المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تكريت التاريخية(معقل الرئيس الراحل صدام حسين)وسفر تالد واثر


اراز
07-04-2009, 11:59 AM
تكريت المدينةالازلية القيام، الموغلة الدور الحضري بين الأنام. التي بزغت إبان فجر المدنية، فأصبحت بفيض كينونتها مستوطن رحب لأقدم من حل ارض الرافدين من الأقوام. ثم اضحت رباط تصدي ومعقل تحدي وملاذ أمان لأبرز وأهم أدوار تاريخ بنو آرام. ثم صارت بوتقة تمازج وتجانس التجدد والأصالة والبأس والسلام إبان العصر الذهبي لدولة الإسلام .
وتكريت التي عدت في مقتبل عمرها المدني حصن او ثغر الآشوريين الجنوبي ثم عندما شبت كانت معقل او ثغر البابليين (الاموريين والكلديين) عند مبتدأ سهل الرافدين الرسوبي.
وقبل هذا وذاك تكريت التي عدت في طفولة مدنيتها موئل الجزريين الذين سبقوا السومريين والذين عرفوا بالفراتيون الاوائل. وذراع الاكديين في عهدهم الذهبي الآثل: هي في التأريخ الإنساني الموثق معقل ملوك أكد ومربع توكولتي وآتو وأدد وملاذ نبوبلاصر ومعبر سرجون الثاني ومدد بختناصر. ومعبد ننايا وآنو وجاشان وموئل قبائل الاتوعايا والتيمو من بني آرام ومتجر الشهارجة نبلاء السريان ومستقر بنو إياد وتغلب والانمار من عدنان والازد من بني غسان وكرسي المشرق لليعاقبة المسيحيين من ملة السريان وبعد هذا وذاك هي في التأريخ الإسلامي الزاهر القاعدة المهمة للفاتحين المسلمين في مستهل عهد الفتح الإسلامي لاعالي ارض الرافدين .
تقع تكريت على ضفة نهر دجلة اليمنى على الطريق الموصل بين بغداد والموصل وهي إلى بغداد اقرب منها إلى الموصل .وموقعها الجيومورفي الذي يتقاطع فيه خط عرض 34,5 درجة وخط طول 43,75 درجة والذي يميل الى دجلة بحافة شديدة الانحدار(45- 50 كم) تقريبا هو ملتقى الرمل والجلمود والغرين والكلس. كما وهو الصحن الجامع للتمر واللبن والقمح والعسل .
وتكريت هي اليوم مركز محافظة صلاح الدين إحدى محافظات الوسط الجغرافي والمنطقة شبه المتموجة لجمهورية العراق العربية والإسلامية كما وهي القصبة العراقية الحديثة ذات الحس التراثي والبصمة التاريخية .وقبل هذا عرف تأريخها الموغل، العديد من الصفات الإدارية المدنية والحضرية إذ كانت ابان العهود التاريخية المتقدمة للاكديين ثم للآشوريين والبابليين، مستوطنا مدنيا معروفا بذات الاسم طال ما جاء ذكره في المدونات المسمارية مسبوقا باللاحق اللغوي (اورو أو آلو) الدال على المدينة ( أورو تكر إيتان) أو( آلو تكر إيتينو) ثم تطورت إلى معقل أو حصن حدودي عرف واشتهر في النصوص الكتابية المسمارية بأسم (برتو) او (برتاي) ثم تطورت إلى مدينة قلاعية بدلالة الرابط اللغوي (شا) الذي ما انفك يأتي ملحقا باللفظ الدال على القلعة (برتو) العائدة لها والذي يتقدم على رسمها المدني( برتو شا تكريتان) او( برتو شا تكريتينو) ثم عندما دخلت إليها المسيحية في منتصف القرن الأول للميلاد اكتسبت الهوية السريانية ورشحها الحال لأن تمتلك محور الدعوة للامر السماوي ثم تضحى به في مطلع القرن الخامس الميلادي العاصمة الروحية للسريان النصارى الشرقيين بعد ان ورثت وخلفت مدينة الحضر التي دمرها الغزاة في وضيفتها التجارية وأهميتها الجيوستراتيجية مما جعلها تشتهر بسمة (تجريت) المدنية. وبعد دورة لدولاب رياح الاحتلال والتسلط الاجنبي المتعددة الالوان تحررت تكريت وتطهرت بنور الإسلام الزاهر في عهد الخليفة الفاروق عمر رضي الله عنه وتحديدا في عام 16 هجرية على يد طلائع الفتح والتحرير التي قادها الصحابي عبد الله بن المعتم العبسي وأصبحت قاعدة لجيوش العرب المسلمين المتجهة نحو شمال العراق ومفتاح الموصل والجزيرة ثم ما فتأت ان خلعت عليها مؤسسة الخلافة صفة (كورة) وكانت تتبع الموصل من إقليم الجزيرة. وعندما جاء عهد دولة الأمويين أضحت من اعمال ولاية إسلامية يحكمها عامل عربي أسوة بباقي الإعمال