المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلاقة بأهل الكتاب


فـــهـــد
06-01-2008, 06:35 AM
العلاقة بأهل الكتاب: من سورة (المدثر) إلى سورة (المائدة)
http://www.alarabiya.net/files/image/large_82800_43784.jpg



هذا مقال مؤجل!.. كان المفترض أن يُنشر في الأسبوع الماضي، لكن مقتل بي نظير بوتو قطع (السياق الزمني) لقضية واحدة.. وإذ قُطع السياق زمنيا، فإنا نصله الآن موضوعيا.

والمبتدأ: شكر جم نسديه للكبار عن تقديرهم النبيل لمقال الأسبوع قبل الماضي: (بمناسبة أعياد الميلاد: تعالوا (نتبادل المعرفة) عن محمد والمسيح). فليس يعرف قيمة الفكر إلا نبيل الفكر، متيقظ الذهن دوما لمثل هذه الموضوعات. كما نشكر للقراء بعامة ـ مسلمين ومسيحيين ـ الذين تفاعلوا مع المقال تفاعلا يتعين أن نستنبط منه: حقيقة أن الناس الأسوياء يفرحون أيما فرحة بمنازع التسامح واتجاهاته، ويودون لو أن معايير العدل والمودة سادت العلاقة بين أتباع الأديان: في غير جفاء أو تدابر ناشئ عن الظلم أو التظالم في فهم أو نظرة أو حكم أو سلوك أو فعل.

وهذا المقال كله: امتداد منهجي وموضوعي لمقال الأسبوع الماضي. فالقضية كبيرة: جد كبيرة.. ومثلها يتطلب بسطا يجتنب الاختزال. ويتطلب تأصيلا مشبعا مرويا: في المفهوم، وفي البرهان.


كنا نحاور سيدة أمريكية ـ أكاديمية ومثقفة ـ. وقد سألناها: ان روما أو (الروم): مصدر حضاري للغرب ـ بما في ذلك الولايات المتحدة ـ.. مصدر تاريخي وحضاري للغرب ـ دينا وثقافة وفلسفة وقانونا وسياسة وقيادة وأرومة جينية أو نسبا ـ، فهل تعلمين: أن في القرآن سورة كاملة تحمل اسم مؤسسي حضارتكم الأوائل، تحمل اسم (الروم)؟!. ذهلت المرأة الأمريكية وطفقت تدون هذا المفهوم في أجندتها.. ولم يكن في الوقت متسع لنقول لها: إن الموضوع ليس مجرد (اسم)، بل هو اسم ومحتوى.. فقد كانت الحرب دائرة بين فارس التي كانت تعبد الأوثان، وبين روما التي كانت (أهل كتاب). وكان المسلمون ـ في مكة ـ يتابعون المعركة باهتمام شديد، وكانوا يحبون أن ينتصر الروم على فارس، حيث إن الروم أهل كتاب - وهم أقرب ـ من ثم ـ الى دين المسلمين: كونهم أهل كتاب.. ولقد سجل القرآن هذه الأحوال النفسية، والمواقف السياسية عند المسلمين: في نبأ هو من معجزات القرآن لأنه يتحدث عن نصر الروم على الفرس في (المستقبل المغيَّب) الذي لا يجزم بحقيقة وقوعه إلا علاّم الغيوب، منزل القرآن، تقدس في علاه: «الم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم».. إنها قصة (الانحياز الإسلامي المبكر) لأهل الكتاب، والتبشير والفرحة بنصرهم على عدوهم الوثني.

والنموذج الآخر ـ في العلاقة الطيبة ـ بأهل الكتاب: نشاهدها في وقت مبكر أيضا، أي في مكة.. فقد قصت أم سلمة: زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قصة الهجرة إلى الحبشة، وكانت ممن هاجر الى الحبشة مع مسلمين أوائل، (وهذا من الأدلة الحاسمة على أهلية المرأة لرواية السنة).. قالت أم سلمة: «لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار (النجاشي)، آمنا على ديننا، وعبدنا الله، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه» ـ وكانت بين النجاشي وبين عدو له معركة ـ قالت أم سلمة: «فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بخبر، فقال الزبير بن العوام: أنا، وكان من أحدث القوم سنا، فنفخنا له قربة فجعلها في صدره، ثم سبح عليها الى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده، فوالله أنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن، إذ طلع الزبير بن العوام يسعى ويلوح بثوبه ويقول: ألا أبشروا قد ظهر النجاشي، وقد أهلك الله عدوه، فوالله ما علمت فرحنا فرحة مثلها قط». ثم قالت أم سلمة ـ في سياق آخر ـ: «فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته «أي عندما سمع القرآن». ثم قال: «ان هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة». ثم قال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟. فقال له جعفر بن أبي طالب: «نقول فيه الذي جاء به نبينا هو: عبد الله ورسوله وروح منه وكلمته ألقاها الى مريم العذراء البتول» فضرب النجاشي يده على الأرض فأخذ منها عودا ثم قال: «ما عدّى عيسى بن مريم ما قلتَ هذا العود».

