاً:
*قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(17)﴾
(سورة الحج )
*الملخص: الانتماء الشكلي لا قيمة له عند الله، جوهر الدين أن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، وأن تؤمن بالله إيماناً يحملك على طاعته، إذا قال إنسان لك: أنا مطلع على مقالات عن أضرار الدخان وتراه يدخن، فأنت لن تصدقه، هذا جاهل، ما دام مطلعاً على مقالات عن أضرار الدخان ويدخن فمعلوماته لم تحمله على ترك الدخان، إذاً هذه المعلومات لا قيمة لها إطلاقاً، أما عندما يطلع الإنسان على مضار الدخان ويقلع عن التدخين نقول: معلوماته التي قرأها عن الدخان حَمَلَتْهُ على ترك الدخان، هذه معلومات مجدية ـ طبعاً من باب التمثيل ـ وحينما تؤمن بالله إيماناً يحملك على طاعته، وعلى تحرِّي الحلال، وعلى ترك الحرام، وعلى خدمة الخَلق، هذا الإيمان هو المجدي، وإلا أي إيمان لم يحمل صاحبه على طاعة الله لا قيمة له، بعضهم يسميه تندراً [إيمان إبليسي]، لأن إبليس قال:
﴿ فبعزتك (82)﴾
( سورة ص)
*آمن بالله رباً وآمن به عزيزاً، وقال له:
﴿ فأنظرني إلى يوم يبعثون (79)﴾
( سورة ص)
*آمن بيوم البعث، وإبليس قال له:
﴿ خلقتني من نارٍ (76)﴾
( سورة ص)
*آمن أنه خالق، فآمن بأنه خالق وعزيز ورب وآمن بيوم البعث، ومع ذلك هو إبليس، فالإيمان الذي لا يحمل صاحبه على طاعة الله لا قيمة له إطلاقاً، صفر.
العبرة أن تملك الحقيقة لأن الله يفصل بين الناس يوم القيامة:
*ثلاث آيات أيها الأخوة ؛ في البقرة آية، في المائدة آية، في الحج آية:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) ﴾
*هذه آية البقرة. أما آية المائدة فهي:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(69) ﴾
( سورة المائدة )
*آية الحج :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(17)﴾
( سورة الحج )
*العبرة لا أن تقنع الناس بباطلك، العبرة أن تكون عند الله على حق ـ دققوا في هذه الكلمة ـ قد تقنعني أن معك كيلو من الذهب وهو من التنك، ما قيمة هذا الإقناع ؟ أنت الخاسر الأول لا سمح الله، وقد تملك كيلو ذهب وأنا متوهِّم أنه تنك معدن خسيس، لا قيمة لهذا الوهم فأنت الرابح الأول، العبرة أن تملك الحقيقة لأن الله يفصل بين الناس يوم القيامة.
المؤمن الصادق يحاول أن يوفِّق بين قناعاته وبين مقاييس القرآن الكريم:
*أنا لم أر فئة إلا وتدعي أنها على حق، أي فرقة، أي نموذج في العالم كله، كل جماعة تدَّعي أنها على حق، وهي الصفوة المختارة ـ الصفوة النار ـ هكذا، أما المؤمن الصادق يحاول أن يوفِّق بين قناعاته وبين مقاييس القرآن الكريم، العبرة كما قال النبي الكريم:
(( ابتغوا الرفعة عند الله ))
[ أخرجه ابن عدي في الكامل عن ابن عمر ]
*العبرة أن تكون عند الله على حق، وأن تكون عند الله مرضياً :
﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15) ﴾
( سورة القيامة )
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
15-03-2012, 12:16 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (28- 95):تفسير الآيات 63 - 66، الشدائد هي النعم الباطنة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-02-19


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الثامن والعشرين من دروس سورة البقرة.
من الحكمة أن تُعْرَض علينا أمراض الذين من قبلنا كي نتعظ بغيرنا فلا نقع فيما وقعوا فيه:
*مع الآية الثالثة والستين وهي قوله تعالى :
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ﴾
*يتابع الله جلَّ جلاله الحديث عن بني إسرائيل، وقد بيَّنت لكم من قبل أن كل الأمراض التي وقع فيها بنو إسرائيل قد تزل قدم المسلمين فيقعوا في مثلها، فلذلك من الأسلوب الحكيم أن تُعْرَض علينا أمراض الذين من قبلنا كي نتعظ بغيرنا فلا نقع فيما وقعوا فيه، كل امتنانٍ من الله على بني إسرائيل في عهد موسى هو امتنانٌ على ذريَّتهم في عهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلَّم، لأن الكاف للخطاب:
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ (63) ﴾
*هذا الميثاق هو التكليف الذي كُلِّفتم به، هذا العهد بطاعة الله، هذا العهد بإقامة العدل في الأرض .
*أيها الأخوة، أرسل النبي عليه الصلاة والسلام سيدنا عبد الله بن رواحة ليقدِّر تمر خَيْبَر، حيث كان هناك اتفاقٌ بين النبي عليه الصلاة والسلام ويهود خيبر أن يأخذ نصف غلَّتهم من التمر، فكلَّف النبي الكريم عبد الله بن رواحة ليُقَدِّر التمر، أرادوا أن يرشوه، أرادوا أن يعطوه حلياً من حليِّ نسائهم ليكون التقدير أقلَّ مما ينبغي فيربحون، فقال هذا الصحابي الجليل قولته الرائعة: " والله لقد جئتكم من عند أحبِّ الخلق إلي ـ أي من عند رسول الله ـ ولأنتم أبغضُ إليَّ من القردة والخنازير، ومع ذلك لن أحيف عليكم " ، فقال اليهود: " بمثل هذا قامت السماوات والأرض، وبمثل هذا غلبتمونا ".
الإنسان مخيَّر ولكن الله عزَّ وجل يسوق له الشدائد ليحمله على التوبة:
*دقِّقوا إذا أقمنا الحق نغلب أعداءنا ـ بمثل هذا قامت السماوات والأرض، وبمثل هذا غلبتمونا ـ قال تعالى:
﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (8) ﴾
( سورة المائدة: الآية " 8 " )
*وقال:
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ (63) ﴾
*لا يزال ربنا عزَّ وجل يمتنُّ على بني إسرائيل، يمتنُّ على آبائهم في عهد موسى وهو امتنانٌ حكميٌّ على ذرِّيتهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، لولا هذا الميثاق، ولولا هذا التكليف ما عرفتم سرَّ وجودكم، فهذا من فضل الله عزَّ وجل.
*توجد نقطة دقيقة جداً: الإنسان مخيَّر قولاً واحداً، لكن لماذا يسوق الله عزَّ وجل له الشدائد ؟ ليحمله على التوبة، هل هذه الشدائد التي يسوقها الله للمُقَصِّرين تُلغي اختيارهم ؟ الجواب: لا، الإنسان مخيَّر، ولكن الله أحياناً يرسل مصيبةً، هذه المصيبة تقع فيما لو رفضنا منهج الله، فإذا قبلناه أُزيحَتْ عنا، هذا لا يتناقض مع التخيير في الدين، ولكن هذا من تربية الحكيم العليم، فهذا الأب الذي يشتدُّ على ابنه في سنين الدراسة ليكون علماً من أعلام الأمَّة، هذه القسوة وهذا الخيار الصعب الذي وضع الأب ابنه فيه إما أن تدرس وإما أن أحرمك من كذا وكذا، هذا لم يلغِ اختيار الابن ولكن دفعه إلى أن يختار الأفضل.
ربنا عزَّ وجل يدفعنا إلى أن نختار الأفضل:
*إذاً ربنا عزَّ وجل يدفعنا إلى أن نختار الأفضل، يؤكّد هذا المعنى قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ(38)إِلا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾
( سورة التوبة)
*فإن أصررتم:
﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ (39)﴾
( سورة التوبة)
*وما ذلك على الله بعزيز:
﴿ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً (39)﴾
( سورة التوبة)
*وما ذلك على الله بعزيز، معنى ذلك أن الحكيم المربي لو أن هذا الذي أمامه اختار الأسوأ، واختار الهلاك، واختار الضلال، لا بد للمربي الحكيم أن يدفعه إلى أن يختار الصواب، حينما يسوق ربنا جلَّ جلاله الشدائد للمقصِّرين كي يدفعهم إلى الطاعة، وكي يدفعهم إلى الاستقامة، وكي يدفعهم إلى الصُلح مع الله، هذا أسلوب الحكيم، هذا أسلوب المربي الرحيم، هذا لا يُلغي الاختيار، الابن مخيَّر أن يدرس أو لا يدرس، ولكن الأب يقول له حرصاً عليه: إن لم تدرس فأمامك كذا وكذا، ليجعله في خيار صعب، لولا أن الله يسوق لعباده من الشدائد ما يسوقه لهم لما كان معظم الناس في طريق الإيمان سائرين.
الشدائد إذا حملت الإنسان على الطاعات انقلبت إلى نِعَمٍ باطنة:
*ربنا عزَّ وجل نتق الجبل بمعنى زعزعه من مكانه وجعله فوقهم، فإما أن يطبِّقوا منهج الله وإما أن يقع عليهم، أي أنه ألجأهم إلى طاعة الله، من هنا قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:
(( عجِبَ ربُّنا من قومٍ يُقادون إلى الجنَّة بالسلاسل.))
[أحمد والبخاري من ابن مسعود]
*أقْبِلْ على الله بسلاسل الإحسان لا بسلاسل الامتحان:
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21) ﴾
(سورة السجدة)
*قال المفسِّرون: نتق الله جبل الطور الذي كلَّم به موسى عليه السلام، نتقه أي زعزعه من مكانه وجعله فوقهم كالظُلَّة، فإن لم يستقيموا على أمر الله أهلكهم بطريقةٍ أو بأخرى، والله أعلم، فمعنى هذه الآية، هذا الجبل ـ كما قال بعض المفسِّرين ـ جبل الطور نُتِقَ أي زُعْزِعَ من مكانه وهدَّدهم بالهلاك إن لم يستقيموا على أمر الله، كم من إنسان أصيب بمرض عضال فتاب توبةً نصوحَاً، حمله هذا المرض أو حمله شبح هذا المرض على طاعة الله والصُلحِ معه، اسم هذا المرض يوم القيامة يبعث في نفس هذا المؤمن الذي اهتدى إلى الله عزَّ وجل كل سعادةٍ وسرور، إذا حملت الشدائد الإنسان على الطاعات انقلبت إلى نِعَمٍ باطنة وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (20) ﴾
( سورة لقمان)
*يجب أن تفهم الشدائد التي يسوقها الله للمسلمين اليوم كهذا الفهم تماماً، الشدائد التي يسوقها الله للمسلمين اليوم في كل بِقاع الأرض يجب أن تدفعنا إلى طاعته.
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾
( سورة القصص: الآية "4 " )
سُنَّة الله في خلقه:
*هؤلاء الغربيون الذين يعيشون على أنقاض الشعوب، الذين يدمِّرون الشعوب، ينهبون ثرواتهم، يدمِّرون أسلحتهم، يجيعونهم كما ترون، هؤلاء ينطبق عليهم هذا المبدأ:
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(4)وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ(5)وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6) ﴾
( سورة القصص)
*هذه سُنَّة الله في خلقه:
(( إذا عصاني من يعرفني سلَّطت عليه من لا يعرفني.))
[ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض]
*هذا أسلوب الحكيم، هذا أسلوب المُربي الرحيم، تُساق الشدَّة من أجل أن تعرف الله:
﴿ إِنَّا بَلَونَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصحَابَ الْجَنةِ إِذْ أَقسَمُوا لَيصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ(17)وَلا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(19)فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ(20) ﴾
( سورة القلم)
من قصَّر بالعمل ابتلاه الله بالهم:
*القصَّة معروفة، حينما انطلقوا إلى بساتينهم ليجنوا الثمر ويحرموا حقَّ الفقير:
﴿ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّون َ(26) بـَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ(27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ(29) ﴾
( سورة القلم)
*قال تعالى :
﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ ﴾
(سورة القلم)
*أي عذابٍ في الأرض يساق للإنسان هو لهذه العلَّة، لعلَّة أن يهتدي الإنسان، لعلَّة أن يعرف الله، لعلَّة أن يتوب إلى الله، لعلَّة أن يستقيم على أمر الله، لعلَّة أن يعرف سرَّ وجوده، أن يعرف غاية وجوده، لعلَّة أن يسعى إلى الآخرة، لعلَّة أن يسعى إلى جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، والله الذي لا إله إلا هو أكاد أقول إن معظم المسلمين، الصالحين، التائبين، الذين يعرفون الله، الذين اهتدوا إلى الله كانت هدايتهم بسبب شدَّةٍ ساقها الله إليهم، وهذه الشدَّائد هي النِعَمُ الباطنة، إما أن تأتي ربك طائعاً، وإما أن يحملك على أن تأتيه مكروهاً، اختر أحد الحالين ؛ إما أن تأتيه طائعاً، وإما أن يحملك على أن تأتيه مكرهاً، وهذا لا يتناقض مع الاختيار، ولكن يجسِّد رحمة الله عزّ وجل، ويجسِّد حرصه على سعادة الإنسان.
*الأب الذي يُسَيِّب أولاده، لا يتعلَّمون، لا يعملون، فإذا كبروا وكانوا في المؤخِّرة، وكانوا مع الحُثالة هؤلاء يلومون آباؤهم، والأب الذي يتشدَّد على أولاده ليحملهم على طاعة الله، ويحملهم على أن يكونوا شخصياتٍ فذَّةً في المستقل هؤلاء يشكرونه طوال حياتهم على شدَّته معهم، هذا معنى الآية:
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ (63) ﴾
*من أجل ماذا ؟ قال :
﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ (63) ﴾
*هذه الآية دقيقة جداً، أي أن هذا الطور الذي رُفِعَ عليكم، هل هناك طورٌ آخر في حياة المسلمين ؟ طبعاً، كل واحد له طور، شبح مرضٍ هو طور، شبح مشكلةٍ في الأسرة، شبح فقد مالٍ طور، شبح مرضٍ طور، شيء قوي، شيءٌ يُهَدِّدك، يهدِّد سلامتك، يهدِّد رزقك، يهدِّد سعادتك، يهدِّد أمنك طور، من قصَّر بالعمل ابتلاه الله بالهم.
مداخل الشيطان على الصالحين:
*طبعاً هذه الآية بالمعنى الضيِّق، كان جبل الطور سبب حمل بني إسرائيل على أن يسيروا في منهج الله، هذا أسلوب الحكيم، أسلوب الرحمن الرحيم:
﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ (63) ﴾
*طبِّق أمر الله بقوَّة، طبِّقه بحذافيره، ماذا يفعل الشيطان مع الإنسان ؟ الشيطان يُغِري الإنسان بالكفر، فإن لم يكفر يغريه بالشرك، فإن لم يشرك يغريه بالابتداع، فإن لم يبتَّدع يغريه بالكبائر، فإن لم يقترفها يغريه بالصغائر، فإن لم يفعلها يغريه بالمُباحات، فإن ابتعد عنها يغريه بالتحريش بين المؤمنين، وهذه مداخل الشيطان على الصالحين، وكل مصيبة مخيفة هي طور، وكل بلاء متوقَّع طور، ونقص الأمطار طور، آن أوان الزهر، والأمطار تسعة وخمسون ميليمتراً من مئتين واثني عشر، قد تجفُّ الآبار، قد لا نجد ماءً نشربه، قد يهلك الحرث والنسل هذا طور، شدَّة يسوقها الله للعباد ليحملهم على التوبة، كلَّما اتسعت رقعة الفسق والفجور قلَّ ماء السماء، كلَّما قلَّ ماء الحياء قلَّ ماء السماء، وكلَّما اتسعت الصحون على السطوح ضاقت صحون المائدة، وكلَّما رخُص لحم النساء غلا لحم الضأن، هكذا، هذا طور أيضاً بالمعنى الواسع، شدَّةٌ يسوقها الله للذين آمنوا وقصَّروا في طاعته.
آيات دالة على مكانة الكفار الذين ينعمون بثروةٍ فلكيَّةٍ:
*قد يقول أحدكم: فما بال هؤلاء الغربيين الذين ينعمون بثروةٍ فلكيَّةٍ، قال: هؤلاء ينطبق عليهم قول الله عزَّ وجل:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً (44)﴾
( سورة الأنعام)
*هؤلاء ينطبق عليهم :
﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَواْ رَبَّهُمْ ﴾
(سورة آل عمران)
*هؤلاء ينطبق عليهم قول الله عزَّ وجل :
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
( سورة إبراهيم )
الناس في القبر سواسية مهما علا شأن الإنسان في الدنيا وكبر اسمه:
*هل توازن بين شابين ؛ أحد الشابين ليس له من يرعاه، يعيش في الطرقات، يسرق، ويرتكب الفواحش، ويُودَع في السجون، وليس له أبٌ يربيه، ولا رادعٌ أخلاقي، ولا علمٌ يمنعه ؛ وابن يتلقَّى شدَّة بالغة من أبيه ليكون متفوِّقاً، ليكون مستقيماً، هل تتوهَّم أن حالة هذا الشاب المتفلِّت أسعد من حالة هذا الشاب المُنضبط ؟ لا، هذا ينتظره مستقبلٌ باهر.. دقِّقوا في هذه الآية:
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
( سورة القصص )
*أيستوي هذا مع هذا ؟
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
( سورة الجاثية )
*وقال:
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا(77)أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ ﴾
( سورة النساء)
*مهما كبُر اسم الإنسان، ومهما علا شأنه، ومهما مَلَك يُقال له في القبر: يا عبد الله، أيضاف على هذا الاسم لفظ آخر ؟ يا عبد الله اعلم أن الجنَّة حق والنار حق، ويوم القيامة حق وما إلى ذلك، أيطلق عليه لقب كما كان يُطْلَق عليه في الدنيا ؟ هل يخاطب لميتٍ في القبر حين التلقين وإن كان التلقين لم يرد عن رسول الله، بألفاظ كبيرة، بألفاظ السيادة ؟ أبداً، يا عبد الله، وهذا هو الموت الذي هو مصير كل حي.
فضل العالِم على العابد:
*قال تعالى:
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ (63) ﴾
*لعلَّ بعض المفسِّرين يقول: إنك إن ذكرت ما فيه أخذته بقوَّة، لا تكن عابداً فحسب، كن عابداً عالماً:
(( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ))
[ رواه الترمذي عن أبي أمامة ]
((فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ))