الأخرى وكانت كثيرة الموارد والخراج كما وكانت مستقر مناسب وملاذ آمن للمخلوعين او الثائرين من الأمراء والقواد الامويين وذلك لتجاوزها الآثار السيئة التي تركتها الحركات السياسية عليها وعندما جاء العهد العباسي باتت أوفر نصيبا وحضا من غيرها في الاهتمام والأهمية في كافة النواحي الحضرية والمدنية خاصة بعد ان اضحت سامراء حاضرة الدولة العباسية إذ حكمها عدد من الاصحاب والمتنفذين كما والتزمها عدد من الخلفاء العباسيين المتأخرين فغصت بالخلق من شتى الاعراق وحفلت بالمساجد والمصانع الحرفية والاسواق واهتمت ببناء المدارس وربط العلم ودور الحديث التي اخرجت للعالم الاسلامي كواكب نيرة من العلماء والاعلام الذين لايسع لذكرهم المقام وعدت احدى اهم دور سك النقود والعملات كما وكانت احدى اهم مدن صناعة الفخاريات والزجاجيات. ولقد ذكرها وأطنب في وصفها عدد كبير من المؤرخين والجغرافيين والبلدانيين. وقد بسقت بمستوى اتابكية أي مستحفظة في العهد الأخير لدولة بني العباس وبالتحديد في عهد تغلب السلاجقة وكان لها في هذا العهد شأن وأثر كبيرين مثلما كانت لها حظوة ومأثرة بالغتين ولعل ماتبقى من أثارها وتاريخها لدليل على ذلك. ثم طالتها يد القتل والدمار من قبل المغول والتتار وأمست في فترتي تسلطهم المتعاقبة بلدة صغيرة على الرغم من انها كانت إحدى أهم قواعد المقاومة العربية الإسلامية ضد وجود هؤلاء الغزاة اذ عدت معقل الثوار ومأوى الاحرار ثم عادت لتنهض في زمن حكم العثمانيين الأول ( الحكم العثماني غير المباشر) فتصبح سنجق بكي أي محافظة يحكمها امير من اهلها يحمل لقب بك. ثم بعد ان انتهى هذا الشكل من الحكم أي بعد ان أعاد مدحت باشا تنظيم الإدارة في العراق وتأسيس الحكم المباشر فيه اعتبرت بمستوى ناحية كما واعتبرت في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني مقرا لنقابة أشراف الخمس مدن سامراء وتكريت وبلد والدور وسميكة . وفي نهايات العهد الملكي رسمت قضاء تابع للواء بغداد وفي منتصف السبعينات من القرن المنصرم أي في عام 1976 استحدثت كمركز محافظة تأخذ اسم من ولد فيها في عصر المجد والازدهار وسما في أفق البطولة والبسالة والاقتدار ونعني به القائد صلاح الدين الأيوبي وليدها البار.
وتكريت معنى اسمها العتيق الذي اقترن مع فجر نشأتها الأول والذي اقدم ما وصلنا عنه من ذكر يؤول الى القرن السادس عشر قبل الميلاد وردت فيه عدة تأويلات كلها ذات بعد سحيق لكن أدقها وأهمها هو الذي جاء اشتقاقه من الجذر اللغوي المسماري (تكر) الذي يعني في العربية (ثغر) وهو الدال على معنى اسم القلعة أو الحصن أو المعقل الذي قامت عليه في مبتدأها بحسب المفهوم اللغوي العتيق لمصطلح الثغر سواء كان يعني ثغر السهل الرسوبي(ثكر إيتينو – أو- إيدينو) أو ثغر قبيلة الاتوعاي الآرامية(ثكر إيتوا) أو ثغر ننايا اي عشتار(ثكر نيناأ) أو الثغرين –من التثنية (ثكر ايتان).
وتكريت حق لها ان توسم بالمدينة التاريخية لما لها من جذور مدنية موغلة التجذر في الماضي السحيق لبلدنا العراق العريق ولما جاء ذكره عنها او العثور عليه فيها وانها على الرغم من قضم الأحوال لتراثها الشاخص ولأثرها النابض فأن الزائر لها اليوم يمكن له تلمس آثار وجودها التاريخي وتحسس تاريخ تراثها الحضاري الازلي ولعل من بين أهم الشواخص الاثارية المتبقية من ركام مدنيتها العتيقة هي :
آثار القلعة العتيقة التي عاصرت فجر المدنية ومبتدأ اولى عصور الحضارة الانسانية وشهدت أهم أحداث الحقب الحضرية وملمات الدهور والتي جاء ذكرها في المسلات الطينية والرقم المسمارية وفي الكتب والسجلات الكلاسيكية والتي واجهت العديد من النوائب والمصائب والحصارات مثلما تشرفت بالعديد من المباهج والمفاخر والانتصارات. إذ أن أقدم ذكر لها كقلعة قائمة جاء على رقيم يؤول إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد.
