المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحشر


ايمن دياب
23-08-2011, 05:43 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هل استعددت له الا تعرفه انه
(الحشر )


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله.. أدَّى الأمانةَ، وبَلَّغَ الرسالةَ، ونَصَحَ الأمةَ، وكشف الله به الغمة ، جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته وصلى اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين...
أما بعـد:-
فحيَّا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وذكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور.
طبتم جميعا وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا.
حياكم الله جميعاً وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجمعنى وإياكم في الدنيا دائما وأبداً على طاعته وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ودار كرامته.
إنه ولى ذلك ومولاه وهو على كل شىء قدير..
أما بعـد:-
فإن أصدق الحديث كتاب الله ،وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
أحبتى فى اللـه:
فى رحاب الدار الآخرة
سلسلة علمية هامة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمى والأسلوب الوعظى تبدأ هذه السلسة بالموت وتنتهى بالجنة.
وقد تحتاج هذه السلسلة إلى جهد شاق حتى تتضح لنا معالمها، لذا فإن الموضوع جد خطير ومن الأهمية بمكان، لذا استحلفكم باللـه الذى لا إله إلاَّ هو.. أن تعيرونى قلوبكم وعقولكم وأسماعكم حتى نقف على أهميتها ونسأل اللـه التوفيق، ونسأله تعالى أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، إنه ولى ذلك والقادر عليه ويجعلنا من الذين قال فيهم اللـه الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللـه وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ [ الزمر: 18 ].
أحبتى فى اللـه :
كنا قد انتهينا فى اللقاء الماضى عند البعث، وتوقفنا عند هذه المشاهد التى تخلع القلوب، فلقد وقفنا عند هذا المنظر المهيب الرهيب لخروج الناس من قبورهم حفاة عراة غرلا، كل يبعث على الهيئة التى مات عليها فمن مات على طاعة بعث على طاعة ومن مات على معصية بعث على نفس المعصية التى مات عليها .
ذلك لقول النبى كما فى صحيح مسلم: ((يبعث كل عبد على ما مات عليه ))([1 ]).
ولقد أجرى اللـه الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شئ مات عليه ومن مات على شئ بعث عليه ..
وأول من يبعث، وتنشق عنه الأرض يوم القيامة حبيب الرحمن محمد ، ففى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة أنه قال :
أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر، وأنا أول شافع وأول مُشَفَّع ))([2 ]).
وإذا كان المصطفى يوم القيامة أول من ينشق عنه القبر، فإن أول من يُكسى يوم القيامة خليل الرحمن أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام .
كما فى صحيح مسلم من حديث ابن عباس أنه قال: ((ياأيها الناس إنكم تحشرون يوم القيامة حفاةً عراةً غُرْلا وأول الناس يُكْسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ))([3 ]).
وفى رواية البيهقى من حديث ابن عباس أنه قال :((أول الناس يُكسى من الجنة يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ويؤتى بى فأُكسى حُلّة من الجنة لايقوم لها البشر ((
ولقد تكلم علماؤنا عن حكمة تقديم إبراهيم على نبينا محمد فى الكسوة يوم القيامة .
ومن أجمل ماذكره أهل العلم أن المشركين لما هموا بحرق إبراهيم وأشعلوا نار متأججة وظلوا يجمعون لها الحطب شهوراً، وأياماً حتى ارتفع لهيبها فى عنان السماء فكانت الطيور تسقط من ارتفاع لهب هذه النيران فلما هموا بإلقائه جردوه من ثيابه فلما صبر واحتسب وتوكل على اللـه جزاه اللـه سبحانه وتعالى عن ذلك فوقاه حر النار فى الدنيا والآخرة وكافأه يوم القيامة فكساه على رؤوس الأشهاد .
فأول الناس يبعث هو حبيب الرحمن، وأول الناس يُكسى هو خليل الرحمن وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأزكى السلام .
ترى ماذا يكون بعد البعث ؟!... إنه الحشـــر .
وهذا هو موضوع الحديث فى هذا اليوم الكريم المبارك، لذا أستحلفك باللـه أخى الحبيب أن تعرنى قلبك وسمعك فإن الموضوع من الخطورة، والرهبة، والهيبة بمكان .
وحتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً فسوف ينتظم حديثنا عن الموضوع فى العناصر التالية :
أولاً: صفة أرض المحشر .
ثانياً: كيف يحشر الناس؟ !
ثالثاً: هول الموقف .
رابعاً: فى ظل عرشه .
أولاً: صفة أرض المحشر
ترى كيف تكون هيئة أرض المحشر؟ !!
أتكون مثل أرض الحياة الدنيا ؟ !
لاريب أنها ستكون مختلفة تماماً عن أرض الحياة الدنيا التى نعيش عليها
لم لا ؟! فإن الزمان غير الزمان.. فحتماً يكون المكان غير المكان.. حيث قال رحمان الدنيا والآخرة: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم: 48 ].
إذاً تتبدل أرض الدنيا وسماوات الدنيا .
