المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يا ليتني طير .. أطير حواليك ... !!


بحر العطا
14-04-2009, 01:51 AM
يا ليتني طير .. أطير حواليك ... !! وهذا مقطع من أغنية كنت قد ترنمت لسماعها قبل عصر " الفيديو كليب " . وبما أن الشيء بالشيء يذكر ، فإني أذكر لقاء مع أحد العصرانيين من السودان ، حيث كان ذلك المتعصرن ينوح ويصيح ويندب حظه العاثر وحظ السودانيين لأن تكنولوجيا " الفيديو كليب " لم تعرف طريقها إلى السودان! ................





ورحلتي معكم هذه الساعة ، رحلة ثقيلة على القلب ، نطلع من خلالها على صفحة من تاريخ العلوم الإسلامية . ومن السودان الشقيق أطير بكم على جناح الطير إلى مكان شهد ميلاد أول تجربة عربية للطيران ، فتعالوا معي إلى " قرطبة " والحديث هنا عن عالمها الفذ " عباس بن فرناس " .. فمن هو هذا العباس الفرناس ؟
هو ابو القاسم عباس بن فرناس المخترع الأندلسي والفيلسوف الشاعر الذي عاش في القرن التاسع للميلاد وشاعر بلاط الأمويين في إمارة قرطبة شخصية عربية فذة، اشتهر بمحاولته الطيران اذ هو أول طيار عربي . توفي في حدود عام 888م.
كان عباس بن فرناس يحلم أن يطير مع العصافير .. لذلك قام بدراسة حركات الطيور دراسة علمية ، وبعد تجارب عدة صنع لنفسه جناحين من الريش ، وصعد إلى أعلى مئذنة في قرطبة وأمام حشد الجماهير قذف " عباس " بنفسه من عل فطار ثم سقط على قفاه .. وبسقوطه وتهشم فقرات ظهره سقطت وتهشمت معادلات النظرية العربية إلى يومنا هذا .. ولا أدري عن موقف المتفرجين من ذلك السقوط .. وماذا قال المقربون عن " عباس " ؟ حتما أن السخرية كانت ترافقه طيلة فترة رقوده على فراش الإعاقة . ( تستاهل يا عباس !.. هوَه إنته جرى لمخك حاجة يا خوي !.. لو ربنا عايزك تطير كان خلق لك جناحين يا عباس ! ) . ومن مثل ذلك ما قاله فيه مؤمن بن سعيد أحد شعراء عصره ساخرا منه:
بطم على العنقاء في طيرانها إذا ما كسا جثمانه ريش قشعم
ينسى المعوقون للتقدم أن عباس رجل عالم ، وأن الفشل في التجربة في عمل ما لا يعني إستحالة نجاحه في مرات قادمة . فحياة البشر مبنية أصلا على التجارب وكل تجربة في تاريخ البشر تعرضت للفشل .. والفشل أن يبقى الإنسان ساكنا عند حدود الفشل . وقد واجه " أديسون " ألف محاولة فاشلة حتى استطاع أن يضيء لنا المصباح الكهربائي .
عرف الناس " عباس بن فرناس " بمحاولته الفاشلة في الطيران .. وأن تلكم المحاولة كانت ضربا من الخيال الزائد .. وفي الحقيقة أن العلم يقوم أساسا على الخيال الزائد .. وقد يصبح الخيال حقيقة .. فطيران الإنسان كان حلما في خيال ، وقد أصبح اليوم حقيقة ماثلة ، حيث الانسان اليوم يتقلب في الفضاء كأمهر طير وبسرعة وعلو تقصر عنها حيلة الطير . إنه الخيال الذي يصنع المعجزة والتي بدأت قصة نجاحها من تجربة فاشلة في نظر القاصرين .. لكن العلماء يصنفونها على أنها محاولة فتحت الباب أمام رحلة الإنسان إلى الفضاء . فكل المخترعات بدأت صغيرة ثم كبرت وترعرت في أحضان العلماء .. ويبقى الساخرون منهم نائمون على رصيف الزمن . هي ولا شك قصة العرب والمسلمين مع العلم والعلماء .. قصة حزينة ، هي مأساة أمة تخلت عن العلم قرونا عدة حين تخلى رعاة العلم عن العلم وأهله .. أمة كان الشاعر فيها ولا يزال يملأ فمه بالدر والجوهر على كلام لا يسمن ولا يغني من جوع ، في وقت يبيع فيه العالم ملابسه التي تستر عورة جسده . أمة كان المخترع فيها يوصم بأنه ( زنديق ) لأنه ابتدع لهم من الخيال شيئا يعدونه ( بدعة ) .. وقد وصف عالمنا الفذ " عباس بن فرناس ) بالزندقة ، وهو الذي اخترع للأمة ساعة تعينهم على ضبط الوقت وتحديد أوقات الصلاة .. فقال يصف ذلك :
ألا إنني للدين خيرُ أداةِ إذا غاب عنكم وقت كل صلاةِ