وآثار الكنيسة الأولى للملة المسيحية في بلاد الرافدين التي تحكي لنا قصة احتضان هذه المدينة التاريخية للديانة المسيحية وهي لما تزل في طورها التكويني الأول وتحديدا في عام 12 لصلب المسيح الموافق 42 ميلادي. وقصة مشاركتها في ازدهار الفلسفة العالمية والمنطق وهي في أوج عزها الأمثل على يد ثلة من ابناؤها كأمثال يحيى بن عدي وابورائطة وابن جرير.
وآثار مزارة الأربعين التاريخية. ذات الجامع والمرقد والمشهد والغيبة والتي تعكس تفاصيلها العماريه وفنونها الزخرفية والريازية رسوم أقدم مدرسة إسلامية قامت في أنحاء الجزيرة الفراتية. سبقت المستنصرية وعاصرت النظامية وأخذت من الكاملية.
وبعض التلال الأثرية المتناثرة في أرجاء رحابها التي تشكل اولى أقدم المستوطنات المدنية في تأريخ البشرية كتل الهاطرة وتل المبدد وتل الناعور وتل الخسفة وتل السوك وتل شلفحت وسفرة والميمون والصوامع وام تليل.
وبعض المنشأت والصروح البنائية الأثرية والتاريخية المتناثرة بقاياها في ضواحيها والتي تجسد وتعكس مشاهد متقدمة لمراحل حضرية مهمة في تأريخ معاصرة المدينة لادوار التاريخ الرئيسة المتعاقبة كتل محيسن (المدرسة الإسلامية المتقدمة النشأة ). وبقايا السور التاريخي المكين الذي يؤول عهد بناءه إلى فجر حضارة الأسوار للأقدمين من سكان ارض الرافدين.
ووادي الخر(المجرى المائي العتيق المنطوي اسمه على لفظة اكدية الجذر ترمي الى ذات المعنى) ووادي شيشين ( الذي لأسمه بالاكدية المرادف اللغوي الذي يؤكد ايغاله في القدم والذي يدل على حقيقة اسمه) ومنطقة المسيلة(الخندق المائي الاصطناعي السحيق الذي يطيف بالقلعة التاريخية) وآثار دير البنات أو الراهبات اليعقوبي الهوية والسرياني المرتسمات ومقام الشيخ إسحاق ( من أولاد الامام الكاظم ) وآثار الجسر العتيق أو المعبر المائي الازلي القيام الذي شاهد بقاياه المستشرق هرتسفلد والذي وصفه ابن حوقل بالقنطرة الهيطلية والذي أصل قيامه يؤول إلى عهد سرجون الثاني احد ابرز ملوك الدولة الآشورية كما تؤكد الإشارات المسمارية.
وبعض المدافن الإسلامية المتقدمة التي تمتد إلى مبتدأ الحضارة الإسلامية والتي تؤكد سمو دور المدينة في عهد الإسلام الزاهر في رحاب الإنسانية .
وتكريت التي كانت قد شهد لحقيقة كينونتها عظماء المدونين من المؤرخين ومن البلدانيين أمثال سهراب وابن جبير وابن بطوطة والمستوفي وابن الفقيه الهمداني واليعقوبي والمسعودي وابن حوقل وابن الأثير وابن كثير والطبري وابن الوردي وابن الجوزي وابن خلدون وابن اعثم الكوفي والهروي وابن الجزري والمستوفي وابن خرداذبة وابن رسته والاصطخري وابن سرابيون وأبو الفدا واخرين كما واستجلى أثرها وخبرها أدق الرحالة المستشرقين أمثال ريج وبدج وروس وبيلولايارد واولمستيد وهورن وفاي والمنشي وتافرنيه وهرتسفلد وسن هورن وبكنغهام وكريمر والواموسيل وبل وفيي واخرين وهانسون.
وتكريت التي أينعت ادوار مشرفة ومشرقة في عصر النهضة العربية الحديثة وعصر الثورة الصناعية في مرحلة المدنية الجديدة وأخرجت رجال ميامين بواسل بررة في فجر الصحوة الوطنية الرشيدة وعهد الثورة العربية المجيدة .
وتكريت المدينة اليعربية الأصيلة والثابتة التقاليد والأعراف والعادات والحاضرة الإسلامية المحافظة على القيم والمبادئ التي أرست أسسها طلائع المبشرين المسلمين وأقامت صروح عطاؤها الحضاري مواكب العلماء والاعلام من ابناءها.


(مدينة تكريت التاريخية سفر تالد واثر خالد)


ابراهيم فاضل الناصري
مؤرخ واعلامي




http://www.alkhubr.net/imgcache2/23844.gif