[ابن ماجة عن الوليد بن مسلم ]
*قد يفور الإنسان أحياناً ثم يهمد، قد يُقبل ثم يدبر، قد يأتي طائعاً ثمَّ يتراجع، أما إذا بنى سلوكه على العلم، وعلى الدليل، وعلى العقيدة الصحيحة لن ينتكس، ولن يتراجع، هناك مئات من طلاب العلم، مئات من روَّاد المساجد أقبلوا، وانخرطوا، وبذلوا، فتنتهم امرأةٌ عن دينهم، فتنتهم وظيفةٌ مغريةٌ عن دينهم، لأنه لا يوجد لديهم أساس متين، لا تصمد العواطف أمام المغريات، ولا أمام الضغوط، ولا أمام الإغراءات، المؤمن القوي لا يزحزحه عن إيمانه لا سبائك الذهب اللامعة، ولا سياط الجلاَّدين اللاذعة، سيدنا بلال وضِعَت صخرةٌ عليه، اكفر، وهو يقول: أحدٌ أحد.
إنعام الله على بني إسرائيل بنعم كثيرة*:
*إذاً:
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ﴾
*لعلَّكم تتقون العذاب في الآخرة، لعلَّكم تتقون عذاب الدنيا، لعلَّكم تتقون الهلاك، لعلَّكم تتقون سَخَطَ الله عزَّ وجل، لعلَّكم تتقون جهنَّم التي هي أكبر عقابٍ يناله الإنسان في الكون:
﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ (64) ﴾
*أصبح البحر طريقاً يبساً أمامكم، عصا سيدنا موسى أصبحت ثعباناً مبيناً، نزع سيدنا موسى يده فإذا هي بيضاء للناظرين، كل هذه الآيات وقالوا :
﴿ اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾
(سورة الأعراف: الآية " 138 " )
*ثمَّ عبدوا العجل من بعد ذلك ومع ذلك فالله أرحم الراحمين، وهو الغفور الرحيم، وهو التوَّاب الرحيم، وهو قابل التوبة عن عباده:
﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) ﴾
كل عمل الإنسان في الدنيا هو سببٌ لدخول الجنَّة وليس ثمناً لها:
*أيها الأخوة، الجنَّة هي العطاء الحقيقي:
﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185) ﴾
( سورة آل عمران)
*الفوز الحقيقي بلوغ الجنَّة، الفوز الحقيقي النجاة من النار هذا هو الفوز الحقيقي، والجنَّة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، هذه الجنة هي بفضل الله، فكيف نجمع بين قوله تعالى:
﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(32) ﴾
( سورة النحل)
*وبين قول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث الصحيح:
((لا يَدْخُلُ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَفَضْلٍ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ ))
[أحمد عن أبي هريرة]
*التوفيق بين الآية والحديث هو أن للجنَّة ثمناً وأن لها سبباً، إيمانك بالله، واستقامتك على أمره، وعملك الصالح سببٌ لدخولك الجنَّة، وليس ثمناً لها، بيت قيمته مئة مليون، إذا دفعت ثمن مفتاحه عشرة ليرات، ودخلت البيت وسكنته بفضلٍ من الله عزَّ وجل فهل تقول: أنا اشتريت المفتاح يا أخي، أنا دخلته بهذا المفتاح ؟ هذا ثمن المفتاح ولكنك لم تدفع ثمن البيت ؛ بل دفعت ثمن المفتاح فقط، فكل عمل الإنسان في الدنيا هو سببٌ لدخول الجنَّة، وليس ثمناً لها، الجنَّة برحمة الله، الجنة محض فضلٍ، وكل عملك سبب لدخولك الجنَّة، والسبب شيء والثمن شيءٌ آخر.
الأقوياء في الأرض عصيٌ بيد الله يؤدِّب بهم من يشاء من عباده:
*وعد والدٌ ابنه أن يشتري له درَّاجة غالية الثمن إذا نجح، فهذا الطفل لمَّا أخذ جلاءه ناجحاً توجَّه إلى بائع الدرَّاجات مباشرةً وقال له: أعطني دراجة وخذ هذا الجلاء، البائع لا يعطيه، لا بد من أن يدفع الأب ثمن هذه الدراجة، أنت قدَّمت السبب الذي اشترطه الأب عليك ولكنك لم تقدِّم الثمن، الثمن يدفعه الأب، أنت قدَّمت السبب، فلذلك لو أنك عرفت الله، لو استقمت على أمره، لو أطعته، لو أنفقت مالك هذه كلُّها أسباب، أما الثمن هو فضل الله عزَّ وجل:
﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) ﴾
*كل واحد منَّا لم يتوله الله بالعناية لو نشأ على معصية لاستمرَّ عليها حتَّى الموت، لكن ربنا عزَّ وجل رب العالمين رحيم بعباده، عندما يغلط الإنسان يأتي العقاب، يأتي الردع، يأتي الحزن، يأتي الخوف، يأتي القلق، يأتي المرض، هذه كلُّها أدواتٌ تأديبيَّة، حتى إن الأقوياء في الأرض عصيٌ بيد الله يؤدِّب بهم من يشاء من عباده:
﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(129) ﴾
( سورة الأنعام )
*وقال:
﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ (64) ﴾
*هناك آيات كثيرة:
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً (21) ﴾
( سورة النور )
*وقال:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً(113) ﴾
( سورة النساء)
إذا حملت المعرفة الإنسان على طاعة الله فهذا أكبر فضلٍ يناله الإنسان في الدنيا:
*إذا نوَّر الله عزَّ وجل قلب الواحد ومنحه شيئاً من المعرفة، وهذه المعرفة حملته على طاعة الله فهذا أكبر فضلٍ يناله الإنسان في الدنيا، قال الله عزَّ وجل :
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾
( سورة البقرة: الآية " 269 " )
*الذي معه ألف مليون دولار، قال الله عزَّ وجل :
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
( سورة النساء: الآية " 77 " )
*ألف مليون قليل:
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ(60)﴾
( سورة القصص)
*وقال:
﴿ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ﴾
( سورة طه: الآية " 71 " )
*سحرة فرعون:
﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى(71)قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72)إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(73)﴾
( سورة طه )
الدنيا لا تستقيم لأحد أبداً:
*كلامٌ دقيق:
﴿ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(73) ﴾
*إذا خيِّرت أن تركب سيَّارةً فخمةً لربع ساعةٍ فقط، أو أن تُمْنح دراجة غالية الثمن ماذا تختار ؟ أن تركب هذه السيارة ربع ساعة أو أن تمنح هذه الدراجة تملُّكاً ؟ إنَّك تختار الدراجة، إذا خيِّرت بين أن تركب هذه السيارة ربع ساعة، وبين أن تمتلك مثلها ملكيَّةً ثابتة، هل تتردَّد ثانية ؟ أما إذا خيِّرت أن تركب هذه الدراجة ربع ساعة، وبين أن تتملَّك أكبر وأغلى سيَّارة، إذا تردَّد الإنسان ربع ثانية يكون مجنوناً
﴿ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
*المثال للتوضيح، الآخرة فيها نعيم مقيم وإلى الأبد، الدنيا مشحونة بالمتاعب، إنَّ هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، لا تستقيم لإنسان، يؤتى الصحَّة يخسر المال، يؤتى المال من دون صحَّة، صحَّة ومال الزوجة سيئة، زوجة جيدة لا يوجد مال، زوجة جيدة لا يوجد أولاد، يوجد أولاد ولكن الدخل قليل، دخل وأولاد وزوجة يوجد مرض، هذه الدنيا لا تستقيم لأحد أبداً.
لكل شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ فلا يغرَّ بطول العيش إنسانُ
***
*قال تعالى:
﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) ﴾
ما ورد في القرآن من أيام الأسبوع إلا الجمعة والسبت:
*أيها الأخوة:
﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) ﴾
*الأيام ؛ الأحد تعني واحد، الاثنين اثنين، ثلاثاء ثلاثة، أربعاء أربعة، خميس خمسة، جمعة ستَّة :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾
( سورة الجمعة: الآية " 9 " )
*سُمِيَّ هذا اليوم يوم جمعة كي نجتمع، كي يأتي الإنسان إلى المسجد، كي يصغي إلى الحق، كي يعرف سرَّ وجوده:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِِ﴾
( سورة الجمعة: الآية " 9 " )
*ما ورد في القرآن من أيام الأسبوع إلا الجمعة والسبت، يوم السبت عند اليهود يوم انقطاعٍ عن العمل، يوم عبادة، وعندنا نحن المسلمين يوم الجمعة يوم عبادةٍ واجتماعٍ، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلاثَ مِرَاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ))
[سنن أحمد عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه]
*إذاً: من ترك الجمعة ثلاث مرات من دون عذر نكتت نكتة سوداء في قلبه.
الإنسان بين رحمة الله في المسجد وبين فضل الله خارج المسجد:
*الله عزَّ وجل يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا(9) ﴾
*يخاطب المؤمنين:
﴿ إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ(9) ﴾
*حصراً:
﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ(9) ﴾
( سورة الجمعة )
*ما أرادك الله عزَّ وجل أن تبيع وتشتري في أوقات العبادة، ولا أمرك في أوقات الراحة أن لا تعمل، أرادك أن تعبدَه، وأن تعمل لدنياك، لذلك:
﴿ فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾
( سورة الجمعة: الآية " 10 " )
*كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل المسجد يدعو ويقول:
(( إذا دخَل أحدُكم المسجد، فَلْيَقُلْ: اللَّهمَّ افْتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك ))
[مسلم عن أبي حميد]
*أنت بين رحمة الله في المسجد، وبين فضل الله خارج المسجد.
أشكال القوة :
*المؤمن أيها الأخوة يأتي إلى المسجد ليتلقَّى تعليمات خالقه، ويعود إلى المسجد ليقبض الجائزة، وجودك هنا لمهمَّتين، كيف أن الشركات الضخمة لها مندوبو مبيعات يأتي المندوب الساعة الثامنة ثم يأتي مساءً ليقدِّم كشف الحساب ويأخذ العمولة، فكل مسلم صادق إذا توهَّم أن مجرَّد مجيئه إلى المسجد هو العبادة فهذا خطأ كبير جداً، تأتي إلى المسجد لتتعرَّف إلى الله وإلى منهجه، وإلى افعل ولا تفعل، فإذا عُدَّت لتصلي في المسجد كي تقبض الجائزة، أما أن تتوهَّم أنه لمجرَّد حضورك في المسجد فقد كنت عابِداً، لا، لا بد أن تطبِّق الدين في الطريق، في المتجر، في البيت، معك التعليمات، التطبيق هناك، هنا أخذ التعليمات وقبض الجائزة، وفي البيت، والطريق، والعمل، والمتجر، والسفر، والإقامة هناك تنفِّذ هذه التعليمات، فالإنسان ينبغي أن يعمل وأن يتعبَّد كما ورد في الأثر:
(( ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا من ترك آخرته لدنياه، إلا أن يتزوَّد منهما معاً، فإن الأولى مطيَّةٌ للثانية ))
[ورد في الأثر]
*قال تعالى:
﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ(26) ﴾
(سورة القصص)
((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ))
[مسلم عن أبي هريرة ]
*القوَّة قوة مال، والقوة قوة علم، والقوة قوة مركز، إذا كنت في مركزٍ قوي بإمكانك أن تنفع المسلمين:
﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ(55) ﴾
( سورة يوسف)
*إذا كنت ذو حجمٍ ماليٍ كبير يمكن أن تحل مشكلات آلاف المسلمين ؛ تزوِّج الشباب، تطعم الفقراء، تبني المساجد، تبني المدارس الشرعيَّة، تبني المستشفيات، وإذا كنت عالماً وانتفع الناس بعلمك فهذه قوَّة:
﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3) ﴾