ولم تُرَ شمسٌ بالنهار ولم تُنِرْ كواكب ليلٍ حالكِ الظلمات

بيُمن إمام المسلمين محمد تجلت عن الأوقات كل صلاة

فإذا كان " عباس بن فرناس " زنديقا ، فإنه لن يكون أكثر زندقة من " أديسون " الذي ينعم العالم اليوم بفضل مخترعاته الزنديقية .. وإن كان الإختراع يعد زندقة فأنعم بها من زندقة .. هي بلا شك زندقة عقل يكفر بالجمود ، لا زندقة عقيدة .
فعباس بن فرناس كان موسوعة وعالم متعدد المواهب ، فهو ( فيلسوف، وكيميائي، وفيزيائي، وفلكي وشاعر ) .. ففي علم الفلك ابتكر " القبة السماوية " فلقد صنع فى سقف بيته هيئة السماء وخيل للناظر فيها النجوم والغيوم والبرق والرعد واستطاع أن يحدث فيها ظواهر الرعد والبرق وسقوط رذاذات من الماء على هيئة مطر بطرق آلية ربما بواسطة بعض الادوات والآلات التى انتهى من صنعها ووضعها فى أماكن معينة من القبة التى أجرى فيها تجربته العظيمة ومثلها كهيئة السماء فيها الأفلاك والنجوم والسحب ولعل ما قام به هو دراسة نظرية تجريبية تطبيقية لعلم وعمليات الأرصاد الجوية والظواهر الطبيعية ولحساب حركة الكواكب والنجوم والتأكد من كفاءة ابتكاراته وآلاته فى مجال الفلك مثل آلته الشهيرة "ذات الحلق". ولقد لاقت شهرة كبيرة فى وقتها حتى أنها اصبحت معرضا وأن الناس كانوا يفدون لرؤيتها. وأشار إليها الشعراء ، حيث قال الشاعر الأندلسي مؤمن بن سعيد :
وسماء عباس الأديب أبي القاسم ناهيك حسن رائقها
تذكروا أن هذا الشاعر هو نفسه الذي سخر من " عباس " حال فشل تجربته في الطيران حيث قال :
بطم على العنقاء في طيرانها إذا ما كسا جثمانه ريش قشعم
كما اخترع عباس بن فرناس آلة لقياس الزمن ولمعرفة الأوقات وخاصة أوقات الصلاة وسماها "الميقاتة". والآلة تعتمد على الظل وقياس درجاته وزواياه وحساب الدرجات والدقائق والثوانى فى النهار حيث قسم شكلها الدائرى الى مسافات متساوية كما هو مفهوم الساعة فى الوقت الحاضر. أما الليل المظلم فإن عملها يختلف وعملها ربما كان يعتمد على حساب الدرجات التى قسمت اليها. وقد تعتبر أساسا للساعة الشمسية وأساسا لاختراع الساعة المائية الأعجوبة
ومن مخترعات عباس بن فرناس ما شابه القلم الحبر وهو آلة اسطوانية الشكل تستخدم للكتابة والخط وتغذى بالحبر فكان واضحا وأفاد النساخ والكتاب حيث سهل مهمتهم فى الكتابة والنسخ ووفر عليهم مؤونة حمل الأقلام والمحابر أينما ذهبوا. وهذه الآلة هى بمثابة قلم الحبر المعروف فى الوقت الحالى. وبذلك يكون عباس بن فرناس قد سبق مخترعى الأقلام الحديثة بمئات السنين. وأوجد هذه الآلة التى تشكل أهمية كبرى فى نشر العلم والمعرفة والثقافة على نطاق واسع. كما انه ابتكر كثير من الادوات التى اعانته فى ىتنفيذ افكاره وابتكاراته. ويقال أنه ابتكر أشياء طريفة عجيبة وكثيرة ولكن تفاصيلها فقدت آثارها. فيشير أبو بكر الزبيدى: "الى أنه كان من أهل الذكاء والتقحم على المعانى الدقيقة والصناعة اللطيفة." كما يذكر ابن حيان : "أبدع إبداعات لطيفة واختراعات عجيبة."