إننا أمام نماذج مضيئة من الاستواء البشري، ونقاء الفطرة، والتدين الصدوق، وكمال العقل، والرغبة المكينة في العلاقة والوداد. فالمسلمون المهاجرون إلى الحبشة ينحازون الى ملكها النجاشي في صراعه مع عدوه، ويدعون له بالنصر والتمكين، ويفرحون فرحة منقطعة النظير ـ كما تقول أم سلمة ـ بنصره على عدوه، حين جاءهم الزبير بأنباء النصر!!.. وملك الحبشة ـ الصالح العاقل النبيل من جهة أخرى ـ يصغي ـ في رشد وتقى وحب للحقيقة ـ للمسلمين وهم يعرّفونه بحقائق عقائد الاسلام في عيسى بن مريم وأمه البتول الصديقة.. ولم يتردد الملك المسيحي العظيم في الجهر بأن ما نزل على محمد: مصّدق لما جاء به موسى وعيسى: صلى الله عليهم جميعا وسلم.

ذلك كله كان في مكة، أي في وقت مبكر جدا من تاريخ الاسلام. وإذ تدل النماذج الآنفة على العلاقة المبكرة السمحة بين المسلمين وأهل الكتاب، فإن هذه النماذج ليست (مفردة)، وإنما هي جزء من (منهج تأصيلي كلي) يؤصل للعلاقة الحسنة مع أهل الكتاب في القرآن المكي. ولذا يُضم الى النماذج السابقة.

1 ـ سورة (مريم) وهي مكية.. وفي هذه السورة تعريف بمعجزة حمل وميلاد عيسى عليه السلام وتأصيل عقدي منهجي لها: «واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا. فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا. قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا. قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا. قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا. قال كذلك قال ربك هو عليّ هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا. فحملته فانتبذت به مكانا قصيا. فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا. فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا. وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليها رطبا جنيا. فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا. فأتت به قومها تحمله».. الى قوله تعالى: «ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون».. وفي ثنايا تأصيل معجزة حمل المسيح وميلاده: براءة قاطعة لأمه مريم البتول، وشهادة بطهرها. فالمعجزة كلها: بحكمة الله وعلمه وإرادته وقدرته المطلقة.. وفي ذلك نقض تام لافتراءات المفترين عليها.. ولنذكر أن سورة مريم: مكية.. ولنذكر - كذلك -: ان من خصائص (القرآن المكي): تأسيس العقائد وتأصيلها. ومن هنا، فإن معجزة حمل المسيح وميلاده: عقيدة أسسها القرآن وأصّلها في صدور المسلمين: بادئ ذي بدء.

2 ـ سورة (الكهف): مكية، وفي صدرها قصة أصحاب الكهف، وهم فتية نصارى تعرضوا للأذى والاضطهاد فدافع القرآن عنهم، وكرمهم واحتفى بهم، وانتصر لمنهجهم، وقد سميت السورة نفسها باسم كهفهم: «أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا. إذا أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا. فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا. ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا. نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى».

3 ـ وسورة (البروج): مكية.. ولقد انتظمت شأن جماعة من النصارى خلّد القرآن ذكرهم، وقبّح مضطهديهم ومعذبيهم: «قتل أصحاب الأخدود. النار ذات الوقود. إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وما نقموا منهم إلا ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد. الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد. إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق».

4 ـ بل نستطيع القول ـ باطمئنان معرفي ـ: إن التنويه بالعلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب: سطع في بدايات تنزيل القرآن.. فسورة (المدثر) هي السورة الثانية ـ في ترتيب النزول ـ، أي نزلت بعد سورة (العلق) أو (اقرأ).. وفي سورة المدثر هذه نقرأ: «وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون».. وفي هذا النص (إيمان مشترك) بين المسلمين وأولي الكتاب: إيمان وتسليم بـ (الغيب) الذي جاء القرآن ليثبته ويزيده: عند أولي الكتاب، وعند المسلمين.

وتمام المقال حقيقتان:

أ ـ الحقيقة الأولى: ان اهل الكتاب، وصف يطلق فيعم اليهود والنصارى، كما في قوله تعالى:«يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون».. ويستعمل الوصف فيراد به النصارى ـ مثلا ـ كما في قوله جل ثناؤه:«قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله».. وهذه الآية نفسها هي التي تضمنتها رسالة النبي الى هرقل عظيم الروم وهو نصراني.

ب ـ الحقيقة الثانية: ان القرآن المكي الذي أسس لعلاقة طيبة مع المسيحيين لم يُنسخ، بدليل ان القرآن المدني قد وكّد القرآن المكي وعززه. فمن المقطوع به ان سورة (المائدة) هي آخر القرآن نزولا.. وفيها نقرأ: «ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون».

* نقلا عن صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية

فـــهـــد
06-01-2008, 06:36 AM
أتمنى قراءته لما فيه من الفائده !!