(سورة البقرة)
حينما تجعل من يوم العبادة يوم عمل فقد عصيت الله عزَّ وجل لأن هذا يوم عيد:
*العلم قوَّة، والمال المشروع قوة إذا اكتسبته من طريقٍ مشروع، والعلم الشرعي معرفة الله عزَّ وجل ومعرفة منهجه قوة، والمركز الذي لا يُبْنَى على معصية الله بل يُبْنَى على طاعة الله هو قوة أيضاً، لذلك أرادنا الله جلَّ جلاله أن نعمل وأن نتعبَّد في الوقت نفسه، أمسك النبي عليه الصلاة والسلام يد ابن مسعود، وكانت خشنة من العمل فقال:
(( إنَّ هذه اليد يحبُّها الله ورسوله ))
[ورد في الأثر ]
*سيدنا عمر يقول: " إذا رأيت الرجل ليس له عمل يسقط من عيني "، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ))
[البخاري عن حكيم بن حِزام ]
كن منتجاً، كن منفقاً، لكن لا تجعل من يوم العبادة يوم عمل: " إنَّ لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل."
*حينما تجعل من يوم العبادة يوم عمل فقد عصيت الله عزَّ وجل، يوم الجمعة، يوم صلاة الجمعة المسلم الصادق يهيِّئ البيت تهيئة خاصَّة، هذا اليوم ليس يوم تنظيف ولا حل مشكلات، ولا أن يقوم البيت ولا أن يقعد يوم الجمعة، هذا يوم عيد، يجب أن تهيِّئ الأهل والأولاد ليكونوا معك في صلاة الجمعة ليتلقَّوا وليؤدوا هذه العبادة التعليميَّة التي جعلها الله حدَّاً أدنى لطلب العلم، كما يقال: محواً للأميَّة، محواً لأميَّة الدين، قد يحمل الإنسان أعلى شهادة وهو في الدين أمي، والدليل: كما أن أكبر عالِمٍ في الدين إذا أعطي تخطيط قلب نقول: هذا أمي في هذا التخطيط، يجد خطوطاً هكذا، أما إذا قرأ الطبيب التخطيط يفهم الشيء الكثير، بينما أكبر عالِمٍ في الدين يُعدُّ أمياً في الطب، وبالمقابل قد يحمل إنسان أعلى شهادة وهو في الدين أميّ.
*حجَّ مسؤول من بلد عربي، وكان يحتل منصباً رفيعاً في وزارة، ففي طريق العودة قال: والله الحج جيد، لكن ليت القائمين على هذه الشعيرة يجعلونه على مدار السنة دفعاً للازدحام، معنى هذا أنه جاهلٌ في الدين جهلاً مطبقاً، فقد يكون الإنسان مثقَّفاً أعلى ثقافة، وهو في الدين أمي، لذلك ينبغي أن تطلب العلم الديني وأن تعمل لكسب رزقك.
هناك من يجتهد ليحل كل شيء إلى أن أصبح الدين شكلاً بلا مضمون:
*أما ماذا فعل اليهود يوم السبت يوم العبادة ؟ أنشؤوا أحواضاً وفتحوها يوم السبت حتى إذا أتت الحيتان يوم سبتهم أغلقوها مساءً، واصطادوها يوم الأحد !!! حيلة شرعيَّة، وهذا يشبه الحيل الشرعية التي يفعلها بعض المسلمين، لعلَّها الآن تقلَّصت لضعف الدين أساساً، كان يضع زكاة ماله برغيف خبز، يهبها لفقير، والفقير لا يدري أن الرغيف فيه خمسة آلاف ليرة، ثم يقول له: هل تهبني هذا الرغيف الذي هو بخمس ليرات ؟! يقول له: أتمنَّى، يقول لك: أنا دفعت زكاة مالي للفقير، هذا شيء مضحك، وعلى هذا تقاس أشياء كثيرة جداً، نغير الأسماء فتصير المحرَّمات مباحات، نقوم بتعليلات، اجتهادات، نقول: هذا القرض ليس القصد منه الاستغلال بل هو قرض استثماري وليس فيه تحريم، من قال لك ذلك ؟!!
*هناك من يجتهد ليحل كل شيء إلى أن أصبح الدين شكلاً بلا مضمون، شكلاً بلا منهج، كل شيء مباح، توجد الآن فتاوى لكل شيء، كل شيء مباح ؛ التمثيل، والغناء، والاختلاط، لم يبق في الدين شيء محرَّم، تحت إطار التطور، المرونة، أين الدين ؟ الدين توقيفي، الدين دين الله عزَّ وجل، الدين ما جاء به الكتاب والسنة، أما أن نفلسف، وأن نكون مرنين، وأن نطوِّر إلى أن نبيح كل شيء، فهذا الشيء ليس من الدين في شيء .
*قال العلماء عن هؤلاء الذين احتالوا حيلاً شرعيَّة: لو أنك لا سمح الله ولا قدَّر فعلت المعصية ولم تقولبها بحيلةٍ شرعيَّة لكان أفضل، إنك حينما قولبتها بحيلةٍ شرعيَّة لا تتوب منها، تظن أنك على حق، أما حينما تفعلها مجرَّدةً من حيلةٍ شرعيَّة تتوب من هذا الذنب، فأخطر شيء أن يكون عندك مجموعة فتاوى غير صحيحة لمعاصٍ كبيرة وأنت مرتاح على أن هناك فتاوى فيها، هذه الفتاوى لا تُقْبَل عند الله عزَّ وجل، لذلك أنا أقول لكم دائماً: لكل معصية فتوى، أنت ماذا تريد فتوى أم تقوى ؟ الفتوى موجودة إذا أردت، تجد فتوى لكل معصيةٍ مهما تكن كبيرة، هناك من يفتي بها، والذي يفتي بها جعل من نفسه جسراً إلى النار.
آراء بعض المفسرين في الآية التالية:
*حدثني أحد علماء دمشق الأجلاَّء أنه كان في حضرة عالمٍ في بلدٍ عربيٍ مسلمٍ ـ
في حضرة عالِمٍ وكان يُحتضَر، في وقت النَزع ـ قال لي: والله شاهدته بأمِّ عيني رفع يديه إلى السماء هكذا وقال: يا رب أنا بريء من كل فتوى أصدرتها في الموضوع الفُلاني ـ موضوع الفوائد والأموال ـ وهو في النزع الأخير، ولكن ما الفائدة من هذه التوبة وهو على فراش الموت ؟ هناك من يُفتي بأشياء حَرَّمها الله، ثلاثة وثمانون ملياراً أودِعَت في البنوك عقب فتوى، ثلاثة وثمانون ملياراً في بلد عربي عقب فتوى ليست كما يريد الله عزَّ وجل.
*على كلٍ هذا الذي يعرف الأمر ولا يعرف الآمر يتفنَّن في التفلُّت من الأمر، أما الذي يعرف الآمر ويعرف الأمر يتفانى في طاعة الآمر:
﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) ﴾
*تريد أن تبيع هذه السلعة بعقدين، بعقد مع الزيادة وعقد بلا زيادة، قرأت مقالة طريفة جداً، بكم هذه السلعة ؟ تقول له: مثلاً بألف، يسألك ماذا تطبخ اليوم ؟ تقول له: فاصولياء، انتهى أول مجلس، والثاني دخل، ما دام دخل فالموضوع غريب، عندما قال: ماذا تأكل اليوم ؟ صار المجلس جديداً، انتهى أول مجلس، وصار المجلس الثاني، وسعر هذه السلعة بألف وخمسمئة، فهو بطريقةٍ أو بأخرى دخل في موضوع آخر ليغير سعر السلعة عند تأجيل الدفع، الله عزَّ وجل ناظرٌ، سميعٌ، عليمٌ، بصير.
﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) ﴾
*قال بعض المفسِّرين: جعلهم الله قردةً، وهذا المَسخ لا يتناسل وانقرضوا، فإذا قلت: هل مازال هناك يهود ؟ ليسوا جميعاً كانوا عصاةً فَمُسِخَ الذي عصى، هذا رأي.
*الرأي الثاني مُسِخوا قردةً وخنازير وعبدة الطاغوت، ما معنى ذلك ؟ عورة القرد ظاهرة، ولها لون فاقع خاص، عورته ظاهرة وشكله قبيح، وهمُّه شهوته، إذا رأيت إنساناً عورته ظاهرة، ولا يبالي بسمعته، وهمُّه فرجه وبطنه فهو قرد بالمفهوم السلوكي والقيَمي، قال بعض العلماء: مسخوا قردة أي بأخلاق القردة، ووقاحة القردة، ودمامة القردة، وعدم حياء القردة، فإذا مشى إنسان مع زوجته بثيابٍ فاضحة لا تخفي منها شيئاً أليس قرداً ؟ بل إن الذين يرفضون نظرية دارون بعضهم آمن بها مجدَّداً لكنَّها معكوسة، كان إنساناً فصار قرداً لا يستحي، ولا يخجل، ولا ينصاع لأمر، ولا لقيمة، ولا لخُلُق، فالذين قالوا: مسخوا قردةً حقيقيين لهم أدلَّتهم، والذين قالوا: مسخوا بأخلاقهم وقيمهم قردةً لهم أدلَّتهم أيضاً، القرآن حمَّال أوجه لك أن تفهمه هكذا أو هكذا ضمن قواعد وأصول.
تعريف بسيط للقردة والخنازير وعبدة الطاغوت :
*على كلٍ إذا كانت عورة الإنسان مكشوفة ولا يستحي بها وهمُّه بطنه وفرجه هذا قرد بالمعنى السلوكي، وهناك من مسخ خنزيراً لا يغار على عرضه، أو يرضى الفاحشة في أهله، والله قال لي إنسان رأى بأم عينه: دخل إلى بيت إنسان وقال له: هذه زوجتي، وهذه أختي، وهذه أخت زوجتي، وأعطى الأسعار، أسعار دقيقة، هذا خنزير، هذا الذي لا يغار على عرضه أو يرضى الفاحشة في أهله هذا خنزير.
*عبدة الطاغوت هم الذين ما عبدوا ربهم، أي أنهم خافوا من دون مبرِّر، عصوا ربَّهم وأرضوا مخلوقاً، من أرضى الناس بسخط الله سخط عليه الله وأسخط عليه الناس، فالناس مُسِخوا إما قردة عورتهم ظاهرة وهمُّهم بطنهم وفرجهم، وإما خنازير لا يغارون على أعراضهم، وإما عبدة طاغوت يخضعون، قال له: " يا بني الناس ثلاثة ؛ عالمٌ ربَّاني، ومتعلِّمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيق فاحذر يا كميل أن تكون منهم ".
﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) ﴾
*خاسئين أي مهزومين، وأكبر هزيمة أن تُهْزَم أمام نفسك، هذه أكبر هزيمة، مهزوم عند نفسك.
لا عقوبة بلا تجريم ولا تجريم بلا تشريع :
*قال تعالى:
﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) ﴾
*النكال العقاب الشديد، لمَّا جعلهم قردة خاسئين كان هذا تنكيلاً بهم، أي أنه أوقع العقاب بهم ليكون لمن حولهم، ولمن بعدهم، ولكل مؤمنٍ ردعاً وموعظةً، لذلك قالوا: لا عقوبة بلا تجريم، ولا تجريم بلا تشريع، الله شرَّع فلمَّا خالفوا صار هناك جرم، وعندما صار الجرم وجب العقاب، كلام دقيق:
(( يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ ))
[مسلم عن أبي ذر ]
*لا عقوبة بلا تجريم ولا تجريم بلا تشريع، هناك نص، وهناك مخالفة، وهناك عقوبة، هكذا شأن العدل، هكذا شأن الحق جلَّ جلاله، فجعلنا هذا المسخ قردة وخنازير:
﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا (66) ﴾
*لمن حولها:
﴿ وَمَا خَلْفَهَا (66) ﴾
*لمن بعدهم:
﴿ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) ﴾
أكثر الأحكام الشرعية تصون المال والعرض :
*أجروا إحصاءً فيدرالياً في عام خمسة وستين وتسعمئة وألف، حيث قُسِّمت جرائم الاغتصاب والقتل والسرقة على الثواني، فوجدوا أنه في كل ثلاثين ثانية تُرْتَكَبُ جريمة قتلٍ، أو سرقةٍ، أو اغتصاب، أما حينما طُبِّق حكم قطع اليد في بعض البلاد الإسلاميَّة رأيت العجب العجاب، هل من الممكن لصرَّاف أن يدع كل أمواله على الطريق وأن يذهب ليصلي في المسجد ؟ ممكن ؟ هذا كان يحدث، لأنه طُبِّق حكم قطع اليد، سُئل الإمام الشافعي من قِبَل شاعر، قال: يدٌ بخمس مئينٍ ـ أي خمسمئة من الذهب ـ:
يدٌ بخمس مئينٍ عسجد وديت * ما بالها قُطِعَت في ربع دينارِ
***
*إذا قُطِعَت في حادث سير فديَّتها خمسمئة دينار ذهبي، لو أن سائقاً أرعنَ أصاب إنساناً وقُطِعَت يده، ديَّتها خمسمئة دينار ذهبي، قال: ما بالها قُطِعَت في ربع دينارِ ؟
*أجابه الإمام الشافعي :
عزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها * ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
***
*فقال ابن الجوزي لما سئل عن ذلك:
لمَّا كانت أمينة كانت ثمينة *فلمَّا خانت هانت.
***
*لذلك أكثر الأحكام الشرعية تصون المال والعرض، ما الفساد ؟ الفساد هو حرية كسب المال بلا رادع، وحرية ارتكاب الموبقات والشهوات، لذلك هناك جلد، وهناك رجم، وهناك قطع يد، أخطر شيء في الحياة صون الأعراض وصون الأموال.
﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) ﴾
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
15-03-2012, 12:19 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (29- 95):تفسير الآيات 67 - 74، صفات البقرة كما وردت في القرآن الكريم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-02-27