كذلك برع عباس بن فرناس منذ صغره فنسب اليه عمل الكيمياء ومزاولته للكيمياء العملية والصناعية الى جانب توسعه النظرى والالمام بفنونها وقوانينها. ولقد طبق كثير مما عرف فيما بعد بعلم المعالجات الحرارية للمعادن. ولقد قام باجراء التجارب الكيميائية بالطرق والوسائل العلمية كما جعل من احدى حجرات بيته معملا ومختبرا لتجاربه وزوده بالادوات والآلات اللازمة لهذا الغرض كما استعمل النار لاحداث درجات الحرارة لغرض تسخين العناصر والمعادن المختلفة أو لتبخيرها أو صهرها أو اذابتها. كما أنه أول من استنبط صناعة الزجاج من الحجارة فى الأندلس ولقد كانت طريقته مختلفة عما كانت تستخدم فى صناعة الزجاج فى البلاد الأخرى وكان درجة شفافيته عالية. كما عمل ابن فرناس فى ميدان السبائك والصب والصياغة للمعادن النفيسة كما برع فى استخدامها فى الزرفة والكتابة والغريب أن بعض العامة وصفوه لذلك بالزندقة وتعاطى السحر. ولكن كتاب العصر الاندلسى اعترفوا بفضله وجهوده واضافاته العلمية .
ولم يكتف العالم عباس بن فرناس بما تقدم ولكن مواهبه تعددت الى أكثر من ذلك بكثير حيث وصفه البعض بأنه الأوحد فى زمانه فى العلوم والفنون فقد جاء ما يشير الى تقدمه على رجال عصره وما أعظمه من عصر بغزارة علمه وتعدد أدواته وفنونه ولقد اشتهر فى ميدان العمارة والهندسة بنافوراته الجميلة والعجيبة. فلقد طرق فنون العمارة وخاصة فى النحت واقامة النصب وصنع نافورات المياه وكان المخطط الرئيسى لاقامة التماثيل والنحوت والصور والنافورات فى قصور الامراء والوزراء وعلية القوم فى عهده وفى منياتهم ومنتزهاتهم والموجه للبنائين والنجارين والعمال.
وهذا العالم العظيم عباس بن فرناس والذى عاش عمرا مديدا قارب التسعون عام عرف أيضا بعلمه باللغة والشعر حيث أنه من أدخل العروض فى الاندلس وغلب على شعره الغناء والمدح مع علمه الغزير بألوان الموسيقى وأدواتها. ولقد وصف فىكتاب "طبقات النحويين واللغويين" بأنه "فحل الشعراء الحنذيذ" وأنه "كبيرالجماعة" من الشعراء والادباء. فيا له من عالم ليس أقل من أن يوصف بأنه العالم الموسوعة ويجب أن يتذكره الجميع بما هو أهله.
كانت تلكم صفحة من صفحات تاريخ العلم عند العرب والمسلمين والتي طواها الزمان غير ذكرى باقية في بطون كتب نمارس حال قراءتنا لها سيفونية الفخر ( كنَا وكنَا ) علما أن شاعرنا العربي قال :
ليس الفتى من قال كان أبي إنما الفتى من قال هاأنذا
والأمة التي تعيش على أحلام التاريخ هي أمة فاشلة . فالعلم يحتاج إلى أمة تحضنه وترعاه وتتواصل معه ولا تقطعه .. فكم نحن اليوم بحاجة إلى توطين العلم والعلماء كما هي حال الغرب اليوم حيث يرحبون بالعبقرية من أي مكان أتت .. فالذين نهضوا بالحضارة الأمريكية ليسوا الهنود الحمر ، وإنما أولئك الذين هاجروا إليها من كل فج
وكم يؤسفني حين قرأت سيرة " عباس بن فرناس "أن بيته كان هو مركز أبحاثه ومختبراته بين الطحين والعجين والطبخ والنفخ وصرقعة العيال وأم العيال والزوار . وقد قرأت أن في أمريكا مكان يقال له " وادي السليكون " مكان جميل خصص لمجموعة من العلماء لا هم لهم سوى التفكير والاختراع ، ووفرت لهم كل متطلبات الحياة .
فعالمنا " عباس بن فرناس " لم يجد " عبابسة " آخرين يحملون رسالته ويواصلون مسيرته .. ولو فعلوا لكنا سبقنا العالم إلى الفضاء منذ عدة قرون
رحم الله عالمنا الفذ " عباس " وعظم الله أجرنا في العلم والعلماء
كانت تتكلم رحلتي معكم .. أستودعكم الله وإلى اللقاء بإذنه تعالى

ملاحظة / المراجع التي استعنت بها هي من موقع رياض الجنة :
1 عباس بن فرناس رائد فضاء ( خالد عزب )
2 عباس بن فرناس أبو الطيران ومبتكر القبة السماوية ( دكتور ماهر نوفل )

ريووومه
14-04-2009, 01:59 AM
يا ليتني طير .. أطير حواليك ...
يسلمووو على المووضوع الرااائع
تقبل مرووووري

بحر العطا
14-04-2009, 02:06 AM
سلمتي من شر ياااااااااااااااارب


يعطيك العافيه