فلقد وصف لنا المصطفى طبيعة الأرض التى سيحشر الناس عليها وصفاً دقيقاً بليغاً .
ففى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى ومسلم من حديث سهل بن سعد الساعدى أنه قال :
)) يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كَقُرْصَةِ النَّقِىِّ ليس فيها عَلَمُُ لأحدٍ ((
وفى رواية إلى قوله ((كقرصة النقى)) ثم قال: قال سهل، أو غيره: ((ليس فيها معلم لأحد ))([4 ]).
أرض عفراء: أى بيضاء، والعفرة: البياض .
وعند ابن فارس: البياض الشديد الناصع البياض. قرصةُ نقى أو كقرصةٍ نقى، أى كالدقيق النقى من الغش والنخال .
قال سهل: ليس فيها معلم لأحد، المعلم: هو العلامات التى يتعارف بها الناس على الشوارع، والطرقات، والمدن .
فهى أرض بيضاء مستوية كالفضة البيضاء لايوجد عليها أشجار، أو أنهار، أو أبنية .
هذه هى صفة أرض المحشر كما أخبرنا الصادق المصدوق .
ولكن كيف يحشر الناس على هذه الأرض؟ !
ثانياً: كيف يحشر الناس على هذه الأرض؟ !
يخرج الناس من القبور حفاةً عراةً غُرْلاً كما قال رسول اللـه فى صحيح مسلم من حديث عائشة .
يحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غُرلا قالت عائشة: يارسول اللـه الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض قال: ((ياعائشة الأمر أشد من أن يهمهم ذلك ))([5 ]).
نعم واللـه يخرجون من القبور بهذا العرى والذل والهوان .
قال تعالى: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ ق: 41-42 ].
نعم واللـه إنه يسير على اللـه أن يحشرهم جميعاً من لدن آدم إلى أن يرث اللـه الأرض ومن عليها ولا يتخلف أحد ولا يمتنع.... كيف ذلك؟
يقول سبحانه وتعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا [ الكهف :47-48 ]
حشر اللـه الخلق جميعاً ولا يتخلف مَلِك، ولا متكبر، ولا حاكم، ولا زعيم، ولا طاغية، فلم نغادر منهم أحد قال سبحانه وتعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا ءَاتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [ مريم: 93-95 ].
هكذا كل يأتى الرحمن فلا يتخلف مخلوق فلقد أحصى اللـه الخلق من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه القيامة، فهم ينطلقون جميعاً وراء هذا الداعى الكريم الذى جاء ليقود الخلق جميعاً إلى المحشر، انطلقوا خلفه لا يتلفتون، ولا يتخلفون صامتين مستسلمين خاشـعين.. يعلوهم صمت رهيب يزلزل قلوبهم سكون غامر يغمر المكان كله بالعظمة والهيبة والإجلال .
قال سبحانه: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـنِ فَلا تَسْـمَعُ إِلا هَمْسًـا يَوْمَئِـذٍ لا تَنْفَـعُ الشَّـفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـنُ وَرَضِيَ لَهُ قَـوْلا يَعْلَـمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:108-111 ].
الكلام يومئذ همس!! والسؤال يومئذ لصاحب الأمر؟ !!
وهل يستطيع مخلوق أن يتفلت أو يتخلف؟ !!
وهل يملك طاغية أن يتغيب، أو يتأخر، وقد وكل اللـه بكل إنسان ملكين يسوقانه سوقاً إلى أرض المحشر .
قال تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ ق: 19 - 22 ].
ها هو رسول اللـه يجسد لنا معانى هذه الآيات - عن مشهد الحشر يخلع القلوب ويأخذ بالألباب - فيقـول كمـا فـى الحديـث الـذى رواه الترمـذى بسند حسن يقول ((يُحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف، صنف مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم)) ([6 ]).
وفى صحيح البخارى ومسلم من حديث أنس قال رجل: يانبى اللـه كيف يحشر الكافر على وجهه؟! فقال المصطفى : ((أليس الذى أمشاه فى الدنيا على رجلين قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟)). قال قتادة: بلى وعزة ربنا ([7 ]).
ونحن نقول: بلى وعزة ربنا إنه لقادر أن يحشر الكافرين يوم القيامة على وجوههم .
أيها الحبيب:
هل تصورت قبل أن ترى الحية أن دابة تمشى على بطنها؟! إن الذى جعل الحية تمشى بدون أرجل سيحشر الكافر وهو يمشى على وجهه يوم القيامة، إنه على كل شئ قدير .
أناس يمشون على الأقدام وأناس يركبون، من هؤلاء الذين يركبون فى هذا اليوم العصيب ؟ !
اسمع لربك جل وعلا … قال سبحانه: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا [مريم:85 ].
وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [ فصلت: 30 ].
ويقدم الملائكة لأهل التقى ركائب من دواب الآخرة عليها سُرُج من ذهب فيركب المتقون، وينطلقون بها فى أرض المحشر حتى لا يمشون على أقدامهم فى هذا اليوم العصيب.. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ !.
والتقوى هى أن يطاع اللـه فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر .
وسئل أبو هريرة عن التقوى فقال: "هل مشيت على طريق فيه شو ك؟" قال: نعم، قال: "فماذا صنعت إذا رأيت الشوك؟" قال: اتقيته، قال أبو هريرة: "كذاك التقوى ".
وقال ابن المعتز:


لاتنسونا من صالح الدعاء
http://img77.imageshack.us/img77/4952/almalhamalatansoona1gf0.gif