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس التاسع والعشرين من دروس سورة البقرة.
أمر الله تعالى بأشياء ونهى عن أشياء وسكت عن أشياء وذلك لحكمة بالغة:
*مع الآية السابعة والستين وهي قوله تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
*أولاً إن الله عزَّ وجل أمرنا في كتابه أو من خلال سنة نبيه بكل شيء يقربنا إليه ونهانا عنه كل شيءٍ يبعدنا عنه، إن في كتابه أو في سنة رسوله، وهناك أشياء سكت عنها الشرع لا أمراً ولا نهياً، إذاً هي حيادية لا تُقَرِّب ولا تُبَعِّد، كلون هذه الطاولة، لو أن هذا اللون أخضر، لو أنه أزرق، لو أنه أبيض، لو أنه بُنِّي، لون هذه الطاولة لا يقرِّب ولا يُبَعِّد حيادي، لذلك إن الله أمر بأشياء ونهى عن أشياء وسكت عن أشياء، فالذي أمر به يُقَرِّب، والذي نهى عنه يُبْعِد، والذي سكت عنه لا يُقَرِّب ولا يُبَعِّد.
*حينما يسكت الشرع عن شيء ينبغي أن يحترم الإنسان سكوت الشرع عنه، لا أن يسأل عنه، سكت عن شيء لحكمة بالغة، كما أن هناك حكمةً بالغة من الأمر هناك حكمةً بالغة من النهي، هناك حكمةٌ بالغةٌ بالغة من الشيء الذي سكت الله عنه، لذلك ما أَضَلَّ الله قوماً بعد إذ هداهُم إلا أوتوا الجَدَل في المسكوت عنه، فالمسلمون أو بعض المسلمين مقصرون تقصيراً شديداً، ومع ذلك يحشرون أنوفهم في جُزْئِيَّات، وفي خلافيَّات، وفي قضايا لا تقدم ولا تؤخر، ويجعلون من هذه الموضوعات الصغيرة موضوعات كبيرة، ويختصمون، ويختلفون، ويتناقشون، ويتباغضون، ويتعادون، ويتهم بعضهم بعضاً، والقضية صغيرة جداً هامشية لا تقدِّم ولا تؤخر.
*لذلك أيها الأخوة القرآن الكريم دقيق، مثلاً ذكر القرآن قصة وأغفل بعض التفاصيل، أغفل مكانها وزمانها، أغفل أسماء أشخاصها، أغفل بعض التفاصيل السابقة واللاحقة، حيثُما سكت القرآن عن شيءٍ فاسكت أنت عنه لأنه لا فائدة منه، لا جدوى منه، حينما تحاول أن تبحث عن هذه التفاصيل تفسد على الله حكمته، لأن الله عزَّ وجل أراد نموذجاً متكرراً، لم يرد قصة وقعت ولن تقع مرة ثانية، هو أراد نموذجاً، أراد نموذجاً تقتدي به، فأنت حينما تبحث عن التفاصيل وعن الجزئيات، أنت تفسد على الله حكمته، أراده الله نموذجاً متكرراً فجعلته قصةً وقعت ولن تقع بعد اليوم.
الله عزَّ وجل يعطينا درساً بليغاً في تعنت بني إسرائيل:
*الأكمل بالمؤمن والأولى أن يأتمر بما أمره الله به، وأن ينتهي عما نهاه عنه، والذي سكت عنه هو مباح، لا تُضَيِّق عليك الخناق، لا تضيق عليك الوثاق، استفد من بحبوحة الله، فالله عزَّ وجل يعطينا درساً بليغاً، درساً بليغاً في التعُنُّت، تعنت بني إسرائيل، درساً بليغاً في انغماسهم بالجزئيات والتفاصيل التي سكت عنها الشرع، قال الله عزَّ وجل:
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
*بقرة نكرة، أية بقرة، أيَّة بقرةٍ صالحةٍ لتنفيذ هذا الأمر:
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
*لكن لماذا ؟ أنت حينما تتلقى أمر من مساوٍ لك تسأله لماذا ؟ قال لك زميلك في الدائرة: افعل كذا، تقول له: لماذا ؟ دائماً وأبداً حينما تتلقى أمراً من مساوٍ لك، من ندٍ لك تسأله عن الحِكمة، وعن العِلَّة، وما السبب، ولماذا ؟ أما حينما تتلقى أمراً ممن فوقك ممنوعٌ أن تسأله لماذا ؟ أنت مريض لا تعلم في الطب شيئاً، دخلت إلى طبيب وأعطاك أمراً، يجب أن تأتمر بهذا الأمر، أنت جندي في معركة حاسمة والقائد العام أصدر أمراً عليك أن تأتمر، فكيف إذا كنت عبداً لله عزَّ وجل وخالق السماوات أعطى أمراً، قال علماء العقيدة: علَّةُ أي أمرٍ في الكتاب والسنة أنه أمر.
*ذهب رجل من أهل العلم إلى أمريكا، والتقى بعالمٍ أسلم حديثاً، ودار الحديث حول لحم الخنزير، أفاض هذا العالم المَشْرِقِي في الحديث عن علة التحريم، وعن أضرار لحم الخنزير، وعن الدودة الشريطية، وعن الآثار النفسية التي يتركها هذا اللحم في نفس الآكل، ومضى يتحدَّث لساعاتٍ طويلة عن حكمة تحريم لحم الخنزير، فما كان من هذا العالم الغَرْبِي المُسْلِم حديثاً إلا أن قال: كان يكفيك أن تقول لي: إن الله حرمه.
الأمر يُقَيَّم بالآمر:
*ذات مرة في برنامج سألوا دكتورة في جامعة من جامعات البلاد العربية عن رأيها في التعَدُّد، فقالت: كيف يكون لي رأي في التعدد وقد أباحه الله عزَّ وجل ؟!!
*الأمر الإلهي هو من خالق السماوات والأرض، الأمر يُقَيَّم بالآمر، من هو الآمر ؟ هو الله، الحكمة المُطلقة، والعلم المطلق، والخبرة المطلقة، والرحمة المطلقة، والعدل المطلق، فحينما يقول الله:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾
( سورة التحريم: الآية " 8 " )
*أي يا من آمنتم بي خالقاً، يا من آمنتم بي إلهاً، يا من آمنتم بي مربياً، يا من آمنتم بعلمي، يا من آمنتم بحكمتي، يا من آمنتم بقدرتي، يا من آمنتم بلُطفي، يا من آمنتم برحمتي، يا من آمنتم بعدلي، أنا آمركم بكذا وكذا، لذلك المؤمن الصادق لمجرَّد أن يتلقى أمراً من الله عزَّ وجل ينصاع إلى تنفيذه من دون أن يسأل عن الحكمة والعِلَّة، إذا سأل بعد التنفيذ ليعلِّم الناس فلا مانع، إذا سأل عن الحكمة والعلة ليكون داعيةً ليقنع الناس لا يوجد مانع، أما أن يعلِّق تنفيذ الأمر على معرفة الحكمة، الكلمة الخطيرة الآن إنه عندئذٍ لا يعبد الله يعبد نفسه.
*إنسان يصوم لكي ينزل وزنه، يصوم ليصون أجهزته، هذا لم يصم عند الله، ولا يمكن أن يقبل صومه عند الله، هو يصوم في صحَّتِهِ، وأناسٌ كثيرون ملحدون يصومون لصحتهم، العبادة انصياع لله عزَّ وجل، أما أنا حينما أُصلي من أجل تليين عضلاتي، أصلي من أجل تليين مفاصلي، أنا أصلي من أجل أن أحافظ على رشاقتي هذه ليست صلاة، اذهب إلى نادٍ رياضي وليِّن عضلاتك، لا تدخل أمراً بأمر، اجعل الدين خالصاً لله عزَّ وجل، الصلاة صلاة، الحج حج، الصيام صيام.
الذي ينفذ أمر الله طاعة له وامتثالاً لأمره يصل لأعلى درجة وهي العبودية لله:
*أية آيةٍ في القرآن الكريم تفتتح بقوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾
( سورة التحريم: الآية " 8 " )
*كأن الله عزَّ وجل يقول: يا عبادي الذين آمنتم بي، آمنتم بي خالقاً، آمنتم بي مربياً، آمنتم بي مسيراً، آمنتم بعلمي، بقدرتي، برحمتي، بعدلي، بقوتي، بإنصافي، بعدلي، فأنت بمجرد أن يأتيك أمرٌ من فوق يجب أن تنصاع له، أما إذا جاءك أمر من مساوٍ لك تسأله: لماذا ؟ لك أن تسأله، لكن ليس لك أن تسأل الله عزَّ وجل قبل أن تنفذ الأمر، هناك نقطة دقيقة جداً، أنت حينما تنطلق لتنفيذ أمر الله عزَّ وجل طاعةً له، وعبوديةً له، وامتثالاً له حققت أعلى درجة يبلُغها الإنسان وهي درجة العبودية لله عزَّ وجل، الآن يكافئك الله عزَّ وجل بعد أن أقبلت على أمره ونفَّذته بحذافيره، طاعةً له وانصياعاً وتقرُّباً، يكشف لك عن حكمة هذا الأمر، فتجمع بين العِلم والعبادة معاً، يعطيك مرتبة العُبَّاد الصادقين، ويعطيك مرتبة العُلماء المتفهمين، لذلك المقولة الأولى: عِلَّةُ أية أمرٍ أنه أمرٌ من الله عزَّ وجل، هذا الكلام سُقْتُهُ من أجل فكرةً واحدة، وهي أن الله عزَّ وجل يقول:
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
*أين التعليل ؟ لا يوجد تعليل، وليس هناك تعليل، ولا ينبغي أن تبحث عن التعليل، لأنه من عند الله، استعمل عقله حتى وصل إلى طبيب من أعلى مستوى علماً وفهماً وإخلاصاً وتديناً وصلاحاً وقدرةً وسمعةً وخبرةً، هداك عقلك إلى هذا الطبيب، دخلت العيادة لا يمكن أن تسأله، انتهى دور العقل، جاء دور النَقل، جاء دور التَلَقِّي، عقلك حصان ركبته إلى باب السلطان، فلما وصلت إلى باب السلطان دخلت وحدك، لأنه إله، إله يأمر، أنت أمام طبيب يحمل شهادة عُليا من بلد متقدم جداً تخجل أن تسأله: لماذا ؟ علم واختصاص وخبرة، أنت لا تسأل لماذا إلا لمن يساويك.
المؤمن الصادق أمام مرحلتين ؛ مرحلة معرفة الله عزَّ وجل ومرحلة معرفة أمره ونهيه:
*هذا الذي لا يقبل على أمر الإله إلا إذا فهم حكمته هو لا يعبد الله أبداً بالتأكيد إنما يعبد نفسه، وأي إنسان حتى المُلحد لو اتضح له الخير في أمر ما فإنه يطبِّقه، هل يطبقه تعبداً ؟ أنا قرأت مرة مقالة عن أستاذ جامعي لا يؤمن بالله إطلاقاً، قال: هو ينام باكراً، ولا يشرب الخمر، ويربِّي أولاده على الصدق، هو يعبد الدنيا، يعبد مصالحه، يعبد ذاته، تقتضي عبادة ذاته أن يكون صادقاً فصدق، تقتضي عبادة ذاته أن يكون أميناً فكان أميناً، هذه ليست عبادة، العبادة أن تُقْبِل على تنفيذ أمر الله عزَّ وجل، وربنا عزَّ وجل جعل أمثلة كثيرة جداً، فمثلاً الله عزَّ وجل أعطى أمراً إلى نبيٍ كريم إلى أبي الأنبياء إبراهيم، أعطاه أمراً لا يمكن أن يُقْبَل بالعقل، قال له: اذبح ابنك، وابنه نبي:
﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾
( سورة الصافات: الآية " 102 " )
*هذه العبودية، أيعقل أن النبي الكريم وهو في الطائف يُتَهم ويسخر منه ويكذَّب، ويناله أذى من أهل الطائف تراه يقول:
(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))
[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر، وفي سنده ضعف ]
*معاني العبودية لله، والاستسلام لله، والانصياع لله، وتنفيذ أمر الله، وطاعة الله هذه المعاني تملأ القلب سعادةً، أنا عبد علي أن أنفذ .
﴿ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ(66) ﴾
( سورة الزمر )
*أما هذا الذي لا يُنَفِّذ كي يفهم، ولا يفهم إلا بعد التعنُّت، هذا لا يعبد الله عزَّ وجل إنما يعبد نفسه، فالمؤمن الصادق لمجرَّد أن يرى أمراً لله ينفذه، تعرَّف إلى الله، فكِّر في الكون، حقق معرفةً عاليةً بالله، إذا عرفت الله المعرفة الكافية الآن مهمَّتك التلقِّي، المؤمن الصادق أمام مرحلتين ؛ مرحلة معرفة الله عزَّ وجل، ومرحلة معرفة أمره ونهيه، المرحلة الأولى أن تتعرف إلى الله معرفةً تحملك على طاعته، والمعرفة الثانية أن تعرف أمره ونهيه من أجل التقرُّب منه، فالمؤمن الصادق الكامل لا يعنيه شيءٌ بعد معرفة الله إلا معرفة الأمر والنهي ليطبِّق.
إذا كان الآمر إلهاً والمأمور مخلوقاً ينبغي ألا تسأل بل تنفذ والله يكافئك على التنفيذ:
*أيها الأخوة، هذا تمهيد لقصةٍ جرت مع بني إسرائيل، ومرةً ثانيةً، وثالثةً، ورابعةً أقول: كل أمراض بني إسرائيل يمكن أن نقع بها نحن المسلمين، وفي الأعمِّ الأغلب وقد وقعنا في معظمها، الآن يقول رجل في ندوة تلفزيونية: إنه لا ينبغي أن نقطع يد السارق يجب أن نبحث عن ردعٍ آخر !! إله عظيم ذكر قطع اليد في القرآن الكريم، ألا يعلم هذا الإله أنه ستأتي ظروف على البشرية يستنكر فيها قطع اليد ؟ يعلم، فلماذا أمر ؟ لو أن الله عزَّ وجل قال: فاردعوهما، السارق والسارقة فاردعوهما، إذاً لك أن تبدِّل وأن تغير ولكنه قال:
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾
( سورة المائدة: الآية " 38 " )
*سُئل الإمام الشافعي من قبل أحد الشعراء قال له:
يدٌ بخمس مئينٍ عسجد وديت ما بالُها قُطِعَت في ربع دينار
***
*قال:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذُل الخيانة فافهم حكمة الباري
***
*لما كانت أمينةً كانت ثمينةً فلما خانت هانت.
*هناك في الحقيقة مراحل، المرحلة الأولى: مرحلة الإيمان بالله، إذا حدث اعتراض على أمر الله أو البحث عن الحكمة من هذا الأمر كي أطبق معنى ذلك أن المرحلة الأولى غير صحيحة، أما إذا كانت المرحلة الأولى صحيحة تنصاع إلى تنفيذ الأمر مباشرةً، فلا يُسأل عن السبب والعلة إلا مساوٍ، ما دام الآمر يساويك في المقام والعلم والقدرة والمكانة والمرتبة تسأله، أما إذا كان الآمر إلهاً والمأمور مخلوقاً عبداً ضعيفاً محدوداً ينبغي ألا يُسأل، ينبغي أن تبادر إلى التنفيذ، والله يكافئك على التنفيذ بأن يكشف لك عن حكمة هذا الأمر فتجمع بين ميزة العُبَّاد وميزة العلماء .
كلام الأنبياء بالمثاقيل وما من كلمة قالها نبي إلا لحكمة بالغةٍ بالغة:
*قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
*السبب الذي جاء في آخر القصة هو أن رجلاً ثرياً من بني إسرائيل قتله ابن أخيه وحمل الجثة وألقاها في قريةٍ ثانية ليوهم أن أهل هذه القرية هم الذي قتلوا هذا الثري، والقصة طويلة جداً، نشبت اتهامات باطلة، ونشبت اختلافات، وحدثت صراعات، وكادت أن تقع فتنةٌ كبيرةٌ جداً، لأن هذه التهمة كُلَّما وجِّهت إلى جهةٍ تُرَدُّ إلى الجهة الثانية، فقالوا: أنقتتل وفينا نبي ؟ فلما سألوا سيدنا موسى عن هذا الأمر، جاء الأمر الإلهي:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
*اذبحوها، وما أضل الله قوماً بعد إذ هداهم إلا أتاهم الجَدَل، قال: بقرة، تُجْزِئُكُم أية بقرة، أي بقرة على الإطلاق، مهما يكن سنها، أو لونها، أو عمرها، أو خصائصها، أو وزنها، أو حجمها، أو وظيفتها، بقرة:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً (67) ﴾
*أيعقل من نبيٍ يأتيه الوحي من الله، من نبيٍ معه معجزات، من نبيٍ يُعَدُّ رسولاً لله عزَّ وجل، أيعقل أن يستهزئ ؟ أيعقل أن يلهو ؟ كلام الأنبياء بالمثاقيل، ما من كلمةٍ قالها النبي عليه الصلاة والسلام إلا لحكمةٍ بالغةٍ بَالغةٍ بالغة، الله عزَّ وجل قال:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى(4) ﴾
(سورة النجم)
(( قَالَ كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَوْمَأَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى فِيهِ وَقَالَ: اكْتُبْ فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلا حَقٌّ ))
[الدارمي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
*" ثلاثةٌ أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس ؛ ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى، ولا صلَّيت صلاةً فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ".
مواقف تدل على عدل سيدنا محمد وحكمته:
*قال تعالى:
﴿ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً (67) ﴾
*قال أعرابي لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: " اعدل يا محمد "، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ ))
[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
(( قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْماً أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ ))
[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
*تروي كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى في بداية معركة بدر توجيهاً لأصحابه، قال: لا تقتلوا عمي العباس، تأمل أحد الصحابة في هذا الكلام وقال: " أحدنا يقتل أباه وأخاه وينهانا عن قتل عمه ؟! " صار في نفسه شيء من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ثم اتضح أن عم النبي عليه الصلاة والسلام كان مُسلماً، وكان العباس عينه في قريش، وكان يأتيه بكل أخبار قريش في الوقت المناسب، لو أن رسول الله عليه الصلاة والسلام صرَّح فقال: إن عمي مسلم، لأنهى مهمته، ولو أن العباس رفض أن يشارك في هذه الغزوة لكشف نفسه، ولو سكت النبي لقتلوه، فلا يوجد كلام أدق ولا أحكم من أن يقول النبي: لا تقتلوا عمي العباس، فقط من دون أي تعليل، لأن أي تعليل يفسد الأمر، فهذا الصحابي الذي قال: " أحدنا يقتل أباه وأخاه وينهانا عن قتل عمه "، فلما كشف له الأمر، قال: " والله بقيت أتصدق عشر سنين لعل الله يغفر سوء ظني برسول الله "، نبي، هؤلاء الأنبياء قمم، قمم البشر، قممٌ في الإحسان، في الورع، في المعرفة، في الاستقامة.
أمراض بني إسرائيل نفسها وقع فيها المسلمون اليوم:
*قال تعالى:
﴿ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً (67) ﴾
*هل من المعقول أن يتحدث نبيٌ كريم هازئاً ؟
﴿ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) ﴾
*لا يستهزئ إلا جاهل، الجاهل وحده يستهزئ .
﴿ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ (68) ﴾
*أية بقرةٍ يريد ؟ الله عزَّ وجل أمره واضح، قال:
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
*لا تستغرب أحياناً نجد في بدء رمضان مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ ))
[ ِأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
*انتهى الأمر، أنا في بلد إسلامي وهناك قاضٍ شرعي، وهناك ولي أمر المسلم، والولي وكَّل وزير أوقاف، والوزير سأل القاضي، ومع ذلك بعضنا يجادل: صيامنا ليس صحيحاً، لا صحيح، لا ليس صحيحاً، لماذا عندما رَكَّبت هذا الصحن لم تسأل ولا شيخاً عنه ؟ تمرر أكبر واحدة بدون سؤال، والآن توقف الأمر عند واحد رمضان، تجد أول يوم برمضان عندنا مليون سؤال، هل صيامنا صحيح ؟ هناك ناس لم يصوموا اليوم، وناس صاموا، هذه أمراض بني إسرائيل نفسها، النبي قال:
(( صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ ))
[ ِأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
*انتهى الأمر:
(( وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ ))
[ ِأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
*انتهى الأمر، أنت في بلد مسلم ويوجد قاضٍ شرعي وخبراء وعلماء، وبتّوا في الأمر، هذا اسمه حشر أنف، على كلٍ أنت لا تُسْأَل عن ذلك، أنت عليك أن تصوم وانتهى الأمر.
الإنسان حينما يبتعد عن جوهر الدين يقع في الشكليَّات:
*تجد الجهود الإسلامية كلها مستهلكة الآن في الخصومات، هناك خلاف كبير جداً في أميركا حول جهة القبلة، هناك طريقان للكعبة، طريق مباشر، طريق يدور الدورة الكاملة حول الأرض، أيهما أصح ؟ طاقات المسلمين مبذولة في الخلافيات فقط، يقول لك: هذا الجامع منحرف ثلاث درجات والصلاة لا تصح فيه، من قال لك: إن القبلة هي الكعبة ؟ لا، القبلة جهة الكعبة، القبلة ما بين المشرق والمغرب جهة الجنوب، هذه القبلة، الكعبة قبلة من في الحَرَم، والحرم قبلة أهل مكة، ومكة قبلة المسلمين، خط، ينسى كل مشكلات المسلمين ويتوقف عند خلاف حول ثلاث درجات في الجامع ويقول: الصلاة ليس مضبوطة، هذه تماماً كقصة البقرة، يوجد في الفاتحة أربع عشرة شدَّة إن لم تضبطهم صلاتك باطلة، أعوذ بالله، ألغيت صلاة الناس كلها، لا يملك إنسان القدرة على أن ينطق بالحروف تماماً، ليس كل إنسان أكمل، لو أسلم إنسان غير عربي وعنده لكنة معنى ذلك أن صلاته غير صحيحة، باطلة.
*دخل إنسان مرة على هذا المسجد والقصة منذ عشرين سنة، قال: كل واحد لا يلبس طاقية على رأسه صلاته باطلة، تكلمها جهاراً، تكلمها وارتاح ـ أنا كنت ألبس طاقية والحمد لله ـ هذه تشبه قصة البقرة نفسها، المرض نفسه، تركنا الأشياء الكبيرة، تركنا معرفة الله، تركنا طاعته، تركنا كسب الحلال والإنفاق الحلال، تركنا تربية أولادنا، تركنا إتقان ديننا، وإعداد القوة لأعدائنا، تركنا أساسيات الحياة ونتابع أموراً شكلية ثانوية ثلاثة درجات انحراف القبلة، وصيامنا صح ولم يصح، وتدخل بمتاهات لا تنتهي، فالإنسان حينما يبتعد عن جوهر الدين يقع في هذه الشكليَّات.
الخطر المُداهم للإسلام لا من أعداء المسلمين بل من أدعيائه :
*قال:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
*أية بقرةٍ تصح، قال له: أين أمشي بالجنازة، أريد الرأي الدقيق، أمامها، أم خلفها، أم عن يمينها، أم عن شمالها، يا أخي أنا في حيرة ؟ قال: لا تكن في النعش وسر أينما شئت، فحينما تستنفذ جهود المسلمين في قضايا ثانوية جداً جِداً لا تقدم ولا تؤخر هذا ما يرضي الشيطان، تركنا أن نُعِدَّ العدة لأعدائنا، تركنا أن نصلح أمورنا، تركنا أن نزوِّج شبابنا، تركنا أن نربِّي أولادنا، تركنا أن نتعرَّف إلى ربنا، تركنا أن نطبق منهجه، تركنا أن يكون بيتنا إسلامياً، قبلنا أن نغذِّي شبابنا تغذيةً غربية، قبلنا أن نغذي بناتنا تغذيةً غربية، وحصرنا المشكلة في زاوية القبلة فقط، هل المشكلة هنا.
*أمراض المسلمين في المشرق منقولةٌ إلى المغرب نفسها، أينما ذهبت في بلاد الغرب مشكلات المسلمين والخصومات بين الجماعات الإسلامية والفرق والطوائف هي نفسها وهذا مما يرضي أعداءنا، وهذا لصالح أعداء المسلمين، والخطر المُداهم للإسلام لا من أعداء المسلمين بل من أدعيائه.
*أيها الأخوة، قبل سنة أو سنتين تقريباً وقف خطيب في مسجد من مساجد بلدة من بلاد المسلمين، وقال: كل إنسان يصرف مئة ليرة صحيحة بأربع قطع نقدية ذات الخمسة والعشرين وقع في الربا، النبي قال:
(( يداً بيد سواء بسواء ))
[رواه مسلم من حديث عبادةِ ]
*هل من المعقول أن توقع الناس جميعاً ـ لو صرف مئة ليرة ـ بالربا، فاته أن الخمسة والعشرين ضرب أربعة تساوي مئة، سواء بسواء، أربع قطع خمسة وعشرون يساوي قطعة واحدة مئة، عد هذه قضية، وهذه مشكلة، وهذه الطامة الكبرى، هل من الممكن أن تدخل الناس كلهم في النار لأنه صرف مئة ليرة لأربعة من فئة الخمسة و العشرين؟ إذا وصلنا لهذا المستوى بالفهم معناها أنه أمامنا مراحل فسيحة جداً بيننا وبين أن نكون في المستوى الذي أراده الله عزَّ وجل، من منا يصدق أن الإنسان إذا صرف مئة ليرة بأربعة من فئة الخمسة و العشرين وقع بالربا ! أي ربا هذا ؟
(( يداً بيد سواء بسواء ))
[رواه مسلم من حديث عبادةِ ]
*مئة مع مئة، مئة أربع قطع ومئة قطعة واحدة ما المشكلة ؟ حينما تُبَدَّد جهود المسلمين في قضايا ثانوية جداً، هامشية جداً لا تقدم ولا تؤخر، ونسكت عن أخطر قضية في الدين ؛ نسكت عن الدخل الحرام، نسكت عن الأعمال التي لا ترضي الله عز وجل، عن علاقات حرام، عن دخل حرام، عن إنفاق حرام، عن بيت غير إسلامي، عن بيت يُغَذَّى بالثقافة الغربية، بالإباحية، ويدعي صاحبه أنه مسلم، هذه أخطاء كبيرة جداً، فلذلك كل مرض ذكره الله عن بني إسرائيل نحن مُرَشَّحون أن نقع به، لأن فهم أهل الكتاب للدين فهم غير صحيح، فهمهم للدين فهم فلكلوري، فهم استعراضي، فهم أسطوري، لم يفهموه فهماً عميقاً، لم يفهموه منهجاً لله عزَّ وجل.
صفات البقرة كما وردت في القرآن الكريم:
*قال تعالى:
﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ (68) ﴾
*ليست مسنة:
﴿ وَلَا بِكْرٌ (68) ﴾
*ولا صغيرةً:
﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ (68) ﴾
*أي عمرها معتدل:
﴿ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) ﴾
*أي اذبحوها وانتهوا:
﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا (69) ﴾
*نريد اللون:
﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) ﴾
*وقال:
﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ (70) ﴾
*نريد أن تعيِّنها لنا بالذات:
﴿ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ (71) ﴾
*أي لا تحرث، الذلول هي البقرة التي عوِّدت على الحراثة:
﴿ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ (71) ﴾
*أي ليست للحراثة:
﴿ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ (71) ﴾
*ليست لإخراج المياه:
﴿ مُسَلَّمَةٌ (71) ﴾
*خالية من كل عيب:
﴿ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) ﴾
من يربي أولاده تربية صالحة ويترك أمرهم لله يتولَّى الله جلَّ جلاله بعليائه تربيتهم :
*هذه البقرة لرجل صالح جداً من بني إسرائيل، ترك هذه البقرة واستودعها عند الله أمانةً لابنه، وتركها طليقةً في البراري، فلما كبر ابنه جاءته طواعيةً، فلما انطبقت صفات هذا الأمر الإلهي عليها قيل: أنه طلب ملء جلدها ذهباً، هناك قصتان، قصة البقرة التي انطبقت عليها الصفات لرجل صالح تركها لابنه، لذلك ورد في الأثر القدسي:
(( أن عبدي أعطيتك مال فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، فيقول الله له: ألم تعلم بأني الرزاق ذو القوة المتين ؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ـ يسأل عبد آخر ـ أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين، لثقتي بأنك خير حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك ))
[ ورد في الأثر ]
*كل إنسان صالح، دخله حلال، وربَّى أولاده تربية عالية لا يقلق عليهم من بعده
*لأن الله جلَّ جلاله بعليائه يتولَّى تربيتهم، هذا الدرس بليغ، رجل صالح دخله حلال، ترك بقرة، استودعها عند الله لابنه، فلما كبر ابنه جاءته البقرة، انطبقت عيها صفات الأمر الإلهي، فطلب ثمنها ملء جلدها ثمناً، وكان هذا الأمر، قال:
﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) ﴾
*أي فعلوا هذا متباطئين، متكاسلين.
قصة البقرة دليل على يوم البعث وأن الله عزَّ وجل يبعث من في القبور:
*الآية الكريمة:
﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾
( سورة البقرة: الآية " 63 " )
*وقال:
﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا (72) ﴾
*كل واحد اتهم الآخر أنه قتل، وكادت تقع فتنة كبيرة:
﴿ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا (73) ﴾
*خذوا قطعة من هذه البقرة المذبوحة، واضربوا بها الميت، يقف ويقول: قتلني فلان، هذه دليل على يوم البعث، وأن الله عزَّ وجل يبعث من في القبور، جعلها الله آية من آياته، إنهم حينما أنكروا البعث، وأنكروا يوم القيامة، أراهم الله آيةً ناطقة:
﴿ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ﴾
*أراد الله عزَّ وجل أن تكون آيةً صارخةً، جامعةً، مانعةً على يوم البعث ويوم القيامة.
الرحمة في القلب بحسب اتصالك بالله:
*قال تعالى:
﴿ اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ (74)﴾
*هذا قلب النفس يا أخوان، يمتلئ رحمةً، وحناناً، ووفاءً، وإخلاصاً، وإشراقاً، وتألُّقاً، وقد يمتلئ قسوةً وجفاءً، الرحمة في القلب بحسب اتصالك بالله:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران: الآية " 159 " )
*برحمةٍ اكتسبتها من الله عزَّ وجل كنت ليِّناً لهم يا محمد:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾
( سورة آل عمران: الآية " 159 " )
*قصة رمزية، رمزية فقط، أن سيدنا موسى مر بامرأة تخبز على التنور، وقد وضعت ابنها على طرف التنور، وكلَّما وضعت رغيفاً تضم ابنها وتشمه وتقبله، قال: " يا رب ما هذه الرحمة ؟ قال: هذه رحمتي وضعتُها في الأمهات، وسأنزعها، فلما نزع الله الرحمة من قلب الأم بكى الطفل فألقته في التنور "، وانتهى الأمر، وفي حياة الحيوان هناك حالات ؛ الهرة تعتني بأولادها فإذا جاعت أكلتهم، فالرحمة التي في الخلائق من عند الخالق.
كل إنسان بعيد عن الله له قلبٌ كالصخر:
*قال تعالى:
﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (74)﴾
*كل إنسان بعيد عن الله له قلبٌ كالصخر، كالصخر وحده، فهذا إنسان عمر ابنته ست أو سبع سنوات، أجمل سن للبنات، هي كالوردة، أخذها وجاء إلى بئر فدفعها في البئر وأهال عليها التراب، آخر كلمة قالتها: يا أبتاه يا أبتاه، عندما سمع النبي القصة بكى بكاءً شديداً، قال له: أعدها علي، هكذا كان العرب بالجاهلية:
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(9)﴾
( سورة التكوير )
*الذي يتحمل أن يضع بنتاً كالوردة في التراب، ويدفنها، هذا وحش، وهؤلاء الذين يدمِّرون الشعوب ؛ شعب يموت من الجوع، كل سنة خمسمئة ألف طفل يموت جوعاً ولا ذنب له، هؤلاء قلوبهم من ماذا ؟ هم وحوش، فهذا الوضع الجديد الذي جد في العالم كشف الأقنعة، لم يعد هناك قناع، الدول الغربية البعيدة عن الله وحوش تبحث عن مصالحها فقط، ولو دمَّرَت عشرات الشعوب، ولو عاشت على أنقاض البشر، هذا شأن الكافر، كل إنسان بعيد عن الله وحش، وحش بكل ما في هذه الكلمة من معنى:
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(9)﴾
( سورة التكوير )
أمثلة عن وحشية الإنسان البعيد عن الله تعالى:
*تسمع عن المذابح بإفريقيا، خمسمئة ألف إنسان ذبحوا في يومين، كل يوم أخبار عن مذابح في العالم، البشر وحوش، ما يجري في البوسنة، كم مقبرة جماعية كشفوا ؟ ما الذنب ؟ لأنه مسلم فقط، يقول لك: تطهير عرقي، الوحشية قائمة مستمرة، ما دام هناك كفر هناك وحشية، هذا شأن الإنسان، عندما يتصل بالله يمتلئ قلبه رحمةً، قال له:
(( إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))
[ متفق عليه عن عائشة]
*عندما فتحت القُدس في قبل الفرنجة، ذبح سبعون ألف إنسان في ليلة واحدة، لما فتحها سيدنا صلاح الدين شكت له امرأةٌ أن ابنها قد فقد، وقف ولم يجلس حتى أعادوا لها طفلها، هذا الإسلام، الإسلام رحمة، الآية دقيقة جداً:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾
( سورة آل عمران: الآية " 159 " )
*الرحمة بسبب اتصالك بالله، كل إنسان قريب من الله رحيم، البعيد قاسٍ ولو كان ملمَّعاً، ومصافحته رقيقة، ابتسامته عريضة، هذه أشياء ظاهرية لا تقدِّم ولا تؤخِّر، أما عند الحاجة تجده وحشاً، فلذلك وصف الله عزَّ وجل هؤلاء قائلاً:
﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ (74)﴾
*ماذا يلقي اليهود على الطرقات في جنوب لبنان، إنهم يلقون لُعَباً كلها ألغام، طفل برئ يجد لعبة يأخذها يفقد بصره، ألهم ثأر مع الصغار ؟ الصغير ملك من أي ملة كان، من أي فئة، وهذا قرأته في الصحف، هذه الأيام يلقون اللعب المفخخة حتى يأخذها طفل صغير بريء فتنفجر أمامه، هذا الذي يفعلونه كل يوم.
الإسلام ليس قضية صلاة شكلية الإسلام اتصال بالله وانضباط:
*قال تعالى:
﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)﴾
*وقال:
﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾
( سورة الحشر: الآية " 21 " )
*وقال:
﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)﴾
*أيها الأخوة، كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله، البطولة أن تطيع الله، البطولة أن تتَّصل به، البطولة أن يمتلئ قلبك رحمةً تجاه الخلق عامةً، هذا المؤمن، قالوا: " ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب "، رحمة ما بعدها رحمة، إنصاف ما بعده إنصاف، هكذا، مئتين وخمسين مليون مسلم بإندونيسيا أسلموا بالمعاملة فقط.
*أيها الأخوة، الإسلام ليس قضية صلاة شكلية، الإسلام اتصال بالله، الإسلام انضباط، الإسلام قلب رحيم، الإسلام تفوُّق، هذا هو الإسلام، تخلَّف المسلمون لأنهم فهموا الدين فهماً طقوسياً، فهموه عبـادات جوفاء، ما اتصلوا بالله الاتصال الصحيح لأنهم ما أطاعوه الطاعة التامة.
﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)﴾
والحمد لله رب العالمين

نووْور~
15-03-2012, 12:21 PM
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (30- 95):تفسير الآيات 75 - 77 ، صفات المنافقين
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-03-05


بسم الله الرحمن الرحيم
*الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
*أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الثلاثين من دروس سورة البقرة.
الله تعالى يخفف عن نبيِّه ويسري عنه لئلا يتسرَّب إلى نفسه شيء من الضيق أو الإحباط:
*مع الآية الخامسة والسبعين وهي قوله تعالى:
﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) ﴾
*أيها الأخوة الكرام، لأن الله عزَّ وجل يعلم أن هؤلاء اليهود سيكون لهم مواقف مع المسلمين متعبة ومزعجة في مستقبل الأيام، الله سبحانه وتعالى يعزِّي ويسلِّي ويسري عن رسوله صلى الله عليه وسلم، فيقول له: يا محمد لا تطمع بإيمانهم، لأنهم أنزل عليهم التوراة، وقرؤوه، وعقلوه، وحرَّفوه وهم يعلمون ما يترتب على من يحرف كلام الله، فهؤلاء شاردون، هؤلاء بعيدون، لأن الإنسان إذا دعا إلى الله وقابله المدعو بالتكذيب والسخرية والإعراض يتألَّمُ أشد الألم، فلئلا يتسرَّب إلى نفس النبي عليه الصلاة والسلام شيءٌ من الضيق أو من الإحباط الله عزَّ وجل يخفف عن نبيِّه، ويسري عنه، ويجعله يطمئن إلى أن المدعو إذا لم يؤمن، وإذا لم يستجب، وإذا لم يلتزم فهذا لا يعبِّر عن عدم صدق الداعية، لأن الله عزَّ وجل ما كلَّفه أن يحملهم على الإيمان.
الله تعالى ما كلَّف نبيه الكريم أن يحمل الناس على الإيمان بل أن يبلغهم فقط:
*قال تعالى:
﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (272) ﴾
(سورة البقرة: من آية " 272 " )
*لست عليهم بحفيظ:
﴿ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) ﴾
( سورة هود)
*لست عليهم بوكيل:
﴿ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) ﴾
(سورة الأنعام)
*وقال:
﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) ﴾
(سورة الغاشية)
*وقال:
﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (56) ﴾
(سورة القصص: من آية " 56 " )
*النبي عليه الصلاة والسلام عليه البلاغ أما هذا الإنسان يستجيب أو لا يستجيب، لا يستجيب لجهله، أو لا يستجيب لخبثه، أو لاحتياله هذا شيءٌ آخر.
الدقة العلمية في القرآن الكريم:
*الله عزَّ وجل كأنه يطمئن المسلمين إلى آخر الزمان أن هؤلاء اليهود متعبون، وأنهم مُشاكسون، وأنهم يزوِّرون الكُتُبَ المقدسة، وأنهم يردون دعوة أنبيائهم، وأنهم قتلوا أنبياءهم بغير حق، وأنهم مجرمون فلا تبتئسوا أيها المؤمنون لمواقفهم، هم من نوعٍ خاص
﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ﴾
*فهل تنتظر من إنسان مجرم أن يكون رحيماً حينما يقتل وحينما يسفك الدم ؟ كيف تنتظر منه أن يكون رحيماً ؟ فالآن يلقون من الطائرات دمى، لُعَب مفخخة، من يلتقط هذه اللعب ؟ طفل صغير برئ، يلتقطها، فتتفجر أمامه وتقضي عليه، هذا تاريخهم الطويل، تاريخهم العنصري والإجرامي، تاريخهم في قتل أنبيائهم، وفي حمل العالم على الفساد، فهناك من يقول: إن أكثر ألوان الفساد في الأرض من صنع اليهود ؛ هذا الأدب الإباحي، وهذه الأفلام الخلاعية، وهذه المحطَّات الفضائية وراءها اليهود، إنهم مفسدون في الأرض.
*أيها الأخوة، لأن الله عزَّ وجل يعلم ما سيكون، يعلم معاناة المسلمين من هؤلاء اليهود الذين اتخذوا العنصرية منهجاً لهم وأرادوا أن يعيشوا على أنقاض شعوب العالم، وأرادوا أن يبنوا مجدَهم على سلامة هؤلاء الشعوب، لذلك ربنا عزَّ وجل يُبَيِّن ويقول: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ﴾ فهل تطمع من إنسان قاطع طريق أن يرحم الناس ؟‍! تطمع من إنسان يحارب العلم أن يتعلم ؟‍! تطمع من إنسان يحارب العمل الصالح أن يكون صالحاً:
﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ (75) ﴾
*أيها الأخوة، في القرآن موضوعيةٌ مذهلة، أليس من اليهود من آمن برسول الله وكانت تفيض عينه خُشوعاً، عبد الله بن سلام آمن برسول الله، لولا كلمة منهم ما الذي يحصل ؟ إنسان من اليهود قرأ في التوراة أوصاف النبي وهو ينتظر مجيئه، فلما بعثه الله عزَّ وجل بادر إلى الإيمان به، وإلى نصرته، وكان من أقرب أصحابه إليه، لولا كلمة
﴿مِنْهُمْ﴾
*هذا يحدث ارتباك عند هذا اليهودي
﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ﴾
*هذه الدقة العلمية في القرآن الكريم:
﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا(36) ﴾
(سورة الإسراء)
النسبية في القرآن الكريم:
*هناك من يتوهَّم أن هناك أبيضاً وأسوداً، ولكن في الحقيقة هناك آلاف الألوان الرمادية بين الأبيض والأسود، فهناك شيء نسبي، وهل النسبية في القرآن الكريم ؟ دقق :
﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 167 " )
*الموقع نسبي، قال تعالى:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ (5) ﴾
( سورة الروم)
*لكن هؤلاء الروم أهل الكتاب ؛ ولكن عقيدتهم لا تلتقي مع عقيدة المسلمين، تلتقي معها في بعض الجوانب، إذاً هؤلاء المؤمنون يتمنَّون أن ينتصر أهل الكتاب على الوثنيين، إذاً لعل أهل الكتاب أقرب إلى المؤمنين من الوثنيين، فالذي يؤمن أن لهذا الكون خالقاً ولكن له شريك هذا أفضل من الذي يقول: ليس لهذا الكون خالقٌ إطلاقاً، معنى ذلك الألوان متعددة وما بين الأبيض والأسود ملايين الألوان الرمادية، والإنسان كلما كان دقيقاً كلما جاء حُكْمُهُ موضوعياً، فكلمة
﴿مِنْهُمْ﴾
*لو لم تكن هذه الكلمة وهي ثلاثة حروف، لو لم تكن هذه الكلمة في هذه الآية وقرأ الآية عبد الله بن سلام، بماذا يشعر ؟
﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ (75) ﴾
*دائماً لا تُعَمِّم، التعميم من العمى.
على الإنسان ألا يعمم أو يطلق الأحكام القطعية بل يجب أن يكون موضوعياً في أحكامه:
*كل إنسان يقول لك: هلك الناس ؟ لا، بعض الناس لم يهلكوا، أو يقول: الناس لا يوجد فيهم خير، لا:
(( الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة ))
[ سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة]
((أمتي كالمطر لا يُدْرَى أوله خير أم آخره))
[الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنه]
(( إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ ـ قَالَ أَبُو إِسْحَقَ: لا أَدْرِي أَهْلَكَهُمْ بِالنَّصْبِ أَوْ أَهْلَكُهُمْ بِالرَّفْعِ ـ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ]
*الذي وصفهم بالهلاك وهم ليسوا كذلك، إيَّاكَ أن تعمم، إياك أن تطلق الأحكام القَطْعِيَّة، كن موضوعياً في أحكامك، الله عزَّ وجل قال عن فرعون:
﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى (25) ﴾
( سورة النازعات)
*قد يقول قائل: لِمَ لَمْ يقل الله عزَّ وجل: فأخذه الله نكال الأولى والآخرة، فهذا هو الترتيب المنطقي ؟ لماذا قدم الآخرة على الأولى ؟ لأن فرعون قال في الآخرة:
﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى(24) ﴾
( سورة النازعات)
*جازماً، وفي الأولى قال:
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
( سورة القصص: من آية " 38 " ).
*في تَحَفُّظ، أي أنه بحسب علمي
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
*فالله عزَّ وجل بدأ بالآخرة لأنها أشد كفراً وأشد عتواً، فكلمة:
﴿ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى ﴾
*غير
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
*فأنت دائماً وأبداً حينما تُطْلِق الأحكام، هناك من يقول: هؤلاء ليس فيهم خير، هؤلاء القوم مجرمون، هذه أحكامٌ مُضْحِكَة، التعميم من العمى، لا يطلق الأحكام المُطْلَقَةَ على الناس، وعلى البُلدان، وعلى الشعوب، وعلى الأمم، وعلى الأقاليم، وعلى الأمصار إلا جاهل.
الله عزَّ وجل يُسَلِّي نبيه ويخفف عنه من شدة تكذيب اليهود له:
*بالمناسبة ؛ الدين كالهواء للإنسان، هل يستطيع أحد أن يحتكر الهواء ؟ لا أمة، ولا شعب، ولا عَصر، ولا مِصر، ولا إقليم، ولا جماعة، ولا طائفة، ولا فئة، ولا مذهب، أبداً، فهذا الدين دين الله، لا يستطيع أحد أن يحتكره، فإيَّاك والأحكام المُطلقة، إياك والأحكام العنيفة، إياك والأحكام الحادَّة، إياك أن تُطْلِقَ الحكم دون تحفظ، والآية الكريمة:
﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ (75) ﴾
*فريقٌ منهم (من) للتبعيض، أي بعضهم، وبعضهم الآخر آمن برسول الله، وكانوا من أقرب الناس إليه، وكانوا من أرقى أصحابه، وعلى رأسهم عبد الله بن سلام، وله قصة إن شاء الله إذا أمكنني في الدرس القادم أسمعكم إيَّاها، إذاً:
﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ (75) ﴾
*دائماً الإنسان الخبيث حينما لا يستطيع رَدَّ النَص يحرفه، القرآن قطعي الثبوت، لا يستطيع أحدٌ أن يقول: هذه ليست آيةٌ في كتاب الله، أكيد، لأن الحديث الشريف ظني الثبوت، هناك من يرُدُّ الأحاديث الصحيحة، ومن رد الحديث المتواتر فقد كفر، ومن رد الحديث الصحيح فقد فسق، لذلك كأن الله عزَّ وجل يُسَلِّي نبيه ويخفف عنه من شدة تكذيب اليهود له قال: يا محمد لا تحزن عليهم، لا تبالي بتكذيبهم، عليك البلاغ وعلينا الحساب.
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26) ﴾
(سورة الغاشية )
*هم أتعبوا نبيَّهم، وكذبوا أنبياءهم، وقتلوا أنبياءهم، وفعلوا كل شيء.
القرآن قطعي الثبوت والحديث ظني الثبوت:
*الآن كما قلت لكم في درسٍ في هذه السورة: إن الأمراض التي وقع فيها اليهود نحن مرشَّحون أن نقع بها، هم بدَّلوا وغيروا، ونحن معنا كتاب قطعي الثبوت، الحديث ظني الثبوت، فهناك من يردُّ حديثاً لا ينسجم مع هوى نفسه ؛ لكن هذا المنحرف، هذا المبتدع لا يستطيع أن يرد آيةً، فماذا يفعل ؟ يأتي إلى تأويلها، ما دامت آيات القرآن الكريم كلها قطعية الثبوت فلا سبيل إلى تكذيب آيةٍ منها، والقرآن كله قطعي الثبوت، إذاً هناك من يلجأ إلى اللعب بالتأويل، فيؤول، فمن أراد أن يبيح لنفسه الربا قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً (130) ﴾
( سورة آل عمران )
*يقول: إن الله نهانا عن أكل الربا أضعافاً مضاعفة، ولم ينهنا عن أكله بنسبٍ ضئيلة، أليس هذا تحريفٌ لكلام الله، لو سألت عالم الأصول لقال لك: إن هذا قيداً وصفياً وليس قيداً احترازياً، هذه قضية دقيقة بالتفسير، هناك أوضح من ذلك:
﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَاً (33) ﴾
( سورة النور ).
*لو أن الفتاة لم ترد التحصن هل يباح للأب أن يكرهها على الزنا ؟ مستحيل وألف مستحيل، ما معنى هذه الآية ؟ أي
﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ﴾
*اللاتي يردن التحصُّن والزواج، العلماء قالوا: هذا قيد وصفي وليس قيداً احترازياً.
مشكلة لَيِّ أعناق النصوص وقع به المسلمون إلى درجة أنك لا تجد شيئاً حراماً:
*إذاً كلمة
﴿ أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً ﴾
*هذا قيد وصفي، أي أن من شأن الربا أنه أضعاف مضاعفة، مثلاً يقول لك: لا توجد آية تحرم الخمر، أعوذ بالله، لا يوجد أن الخمر حرام، أو محرمةٌ عليكم، ولكن يوجد كلمة
﴿ فاجتنبوه ﴾،
*فالاجتناب أشد أنواع التحريم، لو أن الله عزَّ وجل حرم علينا الخمر لكان من الممكن أن نتاجر به، حرم علينا شربها، أما حينما أمرنا أن نجتنبها، لذلك أمرنا أن نبتعد عن بيعها، وعن شرائها، وعن حملها، وعن نقلها، وعن عصرها، وعن كل شيءٍ يتصل بها، فآية الاجتناب أبلغ من آية التحريم، إذاً يلوون أعناق النصوص، فيقول لك: الخمر ليست محرمة.
﴿ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾
( سورة النساء)
*فُهِمَت هذه الآية على غير ما أراد الله عزَّ وجل، هذا من لَيّ أعناق النصوص، ومن تحريف الكَلِمِ عن مواضعه.
﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ ﴾
( سورة الحج).
*لا يصلون، لأن الله لم يمكنهم في الأرض، كلامٌ مضحك، هذه مشكلة لَيِّ أعناق النصوص، هذه مشكلة التبديل والتغيير، والتزوير والتحوير، وهذا وقع به المسلمون إلى درجة أنك لا تجد شيئاً حراماً في النهاية، يقول لك: الفائدة ليست حراماً، فهذه عائدة وليست فائدة، تضع المال في مصرف ربوي، وتتلقى فائدة ربوية، والوصف أنها عائدة وليست فائدة، أليس هذا تزويراً لكلام الله عزَّ وجل ؟ ألم يقل الله عزَّ وجل:
﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
( سورة البقرة: من آية " 279 " )
*لأن كل معصيةٍ لها مستوى، الذي يشرب الخمر يضر نفسه، والذي يزني يؤذي معه فتاةً، والذي يأكل الربا يُسْهِمُ في انهيار مجتمعٍ بأكمله، لأن هذه الكتلة النقدية في الأصل ينبغي أن تكون بين أيدي الناس جميعاً، موزعةٌ بين أيدي الناس، فبأيَّة طريقةٍ إذا اجتمعت في أيدٍ قليلة وحُرِمَت منها الكثرة الكثيرة كانت الكوارث، والحروب، والمنازعات، والشقاء البشري، فقد قرأت البارحة إحصاءً: أن ثلاثة أرباع موارد الأرض، الخمس قارَّات، الثروات الباطنية، كل ما في الأرض من ثروات يملكها عشرون بالمئة من سكان العالم، ثلاثة أرباع ما في الأرض يملكها عشرون بالمئة من سكان العالم، لذلك تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً حتى يأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً .
تحريم ربنا الربا ليضمن أن يعيش الناس جميعاً في سعةٍ وأمنٍ وبحبوحة :
*أيها الأخوة، من أجل أن تبقى هذه الكتلة النقدية بين أيدي الناس جميعاً حرَّم الشرع أن يَلِدَ المالُ المال، المال يَلِد بالأعمال، فإذا حصرنا كسب المال بالأعمال توازنت الأمور، ووزعت هذه الكتلة النقدية بين أيدي الجميع، بين أيدي كل من يعمل، أما إذا استطاع أحدنا بماله فقط أن ينمِّيه نماءً فاحشاً من دون عمل عن طريق الربا ما الذي يحصل ؟ تتجمع الأموال كلها في أيدٍ قليلة وتحرم منها الكثرة الكثيرة، لذلك أكثر الثورات والحروب العالمية وراء سوء توزيع الثروات، طبعاً هذا شيء ثابت، فلما حَرَّمَ ربنا الربا حرمه ليضمن أن يعيش الناس جميعاً في سعةٍ وفي أمنٍ وفي بحبوحة، فهذا الذي يُبَدِّلَ ويغيِّر:
﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ (75) ﴾
*إلى أن تصل إلى درجة أن لكل معصيةٍ فتوى ؛ الغناء، والرقص، والتمثيل، كل معصية لها فتوى، ما هذا الدين المرن ؟ صار كالغاز، الدين غاز، في أي مكان يدخل، ينبغي أن تقول: أنا مسلم فقط، افعل ما تشاء، لك أن تكسب المال الحرام، ولك أن تضع المال في المصارف الربوية، ولك أن تلتقي مع من تشاء، فإذا وصل الدين إلى هذا المستوى انتهى الدين، الدين منهج، الدين صُلب لا يسيخ ولا يتبخَّر، فلذلك النقطة الدقيقة أنه حينما يريد أناسٌ من أعداء الدين أن يضعضعوا قيمة الدين، والذين معهم كتاب قطعي الثبوت ماذا يفعلون ؟ يبدلون في التأويلات، أي أنهم يأتون بتأويلات ما أنزل الله بها من سلطان، فحينما يواجهون نصاً قطعي الثبوت، قرآناً قطعي الثبوت، ماذا يفعلون ؟ يلوون أعناق النصوص، يحرِّفون، يبدِّلون، يزورون.
الإنسان مُخير بدليل أن أقرب أقرباء النبي لم يؤمن به:
*الحقيقة هناك من يُفتي بجهل، هذا إنسان جاهل، ولكن الذي يفتي بخلاف ما يعلم هذا إنسان يرتكب في الدين جريمةً كبيرة، يفتي بخلاف ما يعلم، يعلم الحكم الشرعي ولكنه يغير ويبدل ويلوي أعناق النصوص كي يصل إلى فتوى ما أنزل الله بها من سلطان، لذلك الفتوى جِسْرٌ إلى النار، والإنسان إذا كان جباناً في الفتوى فهو بسبب ورعه وخوفه من الله عزَّ وجل.
*النبي عليه الصلاة والسلام يطمع بهداية الناس جميعاً، لأنه حمل هذه الدعوة، وكل داعية صادق يطمع بهداية الناس جميعاً، ويبذل كل ما في وسعه، ولكن حينما يَصُدُّ الناس عن النبي، وحينما لا يستجيب الناس لهذه الدعوة، هذا لا يقدح في نزاهة الداعية، ولا يقدح في إخلاصه ولا في صدقه، لأن الإنسان مُخير، بدليل أن أقرب أقرباء النبي لم يؤمن به، عمه أبو طالب لم يؤمن به، أبو جهل، أبو لهب، أعمامه لم يؤمنوا به:
﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ(2) ﴾
( سورة المسد )
*من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
(( يا عباس عم رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، أنقذا نفسيكما من النار، فإني لا أغني عنكما من الله شيئاً ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
(( من يبطئ به عمله لا يسرع به نسبه ))
[ شعب الإيمان عن ابن عباس]
(( لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))
[ أحمد عن أبي هريرة]
إنك لا تستطيع هداية من أحببت كما أنك لا تُسأل عن ذلك:
*لو وقفنا وقفةً متأنيةً عند كلمة:
﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ (75) ﴾
*الإنسان متى يطمع ؟ حينما تتطلع إلى ما لا تملك، حينما تتطلع إلى ما لم تُكلَّف، حينما تتطلع إلى ما ليس في مقدورك، فأنت بهذا تطمع، أحياناً الإنسان الذي تقدمت به السن يطمع أن يكون شاباً، لكن هذا مستحيل، عقارب الزمن لا ترجع إلى الوراء، الفقير يطمع أن يكون غنياً، إلا أن الإنسان إذا أراد أن يوسِّع حركته في الدنيا، فبذل جهداً كبيراً كي يوسِّع هذه الحركة هذا لا يطمع، أما حينما يبني رفاهية ورَغَدَ عيشه على حركة الآخرين ؛ على جهدهم، على كسبهم، على كد يمينهم، وعرق جبينهم هذا ظالمٌ لنفسه، فأنت إذا بذلت جهداً كبيراً وحصَّلت دخلاً واستمتعت به لك حساب آخر من نوع ثان، أنك ضيَّعْتَ الوقت فيما لم تخلق له، أما حينما تريد أن تعيش حياةً ناعمةً راغدةً على حساب الآخرين هذا ليس من حقك، هذا أصل الطمع، أن تتطلع إلى ما ليس لك، أن تَتطلع إلى ما لم تكلف به، أن تتطلع إلى ما يفوق قدراتك، هذا أصل الطمع، لو وقفنا عند أصله بشكل موضوعي، فأنت حينما تتطلع إلى ما لا تملك، أو إلى ما ليس لك، أو إلى ما لا تقدر عليه، فأنت وقعت في الطمع والطمع ليس خلقاً محموداً، أما في الهداية فهذا موضوع ثان، المؤمن يطمع بهداية الناس جميعاً مع أنه لم يُكَلَّف بذلك، ليس عليك هداهم:
﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ (56)﴾
( سورة القصص ).
*إنك لا تستطيع هداية من أحببت كما أنك لا تُسأل عن ذلك، لا تستطيع ولا تُسأل، فحينما طمع النبي بهداية كل الخلق ؛ بهداية المشركين، وهداية أهل الكتاب هذا من كماله، ومن رحمته، ومن قربه من الله عزَّ وجل، ولكن حينما أعرض عنه اليهود ولم يستجيبوا، وبدلوا، وزوروا، وكذبوا، هنا ليس عليه مسؤولية ولم يكلف بما لا يطيق.
الكافر واضح والمؤمن واضح أما المنافق فمخيف:
*أيها الأخوة، ثم يقول الله عزَّ وجل بعد أن قال:
﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) ﴾
*أخواننا الكرام، المؤمن انسجم مع فطرته وانسجم مع الكون، في الكون حقيقة كُبرى هي الله، فالمؤمن انسجم مع نفسه، مع فطرته، ومع حقيقة الكون الأولى، الكافر انسجم مع نفسه، ولم ينسجم مع حقيقة الكون الأولى، أما المنافق لم ينسجم لا مع نفسه ولا مع حقيقة الكون الأولى، المؤمن انسجم مع نفسه وفطرته ومع حقيقة الكون الأولى، مع الله، والكافر انسجم مع نفسه، ولم ينسجم مع حقيقة الكون، أما المنافق يقول بما لا يؤمن، ويؤمن بما لا يقول، لا مع نفسه كان صادقاً، ولا مع الحقيقة العظمى في الكون كان صادقاً، لذلك:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ (145) ﴾
(سورة النساء)
*الدليل: الكافر واضح، والمؤمن واضح، أما المنافق مخيف، له ظاهر وله باطن، له كلام يعلنه وله معانٍ يُبَطِّنُهَا، له موقف مع المؤمنين، يقول لك: أعطيه جمله، يسايره، وله موقف مع الكفار والمُلحدين، فلذلك:
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا (76) ﴾
معرفة اليهود للنبي كمعرفة الإنسان لابنه ومع ذلك كابروا وأنكروا رسالته :
*اليهود عندهم في توراتهم أوصاف النبي كاملةً، وكانوا يتحدَّوْنَ العرب بهذه الأوصاف، سيأتي نبيٌ منكم ونحن سنكون أول من يؤمن به، فلما حَدَّثَ هؤلاء اليهود بعضهم بعضاً:
﴿ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) ﴾
*كأن الله عزَّ وجل لا يعلم، بالمناسبة لا يوجد معرفة بالأرض أقوى ولا أرسخ ولا أثبت ولا أوضح ولا أسهل من معرفة الأب لابنه، فهل سمعتم في كل حياتكم أن أباً قال لابنه: ما اسمك أنت يا بني ؟ مستحيل، مستحيل، قال:
﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾
( سورة البقرة: من آية " 146 " )
*معرفة اليهود للنبي كمعرفة الإنسان لابنه، ومع ذلك ركبوا رؤوسهم وكابروا وأنكروا رسالته، فلذلك:
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) ﴾
وصف الله عز وجل المنافقين في عدة آيات:
*أيها الأخوة، هؤلاء اليهود منافقون، وشأن المنافق أنه ليس مع المؤمنين وليس مع الكافرين، حالة نادرة، لا ينسجم لا مع نفسه ولا مع الحقيقة، لذلك وصفهم الله عزَّ وجل في آيات أخرى، قال:
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14) ﴾
( سورة البقرة)
*وقال:
﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 119 " )
*وقال:
﴿ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ(61)﴾
( سورة المائدة)
المناظرة الرائعة التي عرضها الله عزَّ وجل لنا في القرآن الكريم:
*طبعاً هنا:
﴿ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ (76) ﴾
*الحُجَّة ؛ المناظرة، والله عزَّ وجل عرض لنا بالقرآن الكريم مناظرة رائعة، قال:
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾
( سورة البقرة: من آية " 258 " )
*عنده جنود، أمر جندياً أن يقتل رجلاً، ثم أمره أن يَكُفَّ عن قتله، قال: إن شئت قتلته ـ أمته ـ، وإن شئت عفوت عنه ـ أحييته ـ أنا أحيي وأميت، إذا كنت تَدَّعي أن الله يحيي ويميت، فأنا أحيي ويميت ـ هذا النمرود ـ الله علمنا فن الحوار، وفن المناظرة، فقد صار تأويلات، هو أوَّل الحياة بأنها عفو، وأَوَّلَ الموت بأنه إعدام، مع أن الموت ليس إعداماً:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) ﴾
( سورة آل عمران ).
*قيل: المتأوّلان لا يتفقان إلى يوم القيامة.
تتمة المناظرة كما عرضها القرآن:
*إذا أردت أن تناظر إنساناً وكل إنسان يفهم النص كما يحلو له فالطريق مسدود، فسيدنا إبراهيم وجد أن هذا الطريق مسدود:
﴿ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾
( سورة البقرة: من آية " 258 " )
*لأن هذا الطريق صار فيه تأويل، القصد بالحياة منح الحياة، والموت إنهاء الحياة، النمرود فهم الحياة العفو والموت القتل فتركه في هذا الطريق المسدود وسلك طريقاً آخر:
﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ ﴾
*قال:
﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾
( سورة البقرة: من آية " 258 " )
لا يمكن لإنسان أن يقلب الحق إلى باطل بكلمة:
*هؤلاء اليهود قالوا:
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ (76) ﴾
*أي أنكم تعطون للعرب حجج:
﴿ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ (76) ﴾
*يوم القيامة:
﴿ ِ عِنْدَ رَبِّكُمْ (76) ﴾
*أنتم تقدمون أوصاف النبي كما جاءت في توراتكم، صار معهم حجة، وكأن الله لا علاقة له بهذا الموضوع إطلاقاً، أرأيتم إلى إيمانهم ؟ فالقضية إذا كان ذكر الشيء وهذا ما يقع به المسلمين أحياناً، فهل من الممكن لإنسان بكلمة أن يقلب الحق إلى باطل ؟ مستحيل، لو قلنا عوائد فوائد، بَدَّلنا كلمة فوائد بكلمة عوائد فهل ألغي الربا ؟ إذا تكلمنا كلمة ألغي الزنا أي إذا قلنا لمرة واحدة: أجرة، مُتْعَة، فهل صار بذلك الزنا مباحاً ؟ فهل من الممكن أن تنقلب الأمور بكلمة أو بحرف ؟ مستحيل، فلذلك ربنا عزَّ وجل قال:
﴿ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) ﴾
*الآن اسمع الآية الكريمة:
﴿ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) ﴾
*أرأيت إلى ضعف الإيمان، كأن الله في السماء ولا يرى شيئاً في الأرض، شيء مضحك، فكثيراً ما تجد في الفتاوى أشياء مضحكة جداً، كأن يقول لك: بكم سعر هذا الشيء ؟ يقول لك: بألف نقداً، وبألف وخمسمئة تقسيطاً، صارت هناك مشكلة، فيقول: بألف نقداً، ماذا طبخت اليوم ؟ يقول لك: فاصولياء، وألف وخمسمئة تقسيطاً، وما دام في فاصولياء بين السعرين لم يبق في أي مشكلة، شيء مضحك، هذا نفسه وقع عندنا، دخلت كلمة غريبة، فصار هناك مجلسان، فأُلغيت الحُرْمَة.
أغلب ما فعله اليهود نفعله نحن اليوم:
*قال تعالى:
﴿ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ (77) ﴾
*قديماً كان يضع زكاة ماله برغيف خبز ويهبها للفقير، ثم يقول للفقير: بعني هذا الرغيف بخمس ليرات، ويكون في داخل رغيف الخبز خمسة آلاف ليرة، أعطى رغيف الخبز للفقير، فبذلك يكون قد دفع زكاة ماله، ثم استرده بخمس ليرات، وكأن الله لا يعلم، اليهود فعلوا هذا أيضاً:
﴿ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ﴾
( سورة الأعراف: من آية " 163" )
*فَجَمَّعوا الحيتان يوم السبت وصادوها يوم الأحد، وبذلك لم نخالف في شيء، والمسلمون وقعوا في حِيَلٍ شرعيةٍ لا تقل عن هذا، يجب أن يجلس مع زوجة أخيه، القضية سهلة، يحضر طفلة صغيرة عمرها سنة وترضعها زوجة أخيه، أصبحت أمها، يعقد عقده على هذه الطفلة، أصبحت زوجة أخيه حماته على التأبيد، يطلقها فيستطيع بذلك أن يجلس مع زوجة أخيه، وانتهت العملية، هذا الذي فعله اليهود نفعله نحن اليوم، فلذلك أكثر أنواع هذه الفتاوى سببها:
﴿ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) ﴾
من ضعف الإيمان أن يظن الإنسان أن الحيل الشرعية مقبولة عند الله تعالى:
*من ضعف إيمانهم يظنون أنهم يأتون بحيلٍ شرعيةٍ مقبولةٍ عند الله عزَّ وجل ؛ قبل أن يحول الحول على المليون يدفعه عربوناً لأيّ بيت، بعد ذلك يلغي العقد، وألغي الحول، فاسترد المليون، أو يريد ألا يورِّط أحداً يكتب سندَ دينٍ وهمي بخمسة ملايين، فصار الميت مديناً، وكل شيء نقدي انتهى، أو يطلِّق زوجته على فراش الموت حتى ينتهي، ويتخلص من ميراثها، وهناك آلاف آَلاف الفتاوى كلها باطلة، كلها أساسها أن الذي يفعل هذا لا يعلم أن الله يعلم، يظنه لا يعلم:
﴿ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) ﴾
*أيها الأخوة في درسٍ آخر نتابع هذه الآيات، وهي قوله تعالى:
﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) ﴾
والحمد لله رب العالمين

عبدالعزيزAL-ZAHRANI
17-04-2012, 11:16 AM
ماسبب موتها! أريد أن أعرف

اشراقة حب
14-05-2012, 06:20 PM
الله يرحمك ويغفر لك

الوجد
15-05-2012, 11:55 AM
جزاك الله يانوور


وغفر الله لأختي وجعل قبرها روضة من رياض رالجنة






ياليت من مر يرفع الموضوع بدعوة لأختنا فيها بحاجة الدعاء

AHMED
23-05-2012, 02:17 AM
ماسبب موتها! أريد أن أعرف

تعدت الأسباب والموت واحد ...!

عنابي
23-05-2012, 03:07 AM
الله يرحمها
و الله يكتب أجرك ي نور ويتقبلها بالرحمة

ΛĿĤΛИ♡♡F
24-05-2012, 02:12 AM
الله يرحمها ويغفر لها ويسكنها فسيح جناتهـ


ويكتب اجرك نوور


انا لله وانا اليهـ راجعوون

مشــــاعل
28-05-2012, 08:39 PM
لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم
إنا لله وإنا إليه راجعون
الله يرحمه ويغفر له
ويجعل مثواها الجنة
مريت صدفه وشفت الموضوع انفجعت
الله يعظم اجركم ويحسن عزاكم
الله يصبر والدينه
وعساها نهاية الاحزان
...................................